المحبة أول أودية الفناء

المحبة أول أودية الفناء

المحبة أول أودية الفناء

وأما المحبة فهي أول أودية "الفناء" والعقبة التي يتحدر منها على منازل "المحو" وهو آخر منزل تلتقي فيه مقدمة العامة بساقة الخاصة وما دونها أغراض لأغراض ، للعوام منها شرب وللخواص منها شرب . قال الله تعالى : {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ}.

وقد اختلفت إشارات أهل التحقيق منهم في العبارة عنها ، وكل من القوم نطق بحسب ذوقه وأفصح عنه بمقدار شربه وذوقه . وهي على الإجمال قبل أن تنتهي إلى التفصيل . إنها وجود تعظيم في القلب يمنع الشخص من الانقياد لغير محبوبه .

وقيل إيثار المحبوب على غيره ، وقيل موافقته فيما ساءَ وسرَّ ، ونفعَ وضرَّ .

وقيل : المحبة القيام بين يديه وأنت قاعد ، ومفارقة المضجع وأنت راقد ، والسكوت وأنت ناطق ، ومفارقة المألوفات والوطن وأنت مستوطن .

وقال قوم : ليس للمحبة صيغة يعبر بها عن حقيقتها ، فإن الغيرة من أوصاف المحبة ، والغيرة تأبى إلا الستر والإخفاء . وكل من بسط لسانه بالعبارة عنها والكشف عن سرها فليس له منها ذوق ، وإنما حركة وجدان الرائحة ، ولو ذاق منها شيئا لغاب عن الشرح والوصف . فالمحبة الصادقة لا تظهر على المحب بلفظه ، وإنما تظهر بشمائله ولحظه ، ولا يفهم حقيقتها من المحب سوى المحبوب لموضع امتزاج الأسرار من القلوب .
وأما محبة العوام فإنها تنبت من مطالعة المنة وتثبت باتباع السنة ، وتنموا على الإجابة للعناية ، وهي محبة تقطع الوساوس وتلذذ الخدمة ، وتُسلّي عن المصائب ، وهي في طريق العوام عمدة الإيمان .

وأما محبة الخواص فهي محبة خاطفة تقطع العبارة ، وتدقق الإشارة ولا تنتهي بالنعوت ولا تعرف إلا "بالحيرة" والسكوت .

وحكي أن عيسى عليه السلام مرّ في بعض أسفار سياحته على جبل فيه صومعة فدنا منها فوجد فيها عابدا قد انحنى ظهره ونحل جسمه ، وبلغ به الإجهاد أقصى غايته . فسلم عليه عيسى عليه السلام ، فرد عليه ، وعجب مما رأى من شواهده فقال له عيسى : منذ كم وأنت في هذه الصومعة ؟! . فقال : منذ سبعين سنة أسأله حاجة واحدة فما قضاها لي بعد ، فعساك يا روح الله أن تكون شفيعي فيها ، فلعلها تُقض لي . فقال عيسى عليه السلام : فما حاجتك ؟ قال : سألته سبحانه أن يذيقني مقدار ذرة من خالص محبته . فقال له عيسى عليه السلام : أنا أدعوا الله تعالى لك في ذلك ، فدعا له عيسى عليه السلام في تلك الليلة . فاوحى الله تعالى إليه : قد قبلتُ شفاعتكَ فيه وأجبتُ دعوتكَ فعاد عيسى عليه السلام بعد أيام إلى الموضع لينظر ما كان من حال العابد ، فرأى الصومعة قد وقعت والأرض التي تحتها قد ظهر فيها شق عظيم ، فنزل عيسى عليه السلام في ذلك الشق ، وانتهى فيه فراسخ ، فرأى العابد في مغارة تحت ذلك الجبل واقفا شاخصا بصره فاتحا فَاه . فسلم عليه عيسى عليه السلام فلم يرد عليه جوابا ، فعجب عيسى عليه السلام من حاله فهتف به هاتف : يا عيسى إنه سألنا مثقال ذرة من خالص محبتنا ، وعلِمنا أنه لا يقدر على ذلك ، فوهبنا له جزء من سبعين ألف جزء من ذرة ، وهو حائر فيها كما ترى . فكيف لو وهبنا له أكثر من ذلك .

فمحبة الخواص من هذه المعادن رشَحَت ، وبهذه الأوصاف عرفت . فعند القوم إن كل ما كان من العبد فهو عِلّة تليق بعجز العبد وفاقته ؛ إن غفل عن قوله تعالى :(وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) ، إنما عين الحقيقة عند القوم أن يكون قائما بإقامة الحق له ، محبا بمحبته له ، ناظرا بنظره له من غير أن يبقى معه بقية تناط باسم أو تقف على رسم ، أو تتعلق بأثر أو تنعت بنعت أو توصف بوصف ، أو تنسب إلى وقت كما قال تعالى : (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا) . يريد قياما بحق "الحق" وبإقامته لهم ، وقعودا عن الدعوى فيه : ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) ، (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) ، (إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ) صم بكم بغير الحق لا يسمعون وبغير ذكره لا ينطقون .
**   **   **

محاسن المجالس او بیان فی مقامات السادة الصوفیة - ابن العريف

الحكم الغوثية : تعريف شيخ التربية وبعض أوصاف المريد.

الحكم الغوثية : تعريف شيخ التربية وبعض أوصاف المريد.


الحكم الغوثية : تعريف شيخ التربية وبعض أوصاف المريد.

(مَنْ لَمْ يَأْخُذِ الأَدَبَ مِنَ المُتَاَدِّبِينَ أَفْسدَ مَنْ يَتْبَعُهُ)

ذكر أن المريد لا بد له من شيخ في الطريقة يسيره ويعلمه كيفية الإقبال على الله والإدبار عما سواه ويطلعه على رعونة نفسه وعمائها ، ومن لم يكن له في الطريق دليل يخشى عليه التعطيل . قال أبو علي الثقفي رضي الله عنه :"لو أن رجلا جمع العلوم كلها، وصاحب طوائف الناس، لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام أو مُؤَدِّب ناصح، ومن لم يأخذ أدبه من آمر له أو نَاهٍ يريه عيوب نفسه ، ورعونات أعماله، لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملة" ، أو من اكتفى في الطريق بعقله ورأيه وزعم أنه يحصل على شيء بدون مرشد فيكون هالكا في نفسه مضراًّ بغيره ، وهو قوله : أفسد من يتبعه . ومن لم يكن له شيخ في الطريق فهو لقيط ، وتجد أكثر الناس لما عظمت عليهم أنفسهم ولم يرضوا بتسليمها للمرشد يعتمدون على النادر الذي هو كالمعدوم في الحكم ، ويقول أحدهم ربما كان سلوكي على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يرقيني ، ولم يعلم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره باتخاد الوسيلة ، وكل ذلك أصابهم مما هم عليه من الكبر الذي قطعهم عن الله وعن المنتسبين إليه ، الذين فرغوا من تأديب أنفسهم على أيدي مشايخ عالمين بأحكام المريدين ، وما شأن هذا المدعي حتى يشتغل رسول الله صلى الله عليه وسلم جلّ قدره بتربيته وهو يعلم أن سنة الله في خلقه جرت بالوسائط وحذفها اختلال ، ولولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط ، وإذا كان الأمر كذلك على مزاعمهم ، والحقيقة بخلاف ذلك ، فلِمَ انتصبت الصحابة لبعضها بعضاُ في تلقين الذكر ؟ وذلك معلوم بالضرورة من سنتهم وسنة التابعين من بعدهم خلفاً عن سلف ، وسلسلة الطريق تشهد بذلك . وما منع المدعين عن أخد الأدب من أصله إلا دعواهم التي لا توبة بعدها ، لما قيل : أن باب التوبة مفتوح إلا على المدّعي فإنها سُدّت في وجهه ، لأنه لا يرضى بترك دعواه وتسليم نفسه ، ولا تحسب أن الأدب المذكور في قول المصنف هو مجرد تعليم سيرة القوم في الظواهر ، بل هو كناية عن أدب السرائر ، أي أدب العالِم مع ربِّه حالة ظهور الحقّ عليه ، ولم يدر هذا الأدب إلاّ من أخد الله بيده وألهمه أن يأخده من أصله ، لأن أدب المريد مع الله هو مَحْوِه من لَوحة الوجود مع وقوفه مع الحدود ، وهذا الأدب لا يؤخد من الأوراق ، بل هو موقوف على الأذواق ، وله معادن معروفة عند أهلها ، وله سيمَة تدل عليه . قال تعالى :"وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا" ، وعليه يجب على كل منتسب إلى الله أن يراجع نفسه هل له نصيب من ذلك العلم أم لا ، فإن كان له شيء منه فليحافظ عليه وإن لم يكن له فلا يغر نفسه ، لأن اليوم ليس هو غدا ، حيث تحق الحقائق ويظهر كل كاذب وصادق ، يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ إلخ الآية . فأين الدعوى ؟ فإنها تكون على صاحبها يومئذ بلوى ، ومن المواعظ ما كتبه بعض العارفين إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه :

أما بعد :( فخف مما خوفك الله ، واحذر مما حذرك الله ، وخد مما في يديك لما بين يديك ، فعند الموت يأتيك الخبر اليقين . وقال له أيضا : إن الهول العظيم والأمور المفظعات أمامك ، ولا بد لك من مشاهدة ذلك إما بالنجاة وإما بالعطب . واعلم أن من حاسب نفسه ربح ، ومن غفل عنها خسر ، ومن نظر في العواقب نجا ، ومن أطاع هواه ضل ، ومن حلم غنم ، ومن خاف آمن ومن آمن اعتبر ، ومن اعتبر أبصر ، ومن أبصر فهم ، ومن فهم علم ، فإذا زللت فارجع ، وإذا ندمت فاقلع، وإذا جهلت فاسأل، وإذا غضبت فامسك).

فتمسك بهذه الموعظة أخي واحذر مما أنت بصدده فإن الناقد بصير ، وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ .
**   **   **
المواد الغيثية الناشئة عن الحكم الغوثية
السـر فـي أنـفــاس الصـوفــية - 8

السـر فـي أنـفــاس الصـوفــية - 8

السـر فـي أنـفــاس الصـوفــية - 8

إذا شئنا أن نمدّ هذه الرؤية التصوفيّة القائمة على التذوق منهجاً ومضموناً إلى الحياة الفكرية والثقافية المعاصرة ، أمكننا أن نقول - إدراكا من جانبنا لمسألة إحالة العقل إلى البصيرة الإيمانية الذَّواقة التي سبق وان أرجأنا الحديث عنها - إن الإيغال العقلي في مثل هذه المسائل التي لا تُدرك بالعقل المحدود لهو نفسه ضد منطق العقل نفسه ؛ لأن مُدْركها الأوحد الذوق والبصيرة والإيمان . وإنه مع ذلك (أي مثل هذا الإيغال العقلي بكل ما فيه من آفات الجدل والمماراة والمماحكة واللّدد في الخصومة) ليقف وراء الأزمات النفسية - ولا أقول الروحية ! - التي يعانيها "المثقف" على التعميم ، والتي تقوده أيضاً إلى اغترابه عن الواقع ، فهي تتمثل في ادعاء "العقل" والمنطق والبرهان ، وإهمال القلب والشعور والوجدان ؛ فالإفراط في النزعة العقلية الجافة وجعل الإنسان كله كتلة مادية صماء وركل الجانب الروحي فيه لهو شعور آخر  بالاغتراب عن قيم العالم العلوي .

وهذا الشعور في غاية القسوة والحيرة والضلال ؛ لأنه شعور يمس مصدر الطمأنينة القلبية في الإنسان مساًّ مباشراً ، يهدمها ، أو يكاد . وإني لأعني بالعقل هنا – كما تقدّم فسبقت إليه الإشارة غير مرة – العقل التجريبي المقيد بمقولاته، العقل الاستدلالي المنطقي – لا العقل مطلق العقل – أعني لا العقل الذي يحيل إلى ما بعده، إلى ما فوقه، ويفقه أن "الإحالةعمل من أرقى خصائصه العقلية يوجبها فرض التأمل كقوة عارفة في ملكات الإنسان الباطنة تحيل ؛ وتعطي "الإحالةّ" حقها من عمل العقل المفتوح .

إن المثقف المزعوم الذي يدّعي العقل والمعقول، وهو لا يعرف كيف يدير نفسه لا ينتظر من المجتمع أن يؤهله لأن يتقدّم إليه بخطة فكرية وثقافية ينصلح عليها شؤونه وأحواله ومرافقه الحيوية. ومن فقد الشيء لا تتوقع منه أن يعطيه. فلا تستغرب من ثمّ فشل النظم والتيارات الأرضية في إصلاح المملكة الإنسانية ، واستغناء الناس بعد التجربة لا قبلها ، عن كل الأوهام الفكرية والأنظمة الأيديولوجية التي جائت زاعمة - على مرض الخيال العاطل - أنها تقدّم للمجتمع خطط إصلاح وميادين تعمير وتقدّم، ثم اعتبارها في المجمل ترفا فكريا وثقافة؛ مجرد ثقافة، ليس إلا، مجرّد ثقافة لا تفيد – إن أفادت – سوى صاحبها، وربما تنعكس عليه بالسلب في غير إفادة!

هذا صحيح إلى حد ما؛ لأنه لا يمس حقيقة الإنسان ولا روحه ولا جوهره الباقينعم..! قد يوفِّر له فيما لو طبق بعض شيء من الإصلاح المادي ، لكنه مهما يكن لا يوفر له إصلاحاً روحياً ولا سعادة يخلص إليها ضميره من وطأة الثقالة والوخامة والإرث البغيض والميراث الغليظ. مهما يكن من أمر النزوع المادي الذي تتبناه التجارب العلمية والمذاهب البرجماتية، والذي هو نتيجة إيغال العقول في الدعوات المادية، ومهما يكن من أمر دعوتها العَجْفَاء بعيداً عن وعي الضمير الحر اليقظ ؛ هى لا تعطي الإنسان نوراً يمشي به في الناس، بعد أن يكون قد عرف من خلاله نفسه، وأضاء له الطريق الذي يسير عليهإن هذا النور لا يوجد في أنظمة الفكر وتيارات الثقافة النظرية، لأن هذه الأنظمة والتيارات قاصرة مهما بلغت من ادّعاء الكمال أن تلبي في الإنسان نداء الروح ومطالب الضمير، ناقصة مهما طالبت المزيد من بلوغ التمام عن أن تعطي للإنسان "هداية النور" الذي يمشي به في الناس؛ لكونها لا تعبّر عن الحقيقة المطلقة بل تعبر عن أهواء أصحابها، وفوق كونها في الغالب تعبيراً عن مطلب هوى وحظ نفس، فهي لاتخاطب في الإنسان ضميره الحر الأبيِّ ،بل تخاطب فيه بصيرته العقيمة أوعقله الجاف مفصولاً أو معزولاً عن شعوره ، وتنسى غافلة في معترك الحياة قلبه وخوافيه .

وقلب الإنسان هو كيانه ؛ هو كينونته ، هو روحه الباطنة وراء الشحم منه واللحم هو كل شيء فيه،وإنما الأنظمة الفكرية والعقلية تريد فقط أن تشطر الإنسان وتفصله عن قلبه، وعن روحه، وعن وعيه بكينونته وجوهره؛ لتجعله كما لو كان كتلة مادية صماء يتحرك بذرٍّ كما تتحرك في يده لُعبةُ الإنسان الآلي . قد تفلح تلك الأنظمة في اختراع هذا الأنسان الدُّمْية ، لكنها لن تفلح أبداً في اختراع الروح الإلهي الخالد أوفي شجبها عن الإنسان بما هو إنسان .والباحثون في تلك الأنظمة الفكرية والعقلية ممَن جعلوا من عقولهم أصناماً يعبدونها من دون الله وألغوا حقيقة الإنسان: قلبه وروحه وسره وضميره؛ لم يفلحوا قط في غرس الطمأنينة في القلوب قدر ما غرسها "الإيمان".ومما لابد منه للعقل المروّض على معرفة الحقائق الكبرى – كيما لا يُصاب الإنسان بالغربة عن أصله –  إن يحيل إلى العقيدة الملهمة حين يحيل في الوقت نفسه إلى الإيمان.

لقد كان للأساذ "عباس العقاد" -طيَّبَ الله ثراه - رأيٌ وجيهٌ ذكره في مقال عن "ماكس نوردو"؛ منشور بجريدة البلاغ في ٢٩ يناير سنة ١٩٢٣م، ثم جُمع ضمن ما لجمعمن مقالات في كتاب "مطالعات في الكتب والحياةنثبته هنا في هذه المسألة: مسألة إحالة العقل إلى الإيمان إذْ يقول :"وصفوة القول إن البحث خليقٌ أن يجدينا ويسعفنا في الحيز الذي ندركه ونحسن أن نتأمله ونتقصّاه . أما إذْ نَعْبُره ونوغل بالأمل خلف رتاجه، فهناك فلتسعفنا العقيدة والإلهام؛ ولنثق أن العقول لم تجعل لنا أداة للضلالة والفوضى ولم تأو بنا إلى ظل من طمأنينة العقيدة الملهمة؛ فليس الذنب ذنب العقيدة ولكنه بلا ريب ذنب العقول ".

أي نعم! إنما الذنب ذنب العقول التي جعلها أصحابها حظ نفس ومطلب هوى، فحجبتهم عن طمأنينة العقيدة الملهمة وفرضت عليهم من قيودها ما من شأنه ألا يرتفع فوقها أو فوق هذه الأغلال تغلُّها عن الحركة فلا تفتح نوافذ القلوب إلى ما فوق العقول والأوهام والتصورات، ثم أوغلت بهم في أزمات وكوارث على المستوى النفسي لا تزال تعاني منها مجتمعاتهم وافرادهم على السواء : فقدان الطمأنينة القلبية والحماسة الروحية.
لا شك نجحت رسالة الأنبياء والأولياء في حين أخفقت أنظمة الفكر والثقافة ولا زالت تقدّم للإنسانية ما يشغلها من إخفاقات وسخافات تبعدها عن حقيقتها الأصلية ، وتدخلها في شواغل وأزمات تِخرها عن نهضتها الروحية وفكرتها المصيرية ووعيها الأمين.

د. مجدي محمد إبراهيم
آداب المشيخة والمريدين الطالبين / السهروردي (2)

آداب المشيخة والمريدين الطالبين / السهروردي (2)

آداب المشيخة والمريدين الطالبين / السهروردي (2)

فطلب غير الذات الأحدية يكون حجاباً أو بعداً ، فالكشف والكرامات أسباب الغرور واحتمال المكر وكيد الشيطان . ولا تنظر إلى صاحب الكشف والكرامات بنظر التحقير لأن كرامات الأولياء حق والإيمان به واجب. فإذا وجدت الشيخ الكامل المكمل ففوِّض الأمر كله إليه واترك الصلوات الزوائد وصيام النوافل والأوراد كلها إلا ما أمر به الشيخ ، وقيل خد العلم من أفواه الرجال . وذكر في نفحات الأنس كان الشيخ شمس الدين الصفيّ رجلا صالحا يذكر الله تعالى على الدوام وما لقنه بشيخ ، فرأى ذكره في الواقعة كأنه صور بصورة النور وخرج من الفم ودخل في الأرض ، وبعد الإفاقة تأمل وقال لنفسه ما أرى لي فيه الخير لأن الله تعالى قال : إليه يصعد الكلم الطيب ، فهذا خلاف ذلك عسى أن يكون من عدم تلقين الشيخ المكمل ، فأخد الذكر عن بعض خلفاء دون بيان البقلي ، فرأى في تلك الليلة في الواقعة لذكره كأنه صور بصورة النور ويصعد إلى السماء ويحرقها . وقال أبو علي الدقاق رحمه الله تعالى : شجر ينبت في الصحراء بلا تربية أحد لا يثمر ، وإن أثمر لا يكون له اللذة ، فأخدت هذه الطريقة من النصرابادي .
وقال شيخنا خوجة محمد الباقي قدس الله سره : إن طريق الأدبية حق ، ووصل أناس كثير إلى الله تعالى بتربية الروحانية كأبي يزيد البسطامي كان في تربية روحانية الإمام جعفر الصادق،  وعند المحققين تحقق ولادة أبي يزيد بعد موت الإمام جعفر ، وأبو الحسن الخرقاني وجد التربية من روحانية أبي يزيد ، قال شيخنا خوجة محمد رحمه الله تعالى : أما الاحتياج للشيخ الظاهر باق لأن تعليم الذكر وتلقينه بلا رخصة الشيخ المكمل لا يكون فيه بركة ولا خير . فعزمت إلى سمرقند في قرية أمكنك عند ملاخوجكي ، أمكنني فأعلمني طريقة النقشبندية وأجازني ، وهو من ملا درويش محمد ، وهو من ملا محمد زاهد ، وهو من خوجة عبيد الله أحرار ، وهو من الشيخ يعقوب الجرخي ، وهو من خوجة بهاء الدين التقشبند ، وهو من أمير سيد كلال ، وهو من خوجة محمد بابا ستماسي ، وهو من خوجة علي راميتني ، وهو من خوجة محمود وانجير الفغنوي ، وهو من خوجة عارف ريوكري ، وهو من خوجة جهان خوجة عبد الخالق الغجدوانى ، وهو من شيخ يوسف بن أيوب الهمداني ، وهو من أبي علي الفارمدي ، وهو من أبي القاسم الكركاني ، وله نسبتان في طريق الباطن ، إحداهما الشيخ أبو عثمان المغربي ، وهو من أبي علي الكاتب ، وهو من أبي علي الرودباري ، وهو من جنيد البغدادي ، وهو من سري السقطي ابن المغلس ، وهو من معروف الكرخي ، وهو من داوود الطائي ، وهو من حبيب العجمي ، وهو من حسن البصري ، وهو من أسد الله الغالب علي بن أبي طالب رضي الله عنه . والنسبة الثانية لأبي القاسم الكركاني هكذا : وهو من أبي الحسن الخرقاني ، وهو من أبي يزيد ، وثبت عند المحققين ولادة أبي الحسن الخرقاني بعد موت أبي يزيد البسطامي بزمان طويل ، وكان تربيته من روحانيته ، ويتصل خرقته إلى أبي يزيد البسطامي بثلاث وسايط : أبو يزيد البسطامي من الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه ، وهو من قاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم ، وهو جد الإمام جعفر الصادق من جانب أمه ، وهو من سلمان الفارسي . فمع وجود شرف صحبته النبي صلى الله عليه وسلم له ، أخد نور الولاية عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وهو من خاتم الأنبياء والرسل نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. والنسبة الأخرى للإمام جعفر الصادق من أبيه الإمام حسين رضي الله عنه ، وهو من أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وهو من خاتم الأنبياء والرسل صلى الله عليه وسلم . هذا رواه في قوت القلوب ، ومشايخ الطريق يسمون هذه الطريقة سلسلة الذهب لشرافته .

**   **   **
يتبع ...

نقلا عن مخطوطة
آداب المشيخة والمريدين الطالبين / السهروردي

آداب المشيخة والمريدين الطالبين / السهروردي

آداب المشيخة والمريدين الطالبين / السهروردي

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم خلصنا بالاشتغال بالمعاصي ، وأرنا حقائق الأشياء كما هي ،  فأقمه في الأوامر والنواهي ، واصرف قلبي عن رؤية المتناهي ، إلى غير المتناهي ، واعصمني من سوء الأدب وارتكاب المتناهي ، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين . 

أما بعد فهذه الرسالة في بيان آداب المشيخة والمريدين الطالبين وشرائطها . فينبغي للطالب الصادق أن يعلم الآداب أوّلاً ثم يختار الخدمة وصحبة الشيخ كما جاء في المواهب اللدنية أن إسرافيل عليه السلام علم النبي عليه السلام عِلم الآداب في أيام فترة الوحي ، قال صلى الله عليه وسلم :"أدبني ربي فأحسن تأديبي" فلابد للشيخ والمريد من مراعاة الأدب كما قال الله تعالى :"يا داوود إذا رأيت لي طالب فكن له خادما " وقيل التصوف كله أدب فرعاية الأدب على الطالب الصادق فرض ومن لم يراع الأدب لا يصل إلى مقصوده ، ولو كان من أمور الدنيا لا يحصل مراده بترك الأدب .

فصل في آداب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم 

ينبغي للطالب أن يكون صادقا في طلبه ومخلصا في عبادته وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وفي طلبه وعبادته لا يشرك غيره وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ولا يطلب شيئا من غيره ولا يستعين من غيره حتى الملح والماء ، قال أبو ذر رضي الله تعالى عنه : دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشترط عليَّ لا تسأل الناس ، قلتُ نعم ، قال : لا ولا سوطك ، إن سقط منك حتى تنزل إليه فتأخده ، ولا ترغب ولا تميل إلى شيء سوى الله تعالى ، ولا تحزن من فوت شيء لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ . ونقل في روضة الزبد وصية : حكي أن أربعين رجلا بعد تحصيل العلوم المتداول خرجوا لطلب الحق ووجدانه ومعرفته وتعاهدوا بينهم قبل الوصول إلى الله تعالى لا نتوجه إلى شيء ولا نرغب ولا نلتفت إلى أحد ، فلمّا وصلوا إلى الصحراء استقبلهم الخضر عليه السلام فسلم عليهم وقال : أنا الخضر ، فحصل لهم الفرح والانبساط وشكروا الله وقالوا هذا سفر مبارك ، فهتف بهم هاتف : ياكذّابون نسيتم العهد . فحصل لهم الندم والخجل ، فسجدوا لله استحياءً فماتوا كلهم إلا رجلاً واحداً . فرفع رأسه وقال : يا الله أنا ما كنت منهم ، فألهمه الله أنه يأتيك مدّع آخر فأخبره وتعال . فبعد ثلاثة أيام جاء إبراهيم بن أدهم فرأى ناساً كثيراً ميِّتين إلا واحداً ، فجاء إبراهيم عنده فسأله فحدّثه بالحكاية ومات . فتنبه إبراهيم بن أدهم ، فبعده ما تأنّس بأنس ولا بدار ولا بديار .

فاعلم أيها الطالب لا ترضى ولا تقنع بشيء دون الحق لأنه من رضي من العلم بالعلم فهو مفتون ، ومن رضي من الزهد بالثناء فهو محجوب ، ومن رضي من الحق بشيء مما دون الحق كائنا ما كان فهو طاغ . فاحذر الحذر عمن سوى الله ، فاطلب من ورائهم كما جاء في الآية الكريمة إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أما طلب الشيخ فهو عين طلبه تعالى ابتغوا إليه الوسيلة ، الرفيق ثم الطريق ، من لا شيخ له فشيخه الشيطان ، لكن لا ينبغي ان تعتقد أن الشيخ مقصود ومطلوب ، فالشيخ كالكعبة يسجدون إليها ، فالسجدة لله فهكذا الشيخ . فإذا حصل لأحد طلب المعرفة والوصول إليها وهاج العشق واحترق بنار الفراق ، وحصل له الاضطراب والقلق ، فيتوب توبة نصوحا مع الأركان والشرائط مع اعتقاد أهل السنة والجماعة ، ولا يتوجه إلى مسائل الرخصة ، ثم يطلب شيخا كاملا مكملا ، فإذا وجد الشيخ فيصحبه ويخدمه مع الأدب لأن خاصية الأشياء حق ، فخاصية سوء الأدب أن تزول البركة ويبدل النور بالظلمة ، فإنه يرجع إليه الضرر تغير طبع الشيخ أو لم يتغير ، كما نقل : كان الإمام زُفر رحمه الله يتوضأ فمرّ أبوحنيفة عليه ، والإمام زُفر ما قام له وما عظّمه لأجل ذلك كانت روايته ضعيفة ، وإلا فقد كان من أجلة أصحابه باعتبار العلم والتعاهد.

فالزم الأدب مع جميع الخلائق على حسب مقاماتهم ومراتبهم ، وفي طلبه تعالى الشرط الأعظم تطهير القلب من مطالعة الغير والسوى ، وتطهير الأبدان من المحرمات والمكروهات . قال أبو يزيد البسطامي قدس الله سره : "إذا ذكرتُ الدنيا أتوضّأُ وإذا ذكرتُ الآخرة أَغتسل" وإن حصل لك طهارة البدن والقلب فيتجلى الله تعالى بتجل خاص فيتيسر السلوك وتحصل الأحوال والمقامات ، فتعمل الأعمال بامتثال أمره أو لتعظيم أمره ، أي التعظيم لأمر الله , فلا يطلب إلا منه ولا يطلب ولا يخاف إلا منه ، كما قال سهل بن عبد الله :"كنت في البادية فرأيت رجلا فحصل لي الخوف منه ، قلت : أجنيٌّ أنتَ أم إنسيٌّ فقد خوّفتني ، قال : أمومِنٌ أنتَ أم كافِر ، فقد شَكّكتَنِي ، قلتُ : بَل مؤمن ، قال : اسْكُتْ ، المُؤمن لا يَخاف غير الله تعالى . 
**   **   **
يتبع ...

نقلا عن مخطوطة
مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح في ذكر الله الكريم الفتاح

مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح في ذكر الله الكريم الفتاح

مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح في ذكر الله الكريم الفتاح

صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما ، الحمد لله فاتح أقفال القلوب بذكره ، وكاشف أستار العيوب ببرّه ، ومطهّر السرائر لإبداع سرّه ، ومُظهر العجائب من عالم أمره ، ورافع أعلام الزيادة للقائم بشكره ، أحمده على أن جعلني من أهل توحيده، وأشكره طالباً لفضله ومزيده وأصلي على سيدنا محمد أشرف عبيده ، وعلى آله وأصحابه الحائزين لطويل الفضل ومديده .

وبعد :

فإنّ ذكر الله تعالى مفتاح الفلاح ، ومصباح الأرواح ، بفضل الله الكريم الفتّاح ن وهو العمدة في الطريق ،ومعول أهل التحقيق...

في ماهيّة الذكر وبيانه

الذكر هو التخلص من الغفلة والنسيان بدوام حضور القلب مع الحق .
وقيل : تريد اسم المذكور بالقلب واللسان . وسواء فى ذلك ذكر الله أو صفة من صفاته ، أو حكم من أحكامه ، أو فعل من أفعاله ، أو استدلال على شئ من ذلك ، أو دعاء ، أو ذكر رسله، أو أنبيائه ، أو اؤليائه ، أو من أنتسب إليه ، أو تقرب إليه بوجه من الوجوه ، أو سبب من الأسباب ، أو فعل من الأفعال : بنحو قراءة ، أو ذكر ، أو شعر ، او غناء أو محاضرة ، او حكاية . فالمتكلم ذاكر ، والمتفقه ذاكر، والمدراس ذاكر ، والمفتى ذاكر ، والواعظ ذاكر ، والمتفكر فى عظمة الله تعالى وجلاله وجبروته وآياته فى أرضه وسمواته ذاكر ، والممتثل ما أمر الله به والمنتهى عما نُهِىَ عنه ذاكر .

والذاكر قد يكون باللسان وقد يكون بالجنان ، وقد يكون بأعضاء الإنسان ، وقد يكون بالإعلان والإجهار ، والجامع لذلك كله ذاكر كامل .


فذكر اللسان هو ذكر الحروف بلاحضور ، وهو الذكر الظاهر وله فضل عظيم شهدت به الآيات والأخبار والآثار . فمنه المقيد بالزمان ، أو بالمكان . ومنه المطلق.

فالمقيد كالذكر فى الصلاة وعقبها ، والحج ، وقيل النوم ، وبعد اليقظة ، وقبل الأكل ، وعند ركوب الدابة ، وطرفى النهار ، وغير ذلك .

والمطلق مالا يتقيد بزمان ولا مكان ولا وقت ولا حال . فمنه ماهو ثناء على الله كما فى واحدة من هذه الكلمات وهى : سبحان ، والحمدلله ، ولا إله إلا الله ، والله اكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم . ومنه ماهو ذكر فيه دعاء مثل: (
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) ، أومناجاة ، وكذلك : اللهم صلِّ على سيدنا محمد ، وهو أشد تاثيراً فى قلب المُبتدئ من الذكر الذى لا يتضمن المناجاة ، لأن المناجى يشعر قلبه بقرب من يناجيه ، وهو مما يؤثر فى قلبه ويلبسه الخشية ، ومنه ما هو ذكر فيه رعاية أو طلب دنيوى ، او اخرى . فالرعاية مثل قولك : الله معي ، الله ناظر إلي ، الله يراني ، فإنه فيه رعاية لمصلحة القلب ، فانه ذكر يستعمل لتقوية الحضور مع الله وحفظ الأدب معه ، والتحرز من الغفلة والاعتصام من الشيطان الرجيم ، وحضور القلب مع العبادات .

وما من ذكر إلا وله نتيجة تخصّه 

فأيّ ذكر اشتغلت به أعطاك ما في فوقه ، والذكر مع الاستعداد هو الداعي إلى الفتح ، ولكن بما يناسب الذاكر . قال الإمام الغزالي : الذكر حقيقة هو استيلاء المذكور على القلب وانمحاء الذكر وخفاءه ، قال : لكن له ثلاثة قشور بعضها أقرب إلى اللب من البعض واللب وراء القشور الثلاث ، وإنما فضل القشور لكونها طريقاً إليه ، فالقشر الأعلى ذكر اللسان فقط ،

ولا يزال الذاكر يوالي الذكر بلسانه و يتكلف إحضار القلب معه، إذ القلب يحتاج إلى موافقته حتى يحضر مع الذكر. و لو تُرِكَ وطَبْعِهِ لاسترسل في أودية الأفكار، إلى أن يشارك القلب اللسان ويحرق نور القلب الشهوات والشياطين ، و يستولي ذكره ، فيضعف ذكر اللسان عند ذلك و تمتليء الجوارح والجوانح بالأنوار و يتطهر من الأغيار، و ينقطع الوسواس ولا يسكن بساحته الخناس ، و يصير محلًا للواردات ، ومرآة صقيلة للتجليات ، و المعارف الإلهيات . وإذا سرى الذكر إلى القلب وانتشر في الجوارح فذكر الله كل عضو بحسب حاله .

**   **   **
يتبع ...

مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح في ذكر الله الكريم الفتاح
المؤلف: الإمام ابن عطاء الله السكندري.

القلب غيب والربّ غيب ، فاطلع الغيب على الغيب ، فكان اطلاعه نزولاً لا حلولاً .

القلب غيب والربّ غيب ، فاطلع الغيب على الغيب ، فكان اطلاعه نزولاً لا حلولاً .



القلب غيب والربّ غيب ، فاطلع الغيب على الغيب ، فكان اطلاعه نزولاً لا حلولاً .
اعلم أن "هُو" هيَ خاتمة هذ الاسم الشريف فيه معنى لطيف ، وهو أن قولك "هُو" حرفان "ها" و"واو"، فَ "الهَا" حرف يخرج من آحر مخارج الحروف، لأنه يخرج من داخل الحلق ، فهو آخر الحروف مخرجاً . و"الواو" يخرج من بين الشفتين ، وهو أول مخارج الحروف ، فهو أول الحروف مخرجاً . فأشار إلى ذاته بهذين الحرفين وقال : هو الله ، مشيرا أنه هو الأول وهو الآخر لا أول قبله ولا آخر بعده منزه عن الحلول والنزول لا كما يخطر للعقول ، فإذا سَمعتْ :"وَسِعني قَلبُ عَبدي المُؤمن"  .

 فاعلم أن القلب غيب والربّ غيب ، فاطلع الغيب على الغيب ، فكان اطلاعه نزولاً لا حلولاً . واعلم أن لطيفة ذلك أن القلب خُلق كامل الوصف فله وجهان ظاهر وباطن ، فظاهره ترابي أرضى مظلم طبيعي جسماني ، وباطنه سماوي علوي نوراني روحاني ، فكثافة ظاهره لمباشرة القوى الطبيعية البشرية ، ولطافة باطنه لمواجهة الملكوتيات العلوية الربانية الروحانية ، فعلى قدر مواجهته لها ومقابلته إياها انعكست عليه أشعة أنوارها ، وتجلت لأسراره بأسرارها ، فشاهدها بالأنوار التي فاضت عليه ، وأدركها بالأسرار التي أبدتها إليه وهذا معنى العكس والمقابلة ، فهو يشهد جمالية محبوبه في مرآة قلبه من غير حصر ولا تحيز ولا حلول ولا انفصال ولا اتصال ، فهو في المثال كمرآه لها وجهان : ظاهرها كثيف مظلم ، وباطنها لطيف مضيء فلو قابلها ما قابلها من صغير أو كبير أرته ممثلا فيها مع صغر جرمها وكبر المرئي فيها ، ولو كان جملا أو جبلا أرته بكل أجزائه فيها من غير حلول فيها ولا اتصال بها وتحيز في شيء منها ، فكذلك الحق سبحانه وتعالى إذا تجلى على قلب عبده المؤمن يشاهده بعين قلبه ويجتليه ببصر بصيرته من غير حلول ولا تحيز ولا اتصال ولا انفصال .  وأوضح من المقال ما يشرحه في هذه الأبيات :
ولما تجلى من احب تكرما 
و أشهدني ذاك الجناب المعظما

تعرف لي حتى تيقنت أنني 
أراه بعينى جهرة لاتوهما

وفى كل حال اجتليه ولم يزل 
على طور قلبى حيث كنت مكلما

وما هو في وصلى بمتصل 
ولا بمنفصل عنى وحاشاه منهما 

وقر مثلى أن يحيط بمثله 
وأين الثرى من طلعة البدر إنما 

أشاهده في صفر سرى 
فاجتلى كمالا تعالى عزة أن يقسما 

كما أن البدر التم يظهر وجهه 
بصفر غدير وهو في أفق السما
**  **   **
نقلا عن مخطوطة
تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس -4

تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس -4


من قارب فراغ عُمره ويريد أن يستدرك ما فاته ، فليذكر بالأذكار الجامعة ، فإنه إذا فعل ذلك صار العمر القصير طويلا كقوله : سبحان الله العظيم وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه ومداد كلماته . وكذلك من فاته الصيام والقيام ، أن يشغل نفسه بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنك لو فعلت في جميع عمرك كا طاعة ثم صلى الله عليك صلاة واحدة رجحت الصلاة الواحدة ما عملته في عمرك كله جميع الطاعات لأنك تصلي على قدر وُسعك وهو يُصلي على حسب ربوبيته . هذا إذا كانت صلاة واحدة ، فكيف ذا صلى عليك عشرا بكل صلاة ؟! كما جاء بالحديث الصحيح . فما أحسن العيش إذا أطعت الله فيه بذكر الله تعالى أو الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

يُروى أنه ( ما من صيد يُصاد ، ولا شجرة تُقطع إلا بغفلتها عن ذكر الله تعالى) ، لأن السارق لا يسرق بيتا وأهله أيقاظ بل على غفلة أو النوم .

من علم قُرب رحيله أسرع في تحصيل الزاد ، ومن علم أن إحسان غيره لا ينفعه جد في الإحسان ، ومن أخرج ولم يحسب خسر ولم يدر ، ومن وكل وكيلا واطلع على خيانته عزله . كذلك نفسك قد اطلعت على خيانتها فاعزلها وضيق عليها المسالك .

إذا رأيت فيك الإعراض والشهوة والغفلة فهذا وصفك ، وإذا رأيت فيك الإنابة والخشية والزهد فهذا من صنائع الله .
مثال ذلك : إذا رأيت ببلادك الحَلْفاء والشوك والعوسج فهذا نبات أرض بلدك ، وإذا رأيت بها العود الرطب والمسك والعنبر فاعلم أنه مجلوب من صنائع الله ليس من نبات أرضك : فالمسك من غزلان عراقها ، والعنبر من بحر هندها.

مثال الإيمان معك إذا عصيت الله تعالى كالشمس المكسوفة ، أو كالسراج إذا غطيته بصحفة ، هو موجود ولكن منع نوره الغطاء . ثم إنك تحضر المجلس في الجامع ليتوفر عقلك ، وإن كان عمرك قليلا فيصير كثيرا بحصول الإيمان والخشوع والخضوع ، والخشية والتدبر والتذكر ونحوها . فلو عرفت الإيمان ما قاربت العصيان ، فلا غريم أمطلُ من النفس ولا عدو أعظم من الشيطان ولا معارض أقوى من الهوى .

ولا يدفع المدد الهابط مثلُ الكبر ، لأن الغيث لا يقرُ إلاّ على الأرض المنخفضة لا فوق رؤوس الجبال، فكذلك قلوب المتكبرين تنتقل عنها الرحمة وتنزل إلى قلوب المتواضعين. والمراد بالمتكبرين : من يردُ الحق ، لا من يكون ثوبه حسنا ، ولكن الكبر بطر الحق ، أي دفعه واحتقار الناس . ولا تعتقد أن الكبر لا يكون إلا في وزير أو صاحب دنيا ، بل قد يكون فيمن لا يمكلك عشاء ليلة ، وهو يُفسد ولا يُصلح لأنه تكبر على حق الله تعالى . ولا تعتقد أن المنكوب من كان في الأسر أو في السجن بل المنكوب من عصى الله وأدخل في هذه المملكة الطاهرة نجاسة المعصية .

كثيرٌ من أنفق الدنانير والدراهم ولكن من أنفق الروح قليل .

الأحمق من مات ولده وجعل يبكي عليه ولا يبكي على ما فاته من الله عز وجل ، فكأنه يقول بلسان حاله : أنا أبكي على ما كان يشغلني عن ربي ، بل كان ينبغي له الفرح بذلك ، ويقبل على مولاه لأنه أخذ منه ما كان يشغله عنه ، وقبيحٌ بك أن تشيب وأنت طفلُ العقل ، صغيره ، ولا تفهم مراد الله منك !
فإن كنت عاقلا فابك على نفسك قبل أن يُبكى عليك ، فإن الولد والزوجة والخادم والصديق لا يبكون عليك إذا مُت ، بل يبكون على ما فاتهم منك ، فسابقهم أنت بالبكاء وقل : يحقُ لي أن أبكي على فوات حظي من ربي قبل أن يبكوا علي.

وكفى بك جهلا أن يعاملك مولاك بالوفاء ، وأنت تعامله بالجفاء . ليس الرجل من صاح بين الناس في المجالس ، إنما الرجل من صاح على نفسه وردها إلى الله تعالى .

من عال - حمل - همّ الدنيا وترك همّ الآخرة كان كمن جاءه أسد يفترسه ثم قرصه برغوث ، فاشتغل به عن الأسد ، فإن من غفل عن الله اشتغل بالحقير ، ومن لم يغفل عنه لم يشتغل إلا به . فأحسنُ أحوالك أن تفوتك الدنيا لتحصيل الآخرة ، وطالما فاتتك الآخرة لتحصيل الدنيا.

ما أقبح الخوف بالجندي ، وما أقبح اللحن بالنحوي ! وما أقبح طلب الدنيا لمن يُظهر الزهد فيها . ليس الرجل من يُربيك لفظه ، إنما الرجل من يُربيك لحظه . عن الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه أنه قال : إذا كانت السلحفاة تُربي أفراخها بالنظر كذلك الشيخ يربي مريده بالنظر ، لأن السلحفاة تبيض في البر ، وتتوجه إلى جانب النهر ، وتنظر إلى بيضها ، فيربيهم الله لها بنظرها إليهم .

إياك أن تخرج من هذه الدار وما ذُقت حلاوة حبه . ليس حلاوة حبه في المآكل والمشارب ، لأنه يشاركك فيها الكافر والدابة ، بل شارك الملائكة في حلاوة الذكر ، والجمع على الله تعالى ، لأن الأرواح لا تحتمل رشاش النفوس ، فإذا انغمست في جيفة الدنيا لا تصلح للمحاضرة ، لأن حضرة الله تعالى لا يدخلها المتلطخون بنجاسة المعصية . فطهر قلبك من العيب يفتح لك باب الغيب ، وتُب إلى الله وارجع إليه بالإنابة والذكر ومن أدام قرع الباب يُفتح له ، ولولا الملاطفة ما قُلنا لك ذلك ، لأنه كما قالت رابعة العدوية رضي الله عنها : ومتى أُغلق هذا الباب حتى يُفتح ؟!.

ولكن هذا باب يوصلك إلى قربه . وإياك وذهول القلب عن وحدانية الله تعالى ، فإن أول درجات الذاكرين استحضار وحدانيته تعالى .وما ذكره الذاكرون ، وفُتح عليهم إلا باستحضار ذلك ، وما طردوا إلا بذكرهم مع غلبة الذهول عليهم . وتستعين على ذلك بقمع الشهوتين : البطن والفرج. ولا يُضادك في الله إلا نفسك .

ما أكثر توددك للخلق ، وما أقل توددك للحق !

لو فُتح لك باب التودد مع الله لرأبت العجائب : ركعتان في جوف الليل تودد ، عيادتك للمرضى تودد . صلاتُك على الجنائز تودد ، الصدقة على المساكين تودد ، إعانتك لأخيك المسلم تودد ، إماطتك الأذى عن الطرق تودد . ولكن السيف المطروح يحتاج إلى مساعد ، ولا عبادة أنفع لك من الذكر ، لأنه يُمكن الشيخ الكبير والمريض الذي لا يستطيع القيام والركوع والسجود .

واعلم أن العلماء والحكماء يُعرفونك كيف تذخل إلى الله تعالى .

هل رأيت مملوكا أول ما يُشترى يصلح للخدمة ؟ بل يُعطى لمن يُربيه ويُعلمه الأدب ، فإن صلح وعرف الأدب قدمه للملك . كذلك الأولياء يصحبهم المُريدون حتى يُزجوا بهم إلى الحضرة ، كالعوام إذا أراد أن يعلم الصبي العوم يُحاذيه إلى أن يصلح للعوم وحده ، فإذا صلح زجه في اللجة وتركه .

وإياك أن تعتقد أن لا يُنتفع بالأنبياء والأولياء والصالحين ، فإنهم وسيلة جعلها الله إليه لأن كل كرامة للولي هي شهادة بصدق النبي عليه الصلاة والسلام لأنها جرت على أيدي الأولياء مثل خرق العادات . عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه أنه قال : كل نفسك وزنها بالصلاة ، فإن انتعت عن الحظوظ فاعلم أنك سعدت ، وإلا فابك على نفسك إذا جررت رجلك إلى الصلاة جرا ، فهل رأيت حبيبا لا يريد لقاء حبيبه؟ قال الله تعالى :(اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) .

فمن أراد أن يعرف حقيقته عند الله ، وينظر حاله مع الله ، فلينظر إلى صلاته :إما بالسكون والخشوع أو بالغفلة والعجلة ، فإن لم تكن بالوصفين الأولين فاحث التراب على رأسك ، فإن من اجالس صاحب المسك عبق عليه من ريحته ، فإن الصلاة مجالسة
الله تعالى ، فإذا جالسته ولم يحصل لك منه شيء دل ذلك على مرض في قلبك وهو إما كبر ، أو عجب أو عدم أدب . قال الله تعالى : " سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ " فلا ينبغي لمن صلى أن يُسرع الخروج بل يذكر الله تعالى ويستغفره من تقصيره فيها ، فرب صلاة لا تصلح للقبول فإن استغفرت الله بعدها قُبلت . كان النبي عليع الصلاة والسلام إذا صلى استغفر الله ثلاث مرات .
الشروط الجامعة بين الشيخ ومريده

الشروط الجامعة بين الشيخ ومريده

الشروط الجامعة بين الشيخ ومريده

من أكبر الشروط الجامعة بين الشيخ ومریده ، هو أن لا یشارك في محبته غيره، ولا في تعظيمه ولا في الاستمداد منه ولا في الانقطاع إليه بقلبه . ونتأمل ذلك في شریعته صلى الله عليه وسلم ، فإن من ساوى رتبة نبيه صلى الله عليه وسلم مع رتبة غيره من النبيئين والمرسلين في المحبة والتعظيم والاستمداد والانقطاع إليه بالقلب والتشریع ، فهو عنوان على أنه یموت كافرا إلا أن تدركه عنایة إلهية بسبق محبة ربانية . 

فإذا عرفت هذا فليكن المرید مع شيخه كماهومع نبيه صلى الله عليه وسلم في التعظيم والمحبة والاستمداد والانقطاع إليه بالقلب، فلا یعادل به غيره في هذه الأمور ولا یشارك غيره .

 ومن أكبر القواطع عن الله أن ینسب ما عنده من الفتح والأسرار لغير شيخه ، وذلك لأن الأنوار الإلهية الواردة على العبد بالأسرار والأحوال والمعارف والعلوم والترقي في المقامات كل نور منها یحن إلى مركزه ، وهذه الحضرة الإلهية التي منها برز وفيها نشأ ، فلكل شيخ من أهل الله حضرة لا یشترك فيها مع غيره، فإذا ورد نور بأمر من الأمور التي ذكرناها ونسب إلى غير تلك الحضرة من الحضرات الإلهية ، اغتاظ ذلك النور وطار ورجع إلى محله . وصورة ذلك فينسب الحكمة الإلهية ، أن الله قضى في كتابه بنسبة كل والد إلى أبيه ، قال تعالى : " ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ " ، فمن نسب نورا إلى غير محله من الحضرة الإلهية فقد أساء الأدب في حضرة الحق وكذب على الله ، والحضرة لا تحتمل الكذب، فلذا یطرد ویسلب والعياذ بالله .
**   **   **

روض المحب الفاني

 فيما تلقيناه من سيدي أبي العباس التجاني

التصوف وإشعاعه الخلقي والحضاري

التصوف وإشعاعه الخلقي والحضاري

التصوف وإشعاعه الخلقي والحضاري

الأصول القرآنية والأخلاقية السلوكية في التربية الروحية الإسلامية وأهميتها للفرد والمجتمع من خلال كلام ابن عباد الرندي

د عبد الهادي هنركمب

جامعة جورجيا

أما بَعد ، فلَقدْ كانتِ الأَخلاقُ - وَمَا زالَتْ -هي اصلُ الرسالَة الربانيّة منذُ فجرِ الإنسانيّةِ الأوَّلِ ؛ فالأخلاقُ كيانُ الشَّريعَةِ الإسلاميَّةِ والفَلَكِ والمَدارِ الَّذي تدورُ فيهِ كُلُّ العُلومِ ؛ أو نقولُ الأخلاقُ مِنَ المصالِحِ الكلِّيَةِ التي تحكُمُ - عندَ علماءِ الأُصولِ - علَى المَصالِحِ الجُزئيَّةِ . فكما اهتَمَّ الفقَهاءُ بالجانبِ الفِقْهِيِّ منَ الشَّريعَةِ فقدْ قامَ علَماءُ علمِ التصوُّف بالاهتِمامِ بالجانِبِ السُّلوكيِّ التّرْبَويِّ الأخلاقيِّ منْها . فقَد عرّفوا علم التّصوف بالاهتمام بالجانب السّلوكيِّ التربويِّ الأخلاقيِّ مِنهاَ . فقَد عَرَّفوا علمَ التّصوّفَ بأنّهُ أخلاقٌ ؛ إذْ يقُولُ أبو بَكرِ الكَتَّانيّ (ت 322 ه) - رضيَ اللهُ عنهُ - ؛ وهوَ من عُلماءِ القرنِ الرّابعِ الهِجريِّ " التّصوُّفُ كُلُّهُ أَخلاَقٌ فَمَنْ زَادَ عَلَيْكَ بالأخلاقِ فَقَدْ زَادَ عَلَيْكَ بِالتَّصَوُّفِ" . ويقولُ أبُو القَاسِمِ الجُنَيْدُ البَغْدادِيُّ - سَيِّدُ الطّائِفَةِ - رضِيَ اللهُ عَنْهُ (ت 298 ه) - عنِ التّصوُّفِ :"العُلُوِّ إلَى كُلِّ خُلُقٍ شَرِيفٍ والعُدُولُ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ دَنيءٍ" . وقد سُئِلَ محمّدُ بنُ عليِّ القصّابُ (ت 275 ه) وهو أستاذُ الجُنيْدِ - رضيَ اللهُ تعالى عنهُمَا - عنِ التّصوُّفِ مَا هوَ فقالَ :"أخْلاَقٌ كَرِيمَةٌ في زَمنٍ كريمٍ منْ رَجٌلٍ كريمٍ معَ قومٍ كرامٍ" . 

وأبعدُ منْ هذاَ مَا ذَكرَهُ الإمامُ الحافظُ أبو نعيمِ الأصفَهانِيُّ في حِليةِ الأولياءِ وطبقاتِ الأصفياءِ عنْ سيِّدِنا جَعفَرِ بنِ محمّدٍ الصّادِقِ (ت 184 ه) - رضيَ اللهُ عنهُ -أنّهُ قال :"مَنْ عاشَ في ظاهرِ الرَّسولِ سُنِّيٌّ ومنْ عاشَ في باطِنِ الرَّسولِ فهوَ صوفيٌّ" ؛ وزادَ أبو نعيمٍ توْضيحاً لقَولِ جعفرِ الصّادِقِ "وأراد جعفرٌ بباطنِ الرّسولِ صلّى اللهُ عَليهِ وسلّمَ ؛ أخلاقُهُ الظّاهرَةَ واختِيارَهُ لِلآخرَةِ" .

ثمَّ نجِدُ في القرن الثاّلثِ عشرَ منَ الهجرَةِ العالِمَ الربّانيَّ التّقيَّ الفقيهَ المغربيَّ ومفسِّرَ القرآنِ الكريمِ ، الشّيخَ والشّريفَ المشهورَ ، سيّدي أحمَدَ بنُ عجيبةََ (ت 1223 ه) - رَضيَ اللهُ تعالى عَنهُ - يُعرِّفُ التّصَوُّفُ في كِتابهِ مِعراجُ التّشَوُّفِ إلَى حَقائقِ التّصَوُّفِ بأنّهُ "سيّدُ العُلومِ ورئيسُها ولُبابُ الشّريعَةِ وأسَاسُها" . وَ يُعَلِّلُ علاقَةَ التَّصوُّفِ بالأخلاقِ والإِحسانِ والسُّلوكِ قائلاً "وكيفَ لا وهو تفسيرٌ لِمَقامِ الإِحسَانِ الّذي هوَمَقامُ الشّهودِ وَالعَيَانِ ؟ّ" ؛ ثمَّ يزيدُ ذلكَ توضيحاً حيثُ يقولُ :"التّصوُّفُ عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ كَيْفِيَّةُ السُّلوكِ إِلى حَضْرَةِ مَلِكِ المُلُوكِ ، أَوْ تَصْفِيَّةُ البَواطِنِ منَ الرَّذائِلِ وَتَحليَّتُها بِأنْواعِ الفَضَائِلِ".

فهذهِ الشَّواهِدُِ منَ الماضيِّ والحاضِرِ وإنْ دَلّتْ على شيءٍ فإنّها تَدُلُّ علَى ذاتِيَّةِ الأخْلاَقِ فِي عِلْمِ التّصوّفِ ، وَإذا كانَ الأمرُ كذلكَ فَما أحوَجَ النّاسَ في هذا الزّمَانِ إلَى أخْلاَقِ التّصَوُّفِ ، ولَكنْ مَا هيَ الوَسيلَةُ إلى هذِهِ الغايَةِ ؟ وكيفَ الطّريقُ إذا ضَلَّ الإنسانُ وامتزَجَتْ عليهِ الطُّرُقُ وأَحاطَتْ بِهِ الفِتَنُ إحاطَةَ السّوّارِ بالمِعْصَمِ . فَمَا السّبيلُ ؟ 

يتبع ...
منشورات الملتقى العالمي للتصوف
مداغ - بركان - المغرب