السبت، 8 سبتمبر 2018

علامة الحب لله حلول الفوائد من الله بقلوب من اختصه الله بمحبته

علامة الحب لله حلول الفوائد من الله بقلوب من اختصه الله بمحبته

الحب هو الشوق لأنك لا تشتاق إلا إلى حبيب ، فلا فرق بين الحب والشوق إذا كان الشوق فرعا من فروع الحب الأصلي ، وقيل: إن الحب يعرف بشواهده على أبدان المحبين وفي ألفاظهم ، وكثرة الفوائد عندهم لدوام الاتصال بحبيبهم ، فإذا واصلهم الله أفادهم ، فإذا ظهرت الفوائد عرفوا بالحب لله ، ليس للحب شبح ماثل ولا صورة فيعرف بجبلته وصورته ، وإنما يعرف المحب بأخلاقه وكثرة الفوائد التي يجريها الله على لسانه بحسن الدلالة عليه ، وما يوحى إلى قلبه ، فكلما ثبتت أصول الفوائد في قلبه نطق اللسان بفروعها ، فالفوائد من الله واصلة إلى قلوب محبيه ، فأبين شواهد المحبة لله شدة النحول بدوام الفكر ، وطول السهر بسخاء الأنفس على الأنفس بالطاعة ، وشدة المبادرة خوف المعاجلة ، والنطق بالمحبة على قدر نور الفائدة ، فلذلك قيل: إن علامة الحب لله حلول الفوائد من الله بقلوب من اختصه الله بمحبته .

فالحب لله في نفسه استنارة القلب بالفرح لقربه من حبيبه ، فإذا استنار القلب بالفرح استلذ الخلوة بذكر حبيبه ، فالحب هائج غالب ، والخوف لقلبه لازم لا هائج ، إلا أنه قد ماتت منه شهوة كل معصية ، وهدي لأركان شدة الخوف ، وحل الأنس بقلبه لله ، فعلامة الأنس استثقال كل أحد سوى الله ، فإذا ألف الخلوة بمناجاته حبيبه استغرقت حلاوة المناجاة العقل كله حتى لا يقدر أن يعقل الدنيا وما فيها ، ومن ذلك قول ضيغم العابد : " عجبا للخليقة كيف استنارت قلوبهم بذكر غيرك " ؟ وحدثني أبو محمد ، قال : " أوحى الله تعالى إلى داود - عليه السلام - : يا داود ، إن محبتي في خلقي أن يكونوا روحانيين ، وللروحانية علم ، هو أن لا يغتموا ، وأنا مصباح قلوبهم ، يا داود ، لا تمزج الغم قلبك فينقص ميراث حلاوة الروحانيين ، ياداود ، هممت للخبز أن تأكله وأنت تريدني ، وتزعم أنك منقطع إلي ، تدعي محبتي ، وأنك قد أحببتني ، وأنت تسيء الظن بي ، أما كان لك علم فيما بيني وبينك أن كشفت لك الغطاء عن سبع أرضين حتى أريتك دودة في فيها برة تحت سبع أرضين ، حتى تهتم بالرزق ، يا داود ، أقر لي بالعبودية أمنحك ثواب العبودية وهو محبتي ، يا داود ، تواضع لمن تعلمه ، ولا تتطاول على المريدين ، فلو يعلم أهل محبتي ما قدر المريدين عندي لكانوا للمريدين أرضا يمشون عليها ، وللحسوا أقدامهم ، يا داود ، إذا رأيت لي طالبا فكن له خادما ، واصبر على المؤونة تأتك المعونة ، يا داود ، لأن يخرج على يديك عبد ممن أسكره حب الدنيا حتى تستنقذه من سكرة ما هو فيه سميتك عندي جهبذا ، ومن كان جهبذا لم تكن به فاقة ولا وحشة إلى أحد من خلقي ، يا داود ، من لقيني وهو يحبني أدخلته جنتي " . 

قال الحارث بن أسد المحاسبي : " علامة أهل الصدق من المحبين وغاية أملهم في الدنيا أن تصبر أبدانهم على الدون ، وأن تخلص لهم النيات من فسادها ، ومنهم من يريد في الدنيا شواهد الكرامات عند سرعة الإجابة ، وغاية أملهم في الآخرة أن ينعمهم بنظره إليهم ، فنعيمها الإسفار وكشف الحجاب حتى لا يمارون في رؤيته ، والله ليفعلن ذلك بهم إذا استزارهم إليه " . 
وحدثني بعض العلماء ، قال : " أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء عليهم السلام : بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي ، وما يكابد المكابدون في طلب مرضاتي ، فكيف إذا صاروا إلى جواري ، واستزرتهم للمقعد عندي ، أسفرت لهم عن وجهي ، فهنالك فليبشر المصفون للرحمن أعمالهم بالنظر العجيب من الحبيب القريب ، أتراني أنسى لهم عملا ؟ كيف وأنا ذو الفضل العظيم ؟ أجود على المولين عني ، فكيف بالمقبلين علي ؟ وما غضبت على شيء كغضبي على من أخطأ خطيئة ثم استعظمها في جنب عفوي ، ولو  عاجلت أحدا بالعقوبة لعاجلت القانطين من رحمتي ، ولو يراني عبادي كيف أستوهبهم ممن اعتدوا عليهم بالظلم في دار الدنيا ثم أوجبت لمن وهبهم النعيم المقيم لما اتهموا فضلي وكرمي ، ولو لم أشكر عبادي إلا على خوفهم من المقام بين يدي لشكرتهم على ذلك ، ولو يراني عبادي كيف أرفع قصورا تحار فيها الأبصار فيقال : لمن هذه ؟ فأقول : لمن عصاني ولم يقطع رجاء مني ، فأنا الديان الذي لا تحل معصيتي ، ولا حاجة بي إلى هوان من خاف مقامي " . 

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء


Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: