الرئيسية » » في معنى قوله تعالى : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}

في معنى قوله تعالى : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}

/ الاثنين، 2 أكتوبر، 2017 11:57:00 ص

في معنى قوله تعالى : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}

واعلم أن تفكير العبد في ابتداء أمره يحمله على خالص الشكر لربه من قلبه ، قال الله تعالى: {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ} (إبراهيم، الآية:5) الآية، أي بنعم الله، وكل الأحوال والأوقات، وقال تعالى: {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} (مريم، الآية: 67) وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ} (المؤمنون، الآية: 12) ذكره الله تعالى نفسه لئلا يعجب بحالته وجرده عن كل فضيلة، ولهذا قال المشايخ: عرفهم مقدارهم لئلا يتعدوا اطوارهم، وقال: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ ، ثم قال: {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ} (الرحمن، الآيتان: 1-2)، ثم قال: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ} (النحل، الآية: 53) جردك أولا وعراك ثم أخبرك بما عرفك من العلوم والفهوم، وأعطاك ثم ذكرك عظيم ما أنعم به عليك وأولاك، وفي معناه يقول المنشي:

سَقْياً لِمَعْهَدِكَ الَّذي لَو لَم يَكُنْ, ما كان قلبي للصبابة ِ معهدا 

(هذا البيت هو للشيخ أبي بكر الشبلي دلف بن جحدر من كبار الصوفية توفي سنة 334هـ والبيت من البحر الكامل).
فمن أين كان لك العرفان والإسلام والإيمان والطاعة والإحسان والاستدلال والبرهان، لولا ما ألبسك من التوفيق وأخلص لك من التحقيق، وأهلك له من التصديق، قال الله سبحانه: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ۚ } (الفتح، الآية: 26).

ثم اعلم أن سنة الله تعالى مع عباده في بدء أحوالهم تختلف ، فمنهم من يكون من الابتداء إلى الانتهاء على وصف الوفاق محروسا من التدنس والزلات ، محفوظا عن التلبس بالمخالفات ، غذتهم الرحمة وربتهم الرعاية وكنفتهم القربة، وشملتهم الوصلة، غار الحق سبحانه وتعالى على أحوالهم وأوقاتهم أن تضيع، او يكون لغير الله تعالى فيها نصيب.
فمن هؤلاء: 
أبو يزيد البسطامي فإنه دخل على والدته في حال صباه يوما ، وقال: إني أجد في قلبي حزازة لست أدري ما سببها ، وقد حاسبت نفسي فلم أقف على ما يوجبها ، فهل أطعمتني في حال صباي شيئا من غير وجهه ؟ ففكرت فتذكرت أنها سرحته يوما بدهن لبعض الجيران بغير علمهم ولا طيب نفوسهم ، واحتاجت ان تطلب عليهم ، فاستحلت منهم ، فزال عن قلبه ما كان يجده . وقيل: إن رجلا جاءه فسأله عن بداية أمره ليستن بهديه ويسلك مثل طريقته ، فقال: هو أن تكون في بطن أمك بحيث لو أردت أن تتناول شيئا من المحظورات انقبضت يدها.
وهكذا سهل بن عبد الله (التستري)، فإنه قال : لما أسلموني إلى الكتاب كنت إذا اشتغلت بتعلم القرآن ذهل قلبي ، وإذا اشتغلت بمراعاة القلب ذهب حظي ، قال: فدعوت الله عز وجل حتى سهل علي الجمع بين التعلم ومراعاة القلب.
وحكي عنه خاله معروف أنه كان يسهر لصلاة الليل، قال: وكان سهل لا ينام فنظر إليه ، وهو ان ثلاث سنين ، وكان يقول خاله : يا سهل نم ولا تشغلني ، فكان لا يأخذه النوم حتى يلقنه ذكر الله عز وجل ، إلى أن قال لخاله : ما تقول فيمن كشف لقلبه شئ فسجد قلبه له ؟ فقال : إلى متى ؟ قال: للأبد، قال له خاله: أن لا أعرف هذه المسألة ، وحالتي لا تبلغ هذه الرتبة.
وحكي أن يحيي بن معاذ الرازي كانت له بنية فطلبت من أمها شيئا تأكله ، فقالت لها: سلي الله يعطيكيه ، فقالت : أنا أستحي من الله أن أطلب منه شيئا يؤكل.


وطائفة من الأولياء كانت لهم بدايات متشوشة وأحوال في الظاهر مختلفة فتداركهم الله تعالى بتوفيق التوبة بعد مدة ، وعاد بهم إلى الورع وأحوال السعادة بعد شدة ، مثل 
إبراهيم بن أدهم
 وفضيل بن عياض وحبيب العجمي والسري السقطي وبنان الجمال وغيرهم من المشايخ، فإن هؤلاء حسنت أحوالهم من بعد، فما زالت خجلة الابتداء مصحوبة لهم، وحشمة ما سلف عاصمة لهم عن محل الإعجاب، ولهذا قال بعض المشايخ: من لم يحسن أن يتفتى لم يحسن أن يقرأ، وهذا أبو بكر الشبلي سيد عصره في وقته كان حاجب الموفق إلى أن تاب على يد بعض المشايخ.
والفضيل بن عياض كان يقطع الطريق بين مرو وتبوك إلى أن تاب لما سمع قارئا يقرأ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} (الحديد، الآية: 16). وكان قد قصد إلى دار ليفجر بأمرأة، ثم إنه وقعت التوبة في قلبه فكف عما قصده ، فرأى رفقة نزلوا في موضع فقال لهم : ما بالكم لا ترحلون ؟ قالوا: نخشى الفضيل، فإنه على الطريق ، فقال: لا عليكم فأنا الفضيل وقد تبت وأنتم في أمان .
وقد ذكر عن بعضهم أنه قال : كنت في بع الطريق، فظهرت اللصوص وخاف الناس ، وكان معي صرة دنانير، فرأيت على البعد رجلا يصلي فقصدته فاستودعته الصرة، فقال : لا تودعنها فإني رئيس اللصوص، فقلت: ولم لم تغلبني عليها ؟ قال: لا أخون الوديعة ، فقلت : وما بالك تقطع الطريق وتصلي النافلة ؟ قال: يا أخي ، أدع للصلح موضعا ، قال : فرأيته بعد ذلك بمدة متعلقا بأستار الكعبة يدعو ويتضرع ، وقد زال عما كان عليه، فقلت : ما حالك ؟ فقال: قد حان أوان الصلح.


شرح القشيري لأسماء الله الحسنى
الإمام أبو القاسم القشيري

0 التعليقات: