آخر المشاركات

الأحد، 23 سبتمبر 2018

شرح مصطلحات عبد الحق ابن سبعين : الأمل

شرح مصطلحات عبد الحق ابن سبعين : الأمل


شرح مصطلحات عبد الحق ابن سبعين : الأمل

أمل: الأمل هو تعلق الرجاء ببقاء الحال الحاصل من الخير المحصل، وباستدعاء مثله وأحسن منه، وانتظاره في الزمان المستقبل، كما نقول: نؤمل الآن البقاء في الدنيا وكسب الأموال فيها، أو نقول : الأمل : هو تعلق النفس بخيرٍ إمَّا حاصلاً تريد ثبوته، وإمّا مفقوداً تريد تحصيله أو مجموع ذلك.

أمل: الأمل ينقسم إلى قسمين: أمل يتعلق بالعالم، وأمل يتعلق بالله، فالأمل المتعلق بالعالم لا يحصل له مأمول؛ إذ العالم لا يفعل، فهو أملٌ مهدومٌ من حيث إن حقيقة تركيب الأمل هو نيل مطلوبه، فإذا لم ينل مطلوباً لا تركيب له، فهو مهدومٌ، والأمل المتعلق بالله ينال مطلوبه؛ لأن الله هو الفاعل المتصرف؛ فالأمل المتعلّق به غير مهدوم.

الأمل المهدوم : هو المتعلق بتدبير الجسم؛ لأن الجسم مركب من أضداد، ومن بسائط، وكل مركبٍ من أشياء كثيرة ينحل إليها، والجسم مركب من أشياء، فهو مهدوم، والأمل المتعلق بالمهدوم مهدوم، وبناء الجسم معلوم عادةً وطبيعةً وشرعاً، أما عادةً فظاهر لنا؛ لأنا وجدنا الأجسام تنحل وتذهب، وأما طبيعةً فهو ما ذكرنا من انحلال المركب من البسائط التي تركب منها، وأما شرعًا فقوله تعالى :(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ).

الأمل المهدوم : قال الشيخ: (وإياك من الأمل) هو نهي مطلق، فلما قال: المهدوم وقع النهي عن الدنيا، وبقي الأمل متعلقاً بالله وبالدار الآخرة، ثابتاً على أصله؛ وذلك أن الأمل المهدوم وهو تعلق الإرادة بالأمور الذاهبة المختلّة، وهي الدنيا ولواحقها.

ويُسمّى الأمل مهدوما لأجل ما هو متعلقه مهدوم وذاهب، وهذا من قبيل الشيء الذي يُسمّى باسم متعلّقة، كما تقول : همة خسيسة إذا كان متعلقها خسيساً.

ولما كانت الدنيا سريعة الانتقال، وقليلة الثبوت، ولذاتها تكون في وقت دون وقت، وما من لذة تتصور فيها، ولا خير ينتشى ويتركب، ويوجد في ساعة من الزمان إلا ويتحلل في الثاني، ويذهب ما ثبت منها، وينعدم ما بقي فيها، مثل لذة الجماع إنما هي زمان فرد ويدخله الألم؛ لأنه لذيذ وجيع، وكذلك الأكل وخيره، إنما هو في زمان مناولته فقط، وفي عقبه تذهب تلك اللذة، ويبقى الخبر يتلذذ بما يستقبل من مثله في وقتٍ آخر، وهذا خبرٌ وهميٌّ، فإنه يتلذّذ بشيءٍ غير موجود في الحال، وقد يُحال بينه وبين ما أمله من ذلك، ويأتيه ضده، ويسلب عنه هو، إما المرض أو بالقلة أو بالموت، وكذلك القول في اللباس يفنى مركبه، ويبلى جديده. 

وبالجملة: نقمتها أكثر من نعمتها، وقبضها أكثر من بسطها، وتنقطع بالموت، ويذهب وجودها بالجملة، فهي معدومة بالضرورة، والأمل المتعلق بها مهدوم، والعاقل لا يتعلق بخيرٍ يعلم أنه يفقده، ويفصل عنه بالضرورة.

السبت، 22 سبتمبر 2018

الروح الصوفي: جمالية الشيخ في زمن التيه

الروح الصوفي: جمالية الشيخ في زمن التيه

الروح الصوفي: جمالية الشيخ في زمن التيه

إن الإنسان على ما هو عليه من مرتبة فإنه بمستوى أسفل سافلين كما جاء في قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) وذلك إنما جعل الحق تعالى هبوط النفس إلى هذا العالم الأسفل على معنى ابتلاء لها، فيكون مصيرها بعد هذا البلاء والاختبار إما بتحصيل الكمال بالمعرفة الموصلة إلى محبة الله تعالى والقرب منه فتحوز بذلك السعادة الأبدية، وأما أن تبقى في نزول دائم في مرتبة أسفل سافلين فتكسب الأخلاق الردية، وتنقاد للشهوات الطبيعة المبعدة من الله تعالى.


ويرى عبد الرحمن الأنصاري : أن كمال النفس هو عين سعادتها كما أن عدم كمالها البتة هو نفس شقاوتها، وإنما يكون كمالها ونقصانها في هذه الدار ما دامت مصاحبة لبدنها، فكمالها أن تصير بالرياضة بحيث تدرك المعارف الربانيّة بغير واسطة من العالم العلوين لا من خارج بطريق الحواسّ، وتنطبع بالفضائل من محبّة الحقّ ومعرفته، والشوق إلى جمال حضرته، فيصير لها ذلك خُلقا وعادة ونقصُها بضدّ ذلك، وذلك بأن لا تعرف الحقّ ولا تحبّه ولا تشتاق إليه وتصير لها الرذائل خُلُقا ثابتا، إذ خُلقَتْ مستعدّة للأمرين جميعا والبارئ تعالى ييسّر كلاًّ لما يريده منه من خيرٍ أو شرٍّ. ولا تتوهم أن النفس تستفيد بعد فراق الجسد كمالا ولا تقدر على تحصيله، وليس أيضا بين إدراكها للحقائق في الدنيا وإدراكها لذلك في الآخرة فرق، بل هذا هو عين هذا إلا زيادة كشف ووضوح كما بين تصور ذات الشيء في الخيال وبين رؤيته بالبصر.

ويرى نور الدين عبد الرحمن الجامي: أن أهل الكمال من المشايخ على قسمين: 
الأول منهم : هم الواصلون الكاملون من مقربو حضرة الجلال، وبعد أن ظهرت عليهم شروط الكمال لم يكلفهم الحق تعالى في مهمة تكميل الآخرين من المستعدين أو طالبي طريق الحقيقة، وهم المجاديب أو البهاليل الذين تجرعوا من شراب العشق والمحبة ما أفناهم عن ذواتهم، فغرقوا في بحر الجمع، وانخلعوا من ربقة العقل والعلم، وزالت عنهم أحكام الشريعة وىداب الطريقة : هم سكان قباب العزة، وقطان ديار الحيرة لم يعد فيهم وعي (أخد ما وهب فسقط ما وجب) بوجودهم فأنى لهم الانشغال بغيرهم.

أما القسم الثاني : هم الذين إذا فنوا عن ذواتهم، وأعادهم الله إليها تعالى تصرف الجمال الأزلي، ومنحهم النجاة من ذاك الاستغراق في عين الجمع، ولجة الفناء إلى ساحل التفرقة، وميدان البقاء، فعادوا إلى أحكام الشريعة، وآداب الطريقة، ومازجوا الشراب الزنجبيلي للجدبة، والمحبة بالزلال السلسبيلي للعلم والمعرفة، فنشأ عن امتزاج هذا الماء بخمر المحبة الكثير من حباب نجوم آثار المعارف والأسرار؛ فصار كل منهم نجم هداية للحائرين في ظلمة بيداء الضلالة والحيرة. وهم مشايخ الإرشاد والهداية، وهم الآحاد في كل زمان ومكان تكفلوا المستعدين بالتربية حتى يرتقوا بهم إلى أفق حقيقة نور الأنوارن، هناك حيث لا وجود للأثنينية، بل الوجود للواحد الحق.
الحكم العطائية (26) : من علامات الُّنجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات.

الحكم العطائية (26) : من علامات الُّنجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات.


الحكم العطائية (26) : من علامات الُّنجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات.

من علامات الُّنجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات.

من الحَكم العطَائية نسبة إلى العالم الفقيه والصوفي الجليل سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري . كتب الله عز وجل لها القبول عند عامة الناس وخاصتهم، وهي جواهر فريدة في أصول الأخلاق والسلوك ودرر تليدة في قواعد السير إلى ملك الملوك، لها من الشروح ما يند عن الحصر والعد، مغربا ومشرقا، وترجمت إلى عدة لغات.

كما أن من مبشّرات ينع الأشجار، ضربها بجذورها في أعماق الأرض، منذ أيام وجودها الأولى، فإن من مبشرات فلاح الإنسان، انبناء حياته على وصلٍ بالباري جلّ وعلا منذ المبتدا.. وهو قول الله تعالى: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [سورة التوبة/ الآية:109].

إن النهايات تستمد طبيعتها من البدايات، فإذا كانت مادة الاستمداد هي تقوى الله وخشيته ورجاؤه، فإن ذاك من أعظم ضمانات النجح، كما أن الاستمداد ممّا دون ذلك، لا شكّ سوف يصبغ هذه النهايات بصبغته. فاللواذ بالله في البدايات هو ضمانة رعايته سبحانه لللائذ في النهايات.

وهذه الحكمة المباركة تنداح في بعدين متكاملين:

أولهما: أن النهايات المرادة في هذا البعد الأول هي الخواتيم، أي ذلكم المقام البرزخي الذي يكون فيه المرء في إدبار عن الدنيا وإقبال على الآخرة، حيث الاستعداد للمثول بين يدي رب العالمين، وهذه الخواتيم هي التي فطّرت أكباد العارفين حيث قد صح عنه عليه الصلاة والسلام قوله: “إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم علقة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربعة؛ برزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، فوالله إن أحدكم أو الرجل يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها”[أخرجه البخاري 1/2433].
كما كان من دعائه صلى الله عليه وسلم قوله: “اللهم اجعل خير عمري آخره، اللهم اجعل خواتيم عملي رضوانك، اللهم اجعل خير أيامي يوم ألقاك”.

ومن الأحاديث الشريفة التي تعتبر أصلا في هذا الباب، قوله صلى الله عليه وسلم: “من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة”[أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، رقم 3116].
وبمقتضى هذا البعد الأول، فإن النجح في هذه النهاية الخاتمة، يكون رهينا بمدى الرجوع إلى الله تعالى في البداية، حيث يكون انبناء عمل الإنسان على اعتقاد سليم، وتوجه سليم، في اقتداء سليم بالمبعوث بالهدى والرشاد للعالمين صلى الله عليه وسلم، واتباع سليم للشرع الحنيف، وهو قوله تعالى:  (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلً)[سورة الملك/ الآية:2]، قال الفضيل بن عياض: “أحسن العمل؛ أخلصه وأصوبه” قال أصحابه “وما أخلصه وما أصوبه؟ قال رحمه الله: أخلصه ما كان خالصا لوجه الله تعالى، وأصوبه ما كان وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم”.
وقال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )[سورة إبراهيم،/ الآية: 25].

البعد الثاني : أن النهايات كذلك، هي نهاية كل عمل على حدة يقوم به العبد، وأن النجح في هذه النهايات، رهينٌ بالرجوع إلى الله تعالى في البدايات، أي بداية كل عمل، وهو ما بيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث النية، حيث قال عليه الصلاة والسلام: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه”[أخرجه الشيخان]، مما يجلّي كون النجح في نهايات الأعمال، منبنيا على الرجوع إلى الله تعالى في بداياتها، من خلال استبطان النيات السليمة التي هي روح الأعمال، بصلاحها تصلح وبفسادها تفسد..
ولله ذر الشيخ بن عطاء الله حين أشار بإشراق من خلال استعمال “من” أداةً للتبعيض، إلى أن هذين البعدين معا، إنما هما من علامات النجح في النهايات، وليسا كلَّ العلامات، في إشارة حكيمة وقوية إلى قوله تعالى: (ونيسرك لليسرى) [سورة الأعلى/ الآية: 8]، وإلى قوله صلى الله عليه وسلم: ” لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلٍ ” ، قَالُوا : وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : ” وَلا أَنَا , إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَفَضْلٍ”.[المعجم الكبير للطبراني، رقم الحديث: 7074. حديث مرفوع، إسناده متصل، رجاله ثقات].

فالتيسير لليسرى من علامات النجح، وكذا تغمد الله العبد برحمة منه وفضل، ولا يخفى أن التيسير والرحمة والفضل، كلها أمور لها في حياة المرء وأعماله تجليات تتأبى على الإحصاء والحصر.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا للرجوع إليه في البدايات، ويختم لنا بالحسنى في النهايات، وأن ييسرنا لليسرى، ويتغمدنا سبحانه برحمة منه وفضل. آمين.
والله الهادي إلى سواء السبيل.

الجمعة، 21 سبتمبر 2018

العشق كمالٌ من كمال الحق

العشق كمالٌ من كمال الحق

العشق كمالٌ من كمال الحق

العشق كمالٌ من كمال الحق ، فإذا اتصل بالعاشق ، تحوَّل من الحدوث المحض إلى الجلال الإلهى ، ويصبح باطنه ربانيَّا ، ويطلب معدن الأصل ، ولايتغير من حوادث الدهور وصروف الزمان وتأثير المكان؛ فإذا بلغ عين الكمال ، تزول ستائر الربوبية ! والعاشق الربانى يذهب بالمعدن الأصلى .. وليس فى العشق مقصودٌ ، فالعشق مع المقصود ليس بموجود :

العشقُ والمقصودُ كفرٌ .... والعاشقُ برىءٌ من روحه

وليس للصورة مكان فى عالم العشق ، لأن العقل والنفس ليسا معاً فى طريق العشق ، فالعشق هو الطائر الصاهر للروح . والعشق والروح ، كالحمام والصقر :

العشقُ لايقبل النفس الحية.... والصقر لايصطاد الفأرة الميتة

وجوهرُ العشق عُجنت من الأزل ، ولم يكن فى ذلك العالم للروح والعقل من طريق ؛ كل من ظهر له طريق العشق ، يخطف جوهر أوصافه من هذه التربة : 

إن كل ما فى الكائنات من جزءٍ وكل ... هــى أطواقُ قناطر العشق 
العشقُ أرقى من العقل والـــروح ... "لى مع الله" هو وقت الرجال

والجنة مأوى الزاهدين ، والحضرة مثوى العاشقين ! ليس فى العشق فجاجة ، وليس فى طريقه عجز ولا ضعف . 
ونهايةُ العشق بدايةُ المعرفة .. والعشق فى المعرفة مبنىٌّ على الكمال. وإذا تحيَّر فى المعرفة ، فقد أحرز مقام المعرفة .. ونهايةُ العشق إلى هذين المقامين ؛ فإذا صار عارفاً ، تبدو صفات الحق من صفاته. ذاك الذى تكلم بالشطحيات ، إنما أراد أن يقول الحديث السبحانى : ما فى الجبة . وسر : أنا الحق . وإذا لم تعرفْ ذلك ، فاستمعْ إلى قول "أسد مرج التوحيد" و "فارس ميدان التجريد" : أبى بكر الشبلى رحمة الله عليه ، فإنه وجد رمز ذلك الحديث ذات يوم فى مجلس الموحدين ، ولما غلبه سكر الوجد قال : 

تباركت خطراتى فى تعالائى..... فلا إله إذا فكرت آلائى !

وحيث إنهم بلغوا ذلك العالم ؛ صار قلبهم ربانيَّا ، وقولهم أزليَّا وأبدياً .. كما قال أبو سعيد الحراز ، رحمة الله عليه : للعارفين خزائن أودعوها علوماً غريبة ، وأنباءً عجيبة ، يتكلمون فيها بلسان الأبدية ، ويخبرون عنها بعبارات الأزلية .
نفحات ربانية

نفحات ربانية

نفحات ربانية

ثم اعلموا أيها الأحباب أنّ السلوك في منازل التقوى إلى أن يبلغ الغاية القصوى يكون بالظاهر وبالباطن، أي إلى أن يحظى بالاتصال ولا اتصال ولا انفصال، لأنّهما يشعران بالإثنينية التي هي عين العقال ولا إثنينية عند أهل الكمال، ولكن ضاقته العبارة وعجزت الإشارة وكلّت ألسنتهم رضي الله عنهم في ذلك الموطن عمّا يليق به من التبيين، وقد أرسلوا إليه هداة مهتدين، وكيف الحال فتنزلوا لفلك العقل، وتكلموا بلسانه وهو يقتضي الاتصال والانفصال عملا بقوله صلى الله عليه وسلّم : (خاطبوا الناس بقدر عقولهم) وأمّا حضرة المحو فإنهم دعوا إليها بالهمّة والحال فالتي بلسان المقال هي تربية الظواهر، والتي بالهمّة والحال هي ترقية البواطن.

أيّ بأخد قوّة باطن القدوة لباطن المريد وطيرانها به من مقام إلى مقام بحسب استعداده من القلب إلى العقل إلى الرّوح إلى السرّ ثمّ تتنزّل به الحضرة الاحمدية ثمّ المحمدية وهذه الحالة لا تنقطع بين المريد وشيخه ببعد مسافة ولا موت لأنّ الروحانيّة لا تموت ولا مسافة عندها زمانية ولا مكانية بشرط رابطة المحبّة أخدا من قوله صلى الله عليه وسلم : (المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبّ) وإن لم يعمل بعمله، فلم يشترط بعداً ولا ولا قرباً ولا حياةً ولا عملاً، لكن إذا كان العمل فهو أقوى، ومن جملة العمل احترام شعائره واقتفاء أوامره ومآثره، لأنّ القدوة نائب من نواب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعطى حكم من نوبه ويعطى أيضا حكم الأبوة لأنه أبو الروح بإخراجه لها من صلب قساوة الغفلة والجفا إلى رحم ليونة اليقظة والصّفا إلى فضاء ميادين الاصطفاء.

وقال صلى الله عليه وسلّم :(أوصِيكُم الله في أَهْلِ بَيْتي ...) وللوارث حظّ من هذه الوصيّة. وقال أيضا عليه السلام :(لا تقطع ودّ أبيك فيطفئ الله نورك) وللأب المعنوي الحظ الأوفر من هذه الحفيظة. أيضا وودّ الأب بعد انتقاله هو مودّة أحبابه وأولاده ولو بالكلمة الطيّبة. وأحرى وأولى المواصلة القدمية أو القلمية.

ثمّ إنّ القدوة إذا أراد الانتقال من محل إلى محل بعيد المسافة أو قرب انتقاله للآخرة، فإمّا أن يوصي أحبابه أو بعضهم بملازمة أخ مخصوص أو شيخ منصوص أو مطلقا أو لا يأمر بشيء فإن أوصى إشارة أو تصريحا فالعهد والمبايعة السابقتان يأمرانه بالامتثال.

مجموع رسائل في العرفان
مقامات وأحوال الصوفية : الفناء والاغتراب

مقامات وأحوال الصوفية : الفناء والاغتراب

مقامات وأحوال الصوفية : الفناء والاغتراب

إن الباحث فى التصوف يجد نفسه تائها بين الاصطلاحات الإشارية التى تدل على تردد العارف فى سفره، ورحلته الطويلة، بين "التلوين" و "التمكين" حتى ينتهى به الحال إلى "الفناء" الذى تعطل فيه إرادة المحب وتغيب بشريته، وتفنى هويته فى هوية الحق تعالى، بإبعاد جميع السوى والفناء على هذه الصورة، على الرغم من أنه يمثل قمة الاقتراب إلا أنه أيضا يمثل قمة الاغتراب؛ لأنه يدل دلالة قوية على التخلص من التعلق بكل ما سوى الله. وقد قسم العلماء الفناء إلى ثلاثة انواع:

1- الفناء عن إرادة السوى 
2 – الفناء عن شهود السوى 
3- الفناء عن وجود السوى

وكلها أنواع تدل على قرب العبد من سيده، يثبت ويبقى به، ولا يريد شيئا سواه، فتزول الحجب، ويمح والسالك فى المسلوك به بلسان القرب، فيبقى العبد بربه لا بنفسه، فمن أثبت نفسه احتجبت عن الكشف والتجلى، وأما من فقد أنانيته، فهم أناس عندهم عشق يحثهم لا يقدرون على مدافعته، ويجدون انعدامهم أحلى عندهم من بقاء أنفسهم فيه، فلذلك رأى أبو يزيد البسطامى أن الحظوظ تدل على بقاء النفس، فقال:"أريد أن لا أريد"
فطلب أن يغلب عليه قسط الحق، فتنعدم أنانيته، ولا تبقى إلا أنانية سيده المنزهة عن حضور الأغيار، فهؤلاء هم الذين يصبرون على تعرفهم بمحوهم، ويصبرون على مداومته بفقد وجدهم نفوسهم "ومن ذاق عرف".
 
أي لابد من تذليل النفس، وقتل رغباتها وتصفيتها حتى تكون مهيأة للاتصال والفناء فيه بمن تحب، ولذلك جعل ابن القيم المحبة أول أوديه الفناء، والعقبة التى ينحدر منها على منازل المحو، وهو آخر منزل تلتقى فيه مقدمة العامة، وساقة الخاصة."إنما كانت المحبة أول أودية الفناء"لأنها تفنى خواطر المحب عن التعلق بالغير، وأول ما يفنى من المحب خواطره المتعلقة بما سوى محبوبه؛ لأنه إذا انجذب قلبه بكليته إلى محبوبه، انجذبت تبعا ويريد بمنازل المحو"مقاماته".
فالفناء هنا باب لمشاهدة الملكوت، بل مشاهدة رب الملكوت،"شاهدت منك العيون عيونها"وسام وحام رموز لظهور آثار الحق تعالى فى الكون، وقد عجزالبعض عن مشاهدة هذا التجلى بعين القلب.

ويرسم ابن عطاء الله السكندري صورة لفنائه الذى يطلق عليه : "الفناء النفسى"وهو ما يعبر عنه الجنيد بقوله  :"ذهاب القلب عن حس المحسوسات بمشاهدة ما شاهد، ثم يذهب عن ذهابه" فالفناء عند الجنيد هو فناء الشعور بالعلم والعقل والنفس، فيصبح القلب خالص التوجه والحضور مع الله، لا فناء الموجود بالمعنى الفاسد، يقول ابن عطاء الله الذى غاب مراده فى مراد الله عزل وجل:
مرادى منك نسيان المراد 
إذا رمت السبيل إلى الرشاد
وأن تدع الوجود فلا تراه 
وتصبح ماسكا حبل اعتماد
ويقول:
فإن رمت الوصول إلى جناب 
فهذى النفس فاحذرها وعاد
وخض بحر الفناء عسى ترانا 
واعددنا إلى يوم المعاد
وكن مستمطرا منا لتلقى 
جميل الصنع من مولى جواد
ولا تستهد يوما من سوانا 
فما أحد سوانا اليوم هاد
فالمراد – كما يقول ابن عطاء نفسه – أن لا يكون لك مع الله مراد"أي لا يظهر ولا يبطن الاعتماد على أحد سوى الله عز وجل، ولا يشغل نفسه بالتدبير، يقول ابن عطاء أيضا:"فإذا أردت الإشراق والتنوير فعليك بإسقاط التدبير واسلك إلى الله كما سلكوا، تدرك ما أدركوا".

أسلك مسالكهم وانهج نهجهم 
والق عصاك، فهذا جانب الوادى

فالصوفية يرون أن العبد كى يقوى صلته بخالقه، عليه أن يشغل نفسه بما طلب منه، وأن يترك ما ضمن له، فلا يدبر شيئا لغد؛ لأن الأمور جميعها تمشى بمقادير وضعها الله، وبذلك يجد الإنسان نفسه حرا من نفسه ومن الخلق، مغتربا عنهما؛لأنه وجد وطنه الذى يبحث عنه , فهل سيستقر؟!.

ولقد نوع الصوفية الحديث عن الفناء، فعبروا عنه"ببذل النفس، والموت والقتل والسقم"، والتلاشى عن وجود الحس، و يسلتزم ذلك الفناء"البقاء" أي أن الفاني يفنى عن ذاته ويبقى بالله تعالى.

ويجعل الفناء مقترنا بالموت، بل يجعل هذا الموت شيئا واجبا، لأنه فقد روحه عن رضا وطواعية بتقديمها إلى محبوبه هدية متواضعة عساه أن يرضى عنه، ويرضى بوصاله.

ويعنى الموت فى عرفهم:"قمع هوى النفس فإن حياتها به، ولا تميل إلى لذاتها وشهواتها...قال الإمام جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنهما:"الموت هو التوبة"قال الله تعالى: "فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ". فمن تاب فقد قتل نفسه...، ومن ثم يجعل التلمسانى الموت شرط القرب من المحبوب:

نحن قوم متنا وذلك شرط 
فى هواها فلييئس الأحياء

ومع حضور الصفات البشرية "فقد تجتمع للعارف إذا أنماط الاغتراب كافة، الاغتراب عن الخلق، وعن النفس، وعن العالم الأرضى كله فهو حين يصل إلى مقام الفناء لا يحس بما حوله ولا يحس بنفسه، بل يفنى عن الموجودات جميعا، يفنى عن كل شئ سوى الله، ويتجه بكليته لمطالعة وجه محبوبه".

الخميس، 20 سبتمبر 2018

أيها المتصوفة

أيها المتصوفة

أيها المتصوفة

أنتم مظنة التقى والصلاح والاستقامة والزهد وأنتم معنيون بأمر الآخرة ومتجهون إلى الله بالإقبال عليه والتعلق به والتوكل عليه والرضا بقضاء الله وقدره والتحقق بالعبدية لله تعالى …ولكم في هذا مفاهيم وأذواق رائعة المعاني عظيمة الدلالات بالإضافة إلى ما اشتهرتم به من منهج تربوي متطلع إلى الرقي الروحي والطهارة النفسية القلبية …واعتمدتم منهجاً في السلوك إلى الله يرتكز على المجاهدات النفسية للسيطرة على القوة الغريزية والتحكم في قدراتها للارتقاء بمستوى السلوك لكي يكون العمل خالصاً لله تعالى ..زولا خلاف في أن الصوفية الحقة قد نجحت في تعميق التربية الروحية وأسهمت في نشر الإسلام والتعريف بحقيقته, وتكوين نماذج إسلامية راقية في فهمها صادقة في إخلاصها قوية في مواقفها , تقدم حيث يجب الإقدام من غير تردد، وتمسك بقيم الإسلام الأصيلة في السلوك الاجتماعي … هذه هي صوفية السلف الصالح وصوفية الرواد الأوائل من بناة الفكر الصوفي الأصيل الذي يعبر عن حقيقة الإسلام، وجاء زمان ادعى الصوفية قوم هم أبعد الناس عن الصوفية الحقة وتمسكوا بالمظاهر والطقوس وأقاموا مجالس الذكر وانشغلوا بالظاهر عن الباطن واتخذوا من التصوف مطية لتحقيق طموحات مادية في الجاه والمنزلة الاجتماعية والمنافع الدنيوية , ورفعوا شعار تغييب العقل والاستغناء عن العلم للوصول إلى الحقيقة , وخالفوا أحكام الشريعة في سلوكهم ومجالسهم وقادوا العامة إلى انحرافات في العقيدة والعبادة , وانحرفوا في بعض مفاهيمهم عن ثوابت العقيدة. والصوفية الحقة هي صوفية الصفاء الروحي والاستقامة السلوكية وهذه صوفية نحتاجها لتكوين الإنسان والنهوض بالمجتمع ..ولا نريد صوفية الانحراف والكسل ولا الصوفية التي تقدس الطقوس والأشخاص,, .. ولا صوفية المنافع الدنيوية والزعامات المتنافسة ..وأدعو الصوفية الحقة لمقاومة الصوفية المزيفة عن طريق الالتزام بظاهر الشريعة والاهتمام بالسلوك الاجتماعي الذي يتمثل في الأدب واحترام الأخر والنزاهة والاستقامة والعفة والتواضع والاهتمام بتكوين المسلم نفسياً وتربوياً لكي يكون أفضل مماهو عليه والاهتمام بقضايا الإنسان وتعميق قيم الخير في نفسه ومقاومة التخلف والجهل والفساد وقيم العبودية التي تتمثل في النفاق والتملق والخضوع للقوة والاتكال على الغير والكسل والرياء.. كانت صوفية الأمس تصنع المجاهدين والمرابطين والمقاومين والرموز الوطنية وتشيد معاهد العلم وترفع من شأن العالم في مجالس الحكام بسبب ترفعه وزهده وشجاعته في النصح الصادق وكلمة الحق …أما صوفيّة اليوم فإنما تختزن في داخلها قيم التخلف والاستسلام والتواكل والجهل والكسل وقلما يُهتم بالعلم في هذه المجالس وقلما تناقش فيها قضايا المجتمع وهموم الإنسان.. ما أجمل الصوفية وهي تحتضن المعاهد والمدارس العلمية وتناقش قضايا الإنسان من الجانب الفقهي.. وتسهم في نشر الثقافة والقضاء على الأمية ونشر روح التكافل في المجتمع والدعوة إلى تحرير الإنسان من العبودية وإلى الثقة بالعقل والاحتكام إليه في القضايا الاجتهادية المستحدثة.

الدكتور محمد فاروق النبهان
في علامات مرض القلب

في علامات مرض القلب

في علامات مرض القلب


وعوده إلى الصحة وبيان الطريق إلى معرفة الإنسان عيوب نفسه.
اعلم أن كل عضو خلق لفعل خاص، فعلامة مرضه أن يتعذر منه ذلك الفعل، أو يصدر منه مع نوع من الاضطراب، فمرض اليد تعذر البطش، ومرض العين تعذر الإبصار، ومرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خلق لأجله، وهو العلم والحكمة والمعرفة، وحب الله تعالى وعبادته، وإيثار ذلك على كل شهوة. فلو أن الإنسان عرف كل شيء ولم يعرف الله سبحانه، كان كأنه لم يعرف شيئاً.


 وعلامة المعرفة: الحب، فمن عرف الله أحبه، وعلامة المحبة أن لا يؤثر عليه شيئاً من المحبوبات، فمن آثر عليه شيئاً من المحبوبات فقلبه مريض، كما أن المعدة التي تؤثر أكل الطين على أكل الخبز- وقد سقطت عنها شهوة الخبز- مريضة.


ومرض القلب خفي قد لا يعرفه صاحبه، فلذلك يغفل عنه، وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه، لأن دواءه مخالف الهوى، وإن وجد الصبر لم يجد طبيباً حاذقاً يعالجه، فإن الأطباء هم العلماء والمرض قد استولى عليهم والطبيب المريض قلما يلتفت إلى علاجه، فلهذا صار الداء عضالاً، واندرس هذا العلم، وأنكر طب القلوب ومرضها بالكلية وأقبل الناس على أعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات فهذه علامة أصل المرض. 

وأما عافيته وعوده إلى الصحة بعد المعالجة، فهو أن ينظر إلى العلة، فإن كان يعالج داء البخل، فعلاجه بذل المال، ولكنه لا يسرف، ويصير إلى حد التبذير فيحصل داء آخر فيكون كمن يعالج البرودة بالحرارة الغالبة حتى تغلب الحرارة، فيكون داءً أيضاً، بل المطلوب الاعتدال... ولا تزال تراقب نفسك، وتستدل على خلقك بتيسير الأفعال وتعسيرها، حتى تنقطع علاقة قلبك عن المال فلا تميل إلى بذله ولا إمساكه، بل يصير عندك كالماء، فلا تطلب فيه إمساكه لحاجة محتاج، أو بذله لحاجة محتاج، فكل قلب صار كذلك، فقد جاء الله سليماً في هذا المقام. 

ويجب أن يكون سليماً على سائر الأخلاق حتى لا تكون له علاقة بشيء من الدنيا، حتى ترتحل النفس عن الدنيا منقطعة العلائق منها، غير ملتفته إليها، ولا متشوقة إلى أسبابها، فحينئذ ترجع إلى ربها رجوع النفس المطمئنة ولما كان الوسط الحقيقي بين الطرفين في غاية الغموض، بل هو أدق من الشعر وأحد من السيف فلا جرم من استوى على هذا الصراط في الدنيا، جاز على مثل هذا الصراط في الآخرة، ولأجل عسر الاستقامة أمر العبد أن يقول في كل يوم مرات {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6]، ومن لم يقدر على الاستقامة، فليجتهد على القرب من الاستقامة فإن النجاة بالعمل الصالح. ولا تصدر الأعمال الصالحة إلا عن الأخلاق الحسنة، فليتفقد كل عبد صفاته وأخلاقه، وليشتغل بعلاج واحد بعد واحد، وليصبر ذو العزم على مضض هذا الأمر، فإنه سيحلو كما يحلو الفطام للطفل بعد كراهته له، فلو رد إلى الثدي لكرهه، ومن عرف قصر العمر بالنسبة إلى مدة حياة الآخرة حمل مشقة سفر أيام لتنعم الأبد، فعند الصباح يحمد القوم السّرَى.


واعلم أن الله تعالى إذا أراد بعبد خيراً بصره بعيوب نفسه، فمن كانت له بصيرة، لم تخف عليه عيوبه، وإذا عرف العيوب أمكنه العلاج، ولكن أكثر الناس جاهلون بعيوبهم، يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه. فمن أراد الوقوف على عيب نفسه فله في ذلك أربع طرق: 

الطريقة الأولى: أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، يعرف عيوب نفسه وطرق علاجها، وهذا قد عز في هذا الزمان وجوده، فمن وقع به، فقد وقع بالطبيب الحاذق فلا ينبغي أن يفارقه. 
الطريقة الثانية: أن يطلب صديقاً صدوقاً بصيراً متديناً، وينصبه رقيباً على نفسه لينبهه على المكروه من أخلاقه وأفعاله. وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: رحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا. وسأل سلمان رضي الله عنه لما قدم عليه من عيوبه، فقال: سمعت أنك جمعت بين إدامين على مائدة، وان لك حلتين: حلة بالليل، وحلة بالنهار، فقال: هل بلغك غير هذا؟ قال: لا، قال: أما هذا فقد كفيتهما. وكان عمر رضي الله عنه يسأل حذيفة: هل أنا من المنافقين؟ وهذا لأن كل من علت مرتبته في اليقظة زاد اتهامه لنفسه، إلا أنه عز في هذا الزمان وجود صديق على هذه الصفة، لأنه قل في الأصدقاء من يترك المداهنة، فيخبر بالعيب أو يترك الحسد، فلا يزيد على قدر الواجب. وقد كان السلف يحبون من ينبههم على عيوبهم، ونحن الآن في الغالب أبغض الناس إلينا من يعرفنا عيوبنا. وهذا دليل على ضعف الإيمان، فإن الأخلاق السيئة كالعقارب، لو أن منبهاً نبهنا على أن تحت ثوب أحدنا عقرباً لتقلدنا له منة، واشتغلنا بقتلها، والأخلاق الرديئة أعظم ضرراً من العقرب على ما لا يخفى.

الطريقة الثالثة: أن يستفيد معرفة نفسه من ألسنة أعدائه، فإن عين السخط تبدى المساوئ، وانتفاع الإنسان بعدو مشاجر يذكر عيوبه، أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يخفى عنه عيوبه.
الطريقة الرابعة: أن يخالط الناس، فكل ما يراه مذموماً فيما بينهم، يجتنبه.

إحياء علوم الدين

كتاب : "الحقيقة القلبية الصوفية " أحمد لسان الحق"(30).

كتاب : "الحقيقة القلبية الصوفية " أحمد لسان الحق"(30).


وفي موضوع الواسطة المعنويّة، كسبب الهداية، يروي البخاري ومسلم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلّم قال في غزوة خيبر : (سَأُعْطِي الرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبَّانِهِ) فأعطاها عليا بن أبي طالب. وقد خاطبه بقوله :( انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا وَاحِدًا ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ) (121) فاجتمعت الدعوة مع الهداية، وحُمر النعم أحبّ شيء إلى العرب.

وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم :(أَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا وَاحِدًا) ردّ مباشر على من يرفُض، أو يجهل الواسطة المعنويّة، التي تعتبر من أسباب الهداية، ويعارض أصحاب الحقيقة الصوفيّة، في وسائل التربيّة الروحيّة، وطهارة القلب، وصفاء السريرة، بغيةَ تصحيح العقيدة والإيمان.. وهو ما يتوقّف على هداية الله لعباده. وهي من مهمّة الأديان السماويّة، والمسؤوليّة المباشرة للمرسلين. ومن أسقطها أسقط أسباب الهداية في أصلها. حيث الله يهدي الخلق بصالحي عباده. إنّما لا يهدون بأنفسهم وبإرادتهم البشريّة. وإنما الله هو الذي يجعلهم بمحض إرادته وسائل مسخّرة بيد قدرته. يُجري على يدهم هداية خلقه، كسبب لا كحقيقة، كما تجلّى في قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ) بالباء السببيّة. وقد خاطب الله فيها نبيّه بقوله :(وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (122) فهو الهادي كسبب لكن لا يضمنها حتى لبِنْتِه فاطمة، التي من أحبّ الناس إليه.وقد خاطب بقوله : (خُدي مِنْ مالِي مَا شِئْتِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئاً) كيف لا، وهو القائل في رواية البخاري :(لَنْ يَنْفَعَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ) قَالُوا : وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قالَ :(وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَتةٍ).

ذلك أن الهادي على الحقيقة هو الله. وقد خاطبه في عدم هداية عمّه أبي طالب، الذي ربّاه في الصِّغر، ودافع عنه في الكِبر. وهو يقول - في حالة احتضاره - : (يا عمّ قُلْ : لاَ إِلاَهَ إِلاَّ اللهُ أَتَشَفَّعُ لَكَ بِهَا عِنْدَ رَبِّي) فنزل قوله تعالى :(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) (123) الربّ هو الربُّ، والعبد في أي مقام لا يعدو أن يَكون عبداً (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ) (124) (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ) (125) والعبودية لله مَكرمة، وللبشر مذلّة. وتحقيقها لله تعني الانعتاق، والتحرّر من أنّ عبوديّة أرضيّة، وهي الباب الوحيد المفتوح نحو الوصول إلى النبوّة، والرّسالة السماويّة، والولاية والمعرفة الربانيّة، وكلّ فضل وكرم إلهيّ... وتعني الخضوع القلبيّ والتعلّق الباطني بالشعور والوجدان. وقد قال تعالى في الحديث القدسيّ المشهور :(أَنَا مَعَ عَبْدِي، إِذَا ذَكَرَنِي إلخ) إنّه مع عبده، الخاضع لعظمته وجلاله، وليس مع عبد نفسه، الخاضع لأهوائها، وما تُصدر من اوامر. وهي بطبيعتها، كما قال تعالى :(إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) (126) والعبد لها لا يكون عبدا خاضعا لله وحده بالقلب والقالب.

وجماع الأمر كلّه في هداية الله لعبده.. والهداية ليست في أن تعرف مصدرها، وتعتقد بوجودها، وإنما في أن تشعر أنّك مهتد، كما أن التوحيد ليس في إقامة الدليل على وجود الله. والدليل يقام عند الشّك في الموجود تعالى ذاتاً وصفات عن أن يكون غائباً، فيُبحث عنه بوسائل من صنعه، أو يحتاج وجوده إلى إثبات بأدلّة وحجج من خلقه. وقد سمعنا ونحن طلبة، أثناء دراسة التوحيد من يردِّد :"البَعرة تدلُّ على البعير، والكون يدلُّ على الله" ما هذا القول ؟ وهل مَن لا يزال في حاجة إلى إقناعه بالبَعرة تدلُّ على البعيرن، والكون يدلُّ على الله مؤمن حقا ؟ إن الكون حادث، والله قديم. فهل يستدلّ بالحادث على القديم، أو بالقديم على الحادث ؟ وإن شئت ليس التوحيد الخالص أن تستدلّ بالمخلوق على الخالق، وبالموجود على المُوجد. وإنما في أن تعرف الخالق، وتستدلّ به على وجود سرّه في الموجود، وتقرأ في حكمته في المخلوق. كيف يستدلّ على وجود الحيّ القيّوم الدائم بوجود آثاره، التي تزول، ولا يستدلّ لمصدر الآثار على وجود الحيّ القيّوم، الكائن قبل إيجادهان والباقي بعد زوالها ؟ إن الآيات الكونيّة دالة بذاتها على وجوده، وناطقة بحكمته ووحدته، دون جعلها حججاً ومستندات.

وفي كُلِّ شَيْئٍ لَهُ آيَةٌ          تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ

على أنّ الدلائل والبراهين المنطقيّة الاقناعيّة، لا يقيمها إلاّ المعاندون، أو المتشكّكون، أو ضَعَفة الإيمان. وأمّا الإيمان الحقيقيّ. ففي أن تشعر أنّك في مواجهته، وأنّ وجوده معك بمثابة ظلّك في الشمس. لا يفارقك ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ) (127) فتستحضر عظمته ومراقبته لحظة بلحظة، كما هو شأن العارفين.

والمراقبة الباطنيّة هي الوقاية من المخالفات، إذ لا يرتكبها إلاّ الغافلون عنه تعالى.. فالتوحيد بحر من المعاني، والموحّد هو الذي يصف البحر من البرّ، والعارف بالله هو الذي يعوم بداخله. وهو ما يعرف بالفرق بين الشريعة والحقيقة، أو بين العموميّة والخصوصيّة.

**    **    **
121 - البخاري : نسخة الفتح 72/8
122 - سورة الشورى : 52
123 - سورة القصص : 56
124 - سورة الإسراء : 1
125 - سورة الفرقان : 1
126 - سورة يوسف : 53
127 - سورة الحديد : 4
الإمام الحسين سيد الثائرين والشهداء بقلم: سيد سليم

الإمام الحسين سيد الثائرين والشهداء بقلم: سيد سليم

الإمام الحسين سيد الثائرين والشهداء بقلم: سيد سليم

جُرْمٌ بكى لحدوثِه الحَدَثانِ = ومصابُه في غُرَّةِ الأزمانِ
 ثار الإمامُ ومن يثور كمثلِه = حاشاه يقبلُ بيعةَ الغُلمانِ
 ما كان يرضى أن يكون مبايعا = لوريث مُلك آل بالطغيانِ
هذا إمام الثائرين على المدى  = ومن اقتدى في عزة الإيمانِ 
عَجلَ الحسينُ لربه متقرباً  =   للثائرين وملهِمَ الشجعانِ
ليذودَ عن دين الهدى دنيا الهوى = ويقول لا لوراثة التيجانِ
فالأمرُ شورى لن أبايعَ من أتى  =   قهراً بحدِّ السيفِ والبهتان
باع الإمامُ النفسَ ينصرُ دينه =  أسدُ الوغى في ساحة الميدانِ
الحرّ يأبى أن يعيشَ مُداهنا  =  والعبدُ يعبدُ ساحةَ السلطانِ
يا سيّدَ الشهداءِ إنك خالدٌ  =  في القلب في الأفكار في الوجدانِ
عجباً لقومٍ هم خوارجُ عصرنا  =  زعموا بأنك في الخروج الجاني
ليبرروا توريثَ مُلْكٍ زائلٍ   =    يا نجدُ أنت القرنُ للشيطانِ
يا عصبةَ الإفكِ التي كم بررت  =   باسمِ الشريعةِ قِلعةَ الخصيانِ
وسعت تبثُّ سمومها في أمة  =    عميت ففتواها من العميان
فيزيد سيدكم وقرة عينكم =   فلتهنئوا بإمارة السفياني
إنا لنرجو أن تقر عيوننا  =   بحفيد خير الخلق في الرضوانِ