الأحد، 25 فبراير 2018

إيقاظ الهمم في شرح الحكم (26)

إيقاظ الهمم في شرح الحكم (26)

إيقاظ الهمم في شرح الحكم (26)

(الرَّجَاءُ مَا قَارَنَهُ عَمَلٌ ، وَإِلاَّ فَهُوَ أُمْنِيةٌ)

قال بعض العلماء : " الرجاء تعلق القلب بمطموع يحصل في المستقبل مع الأخذ في العمل المحصل له وأقرب منه طمع يصحبه عمل في سبب المطموع فيه لأجل تحصيله ". والأمنية إشتهاء وتمني لا يصحبه عمل ، فإن كان مع الحكم والجزم فهو تدبير وهو أتم قبحاً قاله الشيخ زروق . فمن رجا أن يدرك النعيم الحسي كالقصور والحور فعليه بالجد والطاعة والمسارعة إلى نوافل الخيرات ، وإلا كان رجاءه حمقاً وغروراً ، وقد قال معروف الكرخي رضي الله عنه :" طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب ، وارتجاء الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور ، وارتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق " ومن كان رجاءه تحقيق العلوم وفتح مخازن الفهوم ، فعليه بالمدارسة والمطالعة ومجالسة أهل العلم المحققين العاملين مع تحليته بالتقوى والورع قال تعالى : ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ) فإن فعل هذا كان طالباً صادقاً وإلى ما رجا واصلاً ، وإلا كان باطلاً وبقي جاهلاً ، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم :" إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ " والذي تفيده التقوى ، إنما هو فهم يوافق الأصول ويشرح الصدور ويوسع المعقول ، ومن كان رجاءه الوصول إلى إدراك المقامات وتحقيق المنازلات ومواجيد المحبين وأذواق العارفين ، فعليه بصحبة الفحول من الرجال أهل السر والحال بحط رأسه وذبح نفسه والأخذ فيما كلفوه به من الأعمال مع الذل والافتقار والخضوع والانكسار ، فإن زعم أنه لم يجدهم فليصدق في الطلب فسر الله كله في صدق الطلب ، وليستغرق أوقاته في ذكر الله وليلتزم الصمت والعزلة وليحسن ظنه بالله وبعباد الله فإن الله يقيض له من يأخذ بيده ، إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ ، وقد ثبت أن حقائق علوم الصوفية منح إلهية ومواهب إختصاصية لا تنال بمعتاد الطلب فلزم مراعاة وجه ذلك وهو ثلاث : أولها : العمل بما علم قدر الإستطاعة. الثاني : اللجاء إلى الله على قدر الهمة. الثالث : إطلاق النظر في المعاني حال الرجوع لأصل السنة فيجري الفهم وينتفي الخطأ ويتيسر الفتح. وقد أشار الجنيد رحمه الله تعالى إلى ذلك بقوله :"ما أخذنا التصوف عن القيل والقال والمراء والجدال ، وانما أخذناه عن الجوع والسهر وملازمة الأعمال" . وفي الخبر عنه عليه الصلاة والسلام : "مَنْ عَمِلَ بِما عَلِمَ أَوْرَثَهُ الله عِلْمُ ما لَمْ يَعْلَمْ" وقال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه :"إإذا اعتقدت النفوس على ترك الآثام، جالت في الملكوت، ثم عادت إلى ذلك العبدبطرائف الحكمة، من غير أن يؤدي إليها عالم علمًا" فمن رجا أن يدرك هذه الأمور المتقدمة وشرع في أسبابها وتحصيل مباديها كان علامة على نجح مطلبه وكان رجاؤه صادقاً ، ومن طمع فيها من غير أن يأخذ بالجد في أسباب تحصيلها كان أمنية أي غروراً وحمقاً ، وكان الحسن رضي الله عنه يقول :" يا عباد الله اتقوا هذه الأماني فأنها أودية النوكي يحلون فيها فو الله ما أتى الله عبداً بأمنية خيراً في الدنيا والآخرة" والنوكي بفتح النون جمع أنوك وهو الأحمق ، ولما كان من رجا شيئاً وطمع فيه الغالب أنه يطلبه ، بين الشيخ خير ما يطلبه العبد ويرجوه فقال :

السبت، 24 فبراير 2018

عليك بهذه الخصال الستة فإنك لا تحتاج إلى علم غيره.

عليك بهذه الخصال الستة فإنك لا تحتاج إلى علم غيره.

عليك بهذه الخصال الستة فإنك لا تحتاج إلى علم غيره.

     قال شقيق لحاتم الأصم : مذ أنت صحبتني أي شيء تعلمت ؟ قال : " ست كلمات " قال : أولهن ؟ قال : " رأيت كل الناس في شك من أمر الرزق ، وإني توكلت على الله تعالى ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) فعلمت أني من هذه الدواب واحد فلم أشغل نفسي بشيء قد تكفل لي به ربي ، قال : أحسنت ، فما الثانية ؟ قال : رأيت لكل إنسان صديقا يفشي إليه سره ويشكو إليه أمره ، فقلت : أنظر من صديقي فكل صديق وأخ رأيته قبل الموت فأردت أن أتخذ صديقا يكون لي بعد الموت فصادقت الخير ; ليكون معي إلى الحساب ، ويجوز معي إلى الصراط ويثبتني بين يدي الله عز وجل . قال : أصبت فما الثالثة ؟ قال : رأيت كل الناس لهم عدو ، فقلت أنظر من عدوي فأما من اغتابني فليس عدوي ، وأما من أخذ مني شيئا فليس هو عدوي ، ولكن عدوي الذي إذا كنت في طاعة الله أمرني بمعصية الله ، فرأيت ذلك إبليس وجنوده فاتخذتهم عدوا ، فوضعت الحرب بيني وبينهم ، ووترت قوسي ووصلت سهمي فلا أدعه يقربني . قال : أحسنت ، فما الرابعة ؟ قال : رأيت الناس لهم طالب كل واحد منهم يوما واحدا فرأيت ذلك ملك الموت ففرغت له نفسي حتى إذا جاء لا ينبغي أن أمسكه فأمضي معه . قال : أحسنت ، فما الخامسة ؟ قال : نظرت في هذا الخلق فأحببت واحدا وأبغضت واحدا ، فالذي أحببته لم يعطني والذي أبغضته لم يأخذ مني شيئا فقلت : من أين أتيت هذا ؟ فرأيت أني أتيت هذا من قبل الحسد ، فطرحت الحسد من قلبي فأحببت الناس كلهم فكل شيء لم أرضه لنفسي لم أرضه لهم ، قال : أحسنت فما السادسة ؟ قال : رأيت الناس كلهم لهم بيت ومأوى ، ورأيت مأواي القبر فكل شيء قدرت عليه من الخير قدمته لنفسي حتى أعمر قبري فإن القبر إذا لم يكن عامرا لم يستطع القيام فيه ، فقال شقيق : عليك بهذه الخصال الستة فإنك لا تحتاج إلى علم غيره ".
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

الأربعاء، 21 فبراير 2018

وَجَبَتْ محَبتِّي للمُتَحَابِّين فِيَّ، والمُتَجالِسينَ فيّ، والمُتبَاذِلينَ فِيّ، والمُتَزَاوِرينَ فِيّ

وَجَبَتْ محَبتِّي للمُتَحَابِّين فِيَّ، والمُتَجالِسينَ فيّ، والمُتبَاذِلينَ فِيّ، والمُتَزَاوِرينَ فِيّ


الإشارة: كل خُلة وصحبة تنقطع يوم القيامة، إلاَّ خُلة المتحابين في الله، وهم الذين ورد في الحديث: أنهم يكونون في ظل العرش، والناس في حر الشمس، يغشى نورُهم الناسَ في المحشر، يغبطهم النبيون والشهداء لمنزلتهم عند الله. قيل: يا رسول الله، مَن هؤلاءِ؟ صفهم لنا لنعرفهم، قال: " رجالٌ من قبائلَ شتى، يجتمعون على ذكر الله ". وقد ورد فيهم أحاديث، منها: حديث الموطأ، عن معاذ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " قال الله تعالى: " وَجَبَتْ محَبتِّي للمُتَحَابِّين فِيَّ، والمُتَجالِسينَ فيّ، والمُتبَاذِلينَ فِيّ، والمُتَزَاوِرينَ فِيّ " ، وفي رواية أبي مُسلم الخولاني: قال صلى الله عليه وسلم: " المتحابُّون في الله على مَنَابرَ من نورٍ، في ظِلِّ العرشِ، يوم لا ظِلَّ إِلا ظِلُّه " ، وفي حديث آخر: " ما تحابّ اثنان في الله إلا وُضِعَ لهما كُرسِيّاً، فيجلِسَانِ عليه حتى يَفْرغَ من الحساب " وقال صلى الله عليه وسلم: " إنَّ المُتَحَابِّين في الله لَتَرى غُرفَهُم في الجنة كالكوكب الطَّالِعِ الشَّرقِي أو الغربي، فيقال: مَن هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء المُتَحَابُّونَ في الله عزّ وجل ". وفي رواية: " إنّ في الجنة غُرَفاً يُرى ظواهِرُها مِن بَوَاطِنِها، وبَواطِنُها من ظَواهرها، أعدَّها الله للمُتحابِّين في الله، والمُتَزَاورِينَ فيه، والمُتباذِلين فيه "
وفي لفظ آخر: " إنَّ في الجنة لعُمُداً من ياقوتٍ، عليها غُرَفٌ من زَبَرْجد، لها أبواب مُفَتَّحَةٌ تُضيء كما يُضيء الكوكب الدُّرِّي، قلنا: يا رسول الله، مَن يَسْكُنُها؟ قال: المتحابُّون في الله، والمتباذِلُون في الله، والمتلاقون في الله، مكتوب على وجوههم، هؤلاء المتحابون في الله " وفي الأثر أيضاً: إذا كان يوم القيامة: نادى منادٍ: أين المتحابون في الله؟ فيقوم ناس - وهم يسير - فَيَنْطَلِقُون إلى الجَنَّ سِرَاعاً، فَتَتَلقَّاهم الملائكة: فيقولون: رأيناكم سِراعاً إلى الجنة، فمَن أنتم؟ فيقولون: نحن المتَحَابُّون في الله فيقولون: وما كان تحابُّكُم؟ فيقولون: كنَّا نتحاب في الله ونتزاورُ في الله، ونتعاطف في الله، ونتباذل في الله، فيُقال لهم: ادخلوا الجنة، فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين. هـ. من البدور السافرة. والتباذل: المواساة بالبذل. وذكر في الإحياء شروط المتحابين في الله، فقال رضي الله عنه: اعلم أن عقد الأخوة رابطة بين الشخصين، كعقد النكاح بين الزوجين، ثم قال: فَلأخيك عليك حق في المال، وفي النفس، وفي اللسان، وفي القلب. وبالعفو، وبالدعاء، وذلك تجمعه ثمانية حقوق. الحق الأول: في المال بالمواساة، وذلك على ثلاثة مراتب أدناها: أن تُنزله منزلة عبدك وخادمك، فتقوم بحاجاته بفضله مالك، فإذا سنحت له حاجة، وعندك فضلة أعطيته ابتداءً، فإذا أحوجته إلى سؤال فهو غاية التقصير. الثانية: أن تنزله منزلة نفسك، وترضى بمشاركته إياك في مالك، فتسمح له في مشاركته. الثالثة - وهي العليا -: أن تؤثره على نفسك، وتقدم حاجته على حاجتك، وهي رتبة الصدّيقين، ومنتهى درجات المتحابين. الحق الثاني: الإعانة بالنفس في قضاء الحاجات، والقيام بها قبل السؤال، وهذا أيضاً لها درجات كالمواساة، فأدناها: القيام بالحاجة عند السؤال، ولكن مع البشاشة والاستبشار، وإظهار الفرح. وأوسطها: أن تجعل حاجته كحاجتك، فتكون متفقداً لحاجته، غير غافل عن أحواله، كما لا تغفل عن أحوال نفسك، وتغنيه عن السؤال. وأعلاها: أن تؤثره على نفسك، وتقدم حاجته على حاجتك، وتؤثره على نفسك، وأقاربك، وأولادك. كان الحسن يقول: إخواننا أحبُّ إلينا من أهلينا وأولادنا لأن أهلينا يذكروننا الدنيا، وإخواننا يذكروننا في الآخرة. الحق الثالث: على اللسان بالسكوت، فيسكت عن التجسُّس، والسؤال عن أحواله، وإذا رآه في طرقه فلا يسأله عن غرضه وحاجته، فربما يثقل عليه، أو يحتاج إلى أن يكذب، ويسكت عن أسراره التي بثها إليه، فلا يبثها إلى غيره، ولا إلى أخص أصدقائه، ولا يكشف شيئاً منها ولو بعد القطيعة، وليسكن عن مماراته ومدافعته في كلامه. الحق الرابع: على اللسان بالنطق، فيتودد إليه بلسانه، ويتفقده في أحواله، كالسؤال عن عارض عرض له، وأظهر شغل القلب بسببه، فينبغي أن يظهر له بلسانه كراهتها. والأحوال التي يُسِرُّ بها، ينبغي أن يظهر له بلسانه كراهتها.
والأحوال التي يُسِرُّ بها، ينبغي أن يظهر له بلسانه مشاركته في السرور بها. فمعنى الأخوة: المساهمة في السراء والضراء، ويدعوه بأحب أسمائه في حضوره ومغيبه، ويُثني عليه بما يعرف من محاسن أحواله، عند مَن يريد هو الثناء عنده، وكذا على أولاده وأهله، حتى على عقله، وخُلُقه، وهيئته، وخطه، وشعره، وتصنيفه، وجميع ما يفرح به، من غير كذب ولا إفراط، ويذب عنه في غيبته مهما قُصد بسوء، ويُعلمه مما علّمه الله وينصحه. الحق الخامس: العفو عن الزلاّت والهفوات، فإن كان زلته في الدين بارتكاب معصية، فليتلطّف في نصحه، فإن بقي مُصرّاً، فقد اختلف الصحابة في ذلك، فذهب أبو ذر إلى مقاطعته، وقال: إذا انقلب أخوك عما كان عليه فأبغضه من حيث أحببته. وذهب أبو الدرداء، وجماعة، إلى خلاف ذلك، وقال أبو الدرداء: إذا تغيّر أخوك عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك فإن أخاك يُعوجُّ مرة، ويستقيم أخرى. وهذا ألطف وأفقه، وذلك لما في هذه الطريق من الرفق، والاستمالة، والتعطُّف، المفضي إلى الرجوع والتوبة. وأيضاً: للأخوة عقد، ينزل منزلة القرابة، فإذا انقعدت وجب الوفاء بها، ومن الوفاء: ألا يهمله أيام حاجته وفقره، وفقر الدين أشد من فقر المال. ثم قال: والفاجر إذا صَحِبَ تقيّاً وهو ينظر إلى خوفه رجع عن قريب، ويتخلّى من الإصرار، بل الكسلان يصحب الحريص في العمل، فيحرص، حياءً منه، وإن كانت زلته في حقك فلا خلاف أن العفو والاحتمال هو المطلوب. هـ. قلت: ولعل حق القلب يندرج هنا مع المحبة وشهود الصفاء منه. الحق السادس: الدعاء له في حياته ومماته بكل ما يُحب لنفسه وأهله. قلت: ومن ذلك زيارة قبره، وإيصال النفع له في ذلك الوقت. الحق السابع: الوفاء والإخلاص. ومعنى الوفاء: الثبات على الحب، وإدامته إلى الممات، معه ومع أولاده وأصدقائه. الحق الثامن: التخفيف وترك التكليف والتكلُّف، فلا تُكلف أخاك ما يشق عليه بل تُرَوح سره عن مهماتك وحاجاتك، وترفهُه عن أن تحمّله شيئاً من أعبائك، ولا تكلفه التواضع لك، والتفقُّد والقيام بحقوقك، بل ما تقصد بمحبته إلا الله تعالى. هـ. باختصار. وفي وصية القطب ابن مشيش، لأبي الحسن رضي الله عنهما: لا تصحب مَن يُؤثر نفسه عليك، فإنه لئيم ولا مَن يُؤثرك على نفسه، فإنه قلما يدوم واصحب مَن إذا ذكر ذكر الله، فالله يغني به إذا شهد، وينوب عنه إذا فُقِدْ، ذكره نور القلوب، ومشاهدته مفاتح الغيوب. ومعنى كلام الشيخ: لا تصحب مَن يبخل عنك بما عنده من العلوم، ولا مَن يتكلّف لك، فإنه لا يدوم، وهذه صحبة الشيخوخة. وقال صلى الله عليه وسلم:" مَثَلُ الأَخَوَيْنِ كَمَثَلِ اليَدَيْنِ، يَغْسِلُ إِحداهُما الأُخرى، وكَمَثَلِ البُنْيَان يَشُدُّ بَعْضُه بعضاً " وفي معناه قيل:
إِنَّ أخَاكَ الحقَّ مَن كَانَ مَعَك وَمَن يَضُرُّ نَفْسَه لِيَنْفَعَك وَمَنْ إِذا رَأَى زَمَاناً صَدَّعَكَ شَتَّتَ فِيكَ شَمْلَهُ لِيَجْمَعَك   
وهذا في حق الإخوان، والله تعالى أعلم.

 تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة

الثلاثاء، 20 فبراير 2018

قوم استغرق الذكرُ جميعَ أوقاتهم { ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً }

قوم استغرق الذكرُ جميعَ أوقاتهم { ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً }

قوم استغرق الذكرُ جميعَ أوقاتهم { ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً }


قال تعالى: { ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً } .

     قال ابن عربي : "{ الذين يذكرون الله } في جميع الأحوال وعلى جميع الهيئات { قياماً } في مقام الروح بالمشاهدة { وقعوداً } في محلّ القلب بالمكاشفة { وعلى جنوبهم } أي: تقلباتهم في مكان النفس بالمجاهدة { ويتفكرون } بألبابهم أي: عقولهم الخالصة عن شوب الوهم { في خلق } عالم الأرواح والأجساد".

     استغرق الذكرُ جميعَ أوقاتهم ؛ فإن قاموا فبذكره ، وإن قعدوا أو ناموا أو سجدوا فجملة أحوالهم مستهلكة في حقائق الذكر. يذكرون الله قياماً على بساط الخدمة ثم يقعدون على بساط القربة . والذكر طريق الحق - سبحانه - فما سلك المريدون طريقاً أصحَّ وأوضح من طريق الذكر، وإن لم يكن فيه سوى قوله: " أنا جليس من ذكرني " لكان ذلك كافياً.
    
     يقول القشيري : "والذاكرون على أقسام ، وذلك لتباين أحوالهم : فذكر يوجب قبض الذاكر لما يذكره من نَقْصٍ سَلَفَ له ، أو قُبْحٍ حصل منه ، فيمنعه خجله عن ذكره، فذلك ذكر قبض . وذكر يوجب بسط الذاكر لما يجد من لذائذ الذكر ثم تقريب الحقِّ إياه بجميل إقباله عليه . وذاكر هو محو في شهود مذكوره؛ فالذكر يجري على لسانه عادةً، وقلبه مُصْطَلَمٌ فيما بدا له . وذاكر هو محل الإجلال يأنف من ذكره ويستقذر وصفه، فكأنه لتصاغره عنه لا يريد أن يكون له في الدنيا والآخرة (ثناء) ولا بقاء، ولا كون ولا بهاء.
والذكر عنوان الولاية، وبيان الوصلة، وتحقيق الإرادة، وعلامة صحة البداية، ودلالة صفاء النهاية، فليس وراء الذكر شيء، وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر، ومُنْشَأَةٌ عن الذكر".
     إن المريد يُؤمَر أول أَمرِهِ بذكر اللسان، حتى يفضي إلى الجنان، فينتقل الذكر إلى القلب ، ثم إلى الروح ، وهو الفكر، ثم إلى السر، وهو الشهود والعيان ، وهنا يخرس اللسان، ويغيب الإنسان في أنوار العيان.

    فإذا بلغ العبد هذا المقام - الذي هو مقام الإفراد - اتحدت عنده الأوراد ، وصار ورداً واحداً ، وهو عكوف القلب في الحضرة بين فكرة ونظرة ، أو إفراد القلب بالله ، وتغيبه عما سواه . قال في الإحياء في كتاب الأوراد: "الموحد المستغرق الهم بالواحد الصمد ، الذي أصبح وهمومه هم واحد، فلا يحب إلا الله ، ولا يخاف إلا منه ، ولا يتوقع الرزق من غيره ، ولا ينظر في شيء إلا يرى الله فيه ، فمن ارتفعت رتبته إلى هذه الدرجة ، لم يفتقر إلى ترتيب الأوراد واختلافها ، بل ورده بعد المكتوبات ورد واحد ، وهو حضور القلب مع الله في كل حال ، فلا يخطر بقلبه أمر، ولا يقرع سمعه قارع ، ولا يلوح لنظره لائح ، إلاَّ كان له فيه عبرة وفكرة ومزيد ، فلا محرك ولا مسكن إلا الله ".
 شرح الحكم العطائية  : " اخْرُجْ مِنْ أَوْصَافِ بَشَرِيَّتِكَ" ابن عبَّاد الرُندي.

شرح الحكم العطائية : " اخْرُجْ مِنْ أَوْصَافِ بَشَرِيَّتِكَ" ابن عبَّاد الرُندي.

 شرح الحكم العطائية  : " اخْرُجْ مِنْ أَوْصَافِ بَشَرِيَّتِكَ" ابن عبَّاد الرُندي.


( اخْرُجْ مِنْ أَوْصَافِ بَشَرِيَّتِكَ عَنْ كُلِّ وَصْفٍ مُنَاقِضٍ لِعُبُودِيَّتِكَ لِتَكُونَ لِنِدَاءِ الْحَقِّ مُجِيبًا وَمِنْ حَضْرَتِهِ قَرِيبًا )


     إخلاص كل عبد في أعماله على حسب رتبته ومقامه ، فأما من كان منهم من الأبرار فمنتهى درجة إخلاصه أن تكون أعماله سالمة من الرياء الجلي والخفي ، وقصد موافقة أهواء النفس طلباً لما وعد الله به المخلصين من جزيل الثواب ، وحسن المآب  ، وهربا عما أوعد به المخلطين من أليم العذاب ، وسوء الحساب ، وهذا من التحقق بمعنى قوله تعالى : "إياك نعبد" - أي لا نعبد إلا إياك ، ولا نشرك في عبادتنا غيرك .
     
     وحاصل أمره إخراج الخلق عن نظره في أعمال بره ، مع بقاء رؤيته لنفسه في النسبة إليها ، والاعتماد عليها . وأما من كان منهم من المقربين فقد جاوز هذا إلى عدم رؤيته لنفسه في عمله ، فإخلاصه إنما هو في شهود انفراد الحق تعالى بتحريكه وتسكينه ، من غير أن يرى لنفسه في ذلك حولا ولا قوة ، ويعبر عن هذا المقام بالصدق الذي يصح به مقام الإخلاص .

      وصاحب هذا مسلوك به سبيل التوحيد واليقين ، وهو من التحقق بمعنى قوله تعالى :"وإياك نستعين" أي لا نستعين إلا بك ، لا بأنفسنا وحولنا وقوتنا ، فعمل الأول هو لله تعالى ، وعمل الثاني هو العمل بالله ، فالعمل لله يوجب المثوبة ، والعمل بالله يوجب القربة ، والعمل لله يوجب تحقيق العبادة ، والعمل بالله يوجب تصحيح الإرادة ، والعمل لله نعت كل عابد ، والعمل بالله نعت كل قاصد ، والعمل لله قيام بأحكام الظواهر ، والعمل بالله قيام بالضمائر ، وهذه العبارات للإمام أبي قاسم القشيري رضي الله عنه - وبهذا يتبين الفرق بين المقامين ، وتباينهما في الشرف والجلالة ، فإخلاص كلّ عبد هو روح أعماله ، فبوجود ذلك تكون حياتها وصلاحيتها للتقرب بها ، ويكون فيها أهلية وجود القبول لها ، وبعد ذلك يكون موتها وسقوطها عن درجة الاعتبار ، وتكون إذ ذاك أشباحا بلا أرواح ، وصورا بلا معان  .
     قال بعض المشايخ : "صحح عملك بالإخلاص ، وصحح إخلاصك بالتبري من الحول والقوة".

تعقيب

     وخلاصة معنى الحكمة كما يقول ابن عجيبة في إيقاظ الهمم :الأعمال كلها أشباح وأجساد، وأرواحها وجود الإخلاص فيها، فكما لا قيام للأشباح إلا بالأرواح، وإلا كانت ميتة ساقطة، كذلك لا قيام للأعمال البدنية والقلبية إلا بوجود الإخلاص فيها. وإلا كانت صورا قائمة، وأشباحا خاوية لا عبرة بها، ولذا قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) وقال تعالى :"فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ".
والإخلاص على ثلاث درجات : درجة العوام ، والخواص ، وخواص الخواص ، فإخلاص العوام : هو إخراج الخلق من معاملة الحق ، مع طلب الحظوظ الدنيوية والأخروية ، كحفظ البدن والمال وسعة الرزق والقصور والحور ، وإخلاص الخواص : طلب الحظوظ الأخروية دون الدنيوية ، وإخلاص خواص الخواص : إخراج الحظوظ بالكلية ، فعبادتهم تحقيق العبودية ، والقيام بوظائف الربوبية ، أو محبة وشوقاً إلى رؤيته ، كما قال ابن الفارض :


ليس سؤلي من الجنان نعيماً        غير أني أحبها لأراكاً


وقال آخر (وينسب إلى رابعة العدوية)


كلهم يعبدون من خوف نار         ويرون النجاة حظاً جزيلاً
أو بأن يسكنوا الجنان فيضحوا      في رياض ويشربوا السلسبيلاً
ليس لي في الجنان والنار رأى     أنا لا أبتغي بحبي بديلاً

الاثنين، 19 فبراير 2018

قواعد التصوف للشيخ أحمد زروق الفاسي (الجزء 4)

قواعد التصوف للشيخ أحمد زروق الفاسي (الجزء 4)



قاعدة 166
لا تمدحن أحدا إلا من حيث مدحه الله

قبول مدح الخلق والنفرة من ذمهم، إن أوجب خروجا عن الحق في الجانبين دل على الاستناد إليهم فيه، وذلك خروج عن الحقيقة التي هي النظر إلى الله تعالى في المدح والذم، بان لا تتجاوز الحق في مدح مادح، ولا في ذم ذام، حتى أنه لو مدحك من شأنه الذم، لاقتصرت على مقدار ما واجهك به، وما علمته من أوصافه المحمودة من غير تغرير، ولو ذمك من شأنه المدح لم يخرجك ذلك عن إقامة حقه بمدحه وهذا جار في العطاء والمنع. فلا تمدحن أحدا إلا من حيث مدحه الله، ولا تذمن أحدا، إلا من حيث ذمه الله. والله سبحانه اعلم، فافهم.
قاعدة 167
إظهار الكرامة وإخفاؤها على حسب النظر لأصلها وفرعها

إظهار الكرامة وإخفاؤها على حسب النظر لأصلها وفرعها فمن عبر من بساط إحسانه أصمتته الإساءة مع ربه، ومن عبر من بساط إحسان الله، لم يصمت إذا أساء. وقد صح: (إظهار الكرام من قوم وثبت العمل في إخفائها من قوم كالشيخ أبي العباس المرسي في الإظهار وابن أبي جمرة في الإخفاء رضي الله عنهما حتى قال بعض تلامذة ابن أبي جمرة: طريقهما مختلف. فبلغ ذلك شيخه، فقال: والله ما اختلفت قط طريقنا لكنه بسطه العلم، وأنا قبضني الورع. وهذا فصل الخطاب في بابه، والله سبحانه اعلم.
قاعدة 168
قبول تبرك الناس

ما رتب من الأحكام على ما في النفس، وما لا علم به إلا من قبل إعلام الشخص، ففقهه فيه منه بعد تحقيق حكم الأصل. ومن ذلك وجود التبرك. فمن علم من نفسه وجود التكبر والنظر لها، وعظم دعواها وتصديقها للتعظيم، تعين عليه عدم القبول. ومن غلب عليه حسن الظن باله (له) ببركة العباد المتوجهين لهو وحسن الظن بهم في أنفسهم، فله قبول ذلك في محله. ومن غلب عليه سوء الظن بنفسه، وحسن الظن بالناس أو إطلاق أمرهم فالمنع مضر به لتمكن دعواها وإيثارة شررها، وربما كان العكس فليعتبر ذلك من بلى به كأنه عروس بكر مفتضة من زنا، تنتظر الستر، فإن كان حصل الخير للجميع، وإلا فليس على أصحاب الوليمة عيب. والله اعلم.
قاعدة 169
الله يقضي للأولياء حوائج الخلق غيرة على قلوبهم من الانشغال بغيره

غيرة الحق على أوليائه من سكون غيره قلوبهم. وشغلهم بالغير عنه هو الموجب لقضاء ما تهمموا به من حوائجهم وحوائج غيرهم، حتى قيل: إن الولي إذا أراد أغنى، ومنه قول الناس له:"خاطرك" أي ليكن بالك، لعل الله أن ينظر إلي فيما أنا فيه، فيريح خاطرك مني. ومن ثم كان أكثر الأولياء في بدايتهم يسرع أثر مقاصدهم في الوجود لاشتغالهم بما يعرض، بخلاف النهاية، فإن الحقيقة مانعة من اشتغال قلوبهم، بغير مولاهم إلا من حيث أمرهم، فينتفع بهم المريدون في طلب الحق لا غيرهم كما يحكى عن الشيخ أبي مدين رحمه الله انه كان يفتح للناس على يده ويصعب عليه أقل حاجاته، وقد قيل: إنما هما اثنان، ولي وصفي.
فالولي: من يتحقق له كل ما يريد.
والصفي: من يتسلط على قلبه الرضا بما يجري، فافهم.
قاعدة 170
انفراد الحق تعالى بالكمال قاض بثبوت النقص لمن سواه

انفراد الحق تعالى بالكمال قاض بثبوت النقص لمن سواه فلا يوجد كامل إلا بتكميله تعالى، وتكميله من فضله. فالنقص أصل، والكمال عارض. وبحسب هذا، فطلب الكمال في الوجود على وجه الأصالة باطل. ومن ثم قيل: انظر للخلق بعين الكمال، واعتبر في وجودهم النقص. فإن ظهر الكمال يوما ما فهو فضل، وإلا فالأصل هو الأول، وبذلك يقع الاحتراز وحسن الظن، ودوام العشرة، وعدم المبالاة بالعثرة، وكذا معاملة الدنيا كما قال الجنيد رحمه الله، إذ قال: (أصلت أصلا، لا أتشبع بعده ما يرد علي من العالم، وهو أن الدنيا دار هم وغم وبلاء وفتنة). وأن العالم كله شر. ومن حكمه أن يتلقاني بكل ما أكره فإن تلقاني بكل ما أحب فهو فضل، وإلا فالأصل هو الأول. انتهى بمعناه وهو عجيب والله اعلم.
قاعدة 171
جواب على مسالة الغني الشاكر والفقير الصابر

الفقر والغنى وصفان وجوديان، يصح اتصاف الحق بالثاني منهما دون الأول، فلزم فضله عليه.
ثم هل تعلق العبد بوصف ربه أولى أو تحققه بوصفه أتم؟ وهي مسألة الغني الشاكر، والفقير الصابر، وللناس فيها طريقان، والحق أن كلا منهما مضمن بالآخر، فلا تفاضل، وقد اختار كلا مهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (أجوع يوما وأشبع يوما) الحديث، فافهم.
قاعدة 172
من الناس من يغلب الغنى بالله فتظهر عليه الكرامات وينطق لسانه بالدعوى

من الناس من يغلب الغنى بالله، فتظهر عليه الكرامات، وينطق لسانه بالدعوى من غير احتشام ولا توقف، فيدعى بحق عن حق، لحق في حق، كالشيخ أبي محمد عبد القادر الجيلاني، وأبي يعزى وعامة متأخري الشاذلية.
ومنهم من يغلب عليه الفقر إلى الله، فيكل لسانه، ويتوقف مع جانب الورع، كابن أبي جمرة وغيره. ومن الناس من تختلف أحواله فتارة وتارة، وهو أكمل الكمال، لأنه حاله صلى الله عليه وسلم، إذا أطعم ألفا من صاع، وشد الحجر على بطنه، فافهم.
قاعدة 173
النهي عن إضاعة المال

ملك العبد لما بيده من أعراض الدنيا غير متحقق له، بل إنما هو خازن فيه لقصره عليه تصرفا وانتفاعا دون غيره. ومن ثم حرم الله الإقتار والإسراف حتى عد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنجيات: القصد في الغنى والفقر. ونهى عليه السلام عن إضاعة المال إلى غير ذلك. فمن ثم قال لنا شيخنا أبو العباس الحضرمي رضي الله عنه: ليس الشأن من يعرف كيفية تفريق الدنيا فيفرقها، إنما الشأن من يعرف كيفية إمساكها فيمسكها.
قلت: وذلك لأنها كالحية ليس الشأن في قتلها أنما الشأن في إمساكها وهي حية.
وفي الحديث: (ليس الزهد بتحريم الحلال، ولا بإضاعة المال، إنما الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك).
وقال الشيخ أبو مدين رضي الله عنه: (الدنيا جرادة ورأسها حبها، فإذا قطع رأس الجرادة حلت).
وقال الشيخ أبو محمد عبد القادر رضي الله عنه لما سئل عن الدنيا: (أخرجها من قلبك، واجعلها في يدك، فإنها لا تضرك) انتهى.
وكل هذه الجمل تدل على أن  الزهد فيها ليس عين تركها. فافهم.
قاعدة 174
الزهد في الشيء برودته عن القلب

الزهد في الشيء برودته عن القلب، حتى لا يعتبر في وجوده، ولا في عدمه. فمن ثم قال الشاذلي رضي الله عنه: (والله لقد عظمتها إذ زدهت فيها). قلت: يعني بالظاهر، لأن الإعراض عنها تعظيم لها وتعظيم للمظاهر بتركها كما أشار إليها ابن العريف في مجالسه، والهروي في مقاماته.
وقد قال أيضا رضي الله عنه: رأيت الصديق في المنام فقال لي: علامة خروج حب الدنيا من القلب بذلها عند الوجد. ووجود الراحة منها عند الفقد، كحال الصحابة رضي الله عنهم، إذ لم ينظروا إليها عند الفقد، ولا شغلتهم عند الوجد: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} وقال: لا يبيعون ولا يتجرون.
وقد أدب الله تعالى الأغنياء بقوله: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا). الآية.
وأدب الله الفقراء بقوله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن، واسألوا الله من فضله، إن الله كان بكل شيء عليما). وذلك لا يقتضي عينا ولا وقتا فلزم التزام كل ما أمر الله به، فافهم.
قاعدة 175
ذم الدنيا أو مدحها

ما ذم لا لذاته، قد يمدح لا لذاته. ومنه وجود المال والجاه والرياسة ونحو ذلك مما ليس بمذموم لذاته، ولا محمود في ذاته، بل يحمد ويذم لما يعرضه له، ولذلك ذم صلى الله عليه وسلم الدنيا بقوله: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله)، ومدحها بقوله: (فنعمة مطية المؤمن). وأثنى سبحانه على قوم طلبوا الرياسة الدينية إذ قالوا: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما).
فكان ابن عمر يقول: اللهم اجعلني إماما للمتقين.
قال مالك رحمه الله: ثواب المتقين عظيم، فكيف بإمامهم.
وقال صلى الله عليه وسلم: (أسألك رحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة).
وقال ذلك الرجل له عليه الصلاة والسلام: (دلني على عمل إن عملته أحبني الله، وأحبني الناس، فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس). الحديث.
وقال يوسف الصديق صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع النبيين والمرسلين: (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)، إلى غير ذلك. فلزم اعتبار النسب وتحقيق المقام باحة ومنعا. والمحاشاة اقرب لسلامة الضعيف من باب ضعفه لا لخلل في ذات الحكم إذا الأصل الإباحة.
ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: (انك رجل ضعيف، وانك إن طلبت الإمارة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها) فافهم.
قاعدة 176
ليس من شان الصوفي تعظيم الخلق بوجه ولا بحال

لا يباح ممنوع لدفع مكروه، ولا مباح يخشى منه دون التحقق بالوقوع في ممنوع أعظم منه، لا مندوحة عنه.
فمن ثم لا يجوز لأحد أن يجعل دفعه بمحرم. متفق عليه. ثم له في المختلف فيه مندوحة وإن خف الخلاف فيه وتعذر المكروه عليه بعد تعذر ذلك، فالمباح المستبشع كقصة لص الحمام ونحوه، لا قصة الشاهد إذ لم تقع، وإنما ذكر له الشرط اختبارا لعظمة نفسه حتى ظهر له علة منعه.
وقياس المسألة بمن غص بلقمة لا يجد لها مساغا إلا جرعة خمر، لا يصح إذ تفوته به الحياة التي ينتفع بها وجوده، فيكون قد أعان على قتل نفسه وتعطيل حياته من واجبات عمره بخلاف ذلك، فإنما يفوته به الكمال لا غير. ومقصد القوم بذلك، الفرار من نفوسهم، لا التستر من الخلق، لأن التستر منهم تعظيم لهم، فعاد الأمر عودا على بدئه، وليس من شأن الصوفي تعظيم الخلق بوجه ولا بحال، فافهم.
قاعدة 177
من أراد الظهور فهو عبد الظهور ومن أراد الخفاء فهو عبد الخفاء

إفراد القلب لله تعالى مطلوب بكل حال، فلزم نفي الرياء بالإخلاص ونفي العجب بشهود المنة، ونفي الطمع بوجود التوكل، ومدار الكل على سقوط الخلق من نظر العبد. فلذلك قال سهل بن عبد الله رضي الله عنه: (لا يبلغ العبد حقيقة من هذا الأمر حتى تسقط نفسه من عينه فلا يرى في الدارين إلا هو وربه، أو يسقط الخلق من عينه فلا يبالي بأي حال يرونه).
قلت: فلذلك ينتفي عنه كل شيء من ذلك، وإلا دخل الرياء عليه من حيث لا ينظر الخلق إليه، باستشرافه لعلم الخلق بخصوصيته.
وقد قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: من أراد الظهور، فهو عبد الظهور، ومن أراد الخفاء، فهو عبد الخفاء وعبد الله سواء عليه أظهره أو أخفاه. انتهى وهو لباب هذا الباب.
قاعدة 178
إذا صح أصل القصد فالعوارض لا تضر

إذا صح أصل القصد فالعوارض لا تضر، كما قال مالك رحمه الله في الرجل يحب أن يرى في طريق المسجد، ولا يحب أن يرى في طريق السوق. وفي الرجل يأتي المسجد، فيجد الناس قد صلوا، فيرجع معهم حياء.
وكما قال صلى الله عليه وسلم في الرجل: (يحب جمال نعله وثوبه).
ومن ثم قال سفيان الثوري رضي الله عنه: (إذا جاءك الشيطان في الصلاة فقال: انك مراء فزده طولا).
وقال الفضيل رحمه الله: (العمل لأجل الناس شرك، وترك العمل لأجل الناس رياء، والإخلاص أن يعافيك الله منهما) انتهى.
وفي طيه أن الرياء يقع بالترك كالفعل، واشتقاقه من الرؤية، رؤية المرائي للخلق في رؤيتهم له، ولولا ذلك لما صح منه في الخلوة، ثم هو فيما قصد للعبادة لا فبما قصد به الخلق مجردا، فانه الشرك الأعظم أو قريب منه والله تعالى اعلم.
قاعدة 179
نفي الخواطر بإقامة الحجة على إبطالها يمكنها في النفس ودفعها يكون بالتلهي عنها

قصد نفي الخواطر بإقامة الحجة على إبطالها يزيدها تمكينا في النفس لسبقها وقيام صورتها في الخيال. فظهر أن دفعها إنما هو بتسليمها والتلهي عنها في أي باب كانت ومن ثم قال سفيان: (فزده طولا).
وقال صلى الله عليه وسلم: (ليقل الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة).
ويقال: (الشيطان كالكلب، إن اشتغلت بمقاومته مزق الإهاب، وقطع الثياب، وإن رجعت إلى ربه صرفه عنك برفق).
وقد جاءني ليلة في بعض الصلوات وقال: انك مراء، فعارضته بوجوه، فلم يرجع حتى فتح الله بتسليم دعواه وطردها في كل أعمالي بحيث قلت: (إثبات الرياء في هذه إثبات للإخلاص في غيرها، وكل أعمالي معيبة وهذا غاية المقدور، فانصرف عني في ذلك الوقت ولله الحمد).
قاعدة 180
إظهار العمل وإخفاؤه عند تحقق الإخلاص مستو

إظهار العمل وإخفاؤه، عند تحقق الإخلاص مستو، وقيل وجود تحققه مقو لرؤية الخلق. وقد جاء طلبه شرعاً من غير إشعار بشيء من وجوه الإخلاص ولا الرياء، فظهر أن مراعاته لخوف التلوين، ولراحة القلب من مكابدة الإظهار في العموم، ولحسم مادة ما يعرض أثناءه.
وقيل: وتفضيل النافلة لما علل به صلى الله عليه وسلم من قوله: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم فإن الله جاعل منها في بيوتكم بركة ولا تتخذوها قبورا) والله سبحانه اعلم.
قاعدة 181
بين المداهنة والمداراة والهدية والرشوة

المداهنة: دفع الباطل والحق بالباطل المشبه للحق.
والمدارات: دفع الباطل بوجه مباح، وكذا إثبات الحق سواء كان لك أو لغيرك وقد صح أن المدارات صدقة، وقد صح: (من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له من اجلها هدية، فقد فتح على نفسه بابا عظيما من الربا). والفرق بين الهدية والرشوة، ما قصد للمودة فهو الهدية إن تجرد، وما قصد لجر نفع غير ديني، ولا في مال الشخص ونفسه، بل للإعانة فرشوة. وهذه الأربع يخفى إدراكها على حذاق العلماء في آحاد المسائل فتعين الورع فيها والله سبحانه اعلم.
قاعدة 182
الخُلق: هيئة راسخة في النفس

الخُلُق: هيئة راسخة في النفس، تنشأ عنها الأمور بسهولة فحسنها حسن وقبيحها قبيح، فهي تجري في المضادات كالبخل والسخاء والتواضع والكبر والحرص والقناعة والحقد وسلامة الصدر والحسد والتسليم والطمع والتعزز والانتصار والسماح، إلى غير ذلك فافهم.
قاعدة 183
السخي من سَهُل عليه العطاء ولو لم يعط شيئا

الأخلاق النفسانية لا تعتبر بالعوارض الخارجة إلا من حيث دلالتها عليها. وقد ظهر أن البخل ثقل العطاء على النفس، والسخاء خفته.
فالبخيل: من ثقل عليه العطاء ولو لم يبق لنفسه شيئا.
والسخي: من سهل عليه العطاء ولو لم يعط شيئا.
ومن ثم قيل: إذا تقابل العارضان فالتردد بينهما بخل.
والكبر: اعتقاد المزية وإن كان في أدنى درجات الضعة والتواضع عكسه. ولولا ذلك ما صح كون العائل مستكبرا، حتى ذم به ثم كذلك. فافهم هذا، وتتبعه من كتب الأئمة تجده مستوفى، والله سبحانه اعلم.
قاعدة 184
الطباع لا تُستأصَل ولكن تحّول

ما جبلت عليه النفوس، فلا يصح انتفاؤه عنها، بل ضعفه وقوته فيها وتحويله عن مقصد لغيره، كالطمع لتعلق القلب بما عند الله توكلا عليه ورجاء فيه.
والحرص على الدار الآخرة بدلا من الدنيا.
والبخل فيما حرم ومنع، والكبر على مستحقه، ولرفع الهمة عن المخلوقين حتى تتلاشى في همته جميع المقدورات، فضلا عن المخلوقات.
والحسد للغبطة، والغضب لله سبحانه حيث أمر.
والحقد على من لا نسبة له من الله حسب إعراضه والتعزز (على الدنيا وأهلها) والانتصار للحق عند تعينه إلى غير ذلك والله تعالى اعلم.
قاعدة 185
مقصد الحاسد إتلاف عين المحسود عليه

معنى الحسد يرجع للمضايقة، ومقصد الحاسد إتلاف عين المحسود عليه على من حسده. فإذا كانت الفضائل في النفوس كالحسد في أعيانها والعمل في إتلافها. (وإذا كانت الفضائل في الإعراض كان الحسد في أعيانها والعمل على إتلافها) فمن ثم اختلفت أغراض الحاسدين ومقاصدهم.
فلا ينسب حاسد العامة لمثله في السوق ونحوه، إلا الخيانة والغش ونحو ذلك، ولا حاسد الجند إلا عدم الاحترام، وقلة القيام بالحقوق ونحوه، ولا حاسد الفقهاء إلا الكفر والضلال ونحوه ليتلف ذاته. وفضيلتها المستدامة بدعوى ما يتلفها ويستدام ولا حاسد الفقراء إلا وجود الحيل والمخادعات وانه صاحب ناموس ونحوه إلى غير ذلك مما يطول ذكره، فافهم.
قاعدة 186
الدفع بالتي هي أحسن: لمن يقبل الإحسان، والإعراض: لمن لا يقبل الإحسان

دفع الشر بمثله مشين لما هو أعظم منه عند ذوي النفوس. فلزم الدفع بالتي هي أحسن لمن يقبل الإحسان كما أدبنا الله عز وجل به: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم). ولكن لا يستعمله إلا صادق، خلا من حظ نفسه، فحصل له أعظم حظ عند ربه كما قال الله عز وجل. ثم استفزه غضب، فالاستدراك مأمور به: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله انه سميع عليم) الآية.
ومن لا يقبل الإحسان فمقابلته بالإعراض عنه، (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين). إلى غير ذلك، فافهم.
قاعدة 187
الحدود والجهاد رحمة عامة

التأديب عند تعين الحق، إما لحفظ النظام، أو لوجود الرحمة في حق من أقيم عليه، أو بسببه حتى لا يجني ولا يجنى عليه.  فإقامة الحدود والجهاد رحمة لنا، وقصدا لدخولهم في الرحمة معنا وجناية عليهم بسبب مفارقتنا. فبأي وجه قصد صح، إذ الكل داع لإعلاء كلمة الله وإقامة دينه وحفظ نظام الإسلام. قال الله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين).
فاعتبر المالكية ما فيه من رحمتنا ورحمتهم فبوبوا له في العبادات، واعتبره الشافعية من حيث الجناية عليهم، فوضعوه هناك، واعتبره المحدثون واسطة، والمذهب أقرب لطريق القوم في هذا الأمر، إذ كله رحمة، والله سبحانه اعلم.
قاعدة 188
بين الانتصار والعفو

الغضب جمرة في القلب تلهب عند مثيرها من حق أو باطل، فإذا كان صاحبها محقا، لم يقم لغضبه شيء لقوة البساط الذي منه وقع انبعاثه، وإن كان مبطلا لم  يزل أمره في خمود حتى يضمحل. وقد مدح الله المؤمنين بالانتصار للحق، فقال تعالى: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون)، ثم ندبهم للعفو بقوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، انه لا يحب الظالمين).
وجاء: (من مكارم الأخلاق أن تعفو عمن ظلمك).
وفي الحديث يقول الله تعالى لمن دعا على ظالمه: (أنت تدعو على من ظلمك، ومن ظلمته يدعو عليك، فإن استجبت لك استجبت عليك).
وقال عليه الصلاة والسلام: (أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم). الحديث.
لكن في البخاري كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا، انتهى. وهو عين الواجب ومقتضى عز المؤمن وقيامه بحق الشرع والطبع الكريم والله سبحانه أعلم.
قاعدة 189
نفي الأخلاق الذميمة بالعمل بضدها

نفي الأخلاق الذميمة بالعمل بضدها، عند اعتراضها كالثناء على المحسود، والدعاء للظالم بالخير، والتوجه له بوجود النفع رجوعا لقوله تعالى: ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث لا يخلو منها ابن آدم: الحسد، والظن، والطيرة، فإذا حسدت فلا تبغ، وإذا تطيرت فامض، وإذا ظننت فلا تحقق) الحديث.
وجملته دالة على الإعراض عن موجب تلك الأشياء دفعا للضرر،  وقد قيل (البر الذي لا يؤذي الذر والمؤمن مثل الأرض، يوضع عيها كل قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح). رزقنا الله العافية بمنه.
قاعدة 190
العافية سكون القلب وهدوءه، سواء كان ذلك بسبب أو بلا سبب

العافية سكون القلب وهدوءه، سواء كان ذلك بسبب أو بلا سبب. ثم إن كانت إلى الله فهي العافية الكاملة، وإلا فعلى العكس. وعافية كل قوم على قدر حالهم كما تقدم، والفتنة بحسبها.
قال ابن العريف: والفتنة الباطنة قد عمت وهي جهل كل أحد بمقداره. فلزم اعتبار العبد العافية في نفسه لنفسه حتى لا تنافه الفتن، وإلا هلك في مصالح الخلق دينا ودنيا. فتأمل هذه النكتة فإنها واجبات الوقت، والله سبحانه اعلم.
قاعدة 191
الاهتمام بما لا اثر له في الخارج الحسي من المضار مشوش

ما لا أثر له في الخارج الحسي من المضار، فاعتباره مشوش لغير فائدة. فمن ثم كان كل ما ضر في العرض بالقول أو بالظن مأمور بالصبر عليه لقوله تعالى: (واصبر على ما يقولون)، بخلاف الفعل إذا أمر عليه الصلاة والسلام بالهجرة عند قصدهم به له. وقال عليه الصلاة والسلام: (المؤمن كيس فطن حذر، ثلثاه تغافل يعني في القول، والظن لا الفعل). ورغب عليه الصلاة والسلام في الفرار من الفتن. وترجم البخاري أن ذلك من الدين فوجب مراعاته.
قاعدة 192
غربة الدين في البدء والانتهاء. وما من كبير في الدين لا يعادى

تمام الشيء من وجه ابتدائه، وللوارث من النسبة على قدر مورثه وإرثه منه.
(وقد بدأ الدين غريبا وسيعود غريبا).
فلا يتم في زمان غربته إلا بالهجرة، كما كان أولا، وما نصر نبي من قومه غالبا بل جملة لقول ورقة: (لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي).
والنسبة معروضة أبدا لوجود الأذى، فلذلك لا تجد كبيرا في الدين إلا مقابلا بذلك.
ولحديث: (أشد الناس بلاء)، الحديث.
قاعدة 193
ضرورة اكتساب الأخلاق بالتخلق قبل وقوع الحاجة إليها

اكتساب الأخلاق عند الحاجة إليها بزوال ضدها متعذر إلا بتوطين متقدم، وإلا تعب مريدها فيه.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم ومن يطلب الخير يعطه ومن يتق الشر يوقه). رواه أبو نعيم في آداب العالم والمتعلم، والله سبحانه اعلم.
باب
قاعدة 194
إقرار المرء بعيبه وبنعم الله عليه

إقرار المرء بعيبه وبنعم الله عليه، دون تتبع ذلك بتفاصيله، يزيد في جرأته ويمنع من التحقق بحقيقته، لعدم حقيقة ما بيده. وتتبع ذلك تفصلا يقضي بارتسامه في النفس جملة حتى يؤثر موجبها اعترافا بالنقص في الأولى وشكر النعمة في الثانية، فافهم.
قاعدة 195
فائدة التدقيق في عيوب النفس معرفة المرء بنفسه وتواضعه لربه

فائدة التدقيق في عيوب النفس وتعرفها وتعرف دقائق الأحوال، معرفة المرء بنفسه وتواضعه لربه، ورؤية قصوره وتقصيره وإلا فليس في قوة البشر التبري من كل عيب بإزالته. إذ لو انك لا تصل إلى الله إلا بعد فناء مساويك ومحو دعاويك لم تصل إليه أبدا، فافهم.
قاعدة 196
تمييز الخواطر من مهمات أهل المراقبة لنفي الصوارف عن القلوب

تمييز الخواطر من مهمات أهل المراقبة لنفي الصوارف عن القلوب فلزم الاهتمام بها لمن له في ذلك أدنى قدم، والخواطر أربعة: رباني بلا واسطة، ونفساني، وملكي، وشيطان، وكل إنما يجري بقدرة الله تعالى وإرادته وعلمه.
فالرباني لا متزحزح ولا متزلزل، كالنفساني، ويجريان لمحبوب وغيره، فما كان في التوحيد الخاص فرباني، وفي مجاري الشهوات فنفساني، وما وافق أصلا شرعيا لا يدخله رخصة ولا هوى فرباني وغيره نفساني. ويعقب الرباني برودة وانشراح والنفساني يبس وانقباض، والرباني كالفجر الساطع لا يزداد إلا وضوحا، والنفساني كعمود قائم إن ينقص بقي على حاله. وأما الملكي والشيطاني فمترددان. ولا يأتي الملكي إلا بخير، والشيطاني قد يأتي به فيشكل، ويفرق بأن الملكي تعضده الأدلة ويصحبه الانشراح ويقوى بالذكر وأثره كغبش الصبح وله بقاء ما.
بخلاف الشيطاني، فانه يضعف بالذكر ويعمى عن الدليل، وتعقبه حرارة ويصحبه شغل وغيار، وضيق، وكزازة في الوقت وربما تبعه كسل ويأتي من يسار القلب، والملكي عن يمينه، والنفساني من خلفه، والرباني مواجهة له. والكل رباني عند الحقيقة، ولكن باعتبار النسب فما عدى عنها نسب للأصل وإلا فنسبته ملاحظة للحكمة. ثم تحقيق هذا الأمر إنما يتم بالذوق، وقد قالوا: من عقل ما يدخل جوفه عرف ما يهجس في نفسه، والله سبحانه أعلم.
قاعدة 197
الحكايات جند من جنود الله يثبت الله تعالى بها قلوب العارفين

التأثير بالإخبار عن الوقائع أتم لسماعها من التأثير شرف بغيرها. فمن ثم قيل: الحكايات جند من جنود الله يثبت الله تعالى بها قلوب العارفين. قيل: فهل تجد لذلك شاهدا من كتاب الله؟ قال: نعم، (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك، وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين). ووجه ذلك، أن شاهد الحقيقة بالفعل، أظهر وأقوى في الانفعال من شاهدها القولي، إذ مادة الفاعل مستمرة في الفعل لغابر الدهر، ومن ثم قيل: الشعر قوة نفسانية، فهولا يقوي سوى النفس، فإن كانت في جنب محمود قوت محامدها، وإلا أعانت على مذهبها. ولهذا لم يكن السلف يتعاهدونه إلا عند الاحتياج، لإثارة النفس في محمود كالجهاد وأعماله، فافهم.
قاعدة 198
من أضاف فضيلة الغير لنفسه بتصريح أو تلويح فهو سارق

لكل شيء وفاء وتطفيف، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فمن اثبت مزية نفسه وجحد مزية غيره كان مطففا، وسواء العلم والعمل والحال. فأما إن أضاف فضيلة الغير لنفسه بتصريح أو تلويح فهو سارق، والمتشبع بما لم يعط، كلابس ثوبي زور.
فمن ثم قيل: من حكا حكاية السلف واتخذها حالا لنفسه به قدمه في مهاوي الضلال، وعن قريب تفضحه شواهد الامتحان، لأن من ادعى فوق مرتبته حط لدون مرتبته، لأمن وقف دون مرتبته وقع فوقها، ومن ادعى مرتبته نوزع في استحقاقها، فافهم.
قاعدة 199
لزوم العزو للقائل عند نقل الأقوال

المسبوق بقول إن نقل باللفظ تعين العزو لصاحبه وإلا كان مدلسا. وكذا بالمعنى المحاذي للفظ القائل من غير زيادة عليه بالإشارة لوجه نقله. فإن وقع له تصرف فيه، يمكن تمييز الوجه معه من غير إخلال بالكلام، لزم بيان كل بوجهه، وإلا فإطلاقه أو نسبته له إن تحقق تصرفه فيه أولى ولينظر فيه مع ما زيد عليه وما نقل إليه، إذ قيل: من نقل بالمعنى فإنما نقل فهمه، لأنه ربما كان في اللفظ من زيادة المعاني ما لا يشعر به الراوي بالمعنى ولو في القمح بالبر. ولا يلزم من التكميل والترجيح والتقوية، هضيمة الأول، ولا دعوى الثاني، فإن إلزام ذلك مخل بإظهار الحق، ثم إن إلزامه بلسان العلم فصيح بما لم يصح رد على قائله، وإلا كان قد باء متهمه بالجحود، فافهم.
قاعدة 200
مراعاة اللفظ لتوصيل المعنى لازم كمراعاة المعنى في حقيقة اللفظ

مراعاة اللفظ لتوصيل المعنى لازم كمراعاة المعنى في حقيقة اللفظ، فلزم ضبط المعاني في النفس، ثم ضبط اللسان في الإبانة عنها، والأصل المتكلم في الأول وأصل في الثاني، فمن هذا الوجه وضع الأئمة لحن العامة، ونبهوا على وجوه الغلط في العبارات.
وربما كُفِّر وبُدّع وفُسّق مُحققٌ لقصور عبارته عن توصيل مقصده بوجه سليم عن الشبه. وأكثر ما وقع هذا الفن للصوفية حتى كثر الإنكار عليهم أحياء وأمواتا. وقد يكون الضرر من وجه آخر، وهو عدم الأذى الشائع بين القوم حتى أن الحقيقة الواحدة تقبل من رجل، ولا تقبل من آخر. بل وربما قبلت من شخص في وقت ورُدّت عليه من آخر مع اتحاد لفظها ومعناها. وقد شاهدنا من ذلك كثيرا، ونقص عليه الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه.
قاعدة 201
دواعي الرمز في لغة القوم

داعية الرمز قلة الصبر عن التمييز لقوة نفسانية لا يمكن معها السكوت، أو قصد هداية ذي فتح معنى ما رمز حتى يكون شاهدا له، أو مراعاة حق الحكمة في الوضع لأهل الفن دون غيرهم، أو دمج كثير من المعنى في قليل اللفظ لتحصيله وملاحظته وإلقائه في النفوس أو الغيرة عليه، أو اتقاء حاسد أو جاحد لمعانيه أو مبانيه. ومنه قول الشاذلي رحمه الله. ق.ج، سران من سرك وهما دالان على غيرك. فانك اعتبرتهما من حيث الكلام فالقاف آخر الفرق وهو أول الجمع الذي أوله الجيم. ومن حيث العدد الذي به تم الرجوع وتصريف الجيم، جامع الشفع والوتر وهو منتهى العدد، كالقاف الذي هو غايته، وهو مقدم عليه في تعريف الأشفاع والأوتار، ثم ينتهي إليه بهما، فموقف القاف الجيم، ومنتهى الجيم القاف. ومن حيث الطبائع فإنهما يجتمعان في الحقيقة الواحدة، ويكون الأول من الثاني على عدده في ذاته من درجته، وهو كذلك في رتبته بعبرة تحار فيها العقول والأفهام.
ومن حيث الشكل فللقاف إحاطة واستعلاء، لا باعتبار لفظه، ولا باعتبار خطه، ولا باعتبار معناه. وللجيم ذلك في السفليات لأن أعلاه يشير للملكوت وأسفله للملك وقاعدته للجبروت، وينبه على أن شكل الموجود مثلث وحكمه كذلك وتشهد له القضايا العقلية والأحكام العادية، وشرح ذلك يستدعي طولا، فليعتبر بما أشرنا إليه وربك الفتاح العليم.
قاعدة 202
الذوق علمه مقصورٌ على ذائِقِه

العلمُ برهانه في نفسه، فمدعية باختياره مكذب باختلاله، والذوق علمه مقصور على ذائقة فدعواه ثابتة بشواهد حاله، كاذبة بها. لكن قد يتطرق الغلط للناظر من عدم تحقيقه بهوى يخالطه. فلزم اقتصاره على ما صح واشتهر في النفي، لا في الإثبات، إذ غلطة في النفي إذاية، وفي الإثبات إحسان. وليس لذي الذوق الانتصار لنفسه بوجه، إلا أن يتعلق به أمر شرعي من هداية مريد، أو إرشاد ضال، لا يمكن بغير دعواه، وفيما ظهر من الحجة كفاية لتعرف الحجة فلا حاجة لإظهار الخصائص لغير الخواص، فافهم.
قاعدة 203
لا حاكم إلا الشارع ولا تحاكم إلا له

لا حاكم إلا الشارع، فلا تحاكم إلا له، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا).
وقد أوجب وحرم وندب، كره وأباح، وبين العلماء ما جاء عنه كل بوجهه ودليله، فلزم الرجوع لأصولهم في ذلك من غير تعد للحق، ولا خروج عن الصدق.
فمن أخل بالأولين، أطرح حيث يتفق إجماعا، وحيث يختلف اعتبر إمامه في حكمه فلا ينكر عليه غير ما اتفاق بمذهبه، إن تكرر لغير ضرورة وإلا فالضرورة لها أحكام. وما بعد الواجب والمحرم، ليس أحد على أحد فيه سبيل. إن اثبت حكمه على وجهه، ولم يتعلق بغير تركه، ولم يخرج به الأمر لحد التهاون، أو تشهد أحواله بالأرزاء على ذلك ورقة الديانة به، (فرب طاعم شاكر، خير من صائم صابر) الحديث.
ومن ثم أجمع القوم على أن هم لا يوقظون نائما، ولا يصومون مفطرا، ومن وجه دخول الرياء والتكلف ولأن العناية بإقامة الفرائض هي الأصل لا غيرها، وكل السنة تشهد لذلك، والله سبحانه اعلم.
باب
قاعدة 204
وجوب تحفظ الصوفي على إقامة رسم الطريقة بترك ما يريب ويعيب

طلب التحقق بالصدق يقتضي الاسترسال مع الحركات في عموم الأوقات دون مبالاة بغير الواجب والمحرم. فمن ثم وقع الغلط لكثير من المتصوفة في الأعمال، ولكثير من الناس في الإنكار عليهم خلاف الأولى بهم. فوجب التحفظ من الصوفي على إقامة رسم الطريقة بترك ما يريب ويعيب، وإن كان مباحا لأن دخوله فيه إدخال للطعن على طريقة، فافهم.
النظر لصرف الحقيقة مخل بوجه الطريقة
فمن ثم وقع القوم في الطامات، وتكلموا بالشطحات حتى كفر من كفر، وبدع من بدع، وفسق من فسق، بواضح الشريعة ولسان العلم، ظاهرا وباطنا، فلزم التحفظ في القبول، بأن لا يؤخذ إلا عن الكتاب والسنة، وفي الإلقاء بان لا يلقى إلا بالوجه السائغ فيهما من غير منازع وإلا فلا عتب على منكر استند لأصل صحيح. وقد قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: (إنها لتقع النكتة من كلام القوم في قلبي أياما، فأقول: لا أقبلك إلا بشاهدي عدل الكتاب والسنة)، انتهى.
قاعدة 205
الإنسان مطالب على قدر حاله

مطالبة الشخص على قدر حاله، ومخاطبته بما يقتضيه وجود أصله،  فلا يطالب عامي بزائد على التقوى، ولا فقيه بزائد على الاستقامة. ويطالب المريد بالصدق بعد تحصيل الأولين، والعارف بالورع، فعامي لا تقوى له فاجر وفقيه لا استقامة له مقصد، ومريد لا صدق له متلاعب، وعارف لا ورع له ناقص. وأصل التصوف دائر على الإحسان أبدا إن تحررت طريقته فواجب في الأحكام الورع، ولازمه في السن التحفظ، وحاله في الأدب دائر مع قلبه، ولذلك اختلفت أحواله فيه فليعتبر بكل في محله.
قاعدة 206
معظم اهتمام القوم ما يجمع قلوبهم على مولاهم

معظم نظر القوم ما يجمع قلوبهم على مولاهم، فمن ثم قالوا بأشياء في باب الأدب أنكرها من لم يعرف قصدهم وأخذها بغير حق من لم يبلغ حالهم فضل بها، وزل كالسماع ونحوه، وقد أشار لذلك الجنيد رحمه الله حين سئل عن السماع فقال: كل ما يجمع العبد على مولاه فهو مباح، انتهى.
فجعله مشروطا بالجمع في إباحته حتى لا يتعدى حكمه موقوفا على علته حتى لا ينكر، والله سبحانه اعلم.
قاعدة 207
العبادات جمع ونور ، والمعاصي تفريق وظلمة

العبادات كلها جمع ونور، والمعاصي والمكروهات المتفق عليها تفريق وظلمة. والشبهة بينهما إن تجاد بها أصل الندب، والمنع لا أصل الإباحة والتحريم، لكون الإباحة للتوسعة، والتحريم في الأصل من غير مرجح له. ومن ثم حرم ما اجتمع فيه مبيح، محضر، كالجمع بين أختين بملك اليمين، ولم يحرم ما اجتمع فيه مندوب، ومحظر، كصوم يوم عرفة لخوف العيد، ورابعة الوضوء إن كان في ذلك اختلاف، فمن حيث السبب، والله سبحانه اعلم.
قاعدة 208
كل صوفي أهمل أحواله في معاملة الخلق، كما أمر فيها، لابد أن يقع في الغلط

كل صوفي أهمل أحواله من النظر لمعاملة الخلق، كما أمر فيها، وصرف وجهه نحو الحق دون نظر لسنته في عباده، فلا بد له من غلط في أعماله أو شطح في أحواله، أو وقوع طامة في أقواله. فإما هلك أو أهلك، أو كانا معا جاريين عليه. ولا يتم له ذلك، ما لم يصحب متمكنا، أو فقيها صالحا، أو مريدا عالما، أو صديقا صادقا، يجعله مرآة له، إن غلط رده، وإن ادعى دفعه، وإن تحقق أرشده. فهو ينصفه في حاله وينصحه في جميع أحواله، إذ لا يتهمه ولا يهمله، فافهم.
قاعدة 209
كثر المدعون في هذا الطريق لغربته

كثر المدعون في هذا الطريق لغربته، وبعد الإفهام عنه لدقته، وكثر الإنكار على أهله لنظافته، وحذر الناصحون من سلوكه لكثرة الغلط فيه.
وصنف الأئمة في الرد على أهله لما أحدث أهل الضلال فيه وانتسبوا منه إليه حتى ابن العربي الحاتمي رحمه الله: (احذر هذا الطريق، فإن أكثر الخوارج منه، وما هو إلا الطريق الهلك والملك، من حقق علمه وعمله وحاله، نال عز الأبد، ومن فارق التحقيق فيه، هلك وما نفذ، ولذلك أشار بعضهم بقوله: بلغنا إلى حد إذ قال هكذا، قال في النار، نسأل الله العافية بمنه وكرمه.
قاعدة  210
لا يصح التصوف بدون فقه

لما كان الفقه في علمه لا يصح التصوف بدونه، كان التزامه صدق القصد به، محصلا له. فمن ثم كان الفقيه الصوفي تام الحال، بخلاف الصوفي الذي لا فقه له، كفى الفقه عن التصوف، ولم يكف التصوف عنه.
ومن ثم خص الأئمة على القيام بالظاهر لما سئلوا عن علم الباطن. قال صلى الله عليه وسلم للذي سأله أن يعلمه من غرائب العلم: (من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم) الحديث، فافهم.
قاعدة 211
التصديق مفتاح الفتح

وجود الجحد مانع من قبول المجحود أو نوعه، لنفور القلب عنه. والتصديق مفتاح الفتح لما صدق به وإن لم يتوجه لهو إذ لا دافع له. فالمتوقف مع الفقه يتعين عليه تجويز الوهب أو الفتح من غير تقييد بزمان ولا مكان ولا عين، لأن القدرة لا تتوقف أسبابها على شيء وإلا كان محروما مما قام به جحوده. ثم هو إن استند إلى أصل معذور، وإلا فلا عذر له بإنكار ما لا علم له به، فسلم تسلم، والله اعلم.
قاعدة 212
الإنكار لسد ذريعة

إنكار المنكر إما أن يستند لاجتهاد، أو لحسم ذريعة أو لعدم التحقيق، أو لضعف الفهم، أو لقصور العلم، أو لجهل المناط، أو لانبهام البساط، أو لوجود العناد. فعلامة الكل الرجوع للحق عند تعيينه إلا الأخير، فانه لا يقبل ما ظهر، ولا تنضبط دعواه، ولا يصحبه اعتدال في أمره.
وذو الذريعة إن رجع للحق لا يصح الوقوف مع إنكاره، ما دام وجه الفساد قائما بما أنكر ومنه تحذير أبي حيان في نهره وبحره، وابن الجوزي في تلبيسه وغيرهما كما ادعياه وحلفا عليه. وفي كلامهما ما يدل أن ذلك مع اجتهاد منهما. واختص ابن الجوزي بتطريز كتبه بكلام القوم مع الإنكار عليهم، فدل على أنه قصد حسم الذريعة، والله سبحانه اعلم.
قاعدة 213
تعريف العيوب مع الستر نصيحة، ومع الإشاعة والهتك فضيحة

تعريف العيوب مع الستر نصيحة، ومع الإشاعة والهتك فضيحة. فمن عرفك بعيبك من حيث لا يشعر الغير فهو الناصح، ومن أعلمك بعيبك مع شعور الغير فهو الفاضح. وليس لمسلم أن يفضح مسلما إلا في موجب حكم بقدره من غير تتبع لما لا تعلق له بالحكم، ولا ذكر عيب أجنبي عنه، وإلا انقلب الحكم عليه بقهر القدرة الإلهية حسب الحكمة الربانية والوعد الصادق الذي جاء في قوله صلى الله عليه وسلم : (لا تظهر الشماتة بأخيك، فيعافيه الله ويبتليك).
ونهى عليه الصلاة والسلام عن التثريب للأمة عند جلدها في حد الزنا فكيف بالحر المؤمن القائم الحرمة بإقامة رسم الشريعة.
وقد صح: (من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة). و (من أقال عثرة مسلم، أقال الله عثرته يوم القيامة).
قاعدة 214
حفظ الأديان مقدم على حفظ الأعراض في الجملة

حفظ الأديان مقدم على حفظ الأعراض في الجملة، فلذلك جاز ذكرها في التعديل والتجريح لحديث أو شهادة أو إنفاذ حكم أو إيقاع ما يستدام كنكاح، وتظلم، وتحذير من محل اقتداء أن يغتر برتبته. ولعل منه تعيين ابن الجوزي من قصد الرد عليه من الصوفية. لكن مجاوزة الحد في التشنيع تدل على خلاف ذلك، وبه أطرحه المحققون، وإلا فهو أنفع كتاب عرف وجوه الضلال لتحذر، ونبه على السنة بأم وجه أمكنه، والله سبحانه اعلم.
قاعدة 215
التحذير من كتاب تلبيس إبليس والفتوحات وغيرها

حذر الناصحون من تلبيس ابن الجوزي، وفتوحات الحاتمي بل كل كتبه أو جلها، كابن سبعين، وابن الفارض، وابن حلا، وابن ذو سكين، والعفيف التلمساني، والأيكي العجمي، والأسود الأقطع، وأبي اسحق التجيبي، والششتري، ومواضع من الإحياء للغزالي، جلها في المهلكات منه، والنفخ والتسوية له، والمضنون به على غير أهله، ومعراج السالكين له، والمنقذ، ومواضع من قوت القلوب لأبي طالب المكي، وكتب السهروردي ونحوهم. فلزم الحذر من مواطن الغلط، لا تجنب الجملة، أو معادة العلم. ولا يتم ذلك إلا بثلاث: قريحة صادقة، وفطرة سليمة، وأخذ ما بان وجهه وتسليم ما عداه، وإلا هلك الناظر فيه باعتراض على أهله، أو أخذ الشيء على غير وجه، فافهم.
باب
قاعدة 216
دواعي الإنكار على القوم خمسة

دواعي الإنكار على القوم خمسة:
أولها: النظر لكمال طريقهم، فإذا تعلقوا برخصة، أو أتوا بإساءة أدب، أو تساهلوا في أمر، أو بدأ منهم نقص، أسرع للإنكار عليهم، لأن النظيف يظهر فيه أقل عيب، ولا يخلو الإنسان من نقص ما لم تكن له من الله عصمة أو حفظ.
الثاني: رقة المدرك ومنه وقع الطعن على علومهم في أحوالهم، إذ النفس مسرعة لإنكار ما لم يتقدم له علمه.
الثالث: كثرة المبطلين في الدعاوي والطالبين للأغراض بالديانة، وذلك سبب إنكار حال من ظهر منهم بدعوى، وإن أقام عليها الدليل لاشتباهه.
الرابع: خوف الضلال على العامة باتباع الباطن دون اعتناء بظاهر الشريعة كما اتفق لكثير من الجاهلين.
الخامس: شحة النفوس بمراتبها، إذ ظهور الحقيقة مبطل لكل حقيقة، ومن ثم أولع الناس بالصوفية أكثر من غيرهم، وتسلط عليهم أصحاب المراتب أكثر من سواهم، وكل الوجوه المذكورة صاحبها مأجور أو معذور إلا الأخير، والله سبحانه أعلم.
قاعدة 217
السبب في بقاء ذكر الصالح أكثر من ذكر الفقيه

النسبة عند تحقيقها تقتضي ظهور اثر الانتساب، فلذلك بقي ذكر الصالح أكثر من ذكر الفقيه لأن الفقيه منسوب إلى صفة من أوصاف نفسه هي فهمه، وفقهه، المنقضي بانقضاء حسه. والصالح منسوب إلى ربه، وكيف يموت من صحت نسبته للحي الذي لا يموت بلا علة من نفسه؟ ولما عمل المجاهد حتى مات شهيدا في تحقيق كلمة الله وإعلائها حسا ومعنى، كانت حياته حسية معنوية بدوام كرامته، وذكر بركاته على مر الدهور. قد مات قوم وهم في الناس أحياء، فافهم.
قاعدة 218
ما ألف من الكتب للرد على القوم نافع في التحذير من الغلط

ما ألف من الكتب للرد على القوم فهو نافع في التحذير من الغلط ولكن مستفيد إلا بثلاثة شروط:
أولها: حسن النية في القائل، باعتقاد اجتهاده وانه قاصد حسم الذريعة وإن خشي لفظه، كابن الجوزي، فللمبالغة في التنفير.
ثانيهما: إقامة عذر القول فيه بتأويل أو غلبة، أو غلط، أو غير ذلك، إذ ليس بمعصوم، وقد تكون للولي الزلة والزلات، والهفوة والهفوات لعدم العصمة وغلبة الأقدار كما أشار إليه الجنيد رحمه الله تعالى. بقوله تعالى: {وكان أمر الله قدرا مقدورا}.
ثالثهما: أن يقتصر بنظره على نفسه، فلا يحكم به على غيره، ولا يبديه لمن لا قصد له في السلوك فيشوش عليه اعتقاده الذي ربما كان سبب نجاته وفوزه، فإن احتاج لذلك فليعترض على القول دون تعيين القائل ويعرض بعظمته وجلاله مع قامة قدره إذ ستر زلل الأئمة واجب، وصيانة الدين أوجب، والقائم بدين الله مأجور، والمنتصر له منصور، والإنصاف في الحق لازم، ولا خير في ديانة يصحبها هوى، فافهم والله سبحانه أعلم، فافهم.
قاعدة 219
تعتبر دعوى المدعي نتيجة دعواه، فإن ظهرت صحت، وإلا فهو كذاب

تعتبر دعوى المدعي نتيجة دعواه، فإن ظهرت صحت، وإلا فهو كذاب، فتوبة لا تتبعها تقوى باطلة، وتقوى لا تظهر بها استقامة ناقصة، واستقامة لا ورع فيها غير تامة، وورع لا ينتج زهدا قاصر، وزهد لا يؤثر توكلا يابس، وتوكل لا تظهر ثمرته بالانقطاع إلى الله عن الكل، واللجأ إليه، صورة لا حقيقة لها. فتظهر صحة التوبة عند اعتراض المحرم، وكمال التقوى، حيث لا مطلع إلا الله. ووجود الاستقامة بالتحفظ على إقامة الورد في غير ابتداع، ووجود الورع في مواطن الشهوات عند الاشتباه، فإن ترك فذاك، وإلا فليس هناك. والزهد في الرفض عند التخيير والاستسلام عند المعارضة فلا يبالي بإقبال الدنيا ولا بإدبارها.
والتوكل عند تعذر الأسباب، ونفي الجهات بتقدير عدم إمطار السماء، وإنبات الأرض، وموت كل الخلائق فإن سكن القلب فذاك، وإلا فليس هناك، وكل عمل قُدِّر سقوط وجوبه أو ندبه، وطَلَبَتْهُ النفسُ مع ذلك، فالحامل عليه الهوى، وإن كان حقا في ذاته، فإن سقط بتقدير السقوط، فقصده ما ورد فيه، فافهم.
قاعدة 220
من بواعث العمل وجود الخشية وعلامة كمال الحب العمل بما يرضي المحبوب

من بواعث العمل وجود الخشية، وهي تعظيم تصحبه مهابة، والخوف، وهو انزعاج القلب من انتقام الرب.
والرجاء وهو سكون لفضله تعالى بشواهد العمل في الجميع، وإلا كان الكل اغترارا.
والحب علامة كماله العمل بما يرضي المحبوب. فإن خرج عن كل وجه يرضيه فلا حب، وبعض التقصير لا يقدح لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنه فانه يحب الله ورسوله)، وقد أتى به شربُ الخمر مرارا.
وكذا حديث الأعرابي الذي قال: متى الساعة؟ فقال: (ما أعددت لها؟ فقال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله).
نعم، المحب لا يرضى بمخالفة محبوبه فهو لا يمكن الإصرار منه، وإن غلب بشهوة ونحوها، بادر لمحل الرضا من التوبة والإنابة، فافهم.
قاعدة 221
التحقيق ليس إلا سابقة التوفيق، فكل شريعة حقيقة، وليس العكس

التحقيق ليس إلا سابقة التوفيق، فكل شريعة حقيقة، ولا ينعكس. الشريعة مبينة،  والحقيقة من غير الحكم وكلاهما وصف الحق، وإبطال أحدهما موجب لاعتقاد النقص، وفي تبطيل حكمه قصر له عن موجبه، فلزم ملاحظة الجميع باتباع السنة وشهود المنة، والنظر لأحكام القدر، مع إثبات الشريعة والأسباب. ومن ثم لزم إسقاط التدبير عند غلبة المقادير والقيام بحكم الوقت استسلاما للأمر والقهر، إذ هما من رب واحد أمر ونهي: {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون}.
فعليكم بالرضا بقضائه، إذ سخطه كفر، ولا تهملوا الرضا بمقضيه فإن نقض، والفرق بينهما، أن الأول حكمه، والثاني ما حَكَم به، فافهم.
قاعدة 222
لزوم دوام محاسبة النفس

الغلبة عن محاسبة النفس توجب غلطها فيما هي به. والتقصير في مناقشتها يدعو لوجود الرضا عنها، والتضييق عليها يوجب نفرتها، والرفق بها معين على بطالتها.
فلزم دوام المحاسبة على المناقشة والأخذ في العمل بما قارب وصح، دون مسامحة في واضح، ولا مطالبة بخفي من حيث العمل. وإن اعتبر في النظر تركا وفعلا، واعتبر في قولهم: (من لم يكن يومه خيرا من أمسه فهو مغبون، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، وإن الثبات في العمل زيادة فيه، فإن إضافة اليوم لأمس مع ما قبله مضعف له، سيما وقد قيل كل مقام على الضعف من الذي قبله، وإن الفتوحات على تضاعف بيوت الشطرنج. ومن ثم قال الجنيد رحمه الله: (لو أقبل مقبل على الله ألف ألف سنة، ثم اعرض عنه لحظة لكان ما فاته منه أكثر مما ناله. ويشهد لهذا قوله سبحانه: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة، والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون} فافهم.
قاعدة 223
قراءة الورد في وقته عند إمكانه لازمة لكل صادق

إقامة الورد في وقته عند إمكانه لازم لكل صادق، فإذا عارضه عارض بشرية، أو ما هو واجب من الأمور الشرعية، لزم إنفاذه بعد التمسك بما هو فيه جهده من غير إفراط مخل بواجب الوقت، ثم يتعين تداركه بمثله لئلا يعتاد البطالة، ولأن الليل والنهار خلفة، والأوقات كلها لله فليس للاختصاص وجه إلا من حيث ما خصص، فمن ثم قال بعض المشايخ: (ليس عند ربكم ليل ولا نهار). يشير الكون بحكم الوقت لا كما يفهمه البطالون، من عدم إقامة الورد، وقيل لبعضهم وقد رئيت بيده سبحة: أتعد عليه؟ قال: لا، ولكن أعد له. فكل مريد أهمل أوقاته فبطال. وكل مريد تعلق بأوقاته دون نظر للحكم الإلهي، فهو فارغ من التحقيق، ومن لا يعرف موارد الأحوال عليه فغير حاذق بل هو غافل، ولذلك قيل: (من وجد قبضا أو بسطا لا يعرف له سببا، فلعدم اعتنائه بقلبه وإلا فهما لا يردان دون سبب). والله سبحانه أعلم.
قاعدة 224
اتباع العلم الظاهر شرط في الوصول للعلم الباطن

علامة الحياة الإحساس بالأشياء، والميت لا يحس بشيء. فقلب ساءته السيئة، وسرته الحسنة حتى كان ذلك نصب عينيه بالنظر لثوابها وعقابها، أو للعبودية أو لنيل الكمال بسببها أو غير ذلك حتى نهض به الحال للعمل، فصحيح وإلا فمريض تجب معالجته بمخوف إن قبله، أو بفرح إن تأثر به، وهو مقدم بحسن الظن به تعالى أو بميراث الحياء والخشية وهو أتم. وعند نهوضه فلا يقف لطلب شيخ ولا غيره، بل يعمل ويطلب ويتبع العلم الظاهر حتى يهديه لباطن الأمر الذي يعضده الحق الواضح من ظاهر الأمر، إذ كل باطن على انفراده باطل، وجيده من الحقيقة عاطل، والرسول هو الإمام عليه الصلاة والسلام. وكل شيخ لم يظهر بالسنة فلا يصح اتباعه لعدم تحقق حاله، وإن صح في نفسه وظهر عليه ألف ألف كرامة من أمره فافهم.
قاعدة 225
لا يكن أحدكم كالعبد السوء، إن لم يخف لم يعمل

تعظيم ما عظم الله متعين، واحتقار ذلك ربما كان كفرا، فلا يصح فهم قولهم: (ما عبدناه خوفا من نار، ولا طمعا في جنته) على الإطلاق. لأنه إما احتقار لهما وقد عظمهما الله تعالى، فلا يصح احتقارهما من مسلم وأما استغناء عنهما، ولا غنى لمؤمن عن بركة مولاه. نعم لم يقصدوهما بالعبادة، بل عملوا لله لا لشيء، وطلبوا منه الجنة والنجاة من النار، لا لشيء وشاهد ذلك في قوله تعالى: {إنما نطعمكم  لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} الآية، إذ جعلوا علة العمل وجه الله تعالى، ثم ذكروا خوفهم ورجاءهم مجردا عن ذلك. وقد أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: (ومن أظلم ممن عبدني خوفا من ناري، أو طمعا في جنتي لو لم أخلق جنة ولا نارا ألم أكن أهلا أن أطاع). وفي الخبر: (لا يكن أحدكم كالعبد السوء، إن لم يخف لم يعمل، ولا كالأجير السوء، إن لم يعط الأجرة لم يعمل).
وقال عمر رضي الله عنه، ويروى مرفوعا: (نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه).
يعني: أنه لا يخاف الله، ولا يعصيه. فالحامل له على ترك المعصية غير الخوف من رجاء أو حب أو حياء أو هيبة أو خشية، إلى غير ذلك. والله سبحانه أعلم.
خاتمة
قال شيخنا أبو العباس الحضرمي: ارتفعت التربية بالإصلاح، ولم يبق إلا الإفادة بالهمة والحال، فعليكم بالكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان. وذلك جار في معاملة الحق والنفس والخلق.
- فأما معاملة الحق فثلاث: إقامة الفرائض، واجتناب المحرمات، والاستسلام للأحكام.
- وأما معاملة النفس فثلاث: الإنصاف في الحق، وترك الانتصار لها، والحذر من غوائلها في الجلب والدفع، والرد والقبول، والإقبال والإدبار.
- وأما معاملة الخلق فثلاث: توصيل حقوقهم لهم، والتعفف عما في أيديهم، والفرار مما يغير قلوبهم، إلا في حق واجب لا محيد عنه.

وكل مريد مال لركوب الخيل، وآثر المصالح العامة، واشتغل بتغيير المنكر في العموم، أو توجه للجهاد دون غيره من الفضائل أو معه حالة كونه في فسحة منه، أو أراد استيفاء الفضائل، أو تتبع عورات إخوانه وغيرهم متعللا بالتحذير، أو عمل بالسماع على وجه الدوام، أو أكثر الجمع والاجتماع، لا لتعلم أو تعليم، أو مالَ لأرباب الدنيا بعلة الديانة، وأخذ بالرقائق دون المعاملات، وما ينبي عن العيوب، أو تصدى للتربية من غير تقديم شيخ أو إمام أو عالم، أو اتبع كل ناعق وقائل بحق أو باطل، من غير تفصيل لأحواله، أو استهان بمنتسب إلى لله، وإن ظن عدم صدقه بعلامة، أو مال للرخص والتأويلات، أو قدم الباطن على الظاهر، أو اكتفى بالعلم عن العمل، أو بالعمل عن الحال والعلم، أو بالحال عن هما، أو لم يكن له أصل يرجع إليه في عمله وعلمه وحاله وديانته من الأصول المسلمة في كتب الأئمة، ككتب ابن عطاء الله في الباطن وخصوصا (التنوير) و(مدخل ابن الحاج)، وكتاب شيخه ابن أبي جمرة، ومن تبعهما من المحققين رضي الله عنهم، فهو هالك لا نجاة له، ومن أخذ بهما فهو ناج مسلم إن شاء الله، والعصمة منه والتوفيق.

وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {عليكم أنفسكم} الآية. فقال: (إذا رأيت شُحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك).
وقال عليه الصلاة والسلام في صحف إبراهيم عليه السلام: (وعلى العاقل أن يكون عارفا بزمانه ممسكا للسانه مقبلا على شأنه).
وعلى العاقل أن يكون له أربع ساعات:
ساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يناجي فيها ربه، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يبصرونه بعيوبه، ويدلونه على ربه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وشهوته المباحة، أو كما قال. رزقنا الله ذلك، وأعاننا عليه، ووفقنا إليه، وصحبنا بالعافية فيه. فإنه لا غنى بنا عن عافيته وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما، والحمد لله رب العالمين.

تم بحمد الله