أحدث المشاركات

السبت، 25 مارس، 2017

 أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ/التفسير الاشاري

أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ/التفسير الاشاري



 أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ/التفسير الاشاري

{ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } * { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ }
يقول الحق جل جلاله: في وصف من سبقت له الهداية واتصفت بالإنابة: هم { الذين آمنوا } بالله وبرسوله إيماناً تمكَّن من قلوبهم، واطمأنت إليه نفوسُهم؛ فإذا حركتهم الخواطر والهواجم، أو فتن الزمان وأهواله { تطمئن قلوبُهم بذِكرِ اللهِ } ، وترتاح بذكر الله؛ أُنساً به، واعتماداً عليه ورجاء منه، أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته، أو بذكر آلائه، ودلائله الدالة على وجوده ووحدانيته، أو بكلامه القرآن، الذي هو أقوى المعجزات. قاله البيضاوي. وقال في القوت: معنى تطمئن بذكر الله: تهش وتستأنس به. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرَّحمن الفاسي بعد كلام:" والحاصل أن المراد من الطمأنينة: السكون إلى المذكور، والأنس به. ووجود الرَّوْحِ والفرح والانشراح، والغنى به". 
قال تعالى: { ألا بذِكْرِ الله تطمئن القلوبُ } لا بغيره، فلا تسكن إلا إليه، ولا تعتمد إلا عليه؛ فإن سكنت إلى غيره ذهب نورها، وعظم قلقها. { الذين آمنوا وعملوا الصالحات طُوبَى لهم } أي: لهم عيش طيب وحياة طيبة. أو الجنة، أو شجرة فيها، { وحُسنُ مآبٍ } أي: مرجع يرجعون إليه بعد الموت.
الإشارة: الطمأنينة على قسمين: طمأنينة إيمان وطمأنينة شهود وعيان. قوم اطمأنوا إلى غائب موجود، وقوم إلى آخر مشهود. قوم اطمأنوا بوجود الله من طريق الإيمان على نعت الدليل والبرهان، وقوم اطمأنوا بشهود الله من طريق العيان على نعت الذوق والوجدان. وهذه ثمرة الإكثار من ذكر الله.
قال الشيخ الشاذلي رضي الله عنه: حقيقة الذكر:" ما اطمأن بمعناه القلب، وتجلّى في حقائق سحاب أنوار سمائه الرب". وقال الورتجبي:" إنْ كان الإيمان من حيث الاعتقاد، فطمأنينة القلب بالذكر، وإن كان من حيث المشاهدة فطمأنينة القلوب بالله وكشف وجوده". فطمأنينة الإيمان لأهل التفكر والاعتبار من عامة أهل اليمين. وطمأنينة العيان لأهل الشهود والاستبصار من خاصة المقربين. أهل الأولى يستدلون بالأشياء على الله، وأهل الثانية يستدلون بالله على الأشياء؛ فلا يرون إلا مظهر الأشياء. وشتان بين من يستدل به أو يستدل عليه؛ المستدل به عرف الحق لأهله، وأثبت الأمر من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه، ومتى بَعُدَ حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟!. كما في الحِكَم.
وقال في المناجاة: " إلهي كيف يُستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟!


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

تحميل كتاب:أربع رسائل في التصوف لأبي القاسم القشيري.

تحميل كتاب:أربع رسائل في التصوف لأبي القاسم القشيري.

تحميل كتاب:أربع رسائل في التصوف لأبي القاسم القشيري.

أربع رسائل في التصوف لأبي القاسم القشيري.

كتاب يحتوي على أربع رسائل للإمام القشيري رحمه الله تعالى، مطبوعة بتحقيق د. قاسم السامرائي .. وهي:

1- مختصر في التوبة
2- عبارات الصوفية ومعانيها
3- منثور الخطاب في مشهور الأبواب
4- القصيدة الصوفية، وفيها بيان معتقد أهل السنة والجماعة

الجمعة، 24 مارس، 2017

{ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ } ابن عجيبة

{ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ } ابن عجيبة



{ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ 
يقول الحق جلّ جلاله: { والسماءِ ذات الحُبُكِ } ذات الطُرق الحسيّة، مثل ما يظهر على الماء والرمال من هبوب الرياح، وكذلك الطُرق التي في الأكسية من الحرير وغيره، يقال لها: حُبُك جمع حَبيكةٌ، كطريقة وطُرق.
الإشارة: أقسم الله تعالى بسماء الحقائق، وتُسمى سماء الأرواح؛ لأن أهل الحقائق روحانيون سماويون، ترقَّوا من أرض الأشباح إلى سماء الأرواح، حيث غلبت روحانيتهم، على بشريتهم، كما أن أهل الشرائع اليابسة أرضيين بشريين، حيث غلبت بشريتهم الطينية على روحانيتهم السماوية، ولكل واحدٍ طُرق، فطُرق سماء الحقائق هي المسالك التي تُوصل إليها، وهي قَطْع المقامات والمنازل، وخَرق الحُجب النفسانية، حتى يُفضوا إلى مقام العيان " في مقعد صدق عند مليك مقتدر " وطُرق أرض الشرائع هي المذاهب التي سلكها الأولون، واقتدى بهم الآخرون، يفضوا أهلها إلى رضا الله ونعيمه. وكان الشيخ الشاذلي رضي الله عنه يقول في تلميذه المرسي:" إن أبا العباس أعرف بطُرق السماء منه بطُرق الأرض"، أي: أعرف بمسالك الحقائق منه بمذاهب الشرائع، وهذا إشارة قوله: { ذات الحُبك } أي: الطُرق. إن أهل الجهل بالله لفي قولٍ مُختلفٍ مضطرب، لا تجد قلوبهم تأتلف على شيء، قلوبهم متشعبة، ونياتهم مختلفة، وهممهم دنية، وأقوالهم مضطربة، بخلاف أهل الحقائق العارفين بالله، قلوبهم مجتمعة على محبة واحدة، وقصدٍ واحد، وهو الله، بدايتهم في السلوك مختلفة، ونهايتهم متفقة، وهو الوصول إلى حضرة العيان، ولله در ابن البنا، حيث قال:
مذاهبُ الناسِ على اختلاف   ومذهبُ القوم على ائتلاف
وقال الشاعر:
عباراتهم شتى وحُسْنُك واحدٌ   وكُلٌّ إلى ذاك الجمال يُشير
يُؤفك عن هذا الاختلاف مَن صُرف في سابق العناية، أو مَن صُرف من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح. قُتل الخراصُون؛ المعتمدون على ظنهم وحدسهم، فعلومهم جُلها مظنونة، وإيمانهم غيبي، وتوحيدهم دليلي من وراء الحجاب، لا يَسلم من طوارق الاضطراب، الذين هم في غمرة؛ أي: في غفلة وجهل وضلالة - ساهون عما أُمروا به من جهاد النفوس، والسيرإلى حضرة القدوس، أو ساهون غائبون عن مراتب الرجال، لا يعرفون أين ساروا، وفي أيّ بحار سَبَحوا وغاصوا، كما قال شاعرهم:
تركنا البحورَ الزاخراتِ وراءنا   فمن أين يدري الناسُ أين توجهنا؟
{ يسألون أيّان يومُ الدين }؛ لطول أملهم، أو يسألون أيَّان يوم الجزاء على المجاهدة. قال تعالى: هو { يوم هم } أي: أهل الغفلة - على نار القطيعة أو الشهوة يُفتنون بالدنيا وأهوالها، والعارفون منزَّهون في جنات المعارف. ويقال للغافلين: ذُوقوا وبال فتنتكم، وهو الحجاب وسوء الحساب، هذا الذي كنتم به تستعجلون، بإنكاركم على أهل الدعوة الربانيين، فتستعجلون الفتح من غير مفتاح، تطلبون مقام المشاهدة من غير مجاهدة، وهو محال في عالم الحكمة. وبالله التوفيق.

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة 

الثلاثاء، 21 مارس، 2017

مقام" الغيرة" عند الصوفية

مقام" الغيرة" عند الصوفية


مقام" الغيرة" عند الصوفية
قال الله تعالى  :"قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن".
 وفي الصحيح عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - . قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما أحد أغير من الله ، ومن غيرته : حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن . وما أحد أحب إليه المدح من الله . ومن أجل ذلك أثنى على نفسه . وما أحد أحب إليه العذر من الله . من أجل ذلك : أرسل الرسل مبشرين ومنذرين
وفي الصحيح أيضا ، من حديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - . أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال : إن الله يغار ، وإن المؤمن يغار ، وغيرة الله : أن يأتي العبد ما حرم عليه
وفي الصحيح أيضا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال أتعجبون من غيرة سعد ؟ ! لأنا أغير منه . والله أغير مني

ومما يدخل في الغيرة قوله تعالى: وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا
 قال السري لأصحابه : أتدرون ما هذا الحجاب ؟ حجاب الغيرة . ولا أحد أغير من الله . إن الله تعالى لم يجعل الكفار أهلا لفهم كلامه ، ولا أهلا لمعرفته وتوحيده ومحبته . فجعل بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجابا مستورا عن العيون ، غيرة عليه أن يناله من ليس أهلا به .
والغيرة نوعان : غيرة من الشيء . وغيرة على الشيء . 

والغيرة من الشيء : هي كراهة مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك . 
والغيرة على الشيء : هي شدة حرصك على المحبوب أن يفوز به غيرك دونك أو يشاركك في الفوز به . 
والغيرة أيضا نوعان : غيرة العبد من نفسه على نفسه ، كغيرته من نفسه على قلبه ، ومن تفرقته على جمعيته ، ومن إعراضه على إقباله ، ومن صفاته المذمومة على صفاته الممدوحة . 
وهذه الغيرة خاصية النفس الشريفة الزكية العلوية . وما للنفس الدنية المهينة فيها نصيب . وعلى قدر شرف النفس وعلو همتها تكون هذه الغيرة . 
ثم الغيرة أيضا نوعان : غيرة الحق تعالى على عبده ، وغيرة العبد لربه لا عليه . فأما غيرة الرب على عبده : فهي أن لا يجعله للخلق عبدا . بل يتخذه لنفسه عبدا . فلا يجعل له فيه شركاء متشاكسين . بل يفرده لنفسه . ويضن به على غيره . وهذه أعلى الغيرتين . 
وغيرة العبد لربه ، نوعان أيضا : غيرة من نفسه . وغيرة من غيره . فالتي من نفسه : أن لا يجعل شيئا من أعماله وأقواله وأحواله وأوقاته وأنفاسه لغير ربه ، والتي من غيره : أن يغضب لمحارمه إذا انتهكها المنتهكون . ولحقوقه إذا تهاون بها المتهاونون . - قال بعضهم: إن الغيرة من صفات أهل البداية، وإن الموحد لا يشهد الغيرة ولا يتصف بالاختيار، وليس له فيما يجري في المملكة تحكم، بل الحق سبحانه أولى بالأشياء فيما يقضى على ما يقضي.
- قيل: الغيرة عمل المريدين فأما أهل الحقائق فلا.
- يقول لشبلي رضي الله عنه: الغيرة غيرتان: غيرة البشرية على النفوس، وغيرة الإلهية على القلوب.
وقال  أيضا: غيرة الإلهية على الأنفاس أن تضيع فيما سوى الله تعالى.

والغيرة غيرتان: غيرة الحق سبحانه على العبد وهو أن لا يجعله للخلق فيضن به عليهم , وغيرة العبد للحق وهو أن لا يجعل شيئا من أحواله وأنفاسه لغير الحق تعالى , فلا يقال أنا أغار على الله تعالى ولكن يقال: أنا أغار لله تعالى، فإذن الغيرة على الله جهل، وربما تؤدي إلى ترك الدين، والغيرة لله تعالى توجب تعظيم حقوقه وتصفية الأعمال له.
واعلموا أن من سنة الحق تعالى مع أوليائه أنهم إذا ساكنوا غير أو لاحظوا شيئا أو ضاجعوا بقلوبهم شيئا شوش عليهم ذلك فيغار على قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه فارغة عما ساكنوه أو ضاجعوه، كآدم عليه السلام لما وطن نفسه على الخلود في الجنة أخرجه منها.

- قال النصرأباذي: الحق تعالى غيور ومن غيرته، أنه لم يجعل إليه طريقا سواه.
- قيل: مرضت رابعة العدوية فقيل لها: ما سبب علتك؟ فقالت: نظرت بقلبي إلى الجنة فأدبني.

الاثنين، 20 مارس، 2017

حكاية حاتم الأصم مع  شقيق البلخي

حكاية حاتم الأصم مع شقيق البلخي

حكاية حاتم الأصم مع  شقيق البلخي

كان حاتم الأصم من أصحاب شقيق البلخي - رحمة الله تعالى عليهما - فسأله يوماً قال: صاحبتني منذ ثلاثين سنة ما حصَّلت فيها؟

قال: حصلت ثماني فوائد من العلم، وهي تكفيني منه؛ لأني أرجو خلاصي ونجاتي فيها.
فقال شقيق: ما هي؟
قال حاتم:
الفائدة الأولى: أني نظرت إلى الخلق فرأيت لكل منهم محبوباً ومعشوقاً يحبه ويعشقه، وبعض ذلك المحبوب يصاحبه إلى مرض الموت، وبعضه يصاحبه إلى شفير القبر، ثم يرجع كله ويتركه فريداً وحيداً، ولا يدخل معه في قبره منهم أحد.
فتفكرت وقلت: أفضل محبوب المرء ما يدخل معه في قبره ويؤنسه فيه، فما وجدته غير الأعمال الصالحة، فأخذتها محبوبة لي؛ لتكون لي سراجاً في قبري، وتؤنسني فيه، ولا تتركني فريداً.

الفائدة الثانية: أني رأيت الخلق يقتدون أهواءهم، ويبادرون إلى مرادات أنفسهم، فتأملت قوله تعالى:"وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى" النازعات: 40 - 41
وتيقنت أن القرآن حق صادق، فبادرت إلى خلاف نفسي وتشمرت بمجاهدتها، وما متعتها بهواها، حتى ارتاضت بطاعة الله - تعالى - وانقادت.

الفائدة الثالثة: أني رأيت كل واحد من الناس يسعى في جمع حطام الدنيا ثم يمسكه قابضاً يده عليه، فتأملت في قوله تعالى: "مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ" النحل: 96
فبذلت محصولي من الدنيا لوجه الله - تعالى - ففرقته بين المساكين ليكون ذخراً لي عند الله تعالى .

الفائدة الرابعة: أني رأيت بعض الخلق يظن أن شرفه وعزه في كثرة الأقوام والعشائر؛ فاعتز بهم، وزعم آخرون أنه في ثروة الأموال وكثرة الأولاد؛ فافتخروا بها، وحسب بعضهم أن العز والشرف في غصب أموال الناس وظلمهم وسفك دمائهم، واعتقدَتْ طائفة أنه في إتلاف المال وإسرافه، وتبذيره؛.فتأملت في قوله - تعالى - : "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" الحجرات: 13
فاخترت التقوى، واعتقدت أن القرآن حقٌ صادق، وظنَّهم وحسبانهم كلها باطل زائل.

الفائدة الخامسة: أني رأيت الناس يذم بعضهم بعضاً، ويغتاب بعضهم بعضاً، فوجدت أصل ذلك من الحسد في المال والجاه والعلم، فتأملت في قوله -تعالى- : "نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا"الزخرف: 32
فعلمت أن القسمة كانت من الله - تعالى - في الأزل، فما حسدت أحداً، ورضيت بقسمة الله تعالى .

الفائدة السادسة: إني رأيت الناس يعادي بعضهم بعضاً لغرض وسبب؛ فتأملت في قوله -تعالى-:"إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً" فاطر:6
فعلمت أنه لا يجوز عداوة أحد غير الشيطان.

الفائدة السابعة: أني رأيت كل أحد يسعى بجد، ويجتهد بمبالغة لطلب القوت والمعاش، بحيث يقع به في شبهة وحرام، ويذل نفسه وينقص قدره؛ فتأملت في قوله - تعالى - : "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا" هود: 6
فعلمت أن رزقي على الله -تعالى- وقد ضمنه؛ فاشتغلت بعبادته، وقطعت طمعي عمن سواه.

الفائدة الثامنة: أني رأيت كل واحد معتمداً على شيء مخلوق، بعضهم على الدينار والدرهم، وبعضهم على المال والملك، وبعضهم على الحرفة والصناعة، وبعضهم على مخلوق مثله، فتأملت في قوله -تعالى- : "وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً"الطلاق: 3
فتوكلت على الله - تعالى - فهو حسبي ونعم الوكيل.

فقال شقيق: وفقك الله - تعالى - إني قد نظرت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، فوجدت الكتب الأربعة تدور على هذه الفوائد الثماني، فمن عمل بها كان عاملاً بهذه الكتب الأربعة.
― أبو حامد الغزالي, أيها الولد
 أولياء الله في كهف ايوائه

أولياء الله في كهف ايوائه

 أولياء الله في كهف ايوائه


إنما من غيرة الله تعالى على أوليائه أخفاهم عمن لا يعرفهم و لم يوصول إليهم إلا لمن أراد أن يوصله إليه .
 سأل بعض تلاميذ الأمام سهل أبن عبد الله: كيف نعرف أولياء الله ؟ – قال أن الله تعالى لا يعرفهم ألا لأشكالهم أو من أراد أن ينفعه بهم و لو أظهرهم حتى يعرفهم الناس لكانوا حجة عليه فمن خالفهم بعد علمه بهم كفر و لكن الله تعالى جعل تغطية أمورهم رحمة منه بخلقه و رأفة .
واعلم أن أولياء الله مختفين و لبس الله أمرهم على الناس، فالغافل الذي ينظر بعين الرأس يحجبه ما كسا الله به وليه برؤية أوصاف البشرية، أما ذوي البصائر المنورة فهم يتعقبون الأنوار القدسية فيرونه بالحق فيتنعمون برؤية الحق، لأنهم لا يغفلون عن رؤية الحق في المظاهر، و كان من وصف رسول الله صلى الله عليه و سلم لسيدنا أويس القرني رضي الله تعالى عنه: ( أنه مجهول في الأرض معروف في السماء) و مما يحجب قلب الفقير عن شيخه فلا يرى خصوصيته و لو رآه بعيني رأسه رِؤية أهل الغفلة و مخالطة أرباب البطالة و محبة غيره و مجالسة القاسية قلوبهم فبهذا لا يتجلى له فيه الحق  فتحديد بصر الإيمان لكشف الغطاء عن القلب قال تعالى: ( فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد) يعني محدد يمده الله تعالى بنور منه لينظر النظرة الصافية فيصل إلى عين اليقين و يعثر على مسكن شيخه في مقعد صدق عند مليك مقتدر و يتحول الإيمان إلى الإيقان و الإيقان إلى عيان و مما جعل الكثير من الأتباع يبحثون عن الطين واشتغلوا بالصدف عن اللؤلؤ المكنون، فضلوا بذلك عن الجادة، و الفرق كبير بين ولد الطين و ولد الدين، فولد الطين يرث المال و ولد الدين يرث العلم، و رؤية القلوب على قدر صفائها و نورها، فبالبصيرة ترى الحق في الدنيا و بالبصر تراه في الآخرة فرؤية البصر أعلى .