مواضيع جديدة

السبت، 27 مايو، 2017

كتاب : "الحقيقة القلبية الصوفية " أحمد لسان الحق(17.).

كتاب : "الحقيقة القلبية الصوفية " أحمد لسان الحق(17.).


كتاب : "الحقيقة القلبية الصوفية " أحمد لسان الحق(17.).


و الملاحظ أن المسلمين قد اهتمّوا بالتربيّة البدنيّة ، وأسّسوا لها مراكز ، وكوّنوا مربين رياضيّين ، وبالتربيّة العقليّة والثقافيّة ، وهيّئو لها أساتذة ، وبنوا المدارس والمعاهد والجامعات ، وأهملوا التربيّة الروحيّة على أهميتها ، وتجاوبها مع الإسلام في مصدره الدينيّ والروحي ّ والعَقَديّ والخلقيّ ، ومع مقوّمات المجتمع في السلم والمسالمة ، وكينونة المسلم في الشكل والجوهر... وقد حارب البعض الزوايا التي تعتبر -كلّما عرفت الصدق والإخلاص ، والعمل بالكتاب والسنة ، ومراقبة الله في الغيب ، والقيام بأمره ونهيه ، وتدفّق سرّها ومددها - مدارس للإشعاع الروحيّ . على الرغم من أنّ التربيّة الروحيّة ، وما ينتج عنها من معاني الأحوة والمحبة والصفاء ، تعتبر بالنسبة للمجتمع بمثابة الزَّيت في المحرّك. تحول دون تحاكك الأفراد ، كما يحول الزّيت دون تحاكك الحديد . وعلى اعتبارها ينشأ الأمن والاستقرار في المجتمعات ، وهو السر الكامن من وراء قوله تعالى :(ألاّ بذكْر الله تَطْمَئنُّ القُلوبُ) (48) وقوله :(هَوَ الذّي أَنْزَلَ السَّكينةَ في قلوب المومنين) (49) فالأمن والاستقرار في المجتمعات ، ليس بمطر ينزل من السماء ، أو تفّاحة تجنى من الشجرة ، أو يصنعه أسلوب القهر والجبروت.. والتّيارات الاجتماعيّة كالنّار ، والنار لا تطفأ بالبارود ، وإنما تطفأ بالماء : ماء التودّد والتراحم والملاينة والملاطفة... وليس الحلّ إلاّ رحمة وطمأنينة وسكينة وسلم ومسالمة ... تأتي من رحمة وطمأنينة وسكينة ومسالمة فرد إلى فرد ، وتسري في أوصال المجتمع ، كما يأتي منه الغضب والإجرام ، والإضطراب والقلق ، والعنف والشقاق ، ويَسري في أوصال المجتمع ، وهو أول لَبنَة في بناء المجتمع ، يصلح بصلاحه ، ويفسد بفساده .. كان في القمّة أم القاعدة ، علما بأن الفرد الصالح يُكوّن أسرة صالحة ، والأسرة الصالحة تُكوّن مجتمعا صالحا ، والمجتمع الصالح يكوّن دولة صالحة ، وما يقال في الصلاح يقال في الفساد ، ويقال في التقدم والتخلّف...

     وقد تقدّمت الإشارة إلى أنّ الذين يدخلون إلى إصلاح المجتمع ، من باب إصلاح الفرد بوسائل سلميّة شرعيّة خُلُقيّة ربّانيّة ... كما هو أُسلوب المرسلين وأتباعهم من الأولياء العارفين ، هم المصلحون بحق . ومن خصوصيته أنه - ككل الأساليب الإختياريّة - بطيئ النتائج ، ولكن لا يعرف الإنتكاس والفشل.. والنمودج الأصلي في عمل الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أصلح الله بعمله مجتمعا عربيّا جاهليّا ، يعتبر من أكثر مجتمعات الدنيا فسادًا  وجهلًا وجهالة ، وتشتّتا وتفكّكا وتمزّقا... وأخرج منه بإذن ربّه أعظم أمّة في صدره الذهبي ، وقد وصفها الله تعالى بقوله :كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ"(50) المعروف يعني السلوك القويم ، المتعارف عليه داخل مجتمع مثالي ، والمنكر ما أنكر الشرع والعرف والعقل والذوق السليم... ومن معاني المعروف - اجتماعيا - التئاخي والإتحاد والعمل ، والمنكر : التنابذ والتنازع والتفرقة... والسر من وراء هذا الإصلاح المحمّدي الإيجابي المتكامل ، المنطلق أساسا من الصّفر ، ومن وراء هذا الإنجاز العظيم الربَّاني ، الذي لم يعرف له تاريخ الأُمم والمجتمعات مثيلا ، هو المتجليّ في حقيقة قوله تعالى :(  لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ)(51) ألّف الله بين قلوبهم ، فتأَلّفت حكوماتهم ومجتمعاتهم ، وهو السرّ في قوّة أوائل هذه الأمة ، واتحاد صفوفها ، واليوم - بعد غياب هذا السرّ بغياب مصدره -(  بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ)(52).

     وأين نحن اليوم من منهاج الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ الذي ركّز فيه -قبل فرض العزائم والأحكام - على تربية الفرد روحيّا وخلقيّا وشعوريّا ووجدانيّا ، قصْد تصحيح العقيدة والإيمان ، لأن المؤمنين - لا المسلمين -هم وحدهم الذين يؤتون القوّة والقدرة على تطبيق العزائم والاحكام ، والتضحية في سبيل نشر الإسلام وبناء حضارته ، إذ الإيمان قوّة إلهيّة معنويّة لا تقهر ، والإسلام انتساب ونِحلة ، كما تجلى في أحوالنا اليوم.. وقد عكف الرسول صلى الله عليه وسلم - قبل تأسيس المجتمع الإسلامي بالمدينة ، والإذن في الجهاد - على تربية الفرد ظاهرا وباطنا أكثر من نصف أمَد نزول الوحي ، حيث قضى بمكة ثلاثة عشر سنة ، ولم يتجاوز اثناءها تكوين حواليْ مائتيْ رجل ، لكن ما من أحد منهم إلّا كطود شامخ " واحدٌ كأَلْف وألْف كَاُف" كما يقال ، وبهم انتشر الإسلام في أرجاء المعمور ، وبهم أُقيمت الأنظمة والقوانين ، كما وقع في عهد عمر ، وبنيت حضارته في ثلاث قارّات .

     إنّ الكل ينادي اليوم بالإصلاح الإقتصادي والإجتماعي والثقافي والديني والخلقي... ولكن لا أحد يضع أصبعه على مصدره المتمثّل في إيجاد الإنسان الصالح . قد دعوا إلى إسلامية العلوم والأنظمة والقوانين ، ولم يدع أحد إلى إسلامية الإنسان ، الذي -بصلاحه أو فساده - يُسلمها أو يغيّرها ، فتتغيّر الأحوال بتغييرها ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ )(53) ويرون فساد الأوضاع ولا يرون مصدر إصلاحها.. إن الأنظمة والقوانين لا تقيم نفسها بنفسها ، وإذا فسدت لا تصلح نفسها بنفسها ، وإنّما الإنسان الصّالح هو الذي يقيمها ، ويصلحها إذا فسدت ، وفاقد الشيء لا يعطيه . وقد تبقى فاسدة إلى أن يقع الدخول  من باب إصلاحها بالله  ومن أجله ، وتلك من مهمّة الإنسان الصالح ، وإنما لا يصلحها باسم الإسلام من يروم من خلال عمله أيّ غرض دنيويّ ، أو هدف ماديّ أو سياسيّ... ان الله لا يقبل الشرك فيما يعلن باسمه ، سواء في الذّات والصفات ، أو الصدق والإخلاص في العقيدة والعمل ، ولا يقبل إلّا ما هو له "كُنْ مَعَ الله ترَ الله مَعَكَ" وهنا يجب على المجتمع أن يعترف لِأولي الفضل بفضلهم ، ويكافؤهم بالشكر على إصلاحه ، ابتداء بالرسول صلى الله عليه وسلّم وصحابته ، ثم الأولياء والعارفين من صالح أمته ، وقد روى أبو داوود انه قال : (لا يَشْكُرُ الله مَنْ لا يَشْكُرُ النّاس).

     ويجب التنبيه إلى أن التربيّة الفرديّة الروحيّة ، التي تستهدف الوصول إلى الحقيقة الإلهية ، أو المعرفة الربانيّة ، ويقع أثناءها الأمن والإستقرار ، وإصلاح الفرد والمجتمع بفضل ما تنتج من الأخلاق الفاضلة ، ليست بما نسمّيه في المدارس بالتربيّة الإسلامية ، إذ قد يوجد من يدرّس مادة التربيّة الإسلامية كمعلومات نظريّة ، وهو لا يصلّي.. فالجانب النظريّ الظاهري لا يقاس بالجانب العمليّ الواقعيّ ، كما لا يقاس الجانب الفكري بالجانب الروحيّ ، وكذلك يجب التّنبيه إلى أن الوصول إلى الحقيقة يعني الوصول إلى الصلاح المتكامل ، ما بين الظاهر والباطن ، وإصلاح الباطن يراد به إصلاح الظاهر ، عملا بقول الرسول صلى االله عليه وسلم :(أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ  ) والقلب يعبّر عن الباطن ، والجسد يعبّر عن الظاهر بمعنى أن من طهّر قلبه ، وصفت سريرته ، وصلح ما بينه وبين الله ، صلح كل ما يصدر منه من أقوال واعمال وأخلاق وسلوك ومعاملات... والصلاح بالمفهوم الإسلامي لا يتجزّأ ، كما رأينا في سلوك الرسول صلى الله عليه وسلّم وصحابته ، والله تعالى يقول :(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ )(54) الصالحون لعمارتها ، والقيام بشؤونها المختلفة : ماذيّا ومعنويّا ، وهو ما نحاول توضيحه في هذه الدراسة ، وإخراج الحقيقة الإسلاميّة ، التي يعيشها أصحاب القلوب الطيّبة الطاهرة من تصوّرات خاطئة.

**     **     **

47 - سورة الفرقان:44
48 - سورة الرعد :28
49 - سورة الفتح : 4
50 - سورة آل عمران : 110
51- سورة الأنفال : 63
52 -سورة الحشر : 14
53 - سورة الرعد : 11
54 - سورة الأنبياء: 105

الجمعة، 26 مايو، 2017

 الشيخ أبو الحسن عليّ الشاذليّ رضي الله عنه.

الشيخ أبو الحسن عليّ الشاذليّ رضي الله عنه.

 الشيخ أبو الحسن عليّ الشاذليّ رضي الله عنه.
                     مناجاته وحكمه :
     "حسبي الله، آمنت بالله، رضيت بـالله، توكّلت على الله، لا قوة إلاّ بالله، يا من وسع كرسيّه السماوات والأرض، ولا يؤده حفظهما وهو العليّ العظيم، أسألك الإيمان بحفظك إيمانا يسكن به قلبي، من همّ الرزق، وخوف الخلق، وأقرب منّي بقدرتك قربا تمحق به عنّي كلّ حجاب محقته عن إبراهيم خليلـك، فلم يحتج لجبريل رسولك ولا لسؤاله منك، وحجبته بذلك عن نار عدوّك، وكيف لا يحجب عن مضرّة الأعداء من غيّبته عن منفعة الأحياء ؟، كلاّ أنّي أسألك أن تغيّبني بقربك منّي حتى لا أرى ولا أحسّ بقرب شيء ولا ببعده عنّي، إنّك على كل شيء قدير".
     وقد كان من حكمه في آفات العزلة في الخواص، فقال رضي الله عنه:اعلم أنّ آفاتها في خواصّهم أيضا أربعة:( الاستئناس بالوسواس، والتحدّث والرجوع إلى الناس، والتجديد في الوقت وهو من إمارات الإفلاس، وملاقاة هواتف الحقّ على زعمه بالمعهود من الحواس )، ولكلّ آفة سبيل في الجادّ بالرّد إلى أصل التوحيد والمعرفة والحمل على سبيل الاستقامة، فإذا عرض لك عارض من جهة التعلّق بالأسباب والركون إلى الجهة المخصوصة في الاكتساب، فأرجعها إلى أصل المعرفة بالسوابق فيما قسم لها أو جرى عليها،وقل لها:اتّخذت عهدا له عبدا أنّك ترزقني إلاّ بهذا السبب أو من هذه الجهة، وضيّق عليها بالمعرفة، وأغرقها في بحر التوحيد، وقل:ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن. 
     ولذلك قالوا:غرّق الدنيا في بحر التوحيد قبل أن تغرّقك، وإن عرض لك عارض من جهة اكتفاء العقل بما حصل له من علم أو عمل أو نور أو هدى أو خطاب بنجوى فلا تغفل عن السابقة والخاتمة، ولا بدّ من فعل الواحد المختار الذي يفعل ما يشاء ولا يبالي بحسنة المقبل ولا بسيّئة المدبر، وإن عرض لك عارض خطرات العدوّ الصادرة عن المراد، والمراد بالعبوديّة المحضة وجود الحقّ بلا سبب من الخلق، فالله تعالى يقتضي منك أن تكون له عبدا وتحبّ أنت أن يكون لك ربّا، فإذا كنت له عبدا من حيث يرضى كان لك ربّا من حيث ترضى، ولا يدعك لغيره من طريق الحقائق، فكيف بالأماني ؟،
   فاعلم هذا الباب وأتقنه جدا، واستعن بالله واصبر:( واصبروا إنّ الله مع الصابرين ) / الأنفال آية / 46.
    فإذا كنت في درجة الخواص من القاصدين، وعرض لك في معرفتك الوسواس بما يشبه العلم من طريق الإلهام والكشف من حيث التوّهم فلا تقبل وارجع إلى الحقّ المقطوع به من كتاب الله أو سنّة رسول الله. 
   واعلم أنّ الذي عارضك لو كان حقّا في نفسه وأعرضت عنه إلى حقّ بكتاب الله أو سنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم لما كان عليك عيب في ذلك، لأنّك تقول إنّ الله قد ضمن لك العصمة من جانب الكتاب والسنّة، ولم يضمنها في جانب الكشف، فكيف ذلــك؟،
   ولو قلت ذلك عن طريق الإلهام لم تقبله إلاّ بالعرض على الكتاب والسنّة، فإذا لم تقبله إلاّ بهما فما بالك تأنس بالوسواس المتوهمة، واحفظ هذا الباب حتّى تكون على بينّة من ربّك:
( ويتلوه شاهد منه) / هود آية / 17.
     والشاهد ذلك، والبينّة لا خطأ معها ولا إشكال، والحمد لله، وإذا عرض لك فيها عارض التحدّث بالرجوع إلى الناس لتعرض عليهم ما أنت فيه وأنت معهم لم تخرج عنهم بشيء، ولا تغتّر باعتزال بدنك والقلب معهم فاهرب إلى الله، فإنّ من هرب إلى الله آواه الله، وصفة الهروب إلى الله تعالى الكراهة لجانبهم، والمحبّة لجانب الله سبحانه باللجوء والاعتصام به:( ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم )/ آل عمران آية / 101.
     وإذا عرض لك عارض التجديد فجاهده بالعوارض الممكنة في العلم الحائل عن ذلك مما يجوز أن يكون، واصرف همّتك إلى الله بالتقوى كي يجعل لك من ذلك مخرجا ويرزقك من حيث لا تحتسب، فإنّ جاذبتك هواتف الحقّ، وآفاتها الاستشهاد بالمحسوسات على الحقائق المغيّبات، فلا تردّها إلى ذلك فتكون من الجاهلين، ولا تدخل في شيء من ذلك بعقلك، وكن عند ورودها كما كنت قبل ظهورها حتى يتولّى الحقّ بيانها وإيضاحها، ويتولّى هداك:( وهو يتولّى الصالحين ) / الأعراف آية / 196.
     ومن حكمه رضي الله عنه:كلّ علم تسبق إليك فيه الخواطر، وتتبعها الصور وتميل إليه النفس، وتلتذّ به الطبيعة فارم به وإن كان حقّا، وخذ بعلم الله الذي أنزله على رسوله، واقتد به وبالخلفاء والصحابة والتابعين من بعده، وهداية الأئمة المربّين من الهوى ومتابعته، تسلم من الشكوك والظنون والأوهام، والدعاوي الكاذبة المضلّة عن الهدى وحقائقه، وماذا عليك أن تكون عبد الله ولا علم ولا عمل وحسبك من العلم العمل بالوحدانيّة، ومن العمل محبّة الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم ومحبّة الصحابة، واعتقاد الحقّ للجماعة. 
     عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ رجلا سأل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الساعة، فقال:( ما أعددت لها، قال:ما أعددت لها من شيء وقال سفيان مرّة:ما أعددت لها كثير شيء ولكنّي أحبّ الله ورسوله، قال المرء مع من أحـبّ وقال سفيان مرة أخرى: أنت مع من أحببت ) رواه الإمام أحمد في مسنده.
                    ومن حكمه رضي الله عنه :
     مجالسة الأكابر بأربع أوصاف :
- بالتخلّي عن أضدادهم، والميل والمحبّة والتخصيص لهم.
- إلقاء السلم بين أيديهم وترك ما تهوى لما يهوون.
- إيثار أقوالهم وأفعالهم، وترك التجسّس على عقائدهم.
 - تعلّق الهمّة بما تعلقت به همّتهم بشرط الموافقة لهم في أفعالهم.
   وقال رضي الله عنه:إذا جالست العلماء فجالسهم بالعلوم المنقولة والروايات الصحيحة، إمّا أن تفيدهم، وإمّا أن تستفيد منهم، وذلك غاية الربح معهم .
   وإذا جالست العبّاد والزّهاد فاجلس معهم على بساط الزهد والعبادة، وحلّ لهم ما استمروه، وسهّل عليهم ما استوعروه، وذوّقهم من المعرفة ما لم يذوقوه .
 وإذا جالست العبّاد الصدّيقين ففارق ما تعلم، ولا تنسب لما تعمل تظفر بالعلم المكنون،وبفوائد أجرها غير ممنون.
                    آداب الحضرة ثلاثة:
دوام النظر، وإلقاء السمع، والتوطين لما يرد من الحكم.
    وقال رضي الله عنه:أربعة آداب إذا خلا الفقير المتجرّد منها فاجعله والتراب سواء: الرحمة للأصاغر، والحرمة للأكابر، والإنصاف من النفس، وترك الانتصاف لها،
   وأربعة آداب إذا خلا الفقير المتسبّب منها فلا تعبأن به وإن كان أحدهم أعلم البرّية:مجانبة الظلمة، وإيثار أهل الآخرة، ومواساة ذوي الفاقة، ومواظبة الخمس في الجماعة.
     وقال رضي الله عنه:إذا كانت لك حاجة وأردت أن تقضي حاجتك فأثبت الملك والقدرة والعلم والإرادة والمشيئة لله تعالى، واجعل فقرك إليه وحاجتك عنده، وأحذرّك أن يمتدّ بصر قلبك إلى غير الله تعالى فتحجب عن الله، بل فوّض أمرك إليه، ولا تفرح ولا تحزن ولا تخف ولا ترج ولا تذلّ، والمؤمن لا يذلّ نفسه، وقل:بسم الله الّذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.
   وقال رضي الله عنه:أفضل ما يسأل العبد من الله تعالى خيرات الدين، ففي خيرات الدين خيرات الآخرة، وفي خيرات الآخرة خيرات الدنيا، وفي خيرات الدنيا ظهور خصائص الأولياء، وخصائص الأولياء أربعة أوصاف:( العبوديّة، ونعوت الربوبيّة، والإشراف على ما كان وما يكون، والدخول على الله في كلّ يوم سبعين مرّة والخروج كذلك )، فتكسى في كلّ مرّة حللا من الأنوار والتقريب.
   ومن حكمه رضي الله عنه في الطاعات:لا تؤخر طاعة وقت لوقت فتعاقب بفوتها أو بفوت غيرها أو مثلها جزاء لما كفر من ذلك الوقت، فإنّ لكلّ وقت سهما في العبوديّة يقتضيه الحقّ منك بحكم الربوبيّـة، فقلت في نفسي:قد أخرّ الصدّيق الوتر إلى آخر الليل، فإذا هو يصوت في النوم:تلك عادة جارية وسنّة ثابتة ألزمه الله إيّاها مع المحافظة عليها، فأنّى لك بها مع الميل إلى الراحات، والتمتّع بالشهوات هيهات، والدخول في أنواع المخالفات، والغفلة عن المشاهدات، هيهات، فقلت في نفسي:أتدبير أم رفض ؟، فقال:بل تدبير يقتضي الأدب والتنبيه لما أغفل، وهي وصيّة إليك ووصيّة منك لعباده الصالحين، فتنبه لها ولا تكن من الغافلين.
   وقال رضي الله عنه:ما الّذي استفدت من طاعتي، وما الذي استفدت من معصيتي؟، فقلت:استفدت من الطاعة العلم الزائد والنور النافذ والمحبّة، واستفدت من المعصيّة الغمّ والحزن والخوف والرجاء.
  وقال رضي الله عنه في بعض الأخيار:من أطاعني في كلّ شيء أطعته في كلّ شيء، قال كأنّه يقول : من أطاعني في كلّ شيء بهجرانه لكلّ شيء أطعته في كلّ شيء بأن أتجلّى له في كلّ شيء حتى يراني كأنّي كلّ شيء، هذه الطاعة والمشاهدة في حقّ العوام من الصالحين.
  وأمّا الخواص من الصدّيقين فطاعتهم باليأس منهم بإقبالهم على كلّ شيء لحسن إرادة مولاهم في كلّ شيء، فكأنّه يقول:من أطاعني بكلّ شيء بإقباله على كلّ شيء لحسن إرادتي كلّ شيء أطعته في كلّ شيء بأن أتجلّى له عند كلّ شيء حتى يراني أقرب إليه من كلّ شيء.
                    ومن حكمه رضي الله عنه في التوحيد:
   التوحيد سرّ الله، والصدق سيف الله، ومدد السيف بسم الله، وترجمته:ما شاء الله كان وما شاء لم يكن، ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
وقال رضي الله عنه:أبواب الحقّ أربعة:التوحيد، والمحبّة، والإيمان، والرضا.
  وقال رضي الله عنه:رأيت يقال لي:من تعلّق بأسماء الله من جهة المسمّيات فالشرك موطنه، فكيف من تعلّق بأسماء نفسه ؟ 
أين أنت من التوحيد المجرّد عن التعلّق بالله وبالخلق، وكلّ اسم يستدعي به نعمة أو يستكفي به نعمة فهو حجاب عن الذات وعن التوحيد بالصفات، ومن أحاطت به صفة من صفاته ألجأته على الاستعانة بالأسماء والصفات، ولا تدع ما هو لك لما ليس لك، ولا تثمّن ما فضّل الله به غيرك، ولتكن عبوديتّك التسليم والقبول لما يؤتى، وحسن الظنّ بالله فيما تلقى، والاشتغال بما هو لك أولى:( ذلك الدين القيّم ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون ) / يوسف آية / 40،الروم آية / 30 .
   وقال رضي الله عنه:من اتّقى الشرك في التوحيد والمحبّة في أوائل خطواته عزم الله له بالمدد العزيز في أواخر ما منّ به، ثمّ لا يحجب عن الله ولا يدخل عليه الخلل في عزائمه، ومن أبطأ عنه الأمر في أتعس الخطرات وأخذ منه الميل إلى أشخاص الشهوات بطأ عنه المدد على مقدار أوقات الفترات، هذا بيان من الله لأهل التيّقظ من الغفلات، قال الله تعالى:( ونفس وما سوّاها * فألهمها فجورها وتقواها ) / الشمس آية / 7، 8
   فاتق الله في الشرك في التوحيد، واجتمع ولا تتفرق عنه بنقص ولا مزيد، فإيّاك والشرك في المحبّة بالميل إلى الشهوة:أي شهوة كانت، ومن كان عند الله خائفا وجلا مشفقا من الله في نعمائه، كان في أمن الله فيما يرد عليه من عظيم بلائه، ودليله من حديث طويل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
( تعرّف إليه في الرخاء يعرفك في الشدّة ) رواه الإمام أحمد في مسنده.
                    ومن حكمه رضي الله عنه في العبوديّة:
   هي امتثال الأمـر، واجتناب النهي، ورفض الشهوات والمشيئات على الشهود والعيان، إنّ الله إذا أكرم عبدا في حركاته وسكناته نصب له العبوديّة لله ، وستر عنه حظوظ نفسه، وجعله يتقلّب في عبوديّته والحظوظ عنه مستورة، مع جرى ما قدّر له منها ولا يلتفت إليها كأنّه في معزل مشغول عنها .
   وإذا أهان الله عبدا في حركاته وسكناته نصب له حظوظ نفسه، وستر عنه عبوديّته، فهو يتقلّب في شهواته وعبوديّة الله عنه بمعزل، وإن كان يجري عليه كلّ شيء منها في الظاهر، وهذا باب في الولاية والإهانة.
  وأمّا الصدّيقيّة العظمى والولاية الكبرى فالحظوظ والحقوق عند ذوي البصائر كلّها سواء، لأنّه بالله فيما يأخذ ويترك.

من كتاب أعلام في التراث الصوفيّ 
الدكتور أحمد حسن شحاده الردايده

الخميس، 25 مايو، 2017

واعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات:

واعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات:

واعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات:

الإشارة: قال الجنيد: (التوحيد معنى تضمحل فيه الرسوم وتندرج فيه العلوم، ويكون الله كما لم يزل) .
 قلت: وهذا هو التوحيد الخاص، أعني توحيد أهل الشهود والعيان. ثم قال: (وأصوله خمسة أشياء: رفع الحدث، وإثبات القدم، وهجران الإخوان، ومفارقة الأوطان، ونسيان ما علم وجهل) . هـ. قلت: قوله: (وهجران الإخوان) ، يعني:غير من يستعين بهم على السير، وأما من يستعين بهم فلا يستغني عنهم.

واعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات:

الأولى: توحيد العامة: وهو الذي يعصم النفس والمال، وينجو به من الخلود في النار، وهو نفي الشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه والأضداد.

الثانية: توحيد الخاصة: وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده، ويشاهد ذلك بطريق الكشف لا بطريق الاستدلال، فإن ذلك حاصل لكل مؤمن، وإنما مقام الخاصة يقين في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم الانقطاع إلى الله، والتوكل عليه وحده، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف أحدا سواه، إذ ليس يرى فاعلا إلا الله، فيطرح الأسباب، وينبذ الأرباب.

الدرجة الثالثة: ألا يرى في الوجود إلا الله، ولا يشهد معه سواه، فيغيب عن النظر إلى الأكوان في شهود المكون، وهذا مقام الفناء، فإن رد إلى شهود الأثر بالله سمي مقام البقاء. 

قلت: وفي التحقيق أنهما مقامان مقام أهل الدليل والبرهان، وهو المذكور في الآية، لأنه هو الذي يطيقه جميع العباد، ومقام أهل الشهود والعيان، وهو خاص بالأفراد الذين بذلوا مهجهم في طلب الله، باعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فعوضهم الله في الدنيا جنة المعارف، وزادهم في الآخرة جنة الزخارف.

(أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان) لأن أهل الشهود والعيان قدسوا الحق تعالى عن أن يحتاج إلى دليل، فكيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف ؟ كيف يستدل عليه بما هو في وجوده مفتقر إليه ؟ أيكون لغيره من الظهور ما ليس له ؟ متى غاب حتى يحتاج إلى دليل عليه ؟ ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه ؟ 

صفة الصوفي الصادق

صفة الصوفي الصادق



  
      قال الله تعالى :" وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ".

    وقال الرسول صلى الله عليه وسلم :" من سمع صوت أهل التصوف فلا يؤمن دعائهم كتب عند الله من الغافلين" .(1)

     وقد تكلم الناس في تحقيق هذا الاسم كثيرا ، وألفوا كتبا في ذلك . وقالت جماعة أن الصوفي يسمى بالصوفي لأنه يلبس ثياب الصوف ، وقالت جماعة أنهم سمّوا صوفية لأنهم  في الصف الاول ، وقالت طائفة أنهم سمّوا كذلك لانهم يقولون أهل الصفة ، وقال آخرون أن هذا الإسم مشتق من الصفاء . ولكن هذا الإسم - على مقتضى اللغة - بعيد عن هذه المعانى .

     والصفاء في الجملة محمود ، وضده الكدر ، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "ذهب صفو الدنيا وبقي كدرها".(2)
     واسم لطائف الأشياء : صفوها ، واسم أوضاعها ، كدرها ، فلما هذب أهل هذا الأمر أخلاقهم ومعاملاتهم ، وتبرأوا من آفات الطبيعة ، فإنهم سمّوا صوفيّة ، وهو اسم لهذه الطائفة من أسماء الأعلام ، لأن خطر أهله اجلّ من أن يمكن إخفاء معاملاتهم حتى يلزم لإسمهم اشتقاق .

      وقد حجب الله عز وجلّ - في عصرنا هذا - أكثر الخلق عن هذه الطريقة وأهلها ، وأخفى لطائفها عن قلوبهم ، حتى ليظن جماعة ان هذه الرياضة هي مجرد صلاح الظاهر دون مشاهدة الباطن ، وتظن جماعة أخرى ان هذا الأمر حيلة ورسم بلا حقيقة وأصل ، الى حد أنهم ارتكبوا المنكر أمام أهل الهزل وعلماء الظاهر ، وفرحوا بإخفاء الأمر ، حتى قلدهم العوام ومحوا عن قلوبهم طلب صفاء الباطن ، ووضعوا مذهب السلف والصحابة على الرّف .

                                 (شعر عربي)

        إن الصفا صفة الصديق              إن أردت صوفيا على التحقيق

     لأن الصفا أصلا وفرعا ، وأصله : انقطاع القلب عن الأغيار ، وفرعه : خلو اليد من الدنيا الغادرة . وهاتان صفتا الصديق الأكبر ابي بكر عبد الله ابن أبي قحافة رضي الله عنه ، لأنه كان إمام أهل هذه الطريقة ، فكان من انقطاع قلبه عن الأغيار ، أن كل الصحابة انكسرت قلوبهم برحلة النبي عليه السلام إلى الحضرة الأعلى والمكان المصفى ، وسلَّ عمر رضي الله عنه سيفه قائلا : " كل من يقول أن محمدا قد مات أقطع رأسه ، فخرج الصديق الأكبر وصاح قائلا : ألا من عبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن عبد رب محمد فإنه حي لا يموت ، ثم قرأ قول الله تعالى : " وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ".

     ذلك أن من يتعلق بفان يفنى ويصير تعبه كله هباء ، ومن يطلق روحه إلى حضرة الباقي فإنه حين تفنى النفس ، يبقى قائما بالبقاء .

     فمن نظر إلى محمد بعين الآدمية ، فإنه حين رحل محمد عن الدنيا ، ذهب من قلبه تعظيم العبودية ورحل معه ، ومن نظر إليه بعين الحقيقة استوى لديه ذهابه ووجوده ، لأنه في حال البقاء رأى بقائه بالحق ، وفي حال الفناء رأى فناءه بالحق - فأعرض عن المحوَّل وأقبل على المحوِّل - فعظّمه بمقدار إكرام الحق له ، ولم يربط سويداء قلبه بأحد ، ولم يفتح سواد عينه على الخلق ، فقد قيل : " من نظر إلى الخلق هلك ، ومن رجع إلى الحق ملك " ، لأن النظر إلى الخلق علامة الهلك ، والرجوع إلى الحق علامة الملك .

     أما خلو يده من الدنيا الغدارة ، فهو أنه أعطى كل ما كان يملك من مال ومنال ومآل ، وارتدى الكليم ، وجاء إلى النبي عليه السلام فقال فقال له النبي عليه السلام : " ما خلفت لعيالك ؟ فقال الله ورسوله " (3) فلما تحرر قلبه من التعلق بصفو الدنيا ، أخلى يده من كدرها .

     وهذا كله صفة الصوفي الصادق ، وإنكار هذا كله إنكار للحق ، ومكابرة في العيان .
                **    **    **
     1 - لا يوجد له سند .      
     2 - ورد في الرسالة عن أبي جحفة قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متغير اللون فقال :"ذهب صفو الدنيا وبقي الكدر ، فالموت اليوم تحفة لكل مسلم"( الرسالة : ج 2 ص 550).
     3 - رواه الترمذي عن عمر. 

كشف المحجوب للهجويري
          

الأربعاء، 24 مايو، 2017

كتاب : "الحقيقة القلبية الصوفية " أحمد لسان الحق(16).

كتاب : "الحقيقة القلبية الصوفية " أحمد لسان الحق(16).

     
كتاب : "الحقيقة القلبية الصوفية " أحمد لسان الحق(16).

    
      ومما يركّز عليه شيوخ التربية الروحية اتصال الأرواح ، اتّصالا معنويّا مطلقا.. وتربيّة الروح بالروح تعرف عندهم بالتربيّة بالهمّة أو الإلهام . وهي تربيّة معنويّة صامتة تعمل عملها في الشعور والوجدان ، كما يعمل الماء عمله في أغصان الشجر بدون كيف ؟ ذلك أن الاجسام مقيدة بأماكنها ، والعقول محدّدة ومقيّدة بمدركاتها داخل المادة ، والأرواح الطاهرة حرّة مطلقة تسبح في الملكوت ، واتّصالها هو السّر في التحولات الباطنيّة ، وسريان الأسرار والأنوار القدسيّة بين القلوب الطيبة الطاهرة سريان الكهرباء في أسلاكها ، وإذا وقع الكدَر ، وتغيّرت القلوب ، أو وقع خلل بمخالفات شرعيّة ، يتوقّف سر الله ، كما يتوقّف التيار الكهربائي ، وإذا وقع خلل في الأسلاك.. وما ألهموا من فعالية اتّصال الأرواح ، وتأثير القويّة منها في الضعيفة ، أو مدّها بما تحمل من المعاني حال الذّكر نجد له سندا شرعيّا في حديث الصحابي حنظلة وأَبي بكر الصديق من رواية مسلم.

     فعن حنظلة أنه قال :  لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ : كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ ؟ ،  قَالَ : قُلْتُ : نَافَقَ حَنْظَلَةُ ، قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ ؟ ، قَالَ : قُلْتُ : نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ ، فَنَسِينَا كَثِيرًا ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قُلْتُ : نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَمَا ذَاكَ ؟ " ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ  إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي ، وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ "  .
وساعة وساعة يعني - والله أعلم - أن الدّ والجزر يقع في المعنى ، كما يقع في الحس ، واختلاف الأحوال وذَبْدَبَتُها ما بين قوّة وضعف من طبيعة النفوس.

     يضاف إلى ما تقدّم من فعالية اتّصال الأرواح ما رواه الترمذي والإمام أحمد وابن ماجة عن أنس بن مالك انه قال : " َمَا نَفَضْنَا  التُّرَابِ عن أَيْدِيَنَا ، من دَفْنِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا "  . أنكروا قلوبهم حالَ اختفاء روحانية رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكروا أعمالهم ، وكثيرا ما يقال :" اللهم ارحمنا بالمرحوم فينا" والرحمة مصدرها القلوب الطيّبة الطّاهرة ، كما تجلى في قول الله في العبد الصالح ، الذي تلمَّذ نبيّ الله موسى عليه السلام على يده  (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ) فكانت الرحمة هي الأرض المعنويّة ، التي تنبت فيها الحقيقة الإلهية والعلم اللّدني ، فكان أصحابها أرحم الناس بعباده ، كما تقدّم في قولهم :"لا تكرهْ يهوديا ولا نصرنيّا واكْرَه نفسك التي بين جنبيك" ومن لا يكره لا يهوديا ولا نصرانيا غير وارد أن يكره المؤمنين ، وتلك أخلاق أصحاب الفيوضات الربانيّة.. وقد أوضح الشيخ أحمد التيجاني في كتابه"جواهر المعاني"أن مدد الله ، الذي يجري في كل عصر ، يجري على يد خاصّة الخاصّة من عباد الله الصالحين الأحياء : حياة مادية ومعنوية ، والحكمة في الحيّ ، والحي يعني اتّصال الأرواح ، ويقال :"سرّ الحق في الخلق" وحامل سرّ الله لا يكون إلاّ حيّا .

     ولذلك يشترطون في التربيّة الروحيّة صحبة الوليّ الحقيقي الحيّ ، لأنّ الميت لا يربّي الحيّ.. والفراغ الذي يسدّه الحيّ ، في ميدان التربيّة والإرشاد والدعوة والعمل الإسلامي ، لا يسدّه الميّت ، وإن كان أعلى مقاما في حياته . وقد خرج عمر أيام خلافته لصلاة الإستسقاء ، والإستسقاء يعني إقامة صلاته ، والصلاة عمل تعبّدي لا يقوم به إلاّ الحيّ الأمر الذي يجهله من لم يفرّق بين العمل الديني ، ومثله التربيّة الروحيّة ، وبين رفع الكُفوف بالتوسّل والدعاء ، ورفَضَ مطلق التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ، وهو يرجو شفاعته ، على الرغم من أن عمر لم يصرّح برفض التوسّل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما قدّم العباس ليقوم بعمل يقوم به الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته .

     إن الذين لا يطرحون ضرورة صحبة الشيخ الحقيقيّ الحيّ ، كرفيق روحيّ في السلوك الباطنيّ - استغناءً بمعلوماتهم ، ونتائج عقولهم المحدودة الإدراك - لا يفرقون بين العبادة والأحكام ، وأخد الشريعة من الكتب ومن أصحابها ، وبين تربيّة الأرواح ، التي تصفو وتطهر تحت الدّفئ الروحيّ المعنويّ الصامت ، كما يقع للبيض تحت الدجاجة ، وتنبعث فيه الحياة الماديّة - كما تنبعث المعنويّة في القلوب - نتيجة الدفئ الصامت تجلّت فيه حكمة الله البالغة 

     والعقل -وإن بلغ ما بلغ من التقدّم -لا يستطيع أن يحدّد من أين ؟ وكيف تدبّ الحياة داخا البيض ؟ وكيف تعرف الدجاجة تمام الحياة ؟ لتفقس البيضة ، أو تنفجر القشرة من تلقاء نفسها ، وينطلق الحيّ يمشي على رجليه ، كما لا يستطيع العقل أن يحدّد كيف يتكوّن العسل داخل السلّة ، والنحل تمرح فوق الزهور ، ولا تدخل إليها أيَّ مادة ظاهرة ، ويُحكى أن شخصا أجنبيا حاول أن يكتشف السرّ في إنتاج النحل وعملها فوضعها في زجاجة ، وأُلهمت أن تطلي الزجاجة قبل البدء في عملها ، إخفاء لسرّ الله وحكمته .

     وهذه امثلة حيّة ظاهرة ن تدلّ على أن العقل عاجز عن شرح حكمة الله فيما يراه في عالم الشهادة ، وكيف لا يكون عاجزا عن شرح حكمته فيما لا يراه في عالم الأمر : عالم الرّوح اللّامخلوق و اللّامنظور و اللّامحدود... (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)(44) والفضوليّ كل الفضوليّ هو الذي يغترّ بفكره ، ويتجاوز به ميدان العقل إلى فوق مدركاته .

     ومن ثَمَّ فالشيخ المربيّ الحقيقيّ الروحيّ العارف بالله ضروري في ميدن التربيّة الروحيّة ، وحبّذا لو نقل المرحوم احمد أمين رأي ابن خلدون ، حيث ذكر أن له رسالة خطّية قرأها ، فقال :"أحسن ما رأيت فيها البحث في أنّ سالك سبيل التصوّف ، هل لابدّ له من شيخ يأخد عنه التصوّف أو لا " ؟ (45) والجواب أن اتّخاد الشيخ المربيّ في الميدان الروحيّ ضرورة تفرض وجودها ، وقد اتخده كبار العلماء والمفكّرين من أمثال الإمام الغزّاي والشعرانيّ ، ويقول عبد القادر عيسى :" لا يمكن الحروج من النفس والتخلّص من دقائق الرياء من غير شيخ أبد"(46) وبَحْث ابن خلدون لسنا في حاجة إليه إلاّ من أجل نقله لمن لا يقتنع إلاّ بآراء المفكّرين ، على الرغم من أن رأي المجرِّب يقدّم على رأي المفكّر ، تقديم الجانب العمليّ على الجانب النظريّ ، وتقديم من يعيش الحقيقة على من يصفها .

     ونقول - تعليقا على قوله : هل لا بدّ له من شيخ يأخد عنه التصوف أولا ؟ إنّ التصوف كحقيقة غيبيّة إلهيّة لا تؤخد عن الشيوخ ، كما تؤخد العلوم الظاهرة ، فالحقيقة ليست هدية يملكها الشيخ ، ويضعها في في يد المريد ، والرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو مصدر الحقائق الغيبيّة يقول فيما أخرجه البخاري :(إنّما أنا قاسِمٌ والله يُعْطي) في الحسّ والمعنى ، المعطي موجود على الدوام ، والذي يبحث عنه هو القاسِم ، الذي يجري الله قسمة عطائه على يده ، ومن عرف القاسِم عرف باب العطاء الإلهيّ .

     والذي ياخده المريد عن الشيخ ليس التصوّف ، وإنّما الصدق والإخلاص ، وطهارة القلب وصفاء السريرة ، والعبودية لله ، وحسن الظن به وبعباده ، وتوجيه القلب نحو المعطي ، الذي تقع الحقيقة بين قدرته ، يمدّ به - أين شاء ، وكيف شاء ، ومتى شاء - بعضَ عباده المخلَصين -بفتح اللام - . ولقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ما يمكن أن نعتبره من صفات شيوخ المعرفة في التربيّة  الروحيّة ، وقد سُئل : أيُّ جلسائنا خير ؟ فقال - فيما رواه أبو يعلى بسند صحيح عن ابن عباس ، واعتمده الحافظ الهيتمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" :(مَن ذَكَّرَكُم الله رُؤْيَتُهُ ، وزادَ في علْمكُمْ مَنْطقُهُ ، وذَكَّرَكُمْ في الآخرة عَمَلُهُ).

     وبالمناسبة نتسائل : على أيّ طائفة يصدق ما رواه البخاري ومسلم من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ على الحقّ ،  لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خدلهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظاهرون) هل يصدق على الذاكرين أو على الغافلين ؟ وهل على العارفين بالله ، أو على الجاهلين لحقه وحقيقته ؟ وهل على اهل الله ، أو على أهل الدنيا ؟ وهل على المحبين لله ولرسوله ، أو على المحبين للمال وأهله ؟ وهل على العملين بكتاب الله وسنّة رسوله ، أو على من قال الله في شأنهم :(أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا  أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا )(44) وهل على المسالمين الربّانيين أو على الممارسين لأساليب الشقاق والعنف ؟ وهل على المتخرّجين من مدارس التربيّة الروحيّة والأخلاق الفاضلة ، الحاملين لشهادات العبودية لله ، والخضوع لعظمته وجلاله ، أو على المتخرّجين من مدارس الفلسفة السوفسطائيّة الجدليّة ، الحاملين لشهادات العجب والغرور...! إنهم بلا منازع هم المتخرّجون من المدارس الروحيّة الربّانية المحمديّة ، الحاملين لشهادات العبوديّة لله والخضوع لعظمته وجلاله .

     وإذا وضعنا الإعتبار انّ التربيّة بمفاهيمها المختلفة ذات أهميّة خاصّة في هذا العصر ، وقد عرفت طريقها حتى بالنسبة للدواب والحيوانات.. والإنسان المسلم باعتباراته المختلفة في حاجة إلى التربيّة الدينيّة والخلقيّة والروحيّة والعقليّة والبدنيّة... وأنّ المربيّ الإختصاصي شرط أساسيّ في كلّ نوع من أنواع التربيّة ، سنقتنع بضرورة الشيخ المربيّ في الميدان الروحيّ ، إلاّ أنّ مهمته تقتصر على الوسائل الشرعيّة ، والمعنويّة الربانيّة في تربيّة الأرواح وتطهيرها وتصفيتها ، ولا تتجاوزها إلى ما عداها من إصدار الأحكام الشرعيّة ، التي من اختصاص علماء الشريعة ، إذ لم يكن من أصحابها .

**    **    **
44 - سورالاسراء : 85
45 - ظهور الاسلام 2 / 60
46 - حقائق عن التصوف ص 117

الثلاثاء، 23 مايو، 2017

لوازم الطريق، وصفات السالكين من أقوال الجنيد

لوازم الطريق، وصفات السالكين من أقوال الجنيد

لوازم الطريق، وصفات السالكين من أقوال الجنيد

التصوف

     - قال الجنيد: "الطرق كلها مسدودةٌ على الخلق، إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم، واتبع سنته، ولزم طريقته، فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه".

    - وقال الجنيد: "من لم يحفظ القرآن, ولم يكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر؛ لأن علمنا هذا مقيّد بالكتاب والسنة".

      - قال الجنيد : "علمنا مضبوطٌ: الكتاب والسنة، من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث، ولم يتفقه لا يقتدى به".
     - يقول الجنيد : " ما أخذنا التصوف عن القال والقيل ، لكن عن الجوع وترك الدنيا ، وقطع المألوفات ، والمستحسنات ؛ لأن التصوف هو صفاء المعاملة مع الله ، وأصله العزوف عن الدنيا ، كما قال حارثة : عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري " . 


التوحيد 

      - سئل الجنيد عن أول مقام التوحيد فقال: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كأنك تراه".

التعليق:

     - قال الجنيد: "التوحيدُ إفرادُ القدمِ من الحدث"

     - وقال الجنيد: "التوحيد: علمك وإقرارك بأن الله فرد في أزليته، لا ثاني معه، ولا شيء يفعل فعله".

     -وسُئل الجنيد عن التوحيد فقال:

"إفراد الموحَّد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته: أنه الواحد، الذي لم يلد، ولم يولد، بنفي الأضداد، والأنداد، والأشباه، بلا تشبيه، ولا تكييف، ولا تصوير، ولا تمثيل (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)".

     - وقال الجنيد: "سئل بعض العلماء عن التوحيد فقال: هو اليقين. فقال السائل: بيّن لي ما هو؟ فقال: هو معرفتك أن حركات الخلق وسكونهم فعلُ الله وحده لا شريك له، فإذا فعلت ذلك فقد وحَّدته".

     - وقال الجنيد: "متى يتصلُ من لا شبيهَ له ولا نظير له بمن له شبيهٌ ونظير؟ هيهاتْ، هذا ظنٌ عجيب إلا بما لَطَفَ اللطيف من حيث لا دَرْك ولا وهْم، ولا إحاطة إلا إشارةُ اليقين وتحقيق الإيمان".

     - وحُكي عن الجنيد أنه قال: "أشرف كلمة في التوحيد قول أبي بكر: سبحانه لم يجعل للخلق طريقاً إلى معرفته إلا العجز عن معرفته".

     - قال الجنيد:"إن أول ما يحتاج إليه من عقد الحكمة تعريف المصنوع صانعه، والمحدث كيف كان أحدثه، وكيف كان أوله،وكيف أحدث بعد موته، فيعرف صفة الخالق من المخلوق، وصفة القديم من المحدث، فيعرف المربوب ربه، والمصنوع صانعه، والعبد الضعيف سيده، فيعبده ويوحده، ويعظمه ويذل لدعوته، ويعترف بوجوب طاعته، فإن لم يعرف مالكه لم يعترف بالملك لمن استوجبه، ولم يضف الخلق في تدبير إلى وليّه، والتوحيد علمك وإقرارك بالله فردٌ في أوليته وأزليته، لا ثاني معه، ولا شيء يفعل فعله، وأفعاله التي أخلصها لنفسه: أن يعلم أن ليس شيء يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع ولا يسقم ولا يبرى، ولا يرفع ولا يضع، ولا يخلق ولا يرزق، ولا يميت ولا يحيي، ولا يسكن ولا يحرك غيره جل جلاله".

     - وقال الجنيد :-"التوكل عمل القلب ، والتوحيد قول القلب".

     - وقال الجنيد في موضع آخر وسئل عن المعرفة فقال:

"... وأعلم خلقه به أشدهم إقراراً بالعجز عن إدراك عظمته، أو تكشف ذاته لمعرفتهم بعجزهم عن إدراك من لا شيء مثله، إذ هو القديم وما سواه محدث، وإذ هو الأزلي وغيره المبدأ، وإذ هو الإله وما سواه مألوه...

وكل عالم فبعلمه عَلِمَ. سبحانه الأول بغير بداية، والباقي إلى غير نهاية، ولا يستحق هذا الوصف غيره، ولا يليق بسواه...

فالشاهد على أدناها – أي المعرفة – الإقرار بتوحيد الله، وخلع الأنداد من دونه، والتصديق به وبكتابه وفرضه فيه ونهيه".

     - قال أبو محمد الجريري: "سمعت الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة فقال الرجل: أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله. فقال الجنيد: إن هذا قولُ قومٍ تكلموا بإسقاط الأعمال، وهذه عندي عظيمة، والذي يسرق ويزني أحسن حالاً من الذي يقول هذا...".


الصدق

     - حقيقة الصدق أن تصدق في مواطن لا ينجيك منها إلا الكذب.

     - المريد الصادق :لا يسأل ولا يعارض وإن عورض سكت.

الإخلاص

     - يقول الجنيد : سر بين الله وبين العبد، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله.

الحياء

     - يقول الجنيد : حال يولد من بين رؤية الآلاء، ورؤية التقصير.

المراقبة

     - يقول الجنيد : من تحقق من المراقبة خاف على فوت حظه من ربه عز وجل، وليس غيره .

المحبة

     - سئل الجنيد بن محمد عن المحبة : أمن صفات الذات أم من صفات الأفعال ؟ فقال : " إن محبة الله لها تأثير في محبوبه بين ، فالمحبة نفسها من صفات الذات ، ولم يزل الله تعالى محبا لأوليائه وأصفيائه ، فأما تأثيرها فيمن أثرت فيه فإن ذلك من صفات الأفعال ، فاعلم أرشدك الله للصواب " .


يقول الجنيد  : " حرم الله المحبة على صاحب العلاقة " .

     - "علامة كمال الحب دوام ذكره في القلب، بالفرح، والسرور، والشوق إليه، والأنس به، وأثرة محبة الله على محبة نفسه، والرضا بكل ما يصنع. وعلامة أنسه بالله استلذاذ الخلوة، وحلاوة المناجاة، واستفراغ العقل كله حتى لا يكاد يعقل الدنيا وما فيها، ولا يحمل هذا على الأنس بالخلق، فيرتب على مدارج العقول، كما لا يحمل المحبة على محبة الخلق، فيكون بمعاني العقول، لأنه حال منها، أو إنما هو طمأنينة وسكون إليه، ووجد حلاوة منه، واستراحة وروح بما أوجدهم".

     - سئل الجنيد رحمه الله تعالى عن المحبة، فقال: "الناس في محبة الله خاص وعام. فالعوام نالوا ذلك بمعرفتهم في دوام إحسانه وكثرة نعمه، فلم يتمالكوا أن أرضوه، إلا أنهم تقل محبتهم وتكثر على قدر النعم والإحسان. فأما الخاصة فنالوا المحبة بعظم القدر والقدرة، والعلم والحكمة، والتفرد بالملك، فلما عرفوا صفاته الكاملة وأسماءه الحسنى لم يمتنعوا أن أحبوه، إذ استحق عندهم المحبة بذلك؛ لأنهم أهل لها، ولو أزال عنهم جميع النعم".

     - وكان الجنيد يقول: "من علامة المحب في المكاره والأسقام هيجان المحبة، وذكرها عند نزول البلاء، إذ هو لطف من مولاه، وفيه القربة إلى محبوبه، وقلة التأدي بكل داء وبلاء يصيبه؛ لغلبة الحب على قلبه".

     - قال أبو عمرو الزجاجي: "سألت الجنيد عن المحبة، فقال: تريد الإشارة؟ قلت: لا، قال: تريد الدعوى؟ قلت: لا. قال: فأيش تريد؟ قلت: عين المحبة. فقال: أن تحب ما يحب اللهُ تعالى في عباده، وتكره ما يكره الله تعالى في عباده".

     - قال رجل للجنيد: "على ماذا يتأسف المحب من أوقاته؟ قال: على زمان بَسْطٍ أورث قبضا، أو زمان أُنْس أورث وحشة. ثم أنشأ يقول: قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم فكدرته يد الأنام حين صفا".

     - قال الجنيد رحمه الله تعالى: "علم الفقير إذا قوي ضعفت محبته، وإذا ضعف قويت محبته، وحكم الفقير أن يكون فوق محبته...".

     - حكي عن الجنيد رحمه الله أنه كان يقول: "ذكرت المحبة بين يدي سري السقطي رحمه الله فضرب يده على جلد ذراعه فمدها ثم قال: لو قلتُ إنما جفّ هذا على هذا من المحبة لصدقتُ، قال: ثم أغمي عليه حتى غاب، ثم تورّد وجهه حتى صار مثل دارة القمر، فما استطعنا أن ننظر إليه من حُسنه حتى غطينا وجهه". 


القناعة

قيل للجنيد : ما القناعة  ؟ قال : " ألا تتجاوز إرادتك ما هو لك في وقتك " .

التوبة

يقول الجنيد : " دخلت يوما على سري السقطي فرأيت عليه هما فقلت : أيها الشيخ أرى عليك هما فقال : الساعة دق علي داق الباب فقلت : ادخل ، فدخل علي شاب في حدود الإرادة فسألني عن معنى التوبة ، فأخبرته وسألني عن شرط التوبة ، فأنبأته فقال : هذا معنى التوبة وهذا شرطها ، فما حقيقتها ؟ فقلت : حقيقة التوبة عندكم أن لا تنسى ما من أجله كانت التوبة ، فقال : ليس هو كذلك عندنا ، فقلت له : فما حقيقة التوبة عندكم ؟ فقال : حقيقة التوبة ألا تذكر ما من أجله كانت التوبة ، وأنا أفكر في كلامه ، قال الجنيد : فقلت : ما أحسن ما قال ، قال : فقال لي : يا جنيد ، وما معنى هذا الكلام ؟ فقال : يا أستاذ إذا كنت معك في حال الجفاء ، ونقلتني من حال الجفاء إلى حال الصفاء فذكري للجفاء في حال الصفاء غفلة ، قال : ودخلت عليه يوما آخر فرأيت عليه هما فقلت : أيها الشيخ أراك مشغول القلب ، فقال : أمس كنت في الجامع ، فوقف علي شاب وقال لي : أيها الشيخ ، يعلم العبد أن الله تعالى قد قبله ؟ فقلت : لا يعلم ، فقال : بلى يعلم ، وقال لي ثانيا : بلى يعلم ، فقلت له : فمن أين يعلم ؟ قال : إذا رأيت الله عز وجل قد عصمني من كل معصية ، ووفقني لكل طاعة علمت أن الله تبارك وتعالى قد قبلني " . 

متفرقات

     - يقول : " لا تكون عبد الله بالكلية حتى لا تبقي عليك من غير الله بقية " .

     - يقول : " لا تكون عبد الله حقا وأنت لشيء سواه مسترقا " .

     - قال الجنيد : " إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال ، وهذه عندي عظيمة والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله ، وإليه رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها وإنه لأوكد في معرفتي وأقوى في حالي " .

     - قال الجنيد : " لو أقبل صادق على الله ألف ألف سنة ، ثم أعرض عنه لحظة كان ما فاته أكثر مما ناله "

     - يقول الجنيد : " اعلم أنه إذا عظمت فيك المعرفة بالله وامتلأ من ذلك قلبك ، وانشرح بالانقطاع إليه صدرك ، وصفا لذكره فؤادك ، واتصل بالله فهمك ، ذهبت آثارك وامتحيت رسومك ، واستضاءت بالله علومك فعند ذلك يبدو لك علم الحق " .

     - يقول الجنيد : " المريد الصادق غني عن علوم العلماء ، يعمل على بيان يرى وجه الحق من وجوه الحق ، ويتوقى وجوه الشر من وجوه الشر " .