آخر المشاركات

الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

المقالات الذوقية للإمام عبد القادر الجيلاني

المقالات الذوقية للإمام عبد القادر الجيلاني

المقالات الذوقية للإمام عبد القادر الجيلاني

مقالة : (الرياضة)

فتجلى غير محتجب          وانجلت بالنور أذهان

الرياضة

فمما أوضحه في الرياضة رضي الله عنه، فقال : أخرج نفسك في مقام الإفلاس، وأغرقها في بحار الإياس، وانزل عليها بعساكر الصفا، وقاتلها برجال الوفا، واضرب عليها سرادقات التسليم والرضا، وانشر عليها أعلام المراقبة والحياء، وأركب عليها أفراس التوكل، وأفرغ عليها مخافر اليقين، وألبس لها لباس الصبر، واعتقل لها رماح الخشوع، وأشهر لها أسياف الخوف، وتنكب لها بمتارس الرجاء، وجلْ عليها في ميدان الشوق، وأقم عليها بخفيات الذكر، وفرضيات الفكر، وقدم إليها معارج العلم وسلالم الحكم.

فإذا فعلت هذا، فاستعمل لها القناعة، وركب عليها أوتار المجاهدة، وأطرح فيها سهام المشاهدة، واجدبها بأيدي الحكمة، والزمها بكف المعرفة، وارم بنبل القرب، لعلك تحظى بحال الوصال.

فإذا فعلت هذا مع هذا، اقطع مطامعك، واترك اختيارك، وقاتل هواك، وراقب مولاك، واخط قدمين، يقال لك : ها أنت من محبوبك الله كقاب قوسين.

واعلم ياهذا أن القوم صاموا عن الصوم، وناموا عن النوم، وفنوا عن الفناء، ونودوا بلسان الأزل، من سر أسرارهم ذهب عنكم العناء، أنا أنتم، وأنتم أنان فهاموا فرحاً، وتاهوا طرباً ومرحاً فخرجوا عن وصف البشرية، وغابت نفوسهم عن نعت البنية، وطارت قلوبهم في العوالم الملكوتية، خافقة بأجنحة المشيئة، وأُلبسوا الحلل الذاتية، من مدخور الخزائن الغيبية، حتى إذا خرقوا حجب الوحدانية، وانتهوا إلى مقام الأزل والربوبية، وقفوا على بساط القدس الصمدانية، فتدور فوقهم الملائكة الكروبية والروحانية، فأخدتهم الغيرة، وانتهت بهم إلى مقام الحيرة، فطاشوا وعاشوا، ثم نسوا نفوسهم وغابوا عن ذاتهم فنظروا وعرفوا. فسقاهم الحبيب جل جلاله من شراب محبته، بكأس ودّه، على بساط قربه، فلما شربوا طاشوا، ولما طاشوا دهشوا، ولما دهشوا ماتوا، ولما ماتوا عاشوا، حتى إذا بلغوا (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ).

ناداهم الحبيب جلّ وعلا : يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، أنتم عبادي حقّاً، ما تريدون وهو أعلم بما تريدون، فلما حكمهم تواجدوا، وقالوا ما قصدنا الجنان، ولا حورها الحسان، وإنما قصدنا من أجلها تعبنا.

قال : فتجلى لهم غير محتجب سبحانه وتعالى.

فتجلى غير محتجب          وانجلت بالنور أذهان
وتمشوا والِهِين به           وجيوب القوم أردان

ونالوا عند رؤية المحبوب، ما رامه المحب من المحبوب، (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ).

                                                      انتهى

جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم عَقَّ عن نفسه بعد النبوة، مع أنه قد ورد أن جده عبدالمطلب عَقَّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم :إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات.
قال تعالى مخاطبا رسوله الكريم : { وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } ونحن أولى بالتثبيت لا سيما في هذا الزمان الذي بعد عنا نور النبوة فأصبحنا نتخبط في دياجير مظلمة من الجهل لتعمنا بركاته وخيراته لا سيما إذا كان على طريقة شرعية مرضية. 

أدلة جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

أولا : من القرآن الكريم 

إن الفرح به صلى الله عليه وسلم مطلوب بأمر القرآن من قوله : { قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } [ يونس : 58 ] فالله تعالى أمرنا أن نفرح بالرحمة ، والنبي صلى الله عليه وسلم أعظم رحمة ، قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }[الأنبياء (107)]ويؤيد هذا تفسير عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الآية قال :فضل الله العلم ، ورحمته محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى :( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ). فالفرح به صلى الله عليه وسلم مطلوب في كل وقت وفي كل نعمة ، وعند كل فضل ، ولكنه يتأكد في كل يوم اثنين وفي كل عام في شهر ربيع الأول لقوة المناسبة وملاحظة الوقت ، ولا يغفل عن المناسبة ويعرض عنها في وقتها إلا من لا بصيرة له .

ثانيا : من السنة

1- إن أول الناس احتفالا بمولد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام هو الرسول الكريم نفسه صلى الله عليه وسلم فَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :  أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ، فَقَالَ : "ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ النُّبُوَّةُ " . فهذا الحديث يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين لأنه ولد فيه ونبئ فيه ويدل فعله صلى الله عليه وسلم على أنه ينبغي أن يُهتم بمثل هذا اليوم بفعل عبادة شكرا لله من صيام أو ما يستطيعه الفرد من أي عبادة وفعل لا يمنعه الشارع .

2- الاحتفال بالمولد الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صلى الله عليه وسلم وقد انتفع به الكافر . قال إمام القراء الحافظ شمس الدين الجزري : رؤي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له ما حالك ؟ فقال في النار . . إلا أنه قد خفف عني كل يوم اثنين ، فأمص من بين إصبعي هاتين ماء بقدر هذا وأشار برأس إصبعيه ، وإن ذلك بإعتاقي ثوبة جاريتي عندما بشرني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له رواه الإمام البخاري في صحيحه. وقد قال العلامة الحافظ شمس الدين بن الجزري في عرف التعريف بالمولد الشريف بعد ذكره قصة أبي لهب مع ثويبة : فإذا كان هذا أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم فما حال المسلم الموحد من أمته عليه السلام ، يسر ويفرح بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم ؟ لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم جنات النعيم .

3 - روى الإمام مسلم في صحيحه عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ). وفي هذا الحديث الشريف نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سمى بدعة الهدى سنة ووعد فاعلها أجرا ، ويظهر لنا أنه يسن للمسلم أن يأتي بسنة حسنة وإن لم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل زيادة الخير والأجر ومعنى سنّ سنة أي أنشأها باجتهاد واستنباط من قواعد الشرع أو عموم نصوصه ، وأي سنة أعظم من الاحتفال ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم.

ثالثا : من القياس

قال الإمام السيوطي- رحمه الله -:  وقد استخرج له- أي المولد -إمام الحفاظ أبو الفضل أحمد بن حجر- العسقلاني- أصلاً من السنة، واستخرجت له أنا أصلاً ثانياً.... فقد سُئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل أحمد بن حجر - العسقلاني - عن عمل المولد، فأجاب بما نصه: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن، وتجنب ضدها كان بدعة حسنة وإلا فلا. قال: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو: ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجَّى موسى، فنحن نصومه شكراً لله تعالى ، فُيستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة- عليه السلام - في ذلك اليوم. وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال ما كان من ذلك مباحا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به وما كان حراما أو مكروها فيمنع وكذا ما كان خلاف الأولى .

أول من احتفل بالمولد النبوي الشريف احتفالا رسميا

وأول من أحدث فعل ذلك صاحب أربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد وكان له آثار حسنة وهو الذي عمر الجامع المظفري بسفح قاسيون .

قال ابن كثير في تاريخه : كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا وكان شهما شجاعا بطلا عاقلا عالما عادلا رحمه الله وأكرم مثواه، قال وقد صنف له الشيخ أبو الخطاب بن دحية مجلدا في المولد النبوي سماه (التنوير في مولد البشير النذير) فأجازه على ذلك بألف دينار، وقد طالت مدته في الملك إلى أن مات وهو محاصر للفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وستمائة محمود السيرة والسريرة .

وقال سبط بن الجوزي في مرآة الزمان: حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد أنه عد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس غنم شوي وعشرة آلاف دجاجة ومائة فرس ومائة ألف زبدية وثلاثين ألف صحن حلوى، قال وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم ويطلق لهم ويعمل للصوفية سماعا من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاث مائة ألف دينار.

وقال الإمام الحافظ أبو شامة في كتابه (الباعث على إنكار البدع ) : ومن أحسن ما ابتدع في زماننا من هذا القبيل ما كان يفعل بمدينة أربل جبرها الله تعالى كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعر بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وجلالته في قلب فاعله وشكرا لله تعالى على ما منّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم وعلى جميع المرسلين ، وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين وبه اقتدى في ذلك صاحب أربل وغيره رحمهم الله تعالى.
شرح الحكم الغوثيّة : لا تَعْمَ عَنْ نُقْصَانِ نَفْسِكَ فَتَطْغَى.

شرح الحكم الغوثيّة : لا تَعْمَ عَنْ نُقْصَانِ نَفْسِكَ فَتَطْغَى.

شرح الحكم الغوثيّة : لا تَعْمَ عَنْ نُقْصَانِ نَفْسِكَ فَتَطْغَى.

إن كان الإنسان لا يبال بنقصان عمره، وغفل عن مرور الليالي والأنفاس المعدودة عليه، لا شكّ يطغى حتى يأخذه الله أخذا وبيلا، وهو لا يشعر، فهو مستدرج للآخرة شيئا فشيئا بدون أن يحسّ بنفسه (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) [القلم آية 44], ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : "أكثروا من ذكر هادم اللذّات وهو الموت" رواه النسائي في سننه فإنّ الإنسان إذا شعر بنقصان الأنفاس، وكان بصيرا بضعف الحواس، فلا جرم يشتغل بما يعينه، لأنّه في سير إلى الآخرة، يأخذ من دنياه إلى أخراه، ومن صحته إلى موته، ومن عمي عن ذلك تراه كأنّه لم ينقص له شيء من حياته، مع أن عمره أعز عليه من كل عزيز، وقد مر أكثره وهو لا يشعر، ولا ينتبه ولا يتزود للرحيل (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج آية 46].
كتاب في التصوف - 2

كتاب في التصوف - 2

كتاب في التصوف - 2

عليك بطيب الكلام فإنه يزيل الأحقاد. عليك بمشاورة ذوي العقول من ذَوي التّجاربُ فإنّ لهم مكاشفات عقلية يدركون بها طرفٌ من الغيب. عليك بالعدل فيما وُكّل إليك فإنه يُديم الرفعة ويحسن السمعة. عليك بالحقّ حيث كان فإنّهُ أفضل ما عاينت وأتمَّ ما وافيت. عليك بمساعي الخير ما وجدت إلى ذلك سبيل فإنّه يزيد قدرك ويعظم ثوابك وأجرك. عليك بالتحرّز مِنَ الشرّ وأهله مَا أمكنك فإنَّ ذلك مقرَّ السلامة في الدُّنيا والآخرة. عليك بصحبة الأخيار وجميل التذكار فإنَّ صحبة الأخيار تزيد الخير، وحُسن التذكار يؤثّر الخوف. عليك بالصّبر فإنه زين العاقل وسترة الجاهل. عليك بصدق الوعد وحفظ العهود فإنها حلةٌ جميلة ذِكرها، وجميل أجرَها. عليك بالعفو والعفّة فإنها مكرمتان لا تجتمع إلا في شريف النفس عزيز المروَّة عالي الهمَّة من عباده. عليك بالرضا بما قسّم الله تعالى فلن تنال ذلك غيرهُ ولو سخطت. عليك بالبرّ والتقوى فإنهما قواعدُ الدين ومبادئ الرِّضا من ربّ العالمين. عليك بحفظ الدّين فإنّه أفضل المقتِنَّيات وأنفس المذدخرات. عليك القيام بفرائض الدّين فإنّه أجلَّ موهبَة وأتمّ مَحمدة. عليك بصيانة العرض فإنَّ لا يعادِلهُ بعد الدين شَيء لا قلَّ ولاَ أجلَّ.

الاثنين، 15 أكتوبر 2018

الآداب المرضية لسالك طريق الصوفية

الآداب المرضية لسالك طريق الصوفية

الآداب المرضية لسالك طريق الصوفية

واعلم أن النفس هي السر الكامل وهي النور وهي الجمال وهي الكمال، وهذا السر ينكشف لمن سكن بلاد الذلّ والفقر ولا يرتحل منها أبداً، وأمّا إذا ارتحل عن الذل والفقر ارتحل هذا السر عنه، احب أم كره، إلا إذا كان كامل الفناء.

والعز والغنى ينتج عنهما الجهل، والفقر والذل ينتج عنهما العلم حكمة وهبية وهي أخذ العلم، والعلم حكم صفة الذات أعني العلم بالله، وأما علم المعاملات فهو حكمة أي من عالم الحكمة للعلم وتنتج ثمرته الذي هو العمل والعلم بالله إن صحبه الإخلاص، والعلم صفة العالم سبحانه وهي الدالة عليه في عالم الجهل، فالدلالة الأولى دلالة خبر النهار على النهار في الليل، والدلالة الثانية دلالة العين الصافية على الشمس الساطعة، ولولا الجهل لبطلت الدلالة عليها، ولولا العلم بها عليها لبقيَت كنزاً مطلسماً في حال ظهورها، انظر أهل الجهل الجلي كيف هي فيهم كنزٌ مطلسم من شدة ظهورها، فافهم.

واعلم أنه لولا العلم كما قلناه لما عرفها أحد، ولذلك قيل لمولانا محمد صلى الله عليه وسلم :(وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماَ) وقال صلى الله عليه وسلّم :{اطلُبوا العِلْم ولَوْ بالصّين} إلى منا لا نهاية له لفضله على غيره.

وهذا العلم ينقسم إلى قسمين :
- علم الدليل : والمطلوب العمل به وإلا فلا علم.
- وعلم الباطن : والمطلوب أيضا في بدايته العمل أكثر وأكثر وأما إذا وصل حقيقته صار عِلمُه عمَله وذلك لفناء النفوس والاستغراق في عالم المعاني عن توهم عالم المحسوس، لأن نفوس أهله تروحَنَت، فما أدركت بالعلم صار حالاً وذوقاً، بخلاف غيرهم. وهذا العلم هو الذي قال فيه الشيخ الكامل سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه :"مَن لم يتغلغل في علمنا هذا مات مُصرّاً على الكبائر وهو لا يشعر"، لأن هذا العلم بالله لله في الله، بخلاف غيره، وإمّا أن يكون بنفسه لنفسه، فافهم.

واعلم أن الجهل صفة لازمة للنفس كما أن العلم صفة لازمة للروح، وإليه الإشارة بسر قوله تعالى :( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ )، بعد أن كان في أعلى عليين، أعني في عالم العلم بالله حيث كانت روحانيته نورانية سالمة من الأغيار والأكدار، فلما تنزلت لعالم الجلال خفي عنها حيث قابلها بما لا تفهمه، فسلط الحق تعالى عليها الأوهام فانحجبت فصار علمها وعشقها وعقلها في غير محلّه، فسميت نفساً حيث سجنت في عالم الأغيار، وذلك بظنها أنه عالم الأغيار حكم الحق تعالى بنظرتها، فصار عليها أغياراً وأكداراً إلا على من يعرّفه بالله، فإنّه عليه أنواراً وأسراراً كما هو، وهذا هو الفرق لا غير.

واعلم أن النفس لها ظاهر وباطن، ظاهرها جهل، وباطنها علم، ظاهرها فرق وباطنها جمع، ظاهرها ظلمة، وباطنها نور، ظاهرها بعد، وباطنها قرب، ظاهرها ملك، وباطنها ملكوت. ولمّا اجتمع فيها الضدان صارت محلّ نزول الأنوار، وإليه الإشارة بسر قوله تعالى :{يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ}، أعني بين عالم النفس وعالم الرّوح، ولا يمكن أن تقبل نفسُ مخلوقٍ من الأسرار ما تقبله نفسُ الآدمي، لأن ظاهرها مجموع فيه عالم الحسّ كله، وباطنها مجموع فيه أيضاً عالم المعنى كله، وكل شيء فيه دون غيرها كما قلناه من قبل.

واعلم أن النفس إذا كانت في محلّ البعد كانت صفة الجهل لازمة لها، وإذا كانت في محل القرب كانت صفة العلم لازمة لها، ومن شرفها وكمالها أن حضرة الجمع دائماً تطلبها، وحضرة الفرق دائما تطلبها. ومن كمالها أنها عاشقة أبداً معشوقةً أبداً، فمهما عشقت حضرة الجمع عشقتها حضرة الفرق، ومهما عشقت حضرة الفرق عشقتها حضرة الجمع لأنها عروسة، وهي لحضرة الجمع عروسة بالأصالة، وأما حضرة الفرق فإنها متعدية عليها لا غير، إلا حضرة علم الظاهر والعمل به فإنها حضرة فرق لا محالة لكن هي المفتاح للجمع تحوِّشُها إليه، ولا تتمكَّن منها كل التَّمكين إلا بأعمال البواطن، لأن أعمال البواطن حقائق عند أهل الظواهر وشرائع عند أهل البواطن. وحيث كانت أعمال البواطن حقائق نتجت عنها الحقائق وحيث كانت أعمال الظواهر شرائع نتجت عنه الشرائع، وكل الشرائع عند أهل الباطن حقائق لأن أعمالهم كلها بالله، ولذلك كانت أعمالهم كلها حقائق، وأهل الظواهر وإن كانت أيضاً شرائعهم حقائق لكن لا تنتج عنها إلا الشرائع لظنهم أن الأعمال كلها شرائع، قال جلّ من قائل فيما يرويه عنه نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم :(أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ).

ومن هذا المعنى كان أهل الله يزيدون إليه سبحانه بكل عمل وبكل حال وبكل قول، يزيدون بالصلاة والتلاوة، ويزيدون بالأسباب كما يزيدون بالتجريد، ويزيدون بالفقد كما يزيدون بالوجد، ويزيدون بالعز كما يزيدون بالذل، ويزيدون بالفقر كما يزيدون بالغنى، إذ ليس عندهم إلا تجلي الحقيقة في كل شيء، وحتى في نفوسهم ما تجلى فيها ظاهراً علمياً، وما تجلى فيها باطناً فعلياً، كل ذلك يرونه بالعلم أنه مظاهر الألوهية، ولا يرون سواه في المظاهر الجلالية ولا في الجمالية. فبنور الله شاهدوا مولاهم، والنور المراد به العلم بالله.

كتاب : المنتخب من كتاب التجير للقشيري - 5

كتاب : المنتخب من كتاب التجير للقشيري - 5

كتاب : المنتخب من كتاب التجير للقشيري - 5

قال المشايخ : من يعجب بنفسه حُجبَ عن ربّه، والإعجاب هو رؤية المقام واستكبار القدر والجاه واستكثار الطاعة والنظر إليها ونسيان المعاصي السالفة في جميع العمر بالنظر إلى الطاعة والنظر إليها ونسيان المعاصي السالفة في جميع العمر بالنظر إلى طاعة تندر أحيانا لا بصفة الحضور والإخلاص ولو لم يكن لترك الإعجاب إلا قصة إبليس حيث قال : أنا خيرٌ منهُ، فجرى عليه ما جرى، وقصة قارون حين خرج على قومه في زينته معجبا مفتخراً فخُسفَ به، وقصة فرعون حيث قال : أليس لي ملك مصر، لكان ذلك كفاية في الزجر والمنع. وفي بعض الكتب أن السمكة التي عليها الأرضين أعجبت بنفسها مع ثقلها، فقيّض الله تعالى لها بعوضة لسعت أنفها فأصابها وجع شديد فسكنت، والبعوضة بين عينيها لا تجسر السمك أن تتحرك من خوفها.

من أوصاف العارف أن لا يأخده في الله لومة لائم فيكون بالحق ناطقا، وبحق الله قائماً، وفي دين الله قويًّا، لأن المعرفة تقتضي استصغار الأقدار سوى قدره ومحو الأذكار سوى ذكرهن فإن نطق نطق بالله، وإن سكت سكت به، وأفضل الأشياء كلمة حقّ عند من يُخاف أو يُرجى. وحكي أنه فيما مضى كانوا يعبدون شجرة فخرج رجل مؤمن من بيته وأخد معه فأساً ليقطع تلك الشجرة غيرة في الدين وحمية، فتمثّل له إبليس في صورة وقال : إلى أين تذهب ؟  فقال : أقطع تلك الشجرة التي تُعبد من دون الله، فقال له : اتركها وأنا أعطيك كل يوم درهمين إذا استيقظت وجدتهما تحت وسادتك، فطمع الرجل فتركها وانصرف. فلمّا أصبح لم يجد تحت وسادته شيئاً، هكذا ثلاثة أيام، فخرج مغضباً ومعه الفأس ليقطعها، فاستقبله إبليس فقال : أين تذهب ؟ فقال : أقطع تلك الشجرة، فقال ارجع فلو دنوتَ منها قطعتُ عنقك، لأنك في المرّة الأولى أتيت حسبة لله فما كان أحد يقدر على منعك، وفي هذه المرة أتيت بداعية الغضب الذي نشأ لك من فوت الحظ في الدراهم فارجع فإنك لا تقدر عليها.

أنواع من التسبيح

أنواع من التسبيح

أنواع من التسبيح

بعض أهل التحقيق قال : إن التسبيح تفعيل من السبح ، والسبح في اللغة : العوم، فكأن المسبح يسبح بقلبه في بحار ملكوته ، فعلى هذا القول أصحاب التسبيح مختلفون، فالطالب يسبح بقلبه في بحار الفكرة، فإن تلاطمت به أمواج الشبهة وقع في الإنكار والبدعة، وإن سلمت سباحته عن الآفات فلم يقطع عليه الطريق داعي الكسل والفشل، وخاطر العجز والملل ولم تسلمه هفوة سلف ، ولا محنة خلف ، ولم يسبق إلى قلبه سابق تقليد، وأيده الله تعالى بخصائص توفيق وتسديد، أدرك بسباحته جواهر العوم ولطائف الفهوم، فالعالم يسبح بروحه في بحار التعظيم وطلب أوصاف التشريف والتقديم، فإن هبت عليه رياح الفتنة غرق في أوشال الحظوظ، وبقي في أوحال النفوس، وإن ساعدته السعادة عبر قناطر الشهوات الخفية، وجاوز جسور الهمم الدنية، وسقط عنه كل نصيب له وهجره كل قريب له ، وعجز عنه كل نسيب له.

فإذا كان كذلك وصل إلى جواهر المعرفة، والواصل منهم يسبح بسره في بحار ملكوته، فإن ملكته حيرة البديهة وصدمته دهشة الغيبة ، قطع عليه الطرق فحيل بينه وبين المقصود، بمساكنة مع حال، واستئناس بخواطر ترد عليه، ولذيذ مقال، فهو عند أهل الحقيقة ممكور، وبما يظنه من الوصلة مهجور، وبالتلبيس مربوط، وبخفي خطره منوط، وإن كان عند الخلق أنه مغبوط.

وإن أمد الله عز وجل هذا السابح بعونه عبر منازل المكنونات، وجاوز قناطر المرسومات، فأدرك جواهر التوحيد، وتحقق بخصائص التفريد، فهذا الذي يسلم له أن يقول: سبحان الله.

شرح القشيري لأسماء الله الحسنى

الأحد، 14 أكتوبر 2018

إيـقاظ الـهـمم في شــرح الحـكم (39)

إيـقاظ الـهـمم في شــرح الحـكم (39)

إيـقاظ الـهـمم في شــرح الحـكم (39)

كما أشار إلى ذلك بقوله :

{إِذَا أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ فَضْلَهُ عَلَيْكَ خَلَقَ وَنَسَبَ إِلَيْكَ}

الحق تعالى فاعل بالمشيئة والاختيار ، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ، أي لا يسئل عما يفعل حقيقة وهم يسئلون شريعة ، ثم ان الحق سبحانه وتعالى قسم عباده على ثلاثة أقسام :
قسم : أعدهم للانتقام فأظهر فيهم إسمه المنتقم وإسمه القهار ، أجرى عليهم صورة العصيان بحكمته ونسبها إليهم بعدله وقهره "ولو شاء ربك ما فعلوه" "ولو شاء الله ما أشركوا" فقامت الحجة عليهم بإعتبار النسبة وإظهار الحكمة "وما ربك بظلام للعبيد" "وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون".
وقسم : أعدهم الله للحلم ، ليظهر فيه إسمه الحليم وإسمه الرحيم ، أجري عليهم العصيان وحلاهم بالإيمان ، فاستحقوا العقوبة على العصيان ، ثم أن الحق تعالى حلم عليهم وعفا عنهم وأدخلهم الجنان.
وقسم : أعدهم الله للكرم ، ليظهر فيهم إسمه الكريم وإسمه الرحيم ، خلق فيهم الطاعة والاحسان ، وحلاهم بالإسلام والإيمان ، وربما زادهم التجلي بالاحسان ، فأدخلهم فسيح الجنان ، ومتعهم بالنظر إلى وجه الرحمن.
فإذا أراد الله تعالى أن يلحقك بهؤلاء السادات ، هيأك لأنواع الطاعات ، وخلق فيك القوة على فعل الخيرات ، ثم نسب إليك ذلك الفعل ، فقال :" يا عبدي فعلت كذا كذا من الخير فأنا أجازيك عليه ، أدخل الجنة برحمتي وترق إلى مقامك بعملك فمقامك حيث أنتهى عملك" ، قال تعالى :" كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً" "أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا" وقال تعالى :"ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون" ثم ينبغي لك أيها الأنسان أن تتأدب مع الملك الديان ، فلا تنسب إليه النقص والعصيان ، وإنما أغوتك نفسك والشيطان ، قال تعالى :" فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور" أي الشيطان ، فما كان من الكمال فانسبه إلى الكبير المتعال ، وما كان من النقصان فأمسحه في منديل النفس والشيطان.

قال سهل بن عبد الله رضي الله عنه : (إذا عمل العبد حسنة وقال : يا رب بفضلك استعملت، وأنت أعنت، وأنت سهلت، شكر الله ذلك له، وقال : عبدي بل أنت أطعت، وأنت تقربت. وإذا نظر إلى نفسه وقال : أنا عملت: وأنا أطعت، وأنا تقربت، أعرض الله عنه وقال له : يا عبدي أنا وفقت، وأنا أعنت، وأنا سهلت، وإذا عمل سيئة وقال : يا رب أنت قدرت، وأنت قضيت، وأنت حكمت، غضب المولي جلت قدرته عليه وقال : يا عبدي بل أنت أسأت، وأنت جهلت، وأنت عصيت، وإذا قال : يا رب أنا ظلمت، وأنا أسأت، وأنا جهلت، أقبل المولي جلت قدرته عليه وقال : يا عبدي أنا قضيت وأنا قدرت وقد غفرت وقد حلمت وقد سترت) . ثم أن هذه النسبة التي نسب الله لعبده بما خلق فيه بها يستحق المدح والذم، فإذا خلق فيه الطاعة ونسبها إليه استحق المدح بلسان الشرع، وإذا أجرى عليه المعصية وقضاها عليه استحق الذم بلسان الشرع أيضاً، كما أشار إليه بقوله : 

{لا نِهَايَةَ لِمَذَامِّكَ إِنْ أَرْجَعَكَ إِلَيكَ ، وَلا تَفْرُغُ مدَائِحُكَ إِنْ أَظْهَرَ جُودَهُ عَلَيكَ}.

إذا أراد الله إهانة عبد وإذلاله رده إلى نفسه وهواه فأحيل عليها ووكل إليها فيوليه ما تولى، فإذا استولى عليه الهوى أعماه وأصمه وفي مهاوي الردى أسقطه، فلولا أن الله سبحانه تفضل على عباده بالعفو والحلم ما قبل عملاً قط، إذ تصفية الأعمال كاد أن تكون من المحال، قال الله تعالى : (وما قَدروا الله حقّ قدرِهِ )أي عظموه حق تعظيمه. وقال تعالى :(كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) أي لم يقض الإنسان ما أمره سيده على الوجه الذي أمر به ، وانظر قوله تعالى :(أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) لم يقل الحق تعالى نتقبل منهم لأنه يقتضي أنه كامل بل عداه بعن المفيدة للتجاوز، كأنه قال : أولئك الذين يتجاوز عنهم في أحسن ما عملوا فنتقبلها منهم ولو لم يتجاوز عنهم فيها ما تقبلت منهم، ولكن الكريم لا ينتقد بل يقبل كل ما يعطاه لعظيم كرمه وغناه، فالحمد دائماً لله حيث خلق فينا العمل وأعطانا عليه غاية المنى والأمل، كما أشار إلى ذلك بقوله : 


السبت، 13 أكتوبر 2018

من أراد أن يصفو تسبيحه

من أراد أن يصفو تسبيحه

من أراد أن يصفو تسبيحه

وأولى الأشياء لمن يريد أن يصفو تسبيحه أن يجرد قلبه من الأغيار ، ويصون سره عن التدنس بالآثار ، ومساكنة الأشكال والأمثال ، عند هجوم الأشغال ، فإن قيمة توحيد الرجل وقدر معرفته تتبين عند الصدمة الأولى فيما يحل به من البلاء ، فإن فزع إلى الأغيار بقلبه وعلق بالأجناس خواطر لبه ورأى من المخلوقين كشف طوارق كربه ولم يرجع إلا بعد اليأس من الخلائق إلى ربه ، علم تقاصر رتبته ، وخساسة منزلته ، وبعده من الله في خصائص حفظه وعصمته.

ومن أعرض عن الأسباب ، ولم يعرج على الاستعانة بالأحباب ، ولم ينثن قلبه في اعتقاده واستناده إلى الأصحاب ، كفى المهمات ، وخيرت له الخيرات ، وتنكبته الأوقات ، ومن صح بالله توسله وحق على الله توكله كفته كفاية ربه وتفضله.

وقد حكي عن بعض المشايخ أنه قال: كنت أخدم شيخا بطرطوس ، فولدت له بنية في آخر عمره ، فلما قربت وفاته استوصيته فيها ،فقال لي: تحملها إلى مكة في الموسم وتدعها في الحجر وتنصرف ، فلما توفي الشيخ امتثلت أمره ، وكنت أنظر من بعيد أرقب حالها كيف يصير؟ فمر بها خادم للخليفة فاستحسنها وأخذها ، فدخلت بغداد بعد ذلك بمدة طويلة فرأيت البلد قد زُين ، فسالت عن السبب فقيل : إن خادما للخليفة رجع بصبية من الحج التقطها فاستظرفتها أم الخليفة فتبنتها ، فلما كبرت زوجتها من ابن الوزير وجهزتها بعشرين ألف دينار ، فعلمت عند ذلك صدق إشارة الشيخ.

وتقديس الأفعال عن الآثام وصف كل غاية ، وتنزيه الأموال عن الحرام شرط كل زهد ، وتصفية الأحوال عن مشاهدة الآثار حق كل واحد ، فمن قدس أفعاله نجا من عقوبته ، ومن طهر أمواله وصل إلى مثوبته ، ومن قدس أحواله فاز بقربته ، والامان من العقوبة لمن طلب النجاة ، والظفر بالمثوبة لمن ابتغى الدرجات ، والتحقق بالقربة لمن أخلص مع الله المناجاة.

شرح القشيري لأسماء الله الحسنى
كتاب في التصوف

كتاب في التصوف

كتاب في التصوف

كتاب منقول عن مخطوطة
العنوان : كتاب في التصوف
المؤلف : بدون مؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله العالي الكبير، اللّطيف الخبير، الغفور الرحيم، الواسع العليم، ذو الفضل العظيم، إله لا يُرجا سواه، ولا يُعبد إلاّ إيّاه، أنعامُهُ لا تُعدُّ، وأفضالهُ لا تُحدّ، سبحانه من إله ما أعظمه، ومن عزيزٍ ما أكرمه، ومِن لطيفٍ ما أرحمه، ليس له شريك في ملكه، ولا معارض في حكمه، قادرٌ قاهرٌ ليس لذاته صفات، فلا لصفاته ذات ولا لقيموميّته بداية، ولا لديموميّته نهاية، جلّ عن المأييّة والأينيّة والكيفيّة، وتعالى عن المناسَبَة والمشاركَة والجنسيّة، وتقدّس عن مجاري مواقع التَّقديس والتَّنزيه، وتفرَّد بالعظمَة والقدرة والتّالية، فليس له ضدٌّ ولا ندٌّ، ولا عديل ولا شبيه، أحمدُه حمداً دائماً بدوامِ ملكِهِ وإنعامه، حَمدَ من يرجو رضاهُ ورحمتهُ، ويخاف سخطه وانتقامه، وأشهد أنَّ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادةً أعدها للقاه، يوم لا ينفع العبد إلاّ ما قدّمت يداه، وأشهد أنّ محمّدا عبدهُ ورسولُه، ختمَ به الأنبياء واختارُه من جميع خلقه واصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله إلى يوم نلقاه، وسلَّم تسليماً.

أمَّا بَعد : فإني جمعتُ في كتابي هذا مناقب جميلة من المحامِد، وبيّنت فيه من أضدادها ما يكفي المُتحرّز منها زاد ليوم المعاد. وجعلت ذلك أبواب مسرودة عِدادا اقتداءً بمن سبقني إلى ذلك وله الفضل. وأعقُب ذلك فضلٌ شامل، في معرفة أحوال الدنيا الفانية، وانكشاف عيوبها أقالنا الله غرورها وجنّبنا محظورها، وهي عشرة أبواب :

الباب الأول : فيما تيسّر في واحد وهو :عليك بالعقل فإنّه جمال مَنْ لا جمال له. وعليك بالعلم فإنّه مال من لا مال له. عليك بالتقوى فإنّها حرزٌ من لا حرزَله. عليك بالطّاعة فإنها عزَّ من لا عزَّ له. عليك بالحلم فإنّه وقار مَن لا وقار له. عليك بالصّبر فإنّه مطيّة الظفر. عليك بالرّضا بمواقع القضا فإنّه يهوِّن المصيبة. عليك بحُسن التَّسليم إلى مجاري الأقدار فإنه مُراد الله من عباده. عليك بالصدقة فإنها تدفع البلاء وتزكّي الأموال. عليك بالحقّ فإنه حصنٌ منيع. عليك بالخوف من الله تعالى فإنه يسبب التعلّق بمطالع الرحمة. عليك بكتم السرّ فإنه يعين على قضاء الحوائج. عليك بإيثار الأدب فإنّه  يؤكّدُ المحبّة ويديم الصّحبة. عليك بالشكر فإنّه يديم النعمة. عليك بالرزق الحلال فإنّه مُبارك ولو قلَّ. عليك بحسن المدارة لكل أحد فإنّها مقرَّ هنوات العيش. عليك بالمروّة فإنّها تُحبِّب فيك كل أحد. عليك بالكرم فإنّه يُجْمِل الذّكر ويُغطّي العُيُوب. عليك بالأمانة فإنها ترفع الأقدار وتُزيِّن الأحرار. عليك بالإنصاف فإنّها حالةٌ جميلة وخصلةٌ جليلة. عليك بصُحبة الأخيار فإنّها أمانٌ من العار ووقاية من الدّمار.