المقالات الذوقية للإمام عبد القادر الجيلاني

المقالات الذوقية للإمام عبد القادر الجيلاني

المقالات الذوقية للإمام عبد القادر الجيلاني

الفناء

{افنَ عن الخلق بحكم الله عزّ وجلّ، وعن هواك بأمر الله تعالى، وعن إرادتك بفعل الله تعالى}

قال سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه  : افنَ عن الخلق بحكم الله عزّ وجلّ، وعن هواك بأمر الله تعالى، وعن إرادتك بفعل الله تعالى، فحينئذ تصلح أن تكون وعاءً لعلم الله، فعلامة فنائك عن خلق الله تعالى انقطاعك عنهم، واليأس مما في أيديهم.

وعلامة فنائك عن إرادتك: أن لا تريد مع إرادة الله عز وجل سواه، بل يجري فعله فيك وأنت ساكن الجوارح، مطمئن الجنان، مشروح الصدر، عامر الباطن، غني عن الاشياء بخالقها، تقلبك يد القدرة، ويدعوك لسان الأزل، ويعلمك رب الملك، ويكسوك من نوره خُللا، وينزلك منازل من مغيب من أولي العلم الأول.

فتكون أبداً منكسرا لا تثبت فيك إرادة غير إرادة الله سبحانه، فحينئذ يضاف إليك التكوين وخرق العادات فيرى ذلك منك في ظاهر الحكم، وهو فعل الله عزّ وجل حقاً في العلم، وهذه نشأة أخرى. فإذا وجدت فيك إرادة كسرت لوجودك فيها إلى أن يبلغ الكتاب أجله فيحصل اللقاء. 

فالفناء هو حد ومرد، وهو أن يبقى الله عزّ وجل وحده، كما كان قبل أن يخلق الخلق، وهذه حالة  الفناء، فإذا مت عن الخلق قيل لك : رحمك الله وأماتك من هواك، وإذا مت عن هواك قيل لك : رحمك الله  وأماتك عن إرادتك ومناك، وإذا مت عن الإرادة قيل لك: رحمك الله وأحياك، فحينئذ تحيا حياة لا موت بعدها، وتغنى غنى لا فقر بعده، وتعطى عطاء لا منع بعده، وتراح براحة لا شقاء بعدها، وتنعم بنعمة لا بؤس بعدها، وتعلم علماً لا جهل بعده، وتأمن أمناً لا خوف بعده، و تسعد فلا تشقى، وتعز لا تُذل، وتقرب فلا تبعد، وترفع فلا توضع، وتُعظم فلا تحقر، وتطهر فلا تدنس.

يا هذا كن مع الله تعالى كأن لا خَلق، ومع الخَلق كأن لا نَفس، فإذا كنت مع الله تعالى كَأَن لا خَلق وجَدت، وعن الكل فنيت، وإذا كنت مع الخلق كأن لا نفس عدلت واتقيت.

 اترك الكل على باب خلوتك، وادخل وحدك، ترى مؤنسك في خلوتك بغير سؤال، وتشاهد ما وراء العيان، وتزول النفس ويأتي مكانها أمر الله وقربه، فإن جهلك علم، وبعدك قرب، وصحتك ذكر، ووحشتك أنس.

يا هذا : ما ثم إلا خلق وخالق، فإن اخترت الخالق عزّ وجل فقل:{فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ}.

يا هذا : المؤمن إذا عمل صالحاً انقلبت نفسه قلبًا، ثم انقلب قلبه سرًا، ثم انقلب السر فصار فناء، ثم انقلب الفناء وجوداً.

يا هذا : الفناء إعدام الخلق، وانقلاب طبعك إلى طبع الملائكة، ثم الفناء عن طبع الملائكة ولحوقك بالمنهاج الأول، فحينئذ ليسقيك ربك ما يسقيك، ويزرع فيك ما يزرع، إن أردت هذا فعليك بالإسلام، ثم الاستسلام، ثم العلم بالله عزّ وجلّ، ثم المعرفة به بعد الوجود به، فإذا كان وجودك به كان كلك له .

يا هذا الزهد عمل ساعة، والورع عمل ساعتين، والمعرفة عمل الأبد.
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج اليه الأبرار لعبد القادر الجيلاني - 8

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج اليه الأبرار لعبد القادر الجيلاني - 8

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج اليه الأبرار لعبد القادر الجيلاني - 8

في بيان الأذكار


فقد هدى الذاكرين بقوله تعالى : (وَاذْكُرُوهُ كَمَاهَدَاكُمْ) إلى مراتب ذكركن، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :"أَفضَلُ ما أقولُ أَنا ومَا قالَهُ النَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لا إله إِلاّ الله".

فلكل مقام مرتبة خاصّة، إمّا جهرًا أو خفية، فالأول هداهم إلى ذكر اللسان، ثمّ إلى ذكر النفس ، ثم إلى ذكر القلب ، ثم إلى ذكر الرّوح ، ثم إلى ذكر السرّ، ثم إلى ذكر الخفي ، ثم إلى ذكر أخفى الخفي.

فأمّا ذكر اللسان : فكأنه بذلك يذكرالقلب ما نسيَ من ذكر الله تعالى.
وأمّا ذكر النفس : فهو ذكر غير مسموع بالحروف والصّوت، بل مسموع بالحسّ والحركة في الباطن.
وأما ذكر القلب : فهو ملاحظة القلب ما في ضميره من الجلال والجمال.
وأمّا نتيجة ذكر الرّوح : فهو مشاهدة أنوار تجليّات الصّفات.
وأمّا ذكر السّرّ : فهو مراقبة مكاشفة الأسرار الإلهية.
وأمّا الذكر الخفيّ : فهو معاقبة أنوار جمال الذّات الأحديّة في مقعد صدق.
واما ذكر أخفى الخفى : فهو النظر إلى حقيقة الحق اليقين ولا يطلع عليه غير الله تعالى كما قال الله تعالى : ( فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) وذلك أبلغ كل عوالم وأنهى كل مقاصد.

اعلم أن ثمة روحا آخر وهو ألطف من الأرواح كلها وهو طفل المعانى وهو لطيفة داعية بهذه الأطوار إلى الله تعالى وقالوا هذه الروح لا تكون لكل واحد بل هي للخواص كما قال الله تعالى :( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ..) وهذه الروح ملازمة عالم القدر، ومشاهدة (عالم) الحقيقة لا تلتفت الى غير الله تعالى قط كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الدنيا حرام على اهل الاخرة، والاخرة حرام على اهل الدنيا وهما حرامان على اهل الله).

وطريق الوصول إلى الله تعالى متابعة الجسم على الصراط المستقيم باحكام الشريعة ليلا و نهارا ودوام ذكر الله تعالى فرض قائم على الطالبين كما قال الله تعالى : (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ ....) والمراد من القيام النهار، ومن القعود الليل، ومن الجُنُوب، القبض، والبسط ، والصحة، والسقامة، والغنى، والفقر، والعز، والخلد، وما أشبه ذلك.
جلاء الخاطر في الباطن والظاهر -عبد القادر الجيلاني

جلاء الخاطر في الباطن والظاهر -عبد القادر الجيلاني

جلاء الخاطر في الباطن والظاهر -عبد القادر الجيلاني

يا غلام : إنما يتبين لك علم الله فيك، إذا رجعت إليه بكل قلبك وهمك، ولازمت باب رحمته، وجعلت بينك وبين الشهوات سدا من حديد، وتجعل القبر والموت نصب عيني رأسك وقلبك، وتراقب نظرات الحقّ عز وجل إليك، وعلمه بك وحضوره عندك وتستغني بالفقر وترضى الإفلاس وتقنع بالقليل مع حفظ الحدود؛ وهي امتثال الأمر والانتهاء عن النهي، والصبر على ما يرد من القدر فإذا دمت على هذا لقي قلبك ربّك، ودخل عليه سرُّ سرّك فحينئذ تنكشف الأشياء لك، ترى عين العين، وتصير كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه :{لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً}. وقيل له : {هل رأيت ربك ؟ فقال : لم أكن أعبد ربّاً لم أره}.

وسئل بعض الصالحين هل رأيت ربك ؟ فقال : لو لم أره لتقطعت مكاني . فإن قال قائل : كيف تراه ؟ فأقول : إذا خرج الخلق من قلب العبد ولم يبقَ فيه سوى الحقّ عزّ وجلّ يراه ويقربه كما يشاء، يُريه باطناً كما أُرِيَ غيرُهُ ظاهراً، يريه كما أرى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ليلة المعراج، كما شاء. يُري هذا العبد نفسه ويقرّبه ويحدّثه مناماً، وقد يجذب قلبه إليه يقظةً، يُغمض عيني وجوده فيراه بعيني قلبه كما هو عليه من حيث الظاهر ، ويعطيه معنى آخر فيراه به، يرى صفاته، يرى كراماته وفضله وإحسانه والظفر به. يرى برّه وكنفه. من تحققت عبوديته ومعبوديته ومعرفته لا يقول : أرني ولا ترني ولا أعطني ولا تعطني، يصير فانياً مستغرقاً؛ ولهذا كان يقول بعض من وصل إلى هذا المقام : إيش عليَّ منّي، ما أحسن ما قال : أنا عبده وليس للعبد مع السيّد اختيار ولا إرادة. اشترى رجل مملوكاً، وكان ذلك المملوك من أهل الدين والصلاح، فقال : يا مملوك إيش تريد تأكل ؟ فقال له : ما تطعمني. فقال له : ما الذي تريد أن تلبس ؟ فقال : ما تلبسني. فقال له : أين تريد أنْ تقعد منْ داري ؟ فقال : موضعاً تقعدني فيه. فقال له : ما الذي تحبّ أن تعمل من الأشغال ؟ فقال : ما تأمرني. فبكى الرجل وقال : طوبى لو كنت مع ربّي عزّ وجلّ كما أنت معي. فقال المملوك : يا سيّدي وهل للعبد مع سيّده إرادة واختيار ؟! فقال له : أنت حرّ لوجه الله عزّ وجلّ، وأريد أن تقعد عندي حتى أخدمك بنفسي ومالي. كلُّ من عرف الله عزّ وجلّ لا تبقى له إرادة ولا اختيار، ويقول : إيش علي مني.لا يزاحم القدر في أموره ولا في أمور غيره.
تحميل كتاب : الرسالة اللدنية  لأبو حامد الغزالي

تحميل كتاب : الرسالة اللدنية لأبو حامد الغزالي

تحميل كتاب : الرسالة اللدنية  لأبو حامد الغزالي

عنوان الكتاب : الرسالة اللدنية
المؤلف : أبو حامد محمد بن محمد الغزالي

الرسالة اللدنية أو رسالة في بيان العلم اللدني هي رسالة في العلم اللدني، تُنسب إلى الإمام الغزالي الطوسي (ت. 505 هـ)، اختلف الباحثون في كونه منحولا أم لا.

اختلف الباحثون في قضية نسبة هذه الرسالة إلى الغزالي، فلم يذكرها لا السبكي ولا المرتضى (وهما مرجعين رئيسيين ذكرا الكثير من تصانيف الغزالي)، غير أن الرسالة ورد ذكرها عند الحاجي خليفة. كما اختلف المستشرقون في نسبتها إلى الغزالي، فقد ذهب ماسينيون ومرجريت سميث والأب مكارثي إلى أنها للغزالي، وشكك في ذلك أسين بلاثيوسومونتكمري وات. وذهب عبد الرحمن البدوي في كتابه «مؤلفات الغزالي» إلى أنها صحيحة النسب للغزالي، غير أن مشهد العلاف عاد وشكك في نسبتها للغزالي وجزم أن كاتب الرسالة هو نفسه واضع كتاب «المضنون به على غير أهله» لتشابه اللغة وطريقة البحث.

أعلام التصوف : أَبُو الْعَبَّاس السياري

أعلام التصوف : أَبُو الْعَبَّاس السياري



أَبُو الْعَبَّاس السياري، واسْمه الْقَاسِم بن الْقَاسِم بن مهْدي ابْن بنت أَحْمد بن سيار، أحد علماء أهل السنة والجماعة ومن أعلام التصوف في القرن الرابع الهجري، قال عنه أبو عبد الرحمن السلمي : «كَان أول من تكلم عِنْدهم من أهل بلدهم فِي حقائق الْأَحْوَال، وكَانَ أحسن الْمَشَايِخ لِسَاناً فِي وقته»، وصفه الذهبي بأنّه: «الإِمَامُ، المُحَدِّثُ، الزَّاهِد»، كان من أهل مدينة مرو إحدى مدن تركمنستان، كَانَ فَقِيهاً عَالماً، كَتَب الحَدِيث الْكثير وَرَوَاهُ، توفّي سنة 342 هـ.

صحب أَبَا بكر مُحَمَّد بن مُوسَى الفرغاني الوَاسِطِيّ وَإِلَيْهِ ينتمي فِي عُلُوم التصوف، كما سَمِعَ من أَبَي المُوَجَّهِ، وَأَحْمَدَ بنَ عَبَّاد. وَسمع عَنْهُ عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ عَلِيٍّ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الحَاكِمُ، وَغيرُهُمَا.
وأسند الحديث
  • - حدثنا محمد بن أبي يعقوب ، ثنا القاسم بن القاسم السياري المروزي ، ثنا أبو الموجه محمد بن عمرو بغير حديث ، وحدثنا محمد بن الحسين بن موسى ، ثنا عبد الواحد بن علي السياري ، ثنا خالي أبو العباس القاسم بن القاسم السياري ، ثنا أحمد بن عباد بن سلم ، وكان من الزهاد ، ثنامحمد بن عبيدة النافقاني ، ثنا عبد الله بن عبيدة العامري ، ثنا سورة بن شداد الزاهد ، عن سفيان الثوري ، عن إبراهيم بن أدهم ، عن موسى بن يزيد ، عن أويس القرني ، عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لله تسعة وتسعين اسما مائة غير واحد ، ما من عبد يدعو بهذه الأسماء إلا وجبت له الجنة ، إنه وتر يحب الوتر ، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ، الملك ، القدوس ، السلام " إلى قوله " الرشيد ، الصبور " مثل حديث الأعرج عن أبي هريرة ، حديث الأعرج عن أبي هريرة صحيح متفق عليه ، وحديث الثوري عن إبراهيم فيه نظر لا صحة له .
  •  - أخبرنا عبد الواحد بن السيارى، قال: حدثنا أبو العباس، القاسم بن القاسم، السيارى؛ حدثنا أبو الموجه، محمد بن عمرو بن الموجه؛ أخبرنا عبد الله بن عثمان، قال: قرأت على أبى حمزة؛ عن الأعمش؛ عن أبى صالح؛ عن أبى هريرة، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (خير الكلام أربع، لايضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).
من أقواله
  • - الْأَغْنِيَاء أَرْبَعَة غنى بِاللَّه وغنى بغنى الله قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم «الْغَنِيّ غَنِي الْقلب» وغني بِالْيَقِينِ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم «كفى بِالْيَقِينِ غنى» وغنى لَا يذكر غنى وَلَا فقرا لما ورد على سره من هَيْبَة الْقُدْرَة.
  • - كيف السبيل إلى ترك ذنب كان عليك - فى اللوح المحفوظ - محفوظا ؟.
  • - بم يروض المريد نفسه ؟ وكيف يروضها ؟ فقال : بالصبر على الأوامر، واجتناب النواهى، وصحبة الصالحين، وخدمة الرفقاء، ومجالسة الفقراء. والمرء حيث وضع نفسه.
  • - ما التذ عاقل بمشاهدة قط ؛ لأن مشاهدة الحق فناء ليس فيه لذة ولا التذاذ، ولا حظ ولا احتظاظ.
  • - من عرف الله خضع له كل شيء، لأنه عاين أثر ملكه فيه.
  • - ما نطق احد عن الحق إلا من كان محجوبا.
  • - الحق غذا لاحظ عبدا ببره، غيبه عن كل مكروه فى وقته. وإذا لاحظه بسخطه، أظهر عليه من الوحشة ما يهرب منه كل أحد.
  • - من حفظ قلبه مع الله بالصدق أجرى الله على لسانه الحكمة.
  • - الخطرة للأنبياء، والوسوسة للأولياء، والفكرة للعوام، والعزم للفتيان.
  • - ما استقام إيمان عبد حتى يصبر على الذل مثل ما يصبر على العز.
  • - ظلم الأطماع تمنع أنوار المشاهدات.
  • - الربوبية نفاذ الأمر والمشيئة، والتقدير والقضية. والعبودية معرفة المعبود، والقيام بالعهود.
  • - يقول فى قوله تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ). قال: إظهار غائب وتغييب ظاهر .
  • - قال له رجل: أوصنى!. فقال: كن شريف الهمة، قريب المنظر، بعيد المأخذ، عزيزا غريبا .
  • - لباس الهداية العامة، ولباس الهيبة للعارفين، ولباس الزينة لأهل الدنيا، ولباس اللقاء للأولياء، ولباس التقوى لأهل الحضور، قال الله تعالى: ‎وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ‎ .
  • - قيل لبعض الحكماء: من أين معاشك ؟. قال : من عند من ضيق المعاش على من شاء، من غير علة ؛ ووسع على من شاء، من غير علة .
  • - من دقق النظر فى أمر دينه، وسع عليه الصراط فى وقته. ومن وسع النظر فى أمر دينه ضيق عليه الصراط فى وقته. ومن غاب عن حقوقه بحقوقه تعالى غاب عن حقوقه بحقوقه تعالى غاب عن كل شدة وعقوبة.
  • - سئل أبو العباس عن المعرفة، فقال : حقيقة المعرفة الخروج عن المعارف وأن لا يخطر بالقلب ما دونه.
  • - سئل أبو العباس عن قوله تعالى: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا). فقال: أهلهم فى الأزل للتقوى، فأظهر عليهم - فى الوقت - كلمة الإيمان والإخلاص.
في الحض على الثقة بالله في كل الأمور لاسيما أمر الرزق

في الحض على الثقة بالله في كل الأمور لاسيما أمر الرزق

في الحض على الثقة بالله في كل الأمور لاسيما أمر الرزق


ومنها : فالخصيم النفساني والشيطاني - لعنه الله - كلاهما لا يتسلط علينا من جهة من الجهات، كما يتسلط علينا من جهة أمر الرزق، وقد أقسم لنا ربنا بنفسه في كتابه أنه الحق : {مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ}وفيه أيضاً :{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} وفيه آيات كثيرة في هذا المعنى.
وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث كثيرة.

وقد قال ولي الله تعالى الكبير سيدي أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه : "عليّ أن أعبُده كما أمَرني، وعليه أن يَرزُقني كما وعَدَني". إلى غير ذلك.

وما ذكرت لك هذا إلاّ خوفا عليك أن يصيبك مثل ما أصاب جل الناس، لأني أرى كثيرهم لهم أسباب كثيرة دينية ودنياوية، وهم يخافون الفقر أشد الخوف، فلو علموا ما في الاشتغال بالله من الخيرات لتركوا الأسباب الدنياوية بالكلية، واشتغلوا به، أي بأمره، وحيث جهلوا ولم يعلموا، فبعدما جمعوا بين السببين الديني والدنياوي لم تسكن روعتهم من خوف الفقر، ولا من خوف الخلق، وهذه غفلة عظيمة، وحالة ذميمة، وعليها أكثر الناس، بل كاد أن يكون عليها جميعهم - والعياذ بالله -، فاحذر يا أخي منها، واجعل كلِيَتَك عند ربك ترى عجباً، ولا تجعلها عند الدنيا كالناس لئلا يصيبك ما أصابهم. والله لو كانت قلوبنا عند ربنا حتى تأتينا الدنيا إلى داخل دارنا، فأحرى خارجها، إذ قال لها مولانا سبحانه :{يا دنياي اخدمي من حدمَني وأتعِبي مَن خَدمَك}.

والله لو كنا لربنا حتى يكون الكون وما فيه لنا كما كان لغيرنا، إذ جعله سبحانه خادماً لنا كما جعلنا خادماً له سبحانه، فإذا بنا قد بدلنا سيدنا ومولانا سبحانه بمن نحن أسياده ومواليه ولم نستح، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والأسباب الدينية هي التي ينبغي الاعتناء بها في كل زمان، وفي هذا الزمان أحرى وأحرى، لأن الدينية بلا دنياوية كأنها لم تكن، وقد كانت والله، وما هي الآن كائنة، والله على ما نقول وكيل.

ونرى - والله أعلم - أنه لا يقدر واحد أن يقول لجل صلحاء الزمان : قَلِّلُوا مِن الأسباب الدنياوية، وأَكثروا من الأسباب الأخراوية، والله ينُوب عليكم كما نَابَ عن غيركم، فلا يقبل منك اليوم قط، والله أعلم إلا إن قلت احرث، واكسب ، واتّجر، وهكذا. وأما إن قلت : اترك وازهد واتبع، فقد قلّ من يسمع ذلك من خاصة أهل الوقت، فأحرى عامتهم.

واسمع ما قال ولي الله تعالى سيدي أبو العباس المرسي رضي الله عنه : "للناس أسباب وسببنا نحن الإيمان والتقوى، قال الله تعالى :{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}.

وقال مرة أخرى : للناس أسباب، وسببنا {الله} ، والسلام.

**   **   **
رسائل مولاي العربي الدرقاوي


شرح الحكم العطائية (37) : شُعَاعُ الْبَصِيرَةِ يُشْهِدُكَ قُرْبَهُ مِنْكَ ، وَعَيْنُ الْبَصِيرَةِ يُشْهِدُكَ عَدَمَكَ لِوُجُودِهِ...

شرح الحكم العطائية (37) : شُعَاعُ الْبَصِيرَةِ يُشْهِدُكَ قُرْبَهُ مِنْكَ ، وَعَيْنُ الْبَصِيرَةِ يُشْهِدُكَ عَدَمَكَ لِوُجُودِهِ...

شرح الحكم العطائية (37) : شُعَاعُ الْبَصِيرَةِ يُشْهِدُكَ قُرْبَهُ مِنْكَ ، وَعَيْنُ الْبَصِيرَةِ يُشْهِدُكَ عَدَمَكَ لِوُجُودِهِ...

( شُعَاعُ الْبَصِيرَةِ يُشْهِدُكَ قُرْبَهُ مِنْكَ ، وَعَيْنُ الْبَصِيرَةِ يُشْهِدُكَ عَدَمَكَ لِوُجُودِهِ ، وَحَقُّ الْبَصِيرَةِ يُشْهِدُكَ وُجُودَهُ ، لاَ عَدَمَكَ وَلاَ وُجُودَكَ )

البصيرة ناظر القلب ، كما أن البصر ناظر القلب ، فالبصيرة ترى المعاني اللطيفة النورانية ، والبصر يري المحسوسات الكيفية الظلمانية الوهمية .
ثم البصيرة باعتبار إدراك نور المعاني اللطيفة عل خمسة أقسام :

     قسم فسد ناظرها فعميت ، فأنكرت نور الحق من أصله قال سيدي البوصيري :
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد

 وينكر الفم طعم الماء من سقم 

   وقسم صح ناظرها لكنها مسدودة لضعف ناظرها لمرض أصابه ، فهي تقر بالنور لكنها لا تقوي علي مشاهدته ، و لا تشهد قربه منها ولا بعده عنها ، وهي لعامة المسلمين  وقسم صح ناظرها وقوي شيئا ما ، حتي قرب أن يفتح عينه ، ولكن لشدة الشعاع لم يطق أن يفتح عينه فأدرك شعاع النور قريبا منه ، وهو لعامة المتوجهين ، ويسمي هذا المقام شعاع البصيرة وقسم قوي ناظرها ففتح عين بصيرته فأدرك النور محيطا به حتي غاب عن نفسه بمشاهدة النور ، وهذا لخاصة المتوجهين ، ويسمي هذا المقام عين البصيرة 
وقسم صحت بصيرته واشتد نورها فاتصل نورها بنور أصلها ، فلم تر إلا النور الأصلي ، وأنكرت أن يكون ثم شىء زائد علي نور الأصل ، كان الله ولا شىء وهو الآن علي ما عليه كان ويسمي هذا حق البصيرة ، ووجه تسميته بشعاع البصيرة أن صاحبها لما كان
يرى وجود الأكوان انطبعت في مرآة بصيرته ، فحجبته عن شهود النور من أصله ، لكن لما رقت كثافتها وتنورت دلائلها ، رأى شعاع النور من ورائها قريبا منه ، فأدرك الشعاع ولم يدرك النور ، وهذا هو نور الإيمان ، وهو مقام علم اليقين.
ووجه تسمية عين البصيرة : أن البصيرة لما صحت وقويت انفتحت عينها فرأت النور محيطا ومتصلا بها ، فسميت عين البصيرة ، لانفتاحها وإدراكها ما خفي علي غيرها ، وهذا مقام عين اليقين. 

ووجه تسمية حق البصيرة : أن البصيرة لما أدركت الحق من أصله وغابت عن نور الفروع بنور الأصول ، سميت حق البصيرة ، لما أدركته من الحق ، وغابت عن شهود الخلق ، وهذا مقام حق اليقين فشعاع البصيرة هو نور الإيمان لأهل المراقبة ، وعين البصيرة هو نور الإحسان لأهل المشاهدة ، وحق البصيرة هو نور الرسوخ والتمكين لأهل المكالمة .
أو تقول : شعاع البصيرة نور علم اليقين ، وعين البصيرة هو نور عين اليقين وحق البصيرة هو نور حق اليقين . فعلم اليقين لأهل الدليل والبرهان ، وعين اليقين لأهل الكشف والبيان وحق اليقين لأهل الشهود والعيان .

مثال ذلك : كمن سمع بمكة مثلا ولم يرها ، فهذا عنده علم اليقين ، فإذا استشرف عليها ورآها ولم يدخلها فهو عين اليقين ، فإذا دخلها وتمكن فيها فهو حق اليقين ، وكذلك طالب الحق ، فمازال من وراء الحجاب فانيا في الأعمال فهو في علم اليقين ، فإذا استشرف على الفناء في الذات ولم يتمكن من الفناء فهو عين اليقين ، فإذا رسخ وتمكن فهو في حق اليقين .

أو تقول : شعاع البصيرة لأهل عالم الملك ، وعين البصيرة لأهل عالم الملكوت ، وحق البصيرة لأهل عالم الجبروت .
أو تقول : شعاع البصيرة لأهل الفناء في الأعمال  وعين البصيرة لأهل الفناء في الذات ، وحق البصيرة لأهل الفناء في الفناء .
فشعاع البصيرة يشهدك قرب الحق منك : أي يوجب لك شهود قرب نور الحق منك .
قال تعالي : " ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " وقال تعالي : " وهو معكم أينما كنتم " .
وعين البصيرة يشهدك عدمك : أي زوالك بزوال وهمك لوجوده أي وجود الحق إذ محال أن تشهد معه سواه ، فإذا زال عنك الوهم وفنيت عن وجودك ، شهدت ربك بربك ، وهو علامة فتح البصيرة وعلاج .
فظاهره أن عامة المسلمين عميت بصيرتهم . والتحقيق هو ما تقدم من  التفصيل ، وأنها مسدودة فقط مع صحة ناظرها ، بخلاف بصيرة الكفار فإنها عمياء.

وحق البصيرة يشهدك وجود الحق وحده لا وجودك ، لأنك مفقود من أصلك وعدمك إذ لا يعلم إلا ما ثبت له وجود ، ولم يكن مع الله موجود . 

قال محيي الدين بن محمد بن علي بن العربي الحاتمي رضي الله عنه : "من شهد الخلق لا فعل لهم فقد فاز ، ومن شهدهم لا حياة لهم فقد جاز ، ومن شهدهم عين العدم فقد وصل"قلت : ومن شهدهم بعين العدم فقد تمكن وصاله.

**    **    **
إيقاظ الهمم في شرح الحكم
هل من تفكير لحل مشكلة التكفير؟

هل من تفكير لحل مشكلة التكفير؟

هل من تفكير لحل مشكلة التكفير؟

إن ظاهرة التكفير وإخراج الناس من دينهم أصبحت ظاهرة خطيرة عند الشباب الإسلامي "المتدين"، وحتى عند أغلب دعاة ومشايخ "الإسلام السياسي"؛ إذ لا تستطيع أن تناقش الواحد منهم إلا وأخرجك من الملة، فهذه الظاهرة؛ أي ظاهرة التكفير بين المسلمين، أصبحت تنذر بكوارث لا تحمد عقباها، وإذا لم تعالج بقوانين زجرية صارمة ستتفاقم وتنمو وتكبر، وبالتالي يصعب حلها ومعالجتها؛ مع العلم أن هذه الظاهرة قد بدأت مبكرا مع ما يسمون "الخوارج" في عهد خلافة الإمام علي رضي الله عنه. ومن أغرب قصصهم كما سجلها التاريخ الإسلامي: ذبح مسلم تقرباً إلى الله، والتعفف عن تمرة كافر تورعا. يقول ابن كثير: "وكان من جملة من قتلوه - يعني الخوارج- ابن الصحابي الجليل عبد الله بن خباب، صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أسروه وامرأته معه وهي حامل فقالوا له: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم وأنتم قد روعتموني، فقالوا: لا بأس عليك، حدثنا ما سمعت من أبيك، فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم يقول: "ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي"، فقادوه بيده، فبينما هو يسير معهم لقي بعضهم خنزيرا لبعض أهل الذمة فضربه بعضهم بسيفه فشق جلده، فقال له آخر: لم فعلت هذا وهو لذمي؟ فذهب إلى ذلك الذمي فاستحله وأرضاه؛ وبينما هو معهم إذ سقطت تمرة من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فمه، فقال له آخر: بغير إذن ولا ثمن؟ فألقاها ذاك من فمه، ومع هذا قدموا عبد الله بن خباب فذبحوه، وجاءوا إلى امرأته فقالت: إني امرأة حبلى ألا تتقون الله، عز وجل! فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها.." (البداية والنهاية 10/ 584).

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال فيهم: "يقتلون أهل الإسلام ويدَعون أهل الأوثان" (متفق عليه)، وهكذا استمرت مدرسة التكفير تتناسل جيلا بعد جيل عبر تاريخنا الإسلامي تحصد الأرواح وتسفك الدماء وتهلك الحرث والنسل. حتى أكابر علماء أمتنا الإسلامية لم ينجوا من سلاح التبديع والتفسيق والشنق والقتل والتكفير، وآخرهم الفقيهة المغربية "أسماء المرابط"..

وللتكفير أسباب كثيرة، منها عدم فهم روح الإسلام ومقاصده الكبرى وقيمه المثلى؛ ناهيك عن عدم فهم التكفيري لحقيقة العبادة في الدين؛ والذي اختزلها في حلق الرأس وتطويل اللحية، وتقصير السروال، وتقطيب الجبين، مع الشدة في القول والفعل، والميل إلى تحريم كل شيء، وجعله هو الأصل؛ بينما الإسلام الذي جاء به نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، من قيمه وأصوله التي بني عليها التيسير لا التعسير، والتبشير لا التنفير. والأصل في الأشياء كما قال الفقهاء الإباحة. والمتتبع لحياة التكفيري الاجتماعية والثقافية يجد أن هناك علاقة حميمية بينه وبين قلة الفقه والعلم بالدين، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبعثه الله "جل جلاله" معنتا ولا متعنتا، ولكن بعثه مبشراً ونذيراً، ومعلماً وميسراً، ومربياً ومزكياً، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ، وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا" (الأحزاب:45-46)، وقال سبحانه: "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ" (الجمعة:2). وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لم يبعثني معنِّتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً مُيسراً" (رواه مسلم).

مدارس ومناهج التيسير -في الحقيقة- دائما ارتبطت بالفقهاء والعلماء الكبار، ولذلك كان حبر هذه الأمة وترجمان القرآن، ومن دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين ومعرفة التأويل ابن عباس رضي الله عنه هو رائد هذه المدرسة؛ لأن أهل الفقه يعلمون علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى هو وحده المطلع على قلوب عباده، العليم الخبير بأحوالهم ونوايا أعمالهم، ويعلم كذلك من الكافر منهم ومن المؤمن، فلا يفوته شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. يقول سبحانه وتعالى: "وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ، وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ، وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَر إلا في كتاب مبين..َ." (يونس: 61). ومع هذا البيان القرآني الواضح الذي جعل الحق المطلق لله في علم أحوال عباده، وهل هم من أهل الإيمان أم من أهل الشرك والكفر والضلال، يأتي اليوم هؤلاء (التكفيريون) ويصدرون مجموعة من اﻷحكام البئيسة في حق بعض المسلمين والمسلمات؛ ﻻ لشيء إﻻ أنهم يختلفون معهم في الرأي والفكر والمذهب، مع أن جميعهم ينتمون إلى أهل السنة والجماعة. ولهذا فمصطلح أهل "السنة والجماعة"، وفي ظل التقاتل والتطاحن بين المسلمين وأهل السنة أنفسهم، قد أصبح بدون معنى؛ بحيث كل طائفة وكل جماعة وكل تيار إسلامي يعتبر نفسه ناطقا رسميا باسم الله، وباسم أهل السنة والجماعة، وباسم السلف الصالح، وما سواه من المسلمين فهم ليسوا على شيء، كما قالت اليهود والنصارى. "وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ، وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ، كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ". (البقرة : 113).

والغريب في الأمر أن هذه الظاهرة انتشرت بكثرة، في أوساط المسلمين المغاربة، مع أن أهل المغرب أشاعرة، والأشاعرة لا يكفرون أهل القبلة، ولهذا الإمام الأشعري رحمه الله تعالى المتوفى سنة 324 ه قد رفض عقيدة التكفير بشدة، حتى إن آخر كلمة مات عليها هي قوله لأحد جلسائه وهو يحتضر: "اشهد علي أني لا أكفر أحدا من أهل هذه القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات.." (تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعري، لابن عساكر الدمشقي، ص: 149 ). وعندما يتعلق الأمر بقضايا اجتهادية، فإن أئمة العقيدة الأشعرية يظهرون تسامحا لا نظير له؛ حيث لم يكفروا من اجتهد في تقريب بعض قضايا الاعتقاد، كإنكار رؤية الله تعالى، أو القول بخلق الأفعال ومسألة الوعد والوعيد وخلق القرآن وبقاء الأعراض، وغير ذلك من دقائق علم الكلام؛ فالأولى كما يقرر علماء السنة عدم التكفير، لكون أصحابها من المتأولين، والتأويل إنما هو ضرب من الاجتهاد في فهم النص، وهو عمل يثاب عليه المجتهد، سواء أخطأ أم أصاب..(شرح النفراوي لرسالة ابن أبي زيد القيرواني، 1/111).

وفي السياق ذاته لقد وضع الإمام الغزالي المتوفى سنة ( 505 هِ) قاعدة مهمة في ما يتعلق بتكفير المسلمين فقال: "ينبغي الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلا، فاستباحة الدماء والأموال من المصلين للقبلة، المصرحين بقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم.."؛ كما وضع رحمه الله تعالى قواعد أخرى كلها مستنبطة من روح الإسلام وشرعه الحكيم منها: "إن الخطأ في حسن الظن بالمسلم أسلم من الصواب في الطعن فيه، فلو سكت إنسان مثلا عن لعن إبليس أو لعن أبي جهل أو أبي لهب أو ما شئت من الأشرار طول عمره لم يضره السكوت، ولو هفا هفوة بالطعن في مسلم، بما هو بريء عند الله تعالى منه فقد تعرض للهلاك.." ( الاقتصاد في الاعتقاد، للإمام الغزالي، ص: 153).

وخلاصة القول أن التكفير سلاح خطير فتاك بيد التيارات التكفيرية، يستخدمونه في وجه المسلمين، وفي وجه من يخالفهم الرأي والتوجه من أهل العلم والفقه والفكر والثقافة..فمعالجته أمنيا وثقافيا وقانونيا من الواجبات الشرعية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، ويا ليت المملكة المغربية نهجت نهج الإمارات العربية المتحدة في هذا الأمر؛ بحيث أصدر رئيسها الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، الاثنين 20 يوليوز 2015م، مرسوم قانون يجرم التمييز على أساس الدين أو العقيدة أو الأصل الإثني. كما يمنع هذا المرسوم استغلال الدين في تكفير الأفراد أو الجماعات ويفرض عقوبات تصل إلى الإعدام إذا اقترن التكفير بالتحريض على القتل فوقعت الجريمة بسبب ذلك. وبهذا يكون المغرب قد انسجم مع عقيدته الأشعرية وخصوصياته الدينية والثقافية .
لماذا لا نعبد الله كما عبده الصالحون؟

لماذا لا نعبد الله كما عبده الصالحون؟

لماذا لا نعبد الله كما عبده الصالحون؟


    ترسخ في لاوعي المتدين عموما ارتباط الفعل التعبدي بمفهوم الثواب والعقاب ، وهو مفهوم انتشر بناء على فكر فقهي وخطاب وعظي ابتلي بإصلاح العامة ، بينما الخاصة والصالحون يعملون ويقصدون بعملهم وجه الله تعالى امتثالا لقوله تعالى : (يريدون وجهه)1. نعم إننا نجد من بين علماء أصول الفقه من سعى إلى تجاوز الرؤية السابقة ليصل بنا إلى العمق التربوي للأعمال الشرعية والأفعال التعبدية والبعد الاشتغالي التقربي الوارد في الحديث القدسي: (ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه... )2، ومن هؤلاء الإمام أبو إسحاق الشاطبي ،فقد نقل الشاطبي النسق الاستدلالي للأصوليين للفعل التكليفي من مستويات معايير (الحسن والقبح) و (الثواب والعقاب) إلى مستوى (الحق والهوى) و(القرب والبعد)، وهو معيار تجاوز به صورية التأصيل، فالصحة والبطلان اللذان تناولا الفعل التكليفي في النظر الأصولي التقليدي، أصبحا من خلال النظرية الأخلاقية الأصولية عند أمثال الشاطبي يرتكزان على المكلف وقصده والعلاقة القبلية و البعدية بين العمل والهوى، لذلك قرر الشاطبي أن كل عمل كان المتبع فيه الهوى بإطلاق من غير التفات إلى الأمر أو النهي أو التخيير، فهو باطل بإطلاق، لأنه لا بد للعمل من حامل يحمل عليه، وداع يدعو إليه، فإذا لم يكن لتلبية الشارع في ذلك مدخل فليس إلا مقتضى الهوى والشهوة، وما كان كذلك فهو باطل بإطلاق لأنه خلاف الحق بإطلاق " (3)، وقال :" الشريعة أتت لإخراج المكلف عن داعية هواه " (4)،، والمسألة منطقية، لأن الشاطبي انطلق في تأصيله من منطق عملي يستحضر البعد النفسي للمكلف ، لذلك قام منهجه الأصولي على أسس برغماتية تراعي الجانب العملي ولا تهمل نفسية المكلف، وتقوم الفعل التكليفي من خلال الممارسة والقصد في نفس الوقت، ولا تقتصر على إسناد الجهة الشرعية للفعل على مستوى تجريدي يتعامل مع صور الأفعال الممارسة.

   إن التكليف مبني على العقل ، ولكن الشاطبي تعامل مع مفهوم متميز للعقل جعله أساسا لمفهوم التكليف،وهو مفهوم مراتبية العقول،والحقيقة أن جذور هذا المفهوم توجد في الفكر الإحيائي ،فقد عقد الغزالي في الإحياء فقرة عنون لها بما يلي " بيان تفاوت النفوس في العقل " (5)، و نفس الرؤية نجدها عند الغزالي في كتابه " ميزان العمل " حيث يقول : " وإذا عرفت أن معيار الأعمال مأخوذة من مقدار الصفات والأخلاق، لم يخف عليك أن الطريق في هذا تختلف باختلاف الأشخاص، وتختلف في حق شخص واحد باختلاف الأحوال، فمن رزق البصيرة تتبع العلة وعالجها بطريقها، ولما كان أكثر الناس يعجزون عنه ، اقتصر الشرع في التفصيل على القوانين المشتركة التي تعم جدواها من الطاعات، وترك المعاصي المحظورة، ثم رغب عن المباحات التي تقصد للتلذذ بأمور جميلة، كقوله " حب الدنيا رأس كل خطيئة " وأمثاله، ثم عرف أهل البصيرة منه غاية المطلوب وطريقه، وغاية المحظور وطريقه، ووقفوا به على التفصيل، وأرشدوا إليه من وفق لإتباعهم فكانوا نوابا عن الأنبياء في تفصيل ما أجملوه وشرح ما مهدوه، ولذلك قال عليه السلام " العلماء ورثة الأنبياء " (6)".

   لقد ركز الأصوليون عموما على المرتبة الدنيا للتكليف التي ترتكز على المرتبة الدنيا للعقل، وهي مرتبة تقترن بمرحلتي التمييز والبلوغ، وذلك لأنها المرتبة المشتركة بين سائر المكلفين، ولأنها العتبة التي يدخل منها الإنسان إلى عالم التكليف، وقد أغفل كثير من الأصوليين الحديث ،اللهم إلا ما كان عرضا، عن المرتبة العليا من التكليف التي لا تتحدد بدورها إلا على سبيل التجوز، وترتبط بما يسمى عقلا كاملا، وإلا فان العقل عن الله تعالى لا غاية له، ولكن قد يقع اسم الكمال على الأغلب من الأسماء في العقل عن الله تعالى، لا العقل بالكمال الذي لا يحتمل الزيادة على حد تعبير الحارث المحاسبي (7).

**      **     **
1 سورة الكهف الآية 28
2 صحيح الإمام البخاري - رقم: 6502
3 المرجع السابق ص : 124 ج : 2.
4 المرجع السابق ص : 255 ج : 2.
نفس الرؤية يكررها الغزالي في كثير من مؤلفاته، فهو يقول في كتاب القواعد العشرة : " القاعدة الثالثة: موافقة الحق بالاتفاق والوفاق ومخالفة النفس بالصبر على الفراق والمشتاق ... "، القاعدة الرابعة ": العمل بالإتباع لا بالابتداع، لئلا يكون صاحب هوى " (القواعد العشرة للغزالي ص : 150)
5 المرجع السابق ص : 104 ج : 1.
6 أبو حامد الغزالي : " ميزان العمل " ص : 73.
7 الحارث المحاسي : شرف العقل وماهيته للمحاسبي ص : 32.


اشتراط القصد والهمة للطالب

اشتراط القصد والهمة للطالب

اشتراط القصد والهمة للطالب


   ويشترط على كل طالب أن يقصد بالهمة، ولكل قاصد نصيب، فإذا صح قصد المريد مع شيخه وأستاذه لا يصعب عليه أمر ولا مطلب، ويكون بهمة شيخه في مطلبه وقصده، ويصدق الجديث النبوي : {إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى}؛ لأن نية المؤمن أبلغ من عمله، لكن التمام أن تكون نيته سابقة لله سبحانه قبل عمله، فالعارفون سَمَوا بهممهم بالله إلى مقام الاجتباء والاصطفاء، فأتتهم المنة الكبرى في سؤدد الولاية العظماء قوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} فنفى عنهم مولاهم الحق جميع الخوف والحزن؛ لأنه قد تولاهم بكل فضيلة ومنحة وعطية، فإن ظهر منهم شيء من خوف العادات، فلا لهم فيه مطمع ولا مجال، بل هم نافيها إلا لصلاح مريد، أو كفاية فتنة، أو مهمة عن الأمة جميع الإنس والجان، فنارت بهم الكائنات الكل، فهم أوتادها ونجومها وأقمارها وشموسها، واليقين وكماله حقهم، ومسلكهم على الصراط المستقيم؛ لأنه قد أنعم عليهم بالهدية، ونفى عنهم الضلالة والشكوك، وغمرهم بالأنس به، وأزال عنهم الشك والريب، فلهم المناجاة والخشوع، وإسبال الدموع في حال السجود والركوع حاضرين غائبين، وفانين في سرادقات الجمال المطلق من غير دهشة، ويشربون من المدامة، ولا يأخدهم فيها السكر؛ لكمالهم وقوة يقينهم، ولا يلتفتون إلى شيء دقّ أو جلّ، فيرون، ويسمعون في حضرة القدس، وإليها يأوون، قوله تعالى:{يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ } فنالوا الرحمة الشاملة البارزة من عين الرحمة السابقة، والسعادة الأبدية وقوله تعالى :{ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّات النَّعِيم } فاقطع عنك كل مطمع لغير ذلك، ولا تعرج على شيء من المقامات والأحوال، لكن كن في ذلك الشيء العزيز، فإن المنة والمنحة والخصوصية قدها لهم بمنة الله سبحانه وتعالى، فكانوا في ذلك في مقام الإحسان، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، ولا عليك حجاب ولا رقيب من هذه المنحة؛ لأنه السابق بإحسان في مظهر وجود عبده مع خضوع العبد وإسلامه، وانقياده لأمره؛ لأنه تحت فطرة رحمته الواسعة التي وسعت كل شيء، بخلاف شدة نقمته لأعدائه، والمراد هنا الطمع في هذه الرحمة الواسعة؛ لأن الجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات، وبين ذلك سرّ عظيم خفي، هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، فقبضة رحمة، وقبضة شقوة، ولكن العبد تحت أمر سيده في أي الحالتين كانت له العبودية لا يخرج عنها بنفسه، ولكن يخرج منها بوسع الرحمة التي سبقت لعباده الصالحين، ومن هنا إشارة سبحان الله وبحمده.

**      **      **

معراج الأرواح والمنهج الوضاح