آخر المشاركات

الجمعة، 14 ديسمبر 2018

مناقشة الشيخ الشعراني لمدعي الولاية من المشايخ القاصرين

مناقشة الشيخ الشعراني لمدعي الولاية من المشايخ القاصرين

مناقشة الشيخ الشعراني لمدعي الولاية من المشايخ القاصرين

قال رحمه الله : لو سئل القاصرون من مشايخ هذا الزمان عن حقيقة ما يدعون الخلق إليه ما عرفوا. فكيف يدعون إلى من لا يعرفون ؟ فإن قالوا : دعونا الخلق إلى طريق القرب من الله تعالى. قال لهم الحق تبارك وتعالى : "إن اعتقدتم القرب مني فقد حددتموني وأنا لا أحدد". وإن قالوا : دعوناهم إلى طريق سعادتهم لنقربهم منها. قال لهم الحق عزَّو جل : "سعادة الخلق لم تزل قائمة بهم، وما برحت معهم في حال طلبتكم القربة إليهم. فإن لم تعلموا ذلك، فقد جهلتم، والجاهل لا ينبغي أن يتصدر لباب الدعوة. وإن علمتم ذلك فما صدقتم، وأي فائدة لدعوتكم ؟". وإن قلتم : إنما طلبنا بالدعوة تقريب الخلق إلى معرفة ذواتهم. قال لكم الحق : "الشيء لا يجهل نفسه، وطلب القربة ممن يعرف لا يصح". وإن قلتم : طلبنا بذلك القرب إلى معرفتك. قال لكم الحق : "كيف تعرفون من ليس كمثله شيء ؟". فاعلم ذلك، واحذر أن تعمل شيخاً في هذا الزمان بالدعوىن فإن لكل مدعِ ممتحناً في الدنيا والآخرة، والله يتولى هداك.
الملتقى العالمي للتصوف الدورة 13 :المشترك الإنساني ترسيخ قيم التعارف والحوار

الملتقى العالمي للتصوف الدورة 13 :المشترك الإنساني ترسيخ قيم التعارف والحوار

الملتقى العالمي للتصوف الدورة 13 :المشترك الإنساني ترسيخ قيم التعارف والحوار

عبد الله مشنون

ارتبط التصوف والزوايا الصوفية في أذهان كثير من الناس بصور وأنماط تجسد انحرافا عن الدين وحيدة عن سواء السبيل ومرد ذلك إلى: بعض الزوايا الصوفية انغلقت على نفسها وأتباعها ومريديها، وانفردت بطقوس لا تمت للدين بصلة وممارسات تنم عن غلو وجهل فاضحين..غياب الرؤية السليمة للواقع وعدم القدرة على التكيف مع مستجدات العصر وإيجاد مساحات ملائمة للإسهام في بناء الفكر الاسلامي الحديث لذلك كانت الزوايا بالنسبة للكثيرين مجمعا للعباد والمريدين الذين أنبت عبادتهم على التقليد الأعمى والاتباع المجرد دون علم ولا هدى ولا كتاب منير.

ولعل هذه الصورة السلبية حالت دون أن يكون هنالك نوع من التواصل والحوار بين هذه الزوايا وجموع المسلمين أو المهتمين بالشأن الديني على الرغم مما تؤديه من مهام معتبرة على مستوى التربية والسلوك..إلا ان هذه الصورة ليست عامة في كل الزوايا خصوصا في المغرب فقد أسهمت مجموعة من الزوايا على مدار التاريخ في نشر الوعي والتربية السليمة الخالية من أسباب التطرف ومنابت الارهاب أو الهبوط إلى مدارك التبديع والتكفير وغيرها من الشرور والآثام التي ابتليت بها الأمة .

وفي هذا الاطار تبرز الزاوية القادرية البوتشيشية كمعلمة علمية وتربوية باسقة فقد قدمت على مر السنين إسهامات واسعة لتبديد تلك الصورة النمطية التي تحدثنا عنها آنفا فقد صار الملتقى العالمي للتصوف الذي تنظمه الزاوية القادرية قبلة للعلماء والمفكرين والباحثين والأكاديميين والجامعيين والمريدين من داخل المغرب وخارجه..ملتقى يجمع بين أجواء تبادل الافكار والتجارب وأجواء الذكر والسمو الروحي والصفاء الذهني والنفسي.
وقد جاءت الدورة الثالثة عشر المنظمة تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس للبحث في المشترك الإنساني كأرضية متفق عليها للحوار ومد جسور التعارف والتعاون بين الشعوب وقد قال فضيلة الدكتور سيدي منير مدير الملتقى أن اختيار موضوع هذه الدورة يندرج في سياق الجهود الى تدريس القيم الإنسانية المشتركة وإفشاء قيم السلام والمشترك الإنساني المتعلق بالقيم الإنسانية الفاضلة التي تجمع بين الشعوب من عدالة ومساواة وأخلاق حميدة وغيرها مما تكون مساحة مشتركة تلتقي من خلالها تجارب الشعوب وحاجاتهم دون النظر في اختلافاتهم العقدية او المذهبية.
لذلك فالمشترك الإنساني مائدة للتعارف والتعاون البناء القائم على المساواة والاحترام والاعتراف بالآخر دون تبخيس أو تقليل..”يأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”فالتعارف هو مفتاح العلاقات الإنسانية السليمة والتواصل البناء القائم على الاحترام المتبادل والرغبة في حماية السلم الأهلي والبناء المجتمعي الذي أساسه احترام التعددية والتنوع الفكري والثقافي.

أما غياب التعارف يخلق صورا نمطية مشوهة وغير صحيحة عن الاخر، وبالتالي تنعدم او تقل فرص تكوين المساحات المشتركة.
لذلك فقد وفق القائمون على هذا الملتقى لإثارة وتعميق البحث في هذا الموضوع خصوصا في هذه الفترة التي تمر منها الامة وما يكتنفها من احداث وما يحذق بها من مخاطر وما ألصق بها من صور القصد منها تشويه معالمها وصفائها ووسطيتها (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا).
وقد اتت فضاء الملتقى العالمي للتصوف اكثر من 115 عالما وباحثا وخبيرا من خارج المغرب وداخله اثروا البحث والنقاش حول هذا الموضوع وخرجوا بمجموعة من التوصيات اهمها:

1. ادراج مؤسسات الزوايا في الفعاليات الرسمية نظرا لإسهامها في ابراز مفهوم المشترك الانساني ضرورة.
2. الدعوة الى انشاء مراكز للبحث لترسيخ قيم المشترك الانساني.
3. ادراج القيم الروحية ضمن البرامج التعليمية والتربوية لتحصين الناشئة ضد الانحراف والتطرف
4. الدعوة الى انشاء جامعة دولية متخصصة في علوم التصوف.
5. اعداد برامج تلفزية للتعريف بالملتقى وابراز الدور الذي تقوم به الزاوية القادرية على المستوى التربوي والعلمي والثقافي في الداخل والخارج.

كما عرفت الامسية الختامية اقامة حفل ديني بهيج تراسه سماحة الدكتور سيدي جمال الدين شيخ الطريقة القادرية البوتشيشية تليت فيه آيات بينات من الذكر الحكيم وانشاد امداح نبوية.

وقد رفعت أكف الضراعة الى العلي القدير بالدعاء لأمير المؤمنين بان يحفظ جلالته بما حفظ به الذكر الحكيم ويقر عينه بولي عهده الامير مولاي الحسن وان يشد ازره بشقيقه الامير مولاي رشيد وان يمطر شآبيب والغفران على الملكين محمد الخامس والحسن الثاني.


المصدر : www.maroctelegraph.com

الخميس، 13 ديسمبر 2018

الأستاذ عبد الله مشنون يكتب عن الملتقى العالمي السنوي للتصوف في دورته 12 بمداغ

الأستاذ عبد الله مشنون يكتب عن الملتقى العالمي السنوي للتصوف في دورته 12 بمداغ

الأستاذ عبد الله مشنون يكتب عن الملتقى العالمي السنوي للتصوف في دورته 12 بمداغ

إيطاليا: عبد الله مشنون

في جو من الخشوع و التبتل وفي لحظات قمة في الجلال والجمال والرقي والوصال أقيم الملتقى العالمي السنوي للتصوف في دورته الثانية عشرة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس و ذلك بمداغ إقليم بركان والذي تنظمه الطريقة القادرية البودشيشية بتزامن مع الاحتفال بعيد المولد النبوي وقد كان موضوع هذه الدورة (التصوف والدبلوماسية الروحية الابعاد الثقافية والتنموية والحضارية).

وقد عرف هذا الملتقى حضور قامات دينية وعلمية كبيرة أتت من كل حدب وصوب للإسهام في ابراز مزايا واساسيات التصوف السني واسهاماته في ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال ونبذ كل مظاهر العنف و التطرف.

وهذه مناسبة نتقدم فيها بالشكر الجزيل لفضيلة الشيخ سماحة الدكتور سيدي جمال الدين العالم الرباني والمربي الجليل و لفضيلة الدكتور سيدي منير مدير الملتقى العالمي وللقائمين على هذا الصرح الروحي البديع على ما اولوه لنا من حفاوة وحسن ترحاب وما ذلك الا ثمرة لتربية روحية اصيلة وامتداد متجذر في أصول التصوف والسلوك القويم وتجسيد لاتباع سيد الخلق في مدح قدسي رباني (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).

لقد كانت هذه الأيام المباركة فرصة للتلاقح الفكري والمعرفي حيث توالى على منصة الالقاء جملة من العلماء و الدعاة الباحثين والاكادميين و الأساتذة الجامعيين والمربين الذين أبرزوا أن ارتداء لبوس التصوف والرشف من معين السالكين بحق وعلم ليطبع المسلم بصبغة نورانية لا تنفك عنه صبغة من الاعتدال والحكمة بعيدا عن التشويش والتشغيب و الجلبة التي يعيشها بعض المسلمين اليوم صبغة تجعل صاحبها سفيرا لهذا الدين وناطقا بسماحة وإشراقة هذه الحنيفية.

الأستاذ عبد الله مشنون يكتب عن الملتقى العالمي السنوي للتصوف في دورته 12 بمداغ

ولكم سررت وأنا أحظى بإلقاء كلمة متواضعة بين يدي الفضلاء من العلماء شيوخي وأساتذتي وقد عنونت تلك المداخلة ب(لتَعارَفوا) وهي كلمة قرآنية تنطق عن نفسها و تعلم القاصي والداني عن عظمة هذا الدين وأنه دين الكلمة والتعارف والدعوة بالموعظة الحسنة وأن سلفنا الصالح قد رزقوا فهما واسعا في هذا الصدد فسادوا العالم بأخلاقهم وعلموا الأمم بسمتهم ورحمتهم متأسيين في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله تعالى عنه (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).وهذه مناسبة نقول فيها أن الذين ينتهجون العنف سبيلا لهم في الحوار و من يتخذون من التكفير و التبديع منهجا في الفكر والسلوك لا يمثلون الإسلام في شيء بل الإسلام حجة عليهم حين يقول تعالى(لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) هذا بالنسبة لغير المسلم فكيف بمن ينطق بالشهادتين كيف بمن قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم:(لا تَحَاسَدُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَاناً. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، وَلا يَكْذِبُهُ، وَلا يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَا هُنَا -وَيُشِيرُ إِلى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ)

لذلك جاءت مداخلتي دعوة لمد يد التعارف والتآلف وإعادة لقراءة جديدة للعلاقة بين المسلمين وغيرهم وبين المسلمين فيما بينهم عسى أن تذوب هذه الأكوام من الجليد الآسن ويعود الدفئ إلى العلاقات بين الناس تحت غطاء من الاحترام وحسن الظن والتربية السلوكية القويمة.

وفي هذا السياق أهيب بأبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج كوني أحد أفرادها أن يلتزموا بالاخلاق الفاضله ما يجعلهم قدوة لغيرهم ونبراسا لأبنائهم من بعدهم فالكل راع والكل مسؤول عن رعيته.و أن يحرصوا أن يكونوا خير سفراء لدينهم و ووطنهم ملتزمين الوسطية والاعتدال في الأقوال كما الأفعال وليمدوا يد الخير لنظرائهم في الخلق من غير المسلمين .تلك هي الصورة التي أراد الله عز وجل أن نكون عليها و ندعو إليها دونما تشدد أو تطرف أو رهبنة أو أحكام جاهزة على هذا أو ذاك (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ  وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ).

كتاب : التحقيق فيما ينسب لأهل الطريق

كتاب : التحقيق فيما ينسب لأهل الطريق


مخطوطة : التحقيق فيما ينسب لأهل الطريق 
تأليف : خوقير أبو بكر بن محمد

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي يهدي إلى سبيله من جاهد فيه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق على الإطلاق المبعوث بخير الهدي ليتمم مكارم الأخلاق، وعلى آله أهل بيته وعترته الطاهرين وصحابته المهتدين والتابعين لهم إلى يوم الدين.

أما بعد فقد سألني بعض الإخوان أصلح الله لي ولهم الحال والشأن عن أشياء مما ينسب إلى أهل الطريق، وطلب مني أن أنقل له ما ذكره أهل التحقيق، فأحجمت زمنا طويلا، حتى عرضت لي مسائله في جملة الأوراق، فبدا لي الكتابة فيها وإجابة السائل عنها رغبة في النفع العام، وجمع الأوابد المتفرقة في هذا المقام، مع التوفيق بين كلام القوم وأهل الحديث، والتوسط في السير بين البطيء والحثيث، والفرط والمفرط ،والغالي والجافي، فكتبت هذه الرسالة ناقلا فيها من عبارات الطرفين ما تقر به العين، مؤيدا بنصوص الفقهاء من المذاهب الأربعة والبراهين القاطعة بغاية الإيضاح والتفصيل، وكشف ما يسلكه البعض من التبليس والتضليل راجيا أن تحل محل القبول عند ذوي العقول والمنقول. ورتبتها على مقدمة وست فصول وخاتمة، وسميتها :(التحقيق فيما ينسب لأهل الطريق) وأسأل الله الإخلاص والتوفيق إلى أقوم طريق. وها أنا أشرع في الفصول بحول الملك المعبود فأقول :

المقدمة

فألفاظ يكثر استعمالها ويحتاج إلى بيانها، كمقام بذكر قواعد ينبني عليها الكلام، منها علم الباطن وعلم الظاهر، فالأول هو ما باشر القلب ورسخَ فيه فأقر فيه معرفة الله وعظمته، وخشيته وإجلاله، وتعظيمه ومحبته، ومتى سكنت هذه الأشياء في القلب خشع فخشعت الجوارح كلها تبعا لخشوعه، وتنوعت لصاحبه معارف من أعمال قلبه وهي كثيرة، فيقال علم القلب. والثاني علم الظاهر مما يصدر على اللسان من الفتاوى والأحكام ، والحلال والحرام، والقصص والوعظ وغيره، قال الحسن : العلم علمان علم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم، وعلم في القلب فذاك العلم النافع. وقد تعوذ صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، وفي حديث أنس قال صلى الله عليه وسلم : سلوا الله علما نافعاً وتعوذوا بالله من علم لا ينفع.وغير ذلك مما يدل على أن العلم الذي لا يوجب الخشوع للقلب فهو علم غير نافع. ولم يقسم بعض العلماء العلم إلى باطن وظاهر إلا باعتبار التقرير السابق والمفهوم من الأحاديث من تقسيم العلم إلى نافع وغير نافع. كتب وهب ابن منبه  إلى مكحول : "إنك امرء قد أصبت بما ظهر من علم اللسان شرفا، فاطلب مما بطن من علم الإسلام محبة وزلفى". وفي رواية أخرى أنه كتب إليه : "إنك قد بلغت بظاهر علمك عند الناس منزلة وشرفا، فاطلب بباطن علمك عند الله منزلة وزلفى، واعلم أن أحد المنزلتين تمنع الأخرى" كما نقله الحافظ بن رجب، قال : فأشار وهب بعلم الظاهر إلى علم الفتاوى والأحكام، وحلال وحرام ،والقصص والوعظ، وهو ما يظهر على اللسان، وهذا العلم يوجب لصاحبه محبة الناس له وتقدمه عندهم، محدّرا من الوقوف عند ذلك والركون إليه، والالتفات إلى تعظيم الناس ومحبتهم، فإن من وقف مع ذلك فقد انقطع عن الله وانحجب بنظره إلى الخلق عن الحق، وأشار بالعلم الباطن إلى العلم الذي يباشر القلوب فيحدث لها الخشية والإجلال والتعظيم، وأمره أن يطلب بهذا الجنة من الله والقرب منه والزلفى لديه.

يتبع
الداخل للحقيقة

الداخل للحقيقة

الداخل للحقيقة

الدّاخل للحقيقة كمن دخل بلاد الصحراء الخالية، إما أن يكون عارفاً بالبلاد فهو ناجٍ، وإلاّ يكون دخوله إليها مع أحد من خبرائها فهو أيضاً ناج. ولا يدخلها جاهلاً بها من غير رفقة أحدٍ من أهلها، فهو تالف هالكٌ. صار الأمر : ما ثمَّ إلاَّ عالمٌ بالبلد ناج، وإلاَّ مُتعلمٌ مرافقٌ لعالمٍ بها ناج. وإنَّ كل جاهل مستكفي بجهله هالك، ولا يحل لامرئٍ أن يَقْدِم على أمرٍ حتى يعلَمَ حكم الله فيه.

وأيضاً : قال جلَّ من قائل : (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِوَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) انظر وتأمل، إن كنت ذا فهم فإنك تجد عِظَمَ الأشياء لا تخرج إلاّ من عظيمها، النور العظيم لا يخرج إلاّ من الظلمة العظيمة، والواسع العظيم لا يخرج إلاّ من الضيق العظيم، والعزّ العظيم لا يخرج إلاّ من الذّلِّ العظيم، والقرب العظيم لا يخرج إلاّ منَ البُعْدِ العظيم، والبَسطُ العظيم لا يخرج إلاّ من القَبض العظيم، والعطاء العظيم لا يخرج إلاّ من المَنْع العظيم، والربحُ العظيم لا يخرج إلاّ من الخُسرانِ العظيم، والجَمعُ العظيم لا يخرج إلاّ من الفَرق العظيم. وكذلك بالعكس في هذه الأمور كلها، وغيرها مما لا نهاية لها. سبحان من جعل الأشياء كلها كامنة في أضدادها بحكمته وقدرته تعالى. سبحان العظيم الحكيم الرؤوف الرحيم.

           نصيحة المريد 
في طريق أهل السلوك والتجريد
كشف الغطاء في طريق الصوفية / ابن خلدون (8)

كشف الغطاء في طريق الصوفية / ابن خلدون (8)

كشف الغطاء في طريق الصوفية / ابن خلدون (8)

ولأن هذا العالَمَ بمنزلةِ عالَمُ المتضادَّات بمقتضى خِلْقَتِه، كانتِ الآثارُ الراجعة إليها من أفعالها على نوعين : 

منها ما يكون مشيعاً لها نحو الكمال ومعيناً عليه، وهو الخُلُقُ الزَّكيُّ والحسنات.
ومنها ما يكون عائقاً عن الكمال وصارفاً عنه وهو الرذائل والسيئات.

فإن كانت الآثار المستفادةُ آثار الخير والزكاءِ زاد فيها تطلُّعاً إلى الكمال، وإقبالاً على الخير، وميلاً إليه، وتيسيراً في صدوره. ثم إذا صدر ثانية ورجعت إليها الآثارُ عادتِ الزيادة مضاعفة، فلا تزال كذلك تتضاعف الزيادة عوداً بعد بدء، حتى ترسَخُ صفات ُالخير المتكلفةُ بالكمال، وتستولي على أمره وتتهيأ به لسعادتها الآجلة.

وإن كانت الآثار المستفادةُ آثار شرورٍ ورذائل صرفها عن التطلُّع، وقصر بها عن الكمال، ويسّرها لصدور رذائل أخرى تتضاعفُ منها آثار الشَّر والرَّذائل فيها، ولا تزال أيضاً كذلك إلى أن تنتهي إلى شِقْوَتِها الكبرى، إلاَّ أن يمنَّ الله برحمته، وينقذها بلطفه. قال تعالى : ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ) وقال :(مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) وقال : (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) وقال : (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ). وقال صلى الله عليه وسلم : (إنَّمَا هِيَ أعمالُكُم تُرَدُّ عَلَيْكُم). فإذا أمدَّ الله هذه اللَّطيفة الربّانيّة بنور الإيمان، وزكّاها بأعمال الحسنات، وطهّرها من اقتراف السيئات رجعت إلى الله وقد خلُصَت من عوائق هذه الدنيا وتبعاتهان واستولت على الكمال الذي خُُلقت له، وأبرزَتْ إلى الحياة الدنيا بسببه، قال تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) قال ابن عباس : معناه ليعرفون. وقال تعالى : (ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ).

الأربعاء، 12 ديسمبر 2018

الولاية والأولياء عند السادة الصوفية

الولاية والأولياء عند السادة الصوفية

الولاية والأولياء عند السادة الصوفية


"ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"

من الأمور التي يكثر حولها الجدل عند الصوفية مسألة الولاية والأولياء ومراتب الأولياء وختم الولاية، وقبل أن نلج في هذا الموضوع لنتعرف على معنى الولاية أو الولي، ففي معاجم اللغة الولاية تأتي بمعنى القرب وبمعنى المحبة، والولي كل من وليَ أمراً أو قام به وهو النصير أيضاً والمحب والصديق، إذن فيتلخص معنى الولاية والولي بالمحبة والمحب ويلزم منه القرب والنصرة.

ولكن ما معنى أن يحب الله عبدا ويتولاه فيصبح ولياً؛ المحبة هي في حق المخلوقين ميل ورقة في القلب وهذا الميل والرقة يستدعي إنعاما على المحب وإرادة الخير له، والرقة والميل محالان في جناب الحق تعالى فيكون معنى المحبة الإنعام على سبيل الابتداء وإرادة الخير والكفاية والنصرة، والقرب الذي يكون في الولاية هو في حق الله قرب معنوي فهو قريب من وليه بمحبته ونصرته، وليس قرب مكان كما يتوهم بعض المجسمة.

وعند أهل الشرع الولاية نوعان؛ ولاية عامة وهي ولاية الله تعالى لجميع المؤمنين قال تعالى :"الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور"، وولاية خاصة وهي التي يتحدث عنها الصوفية قال تعالى :"ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم"، وهي كما في الرسالة القشيرية :"من توالت طاعاته من غير تخلل معصية، وهو الذي يتولى الحقّ سبحانه حفظه وحراسته على الإدامة والتوالي، فلا يخلق له الخذلان الذي هو قدرة العصيان، وإنما يديم توفيقه الذي هو قدرة الطاعة، قال الله تعالى: " وهو يتولى الصالحين".

وقال الإمام الغزالي:"الولي من العباد من يحب الله عز وجل ويحب أولياءه وينصره وينصر أولياءه ويعادي أعداءه، ومن أعدائه النفس والشيطان، فمن خذلهما ونصر أمر الله تعالى ووالى أولياء الله وعادى أعداءه فهو الولي من العباد"، وقال الإمام عبدالله بن عمر البيضاوي الولاية لا تتم إلا :"بالإعراض عن غير الله عز وجل، ومن أعرض عن الغير متوجهاً إليه فهو من أوليائه".

وقد عرّفه الإمام إبراهيم الباجوري في كتابه شرح جوهرة التوحيد، وهو من كتب العقائد عند أهل السنة :"الولي: هو العارف بالله وصفاته حسب الإمكان، المواظب على الطاعات المجتنب للمعاصي المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات".

فالذي نفهمه أن الولاية أمر كسبي يتحصل عن طريق المجاهدة والطاعات والالتزام بالشرع والوقوف مع أوامر الله في الكتاب والسنة، ثم يحصل نور من الله وهبي لهذا الإنسان الذي جاهد نفسه والتزم أوامر الله واجتنب نواهيه، قال تعالى :"اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"، فهذا مثل للمؤمن وقلبه هو المشكاة ويُوقَد من القرآن والسنة وهي الشجرة المباركة، وهذه أنوارٌ وهبية من الله تعالى، وفي الآية :"أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه".

وفي الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :"إن الله تعالى قال :"من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه" رواه البخاري.

قال الإمام أبو سليمان حمد بن محمد البُستي الخطابي معلقا على الحديث :"أي: يسرت عليه أفعاله المنسوبة إلى هذه الآلات، ووفقته فيها، حتى كأني نفس هذه الآلات، وقيل: أي: يجعل الله حواسه وآلاته وسائل إلى رضائه فلا يسمع إلا ما يحبه الله ويرضاه، فكأنه يسمع به إلخ. وقيل: أي: يجعل الله سلطان حبه غالباً عليه حتى لا يرى إلا ما يحبه الله، ولا يسمع إلا ما يحبه، ولا يفعل إلا ما يحبه، ويكون الله سبحانه في ذلك له يداً وعوناً ووكيلاً يحمي سمعه وبصره ويده ورجله عما لا يرضاه".

فانظر كيف بدأ المؤمن في هذا الحديث بالسير إلى الله بالطاعات ثم وصل إلى مرتبة الولاية فوهب الله له مواهب لدنية حتى أصبح العبد محفوظا بحفظ الله تعالى له. 

هل الولي معصوم

قال القشيري رحمه الله هل يكون الولي معصوماً قيل: أما وجوباً، كما يقال في الأنبياء فلا. وأما أن يكون محفوظاً حتى لا يصر على الذنوب إن حصلت هنات أو آفات أو زلات، فلا يمتنع ذلك في وصفهم، ولقد قيل للجنيد: العارف يزني يا أبا القاسم؟ فاطرق ملياً، ثم رفع رأسه وقال:"وكان أمر الله قدراً مقدرواً"، ونقل هذا الكلام الإمام يحيى بن شرف النووي عن القشيري في بستان العارفين وأقره عليه.

هل تسلب الولاية

الذي يفهم من كلام العلماء أن المسألة فيها قولان؛ الأول لا تسلب الولاية، والثاني قال تسلب الولاية، أما القول الأول فهو مبني على أن من شرط الولاية سلامة العاقبة أي الموت على الطاعة والولاية، وأما أصحاب القول الثاني فلا يشترطون ذلك وهو ما اختاره القشيري والنووي رضي الله عنهما.

هل الولاية أفضل من النبوة

القاضي عبد رب النبي بن عبد رب الرسول الأحمد نكري في كتابه دستور العلماء :"الولاية أفضل من النبوة قول بعض الصوفية وقيل حديث نبوي وأفضليتها من النبوة بخمسة وجوه: 
أحدها: أن الولاية صفة الخالق والنبوة صفة المخلوق.
وثانيها: أن اشتغال الولاية إلى الحق واشتغال النبوة إلى الخلق.
وثالثها: أن الولاية أمر باطن والنبوة أمر ظاهر.
ورابعها: أن الولاية أمر خاص والنبوة أمر عام.
وخامسها: أن الولاية لا انتهاء لها والنبوة لها انتهاء.

وفي شرح المقاصد حكي عن بعض الكرّامية (المجسمة) أن الولي قد يبلغ درجة النبي بل أعلى، وعن بعض الصوفية أن الولاية أفضل من النبوة لأنها تنبئ عن القرب والكرامة كما هو شأن خواص الملك المقربين منه، والنبوة عن الأنباء والتبليغ كما هو حال من أرسله الملك إلى الرعايا لتبليغ أحكامه. إلا أن الولي لا يبلغ درجة النبي لأن النبوة لا تكون بدون الولاية، وفي كلام بعض العرفاء إن ما قيل؛ الولاية أفضل من النبوة لا يصح مطلقا. وليس من الأدب إطلاق القول به بل لا بد من التقييد وهو أن ولاية النبي أفضل من نبوته لأن النبوة متعلقة بمصلحة الوقت والولاية لا تعلق لها بوقت دون وقت بل قام سلطانها إلى قيام الساعة بخلاف النبوة فإنها بجناب أقدس محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حيث ظاهرها الذي هو الإنباء وإن كانت دائمة من حيث باطنها الذي هو الولاية أعني التصرف في الخلق بالحق، فإن الأولياء من أمة محمد صلـى الله عليه وسلم لهم تصرف في الخلق بالحق إلى قيام الساعة. ولهذا كانت علامتهم المتابعة إذ ليس الولي إلا مظهر تصرف النبي.

وعن أهل الإباحة والإلحاد أن الولي إذا بلغ الغاية في المحبة وصفاء القلب وكمال الإخلاص سقط عنه الأمر والنهي ولم يضره الذنب ولا يدخل النار بارتكاب الكبيرة، والكل فاسد بإجماع المسلمين ولعموم الخطابات(الآيات). ولأن أكمل الناس في المحبة والإخلاص هم الأنبياء سيما حبيب الله خاتم رسل الله تعالى عليه الصلاة والسلام مع أن التكاليف في حقهم أتم وأكمل حتى يعاتبون بأدنى زلة بل بترك الأولى والأفضل".

إذن فالقول بأن الأولياء أفضل من الأنبياء هو قول باطل بإجماع أهل السنة، فالأنبياء هم أعلى البشرية درجة بل قال علماء أهل السنة أن الأنبياء أفضل من الملائكة بل محمد صلى الله عليه وسلـم أفضل الخلق على الإطلاق، وهذا هو اعتقاد صوفية أهل السنة والجماعة.

مراتب الولاية عند الصوفية

أصحاب مراتب الولاية الذين يحصرهم عدد وهي ملخصة من كتاب الفتوحات المكية لابن عربي الحاتمي لخصها الدكتور عاصم إبراهيم الكيلاني، ونحن لا نوافق على هذا التقسيم وهو لم يوجد عند المتصوفة من أهل السنة بهذا الوصف؛ وهي: الأقطاب وهم الجامعون للأحوال والمقامات بالأصالة أو بالنيابة لا يكون منهم في الزمان إلا واحد وهو الغوث أيضا وهو من المقربين وهو سيد الجماعة في زمانه.

الإمامان

لا يزيدون في كل زمان عن اثنين الواحد عبد الرب والآخر عبد الملك والقطب عبد الله ولو كانت أسماؤهم ما كانت، وهما له بمنزلة الوزيرين الواحد منهم مقصور على مشاهدة عالم الملكوت وهو عن يمين القطب والآخر على عالم الملك وهو على يسار القطب وهو أعلى منزلة من صاحبه وهو من يخلف القطب إذا مات.

الأوتاد

وهم أربعة في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون الواحد منهم يحفظ الله به المشرق وولايته فيه، والآخر المغرب والآخر الجنوب والآخر الشمال والتقسيم من الكعبة، وقد يكون منهم النساء وكذلك غيرهم وألقابهم عبد الحي وعبد العليم وعبد القادر وعبد المريد.

الأبدال

وهم سبعة لا يزيدون ولا ينقصون يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة لكل بدل منهم إقليم فيه ولاية وإنما سموا أبدالا لكونهم إذا فارقوا موضعا ويريدون أن يخلفوا فيه بدلا منهم في ذلك الموضع لأمر يرون فيه مصلحة وقربة يتركون به شخصا على صورتهم لا يشك أحد ممن أدرك رؤية ذلك الشخص أنه عين ذلك البدل وليس هو بل هو شخص روحاني يتركه بدلا منه على علم منه فكل من له هذه القوة فهو البدل ومن يقيم الله عنه بدلا في موضع ما ولا علم له بذلك فليس من الأبدال المذكورين.

النقباء

وهم اثنا عشر نقيبا في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون على عدد بروج الفلك الإثني عشر برجا، كل نقيب عالم بخاصية برج، واعلم أن الله تعالى قد جعل بأيدي هؤلاء النقباء علوم الشرائع المنزلة ولهم استخراج خبايا النفوس وغوائلها ومعرفة مكرها وخداعها، وأما إبليس فمكشوف عندهم يعرفون منه ما لا يعرفه من نفسه وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم وطأة شخص في الأرض علم أنها وطأة سعيد أو شقي.

النجباء

وهم ثمانية في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون وهم الذين تبدوا منهم وعليهم أعلام القبول من أحوالهم وإن لم يكن لهم في ذلك اختيار لكن الحال يغلب عليهم ولا يعرف ذلك منهم إلا من هو فوقهم لا من هو دونهم.

الحواريون

وهو واحد في كل زمان فإذا مات ذلك الواحد أقيم غيره.

الرجبيون

وهم أربعون نفسا في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون، هم رجال حالهم القيام بعظمة الله وهم من الأفراد، وسموا رجبيين لأن حال هذا المقام لا يكون لهم إلا في شهر رجب من أول استهلال هلاله إلى يوم انفصاله ثم يفقدون ذلك الحال من أنفسهم فلا يجدونه إلى دخول رجب من السنة الآتية وقليل من يعرفهم من أهل هذا الطرق وهم متفرقون في البلاد يعرف بعضهم بعضا.

الختم

وهو واحد لا في كل زمان بل واحد في العالم يختم الله به الولاية المـحمدية، فلا يكون في الأولياء المـحمديين أكبر منه، وثم ختم آخر يختم الله به الولاية العامة من آدم إلى آخر ولي وهو عيسى عليه السلام هو ختم الأولياء كما كان ختم دورة الفلك فله يوم القيامة حشران يحشر في أمة مـحمد صلى الله عليه وسـلم ويحشر رسولا مع الرسل عليهم الصلاة والسلام.

وقد أدعى ابن عربي أنه ختم الأولياء.

رجال التحكم

وهم عشرة أنفس في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون مقامهم إظهار غاية الخصوصية بلسان الانبساط في الدعاء وحالهم زيادة الإيمان بالغيب فلا يكون لهم غيب فكل غيب لهم شهادة.

وهذه المراتب المحصورة بعدد أما المراتب غير المحصورة بعدد فكثيرة؛ منهم الأفراد وهم الرجال الخارجين عن نظر القطب ومنهم الأمناء وهم الملامتية ومنهم رجال الفتح ورجال الإمداد ورجال المعراج وغير ذلك.

وكل هذا الكلام ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة ولم يثبته أهل السنة والجماعة ولا أهل التصوف منهم، فما نجد هذا الكلام عند القشيري في رسالته ولا عند الإمام الغزالي ولم يذكره الإمام النووي في كتابه بستان العارفين عندما ذكر الأولياء والولاية، ولم يقل به شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله، وكثير ممن يقول بهذه المقامات يقرر أن لهؤلاء الأولياء تحكم وتصرف في هذا العالم نيابة عن الله، وهذا فيه ما فيه عند علماء العقائد، وهو مرفوض عند علماء أهل السنة والجماعة.

عماد الدين الزرقان

المصدر : البوصلة
شرح الحكم الغوثية : مَن اكتفَى بالكلامِ في العِلم دونَ الاتِّصَافِ بِحَقيقَتِهِ فَقَدْ تَزَنْدَقَ وَانْقَطَعَ.

شرح الحكم الغوثية : مَن اكتفَى بالكلامِ في العِلم دونَ الاتِّصَافِ بِحَقيقَتِهِ فَقَدْ تَزَنْدَقَ وَانْقَطَعَ.

شرح الحكم الغوثية : مَن اكتفَى بالكلامِ في العِلم دونَ الاتِّصَافِ بِحَقيقَتِهِ فَقَدْ تَزَنْدَقَ وَانْقَطَعَ.

قال سيدي أبو مدين الغوث رضي الله عنه :


أي من اكتفى بعلم القوم دون الاتصاف بحقيقته من الأحوال السنية فقد تزندق، لأن علمهم رضي الله عنهم يشير من حيث ظواهر ألفاضِهِ إلى إسقاط التكليف، فمن عمل بمقتضى ذلك دون الاتصاف بحقيقته فقد تزندق، ولهذا قالوا رضي الله عنهم : من تحقَّقَ ولم يتشرَّع فقد تزندق، والعمل بحقيقته هو التخلق بأخلاقه عليه الصلاة والسلام. ومن لم يتصف بما ذكرنا فليس له إلا مجرد الكلام، والكلام دون المقام حرام، وليس المراد من كلام القوم إلا الاتصف بحقيقته، وحقيقته لا تخفى إلّا على مضل. وكل مؤمن إلّا ويعلم ما للقوم من الأحوال السَّنيّة وكل ما يبرز من الحقائق على ألسنتهم إنما هو ينبوع من أحوالهم ورموز تشهد لهم بصدقهم.

وحاصل الأمر، أن علم القوم المأخود عن كشف مع الاتصاف بحقيقته هي الولاية نفسها، كما أن الكلام دون الاتصاف بحقيقته هي الزندقة نفسها.

قيل لأبي القاسم الجنيد رضي الله عنه : "إن أناساً زعموا أنهم وصلوا فسقطت عنهم التكاليف، قال رضي الله عنه : وصلوا ولكن إلى سقر"، وعليه إن الحقيقة منوطة بالشريعة لا انفكاك لبعضهما عن بعض، لما قيل : إن الحقيقة عين، والشريعة أمرها، فمن خالف الأمر خالف العين. وكان يقول أستاذي سيدي محمد البوزيدي رضي الله عنه : الحقيقة جسد والشريعة أعضاؤها، وهل يليق بالجسد أن يكون بدون أعضائه، ثم تلاَ هذه الآية :(قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعونِي يُحْبِبْكُمُ اللهَ).

التصوف كله أحوال، ومن أخد بالأقوال دون الأحوال والأعمال فارفضه فإنه دجّال. كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ.

ومما يوجب الأسف، أن التصوف كان في رتبة سَنيّة وعن علوه قصرت يد المدَّعين به، لأنه كله عمل إلى أن صار ينزل شيئاً فشيئا حتى صار في وقتنا هذا كله أقوالاً، تجد الناس في اصطلاحاته يداولونه فكان عندهم من جملة النقول، بل جعلوه فنّاً يتدارسونه. ومن العجب أنهم يحققونه حتى يشك أنهم يذوقونه مع ما يستعملون له من اللباس المناسب لذلك، والتصنع المطابق، ومن أجل هذا اختفى المحق في المبطل حتى كاد الأمر يندرس.

فتحصل من هذا أن التصوف كله عمل، وليس عليك أيها المريد إلا أن تتخلَّق بأخلاقهم ولا تتكلَّف أن تحفظ أقوالهم، لأن القول لا يغني عنك من الله شيئا.

المواد الغيثية الناشئة عن الحكم الغوثية
كتاب في التصوف - 8

كتاب في التصوف - 8

كتاب في التصوف - 8

الباب الثاني فيما جاءَ في اثنين

الدين حالَين : أمر ونهي. ومواجبة حالين : رضى وتسليم. ولوازمه حالين : علمٌ وعمل. ويقتضي الحق حالين : عدلٌ وتخيير. ويقتضي العدل حالين : خوفٌ ورجاء، ومولودهم حالين : تجنُّب المعاصي وعدم الإياس من الرحمة. والأنعام التامَّة حالين : صحّة الدين وصحّة الجسم، والأنعام الدنيويّة حالين : اتّساع الرزق والغنى عن الخلق، والأنعام الدينيّة حالين : طاعة توجب الرضا وعملٌ يستحقُّ الثواب. والفوز في غد حالين: استعمال الصدق والاستغناء عن الخلق. والأعمال الجليلة حالين : عملاً يرضي الله سبحانه وتعالى وتحمدُه الناس وعملاً لا عار فيه ولا إثم معه. وأصلح الأمور حالين : من سهُل حسابه وسلمَت من الآثام اسبابه. وأغنى الأحوال حالين : عقل سليم تحمد به المساعي وورع كافي تحسُنُ معه الدّواعي. وبُغية من الدنيا حالين : رزقٌ حلال يكفيه وشيخ حاذق يرشدهُ ويهديه. والغاية القُصوى حالين : توحيد لا يشوبُهُ إشراك وطاعة لا يخالطها رياء. وأجلَّ المُقْتيَّات حالين : علمٌ لا يمزجهُ جهل وعقلٌ لا يعتريه فساد. وجمال المرء حالين : صمتٌ من غير عنى ونطق من غير هذَر. وجمال العبد حالين : جمال الظاهر وجمال الباطن. فجمال الظاهر حالين : رجحان العقل وحُسن الخُلق. وجمال الباطن حالَين : سلامة اليقين وصحّة الدين. والسّعادة التي لا تزول حالين : إخلاص الطاعة وتجنّثب المعاصي. والخير الذي لا يُبلى حالين : الهداية إلى الحقّ والمساعي على جَبْر بابه. والنَّعيم الذي لا يفنى حالين : دوام الاستغفار وإيثار المراقبة لله تعالى. والازدواج حالين : كالعقل والنفس، والرّوح والجسم، والذّكر والأنثى. ومشاكل ذلك لوجود الموجودات الروحانيّة والجسمانيّة ليتنزّه الله سبحانه وتعالى عن ذلك. والازدواج الاختلاف كالنور والظُّلمة والخير والشرّ والشيء وضدّهُ ذلك لوجود المضادّة لغير الله سبحانه لجريان الاعانة لكشف عظمة الوجل لله تبارك وتعالى. وأفضل الأعمال حالين : عمل لا يشوبه رياء وطاعة لا يخالطها معصية.

بهجة الأسرار ومعدن الأنوار في مناقب الباز الأشهب (2)

بهجة الأسرار ومعدن الأنوار في مناقب الباز الأشهب (2)

بهجة الأسرار ومعدن الأنوار في مناقب الباز الأشهب (2)

فصل
الفرق بين شهود الذات والصفات

سئل (سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه) عن الفرق بين شهود الذات والصفات فقال رضي الله عنه:

إذا شهد السر مايقوم ويحتجب بخلافه ويستتر في معناه ويبدو مع وجود سواه فذاك شهود الصفات لأن قيامها بموصوفها فلابد من شهودها من تواري طرف من أطرافها لفقد شهود الذات مع ذلك الوصف الجاذب الى وجوب وجود غيره ويحتجب بخلافه لأن من شهد الجمال لايقوى لظهور الجلال ومن أنس الكمال والبهاء لايثبت لبدو العظمة والكبرياء ولايحتجب الوصف البادي قوة شهود الوصف في حقيقته عن حقيقة عند ظهور غيره وأنما يحتجب عن شهود الشاهد لقهر الوصف الخافي ويستتر في معناه لأن معنى كل قائم بموصوفه فأذا بدت قوى أفعال معانيها اللازمة لموصوفها في عين الأزل أستترت أفعال بواديها في أفعال معانيها لتعالي الوحدة عن مجاورة التعدد.

فهنالك التفت أطرافها المتفرقة في وصف فرد ومعنى وتر ويبدو مع وجود سواه لأن السر قد شهد الصفات مع بقاء رسوم البشرية ويقتحم بحرها في سفينة من لحظ كونه ولمحة وجوده منازعاته وعلامة ذلك كله ثلاثة أشياء شهود البصيرة بقوة كانت لها قبل هذا الشهود والاستدلال بتعقل المشهود على كنهه فقد شهوده وشهود مشهودين مختلفين بشهود واحد في وصف واحد وإذا لاحظ السر موجودًا قائمًا بنفسه بوجود مطلق فذلك شهود الذات ولابد في هذا المشهود من قوط شهودين ونفي تعلق الحظ بالحين والوقت والأين ومحو ثبوت الفرق والجمع والقرب والبين لرمق العين ومحق الشهود وزهق الوجود وانفراد بوصف الشهود وبروزه في عين الأزل لمقابل الأزل بقوة من لم يزل عند سلب أوصاف الحدوث منه وخلوه من معانيه وصفًا وحكمًا وعينًا وحاًلا فهنالك رجع أول كون الى آخره لمحق وصف القبلية في العدم ومحو نعت االبعدية في الأبد وأختفى كل باد في كن عدمه لهيبة سر مديته وعلامة هذه الشهود انه وصف غير مستحب من قبل وجوده وغير باق حكمه بعد توري عينه وغير منعقد به كنه ما شوهد به ولا مستدل به على حقيقته بعد اتصال الشاهد بطوره وانفصاله عن هذا الوصف وهذا الأمر لا يكون مقامًا إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا منازلة إلا للصديقين ولا حاًلا إلا للأولياء ولا ينال بالمكاسب بل بالمواهب ولا يعطى بالوسائل بل بالسوابق.

صفحة البداية          << السابق            التالى >>