آخر المشاركات

الخميس، 17 يناير 2019

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار لعبد القادر الجيلاني - 14

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار لعبد القادر الجيلاني - 14

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار لعبد القادر الجيلاني - 14

في بيان الصوم الشّريعة والطَّريقة

صوم الشريعة : أن يمسك عن المأكولات والمشروبات، وعن وقاع النساء في النهار.
وأمّا صوم الطّريقة : فهو أن يمسك عن جميع أعضائه المحرّمات والمناهي والذّمائم مثل العُجب والبخل وغير ذلك، ظاهراً وباطناً، فكلّها يبطل صوم الطّريقة.

فصوم الشّريعة مؤقَّتٌ وصوم الطّريقة مُؤبَّدٌ في جميع عمره، فلذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : (رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلاَّ الجُوعُ... )، فلذلك قيل : كم من صائم مفطر وكم من مفطر صائم، أي : يمسك أعضاءه عن الآثام، وإيذاء الناس بالجوارح كما قال الله تعالى في الحديث القدسيّ : (إنَّ الصَّوْمَ لِي وَأَنَا أجْزي بِهِ). وقال الله تعالى في الحديث القدسيّ : (يَصيرُ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ : فَرْحَةٌ عِنْدَ الإفْطَارِ، وفَرْحَةٌ عِندَ رُؤيَةِ جَمَالي) .

قال أهل الشريعة : المراد من الإفطار الأكل عند غروب الشمس، ومن الرّؤية رؤية الهلال فى ليلة العيد. وقال أهل الطريقة : الإفطارعند دخول الجنة بالأكل ممّا فيها من النعيم، وفرحة عند الرّؤية - أي : عند لقاء الله يوم القيامة - بنظر السّرّ معاينة.

فهو إمساك الفؤاد عن محبة ما سوى الله تعالى، وإمساك السّرّ عن محبة مشاهدة غير الله كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: (الإنسانُ سرّي وأنا سرُّهُ). والسرّ من نور الله تعالى فلا يميل إلى غير الله تعالى، وليس له سواه محبوب ومرغوب ومطلوب في الدّنيا والآخرة، فإذا وقعت فيه محبّة غير الله فسد صوم الحقيقة، فله قضاء صومه، وهو أن يرجع إلى الله تعالى ولقائه، وجزاء هذا الصّوم لقاء الله تعالى في الآخرة.

التيسير في التفسير  (13)

التيسير في التفسير (13)

التيسير في التفسير  (13)

فصل : في أنّ القرآن بلغة العرب.

قال الله تعالى : {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}[الزخرف : 3] وقال : {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [الشعراء : 195] فأخبر أنّ القرآن نزلَ بلغة العرب فالله تعالى وصفه بأنّه نبينٌ لأحكامه، ولأنه جعلَ هذا الكتاب في الرّتبة العليا في البلاغة، وبذلك أعجز الخلق عن معارضته والإتيان بمثله، وأنزله بلغة العرب وتحدّاهم بالإتيان بمثل هذا النظم الذي يوجَدُ جنسه في لغتهم فلو كان في القرآن ما ليس بلغتهم لقالوا أنه ليس بلساننا فكيف طالبنا بالإتيان بمثل هذا النظم الذي يوجدُ جنسه في لغتهم، فلو كان في القرآن ما ليس بلغتهم لقالوا أنه ليس بلساننا فكيف طالبنا بالإتيان بمثله.

فإن قيل فما تقولون فيما روي عن أبي موسى أنه قال : {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} [الحديد : 28] والكفلان ضعفان بلغة الحبشة.

وما رُوي عن ابن عباس قال : {نَاشِئَةَ اللَّيْلِ}قال بلسان الحبشة إذا قام الرجل من الليل قالوا نشأ، وما روى أبو ميسرة في قوله : {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} [سبأ : 10] قال سَبِّحِي بلسان الحبشة.

ورُوي عن ابن عبّاس أنه سُئل عن قوله :{فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} [المدثر : 51]، قال هو بالعربية هو الأسد وبالفارسية : شِيَر وبالحبشة قسورة.

وما رُوي عن سعيد بن جبير في قوله : {سِجِّيل} أنه فارسية أُعربت سَنْك وكِلْ.

وما روي عن أبي ميسرة أنه قال : في القرآن من كل لسان.

وما أشبه ذلك مما كثُرتْ الرواية به قيل : 

إنّ ذلك وفاقٌ حصل في اللغتين ومثله جائزٌ. والدليل على ما قلنا أنَّ من قال : إنَّ أصل هذه الحروف من لغاتِ غير العرب وقعَت إليهم فأعربوها لا ينفصلُ ممن قال بل هي في الأصل من كلام العرب وقعَت إلى غيرهم فأعربوها.

ثم إنّما يُوجب إثباتَ الحكم للشيء نفيُ غيره إذا كان المعنيان متنافيين، كما تقول فلان قائمٌ تنفي بقولك هذا القُعُود عنه، فأمّا إذا لم يكن بين الأمرين تضادٌّ وتنافٍ لم يوجب إثبات أحدهما نفي الآخر كما تقول : رجلٌ قائمٌ لا تنفي بإثبات هذا الوصفِ له الكلام عنه لجواز أنْ يكون قائماً ومتكلِّماً.

كذلك إذا قيلَ هذه الحروف بلسانِ الحبشة أو بلسان الرُّوم فليس في ذلك أنها ليست بلغة العرب يجوزُ اجتماع الّلغتين فيها وهذا بيّن والحمد لله.

فإن قيل فإذا كانت هذه الحروفُ من كلام العرب وهي أيضاً من كلام غيرهم فهل يجوز أنْ يقال في القرآن فارسيٌّ وحبشيٌّ قيل :

لا يجوز إطلاقه لأنه يُوهِمُ أنَّ فيه شيئاً ليس بلغة العرب وأنه مختصٌّ بلغة غيرهم فلو أنّ قائلا قاله على التفسير الذي جوَّزنا بما لا يوجب الإيهام لا يمنع من ذلك بأنْ يقول القرآن كله عربيٌّ وفي الفاظه ما يوافق ألفاظ الحبشة أو الفرس.

أبو القاسم القشيري

الأربعاء، 16 يناير 2019

كتاب : المُعْزى في مناقب الشيخ أبي يَعْزى (1)

كتاب : المُعْزى في مناقب الشيخ أبي يَعْزى (1)

كتاب : المعزى في مناقب الشيخ أبي يعزى (1)

كتاب : المعزى في مناقب الشيخ أبي يعزى
تأليف : أحمد التادلي الصومعي

تحقيق علي الجاوي
من منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير
طبع بمطبعة المعارف الجديدة - الرباط

سنة النشر : 1996 م

   كتاب يتضمن فوائد من سيرة حياة الشيخ ابي يعزى اقتطفها المؤلف من تواريخ الاسلام مما ورد عن النقلة الاعلام، فتناول نسبه وجهاده وما لقي من التعب،واشياخه، وكراماته، .وما روي عنه من مكارم الاخلاق، وبعض من أخذوا عنه من التلاميذ وغير ذلك الكثير

**   **   **

قال الشيخ الإمام أبو العباس سيدي أحمد بن أبي القاسم بن محمد بن سالم بن عبد العزيز الشعيبي الهروي الشاذلي التادلي مولدًا ومنشأ رحمه الله تعالى ورضي الله تعالى عنه :
الحمد لله الذي أكرمنا بالإسلام، وأنعم علينا, وجعلنا من أمة سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم  وأتحفنا بحقائق الإيمان، وكرَّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، ورقَّى بنا مراقي الإحسان، وحبّب إلينا أوليائه العارفين, والعلماء الموقنين، وسلك بنا مناهج المتّقين الصديقين.
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله سرُّ الوجود، وإكسير هذا العالم الموجود، وسلِّم كثيرًا.
 وبعـد..

 لما كانت كرامات الأولياء معجزات لسيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ نالوا ذلك ببـركة اتباعه، فمَنْ أُكرم بهذا النصيب الوافر، وفُتح عليه بأعظم المفاخر، وتواتر عليه عجب العجائب وكثير المآثر؛ أعجوبة الزمان وحامي الحمى، كبير الشأن, تحفة الدهر, وغريب البر والبحر, السيد العماد قُطب الأقطاب, وسيد الزُّهَّاد, وإمام العارفين والأوتاد, سيدي أبو يعزى آل النور عبد الرحمن الهسكوري الشهير الذِّكر؛ العظيم القدر، فقصدت له التعريف ببعض مآثره, والتنبيه على العشر من مفاخره ومآثره وهو كما قيل:


عُقْمُ االنِّسَاءِ فَمَا يَلِدْنَ مؤثْلَهُ       إِنَّ النِّسَاءَ بِمِثْلِهِ عُقْمٌ

حدِّث على البحر ولا حرج، وإن كانت شمس وجوده لا تحتاج إلى بيان، وبركاته الباهرة غير مفتقرة إلى برهان، فقد ألحَّ على بعضِ الإخوان مِمَنْ يُنتسب إلى هذا الإمام أن أُقيِّد له عليه ما صح عندنا وبان, واتَّضح من كَرَائمه، وما نُقل إلينا من مفاخره, ومآثره وسلسلة من عدة أشياخه إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأجبته بقدرِ الوسع والتيسير من جهد الْمُقلِّ الباع القاصر، والعلم القصير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وبه نستعين وإليه المصير.
وقد اشتمل هذا المؤلف على سبعِ أبوابٍ وخاتمة.
الباب الأول: نَسَبُهُ ومُجاهداته وما لَقي في ذلك من التَّعَبِ والنصب.
الباب الثانى: في الأشياخ الذين لقي, وخدم وانتفع ببركات خدمتهم, وتأدَّب بآدابهم وسلسلته في ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والتعريف ببعضهم بما أمكن من أوصافهم السديدة وما لهم من علىّ المقام.
الباب الثالث: في بعض ما له من الكرامات, وما أظهر الله على يديه من خوارق العادات, وكرائمه الحاصلة ظاهرةٌ ساميةٌ ناميةٌ.
الباب الرابع: في ذكر بعض مَنْ أَخَذَ عنه من الشيوخ, وما فتح عليهم ببـركاته ومازال بقدرة الله عز وجل الفتح على يديه إلى اليوم, حتى قيل أن مادته لا تنقطع إلى يوم القيامة.

الباب الخامس: في إخوانه الذين شهدوا له بالرتبة العالية, والمقامات السامية, والأحوال الزكية, وأكابر الصديقين الذين بعده من الكبراء.
الباب السادس: في آداب زيارته, وكيف يكون المريد في الجلوس بين يديه وكذا غيره من العلماء, والأولياء, والصديقين, والأحياء والأموات.
الباب السابع: في اتصال نسبتنا بهذا الإمام إلى النبي صلى الله عليه وسلم, وكذا سيدي عبد القادر الجيلاني لِما كان بينهما من المودة والمحبة، وكلاً منهما يثني على صاحبه، كما نبّه عليه الشمس في تأليفه الكبير, والإمام العراقي.
خاتمة: فيما ينبغي للمنتسبين من سلامة الصدر, والمحبة, والتعظيم بقدر اتباعهم لسيد المرسلين؛ إذ بالمحبة والتصديق والتسليم يكون الإنتفاع.
اللهمَّ! كما مننت علينا بحبهم, والانتماء إلى مذاهبهم, وكمال الاعتقاد فيهم؛ اسقنا من صافي عذب موردهم، ولا تقطع عنا مواصلتهم، واحشرنا في زمرتهم، وأمتنا على خِلّتهم وخالص مودتهم.
اللهمَّ! إنا نتوسّل إليك بجاه حبهم فيك، ودوام إقبالهم عليك؛ فإنهم بكرمك أحبوك حتى أكرمتهم بحبك فيهم، ولولا ذلك ما أقبلوا عليك ولا أحبوك، فبحُبِّك السابق لهم أحبوك حتى ووصلوا إلى حبك والشوق إلى لقائك، ونحن لم نصل إلى حبهم فيك إلا بما خصّصتنا من حبك؛ فارزقنا من ذلك النصيب الأوفر, والحظ الأنجم بِمَنِّك, وكرمك يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.
اللهمَّ! إنا نسألك بأكرم الخلق عليك ,وإكسير الوجود لديك سيدنا ومولانا محمد المصطفى, ورسولك المقرّب المجتبى, وصفيك وحبيبك المرتضى, أن تطهِّر قلوبَنا من كلِّ وصف يباعدنا عن محبتك, ومشاهدة أوصافك على السنن المرضي، وأن تميتنا على سنة نبيك, وجماعة أحبابك والشوق إلى لقائك في غير ضرَّاءٍ ولا فتنة مضلة يا ذا الجلال والإكرام يا أرحم الراحمين يا رب العالمين. 
يتبع...
كتاب : رهان الأرواح في صحبة قطب الصلاح الشيخ سيدي حمزة القادري بودشيش(7)

كتاب : رهان الأرواح في صحبة قطب الصلاح الشيخ سيدي حمزة القادري بودشيش(7)

كتاب : رهان الأرواح في صحبة قطب الصلاح الشيخ سيدي حمزة القادري بودشيش(7)

ثالثا : التجربة المحدودة والعمل الروحي المبتور 

من هنا بدأت في تقليد هذا النص مع فهم للتصوف بطريقة آلية،أي جعله يخضع للعادة النفسية والممارسة المستمرة بشكل ميكانيكي؛ ثم بعد ذلك انتظار أن يحصل المطلوب! 
فكان هذا الفهم قاصرا ومضيقا لحقيقة التصوف،سينبه عليه الغزالي نفسه في عدة كتب منها: المنقذ من الضلال خصوصا،و بداية الهداية ... 

لكن مع ذلك فقد أعجبت بالفكرة وتجاوبت معها لغاية أن بدأت أذكر الاسم المفرد"الله" بالطريقة التي وصفت في ميزان العمل،ومن دون التنبه إلى النقطة الرئيسية أو العامل الأساسي في ضمان النتيجة ألا وهو:الأستاذ المحدد لنوع الأذكار والفقيه الروحي الذي يضع الدواء المناسب في المكان المناسب وبحسب الشخص المناسب !. 

هذه مسألة قد يتطفل عليها الكثير من أشباه البحاث أو ذوي الإسقاطات في تحليل التصوف حينما يقولون:بأن تصوف الغزالي لم يكن على يد شيخ !وذلك حينما يريدون أن يتمشْيخوا بوصفهم الجزافي لطريقة التصوف و تحديدهم الذاتي لمنهج 

إذ النص واضح في مسلك الغزالي المبدئي وأخذه الإذن في الذكر ولا يحتمل تأويلا أو إغفالا !!!. 

من هنا فما أن شرعت في ممارسة الذكر بالاسم المفرد "الله الله"حتى بدأ يصيبني الإعياء والملل وثقل اللسان،فلا أتحصل من قريب أو بعيد على ما ذكره الغزالي في تجربته. 

فلقد كنت أفتقد الطاقة الروحية المحركة والضامنة للاستمرار والمداومة على هذا الذكر،بعكس ما قد يظنه البعض أنه من أسهل الأذكار وأبسط من جميع العبادات !. 

في هذه الفترة بالذات أذكر أني عثرت على كتاب مازلت احتفظ به،عنوانه "خزينة الأسرار الكبرى وجليلة الأذكار"لجامعه محمد حقي النازلي، يتضمن الحديث عن فضائل السور والآيات والرقى،كسورة الفاتحة والإخلاص وآية الكرسي ...كما يتضمن ملخصا لعلوم القرآن ومفهوم الإيمان وأشياء صوفية. 

فكان أهم ما رسخ في ذهني منها "باب أقوال المشايخ ووصية الشيخ السهروردي في علامات المرشد الكامل "الذي من شروطه كما يقول لكي يصبح نائبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم

" أن يكون تابعا لشيخ بصير يتسلسل إلى سيد الكونين صلى الله عليه وسلم...ومثل هذا الشيخ نور من أنوار النبي صلى الله عليه وسلم يصلح للاقتداء به،ولكن وجوده ناذر أعز من الكبريت الأحمر! وإن ساعدت السعادة فوجدت شيخا كما ذكرنا؛لا تفارقه،وكن خادما له باليد والمال والجاه و احفظ قلبه وأوقاته وسيرته لقوله تعالى:"وكونوا مع الصادقين"ولما ورد في الحديث "كن مع الله وإن لم تكن مع الله فكن مع من كان مع الله فإنه يوصلك إلى الله إن كنت معه"وفي حديث آخر"الشيخ في قومه كالنبي في أمته "كذا في عوارف المعارف وفي روح البيان ....انتهى "(خزينة الأسرار الكبرى جليلة الأذكار.. محمد حقي النازلي..دار الكتاب العربي بيروت ص227). 

نظرا لصغر سني وضعف استيعابي للموضوع فقد فهمت لأول وهلة أن الشيخ هنا عبارة عن رجل كبير السن عليه سمات التقوى من خلال مواظبته على الصلاة في المسجد مثلا،أذكر أني ذهبت حينذاك أبحث- في تردد واستبعاد-عن شيخ طاعن في السن من هذا الصنف أريد مجالسته ومحادثته. 

غير أني عدلت عن هذا الفهم سريعا وبداهة،في حين استمر نزوعي مع ذلك نحو ممارسة التصوف بأي وجه كان وبأبعاده الروحية المتوقعة وتجلياته العرفانية والمتمركزة عند عشق وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحد التطلع إلى رؤيته إما مناما أو مشاهدة. 

بحيث قد وجدت في نفس الكتاب بعض الأذكار والسور التي توصف بالعدد المحدد والكيفية الخاصة وأن من قرأها ونام على شقه الأيمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة . 

هرعت عند هذا مباشرة إلى التطبيق وترقب النتيجة،لكنه لم يتحقق لي المراد في حينه،وذلك لأنني أخذت الوصفة من غير متصل فكيف يتم ذلك؟! 

فما كان إلا أن حقق الله تعالى هذا المراد في فترة موالية بعد ما عثرت على رمز الاتصال في زمانه،ألا و هو شيخي وأستاذي ومرشدي سيدي حمزة بن العباس القادري بودشيش رضي الله عنه. 

إن هذا النزوع الروحي بكل تطلعاته وحمولاته على هذا الشكل المكثف وبفهم ضيق للتصوف وقواعده كذلك، موازاة مع سعي ذاتي إلى تحصيل الاطمئنان عاريا عن أية مساعدة خارجية أو تحليل للحالة النفسية التي كنت أعيشها لن يعمر طويلا،بل سيعرف فتورا وتقلبا،وأيضا نزوحا نحو الاندماج الاجتماعي بكل تفاعلاته وتصادماته وتناقضاته،وسيتحول الانعزال إلى الظهور بمظهر الانفتاح و اللامبالاة وكذلك بمظهر العنفوان والعنف معا . 

إذ العنفوان سيتجلى في كثرة الحركة وممارسة الرياضة البدنية من لعب كرة القدم التي غالبا ما كانت تنتهي في الأحياء بالمشاجرة وتبادل السباب واللكمات أحيانا. 

ثم سيغلب علي في ظل هذه الأجواء الميل إلى ممارسة الفنون القتالية كالكاراتيه وغيره، وحتى رياضة الجمباز كنت قد شرعت في مزاولتها بصورة منتظمة لفترة ما،إضافة إلى ما صار يبدو علي من ميل إلى الغناء الذي كان يغلب عليه الطابع الشرقي تقليدا جيدا كما كان يعترف به بعض الأصدقاء ! 

بالتالي سيتلون أسلوبي في المحادثة بلون النكتة والحكايات الناذرة،لغاية أن بعض الأصدقاء اقترح علي المشاركة في تقديم عروض مسرحية نظرا لجهورية صوتي وإيقاعاته الموسيقية ،وتمتعي بروح النكتة التي ستساعدني فيما بعد في إنجاح مهمتي التدريسية كعنصر بيداغوجي وتربوي يحقق التواصل والإيصال بشكل مريح. 

لكن كل هذه الأشياء لم تعمر طويلا في حياتي لأنني كنت أعاني من ظاهرة الملل النفسي! 

فلا أكاد أكمل شهرا في تعلم فن من الفنون حتى ألفظه وأغير المسار، ومن ثم فلم أصل إلى إتقان أي فن من الفنون أو أبرز فيه بشكل منضبط ومطرد. 

بحيث كان الملل يأخذني أخذا حيث اتجهت،ولا يشفي غليلي شيء مما أسعى إلى تحقيقه؛ وذلك لأنني كنت عَطِشا أبحث عن الماء الزلال الذي لا أظمأ بعده أبدا والرياضة الرشيقة التي تطير بصاحبها إلى ما فوق السحاب وتتطلع إلى كشف الحجاب. 

إذ أن تغيير هذا السلوك الذي سأعتبره من أهم كرامات الطريقة القادرية البودشيشية علي،وذلك لاجتذابي نحو الاستمرارية والالتزام المتواصل والمنضبط على فترة طويلة وبدون ملل أو قل إلى فترة العمر وما بعده إن شاء الله تعالى! 

كما أعتبر هذا التغيير في نظري عنوانا على أن الفيض الذي نشرب منه من صنف الماء الزلال،الراوي لظمأ الحيارى والعطشى والمغذ ي لجذور الروح والقلب من عمق الأعماق... 

د. محمد بنعيش


أعجب لجمال له الجلال وفاء

أعجب لجمال له الجلال وفاء

أعجب لجمال له الجلال وفاء

من أفاض الله عليه من صفاته الجميل فتح له جمال المعاني، وحلاوة الإيمان، وحسن خلقه، وزادت هيبته واستغرق في بحر جماله، فلا يرضى العبد بقبيح الفعال وسوء الخصال؛ لئلا يخرج من حضرة الجمال ويكون ذاكيا حتى يأنف بطبعه وذكاء ذوقه كل قبيح، ولا يرضى أن يتدنَّس بحرام قط، او بريح الخلق الذميم ،ومتى أنس بالجمال الإلهي استوحش من الخلق، وعاف شهوات الدنيا ونعم الآخرة، لا يتلذذ إلاّ بشهود الحق سبحانه وتعالى، ولذلك كانت أجلّ نعمة من الله لأحبابه في الآخرة رؤية ذاته عزّ وجلّ،  وعلى ذكر الجمال والجلال لا يدخل هذه الحضرة إلاّ من فنى عن نفسه فناءاً تامًّا تنقطع عن العبد إحساسات وجوده إذا جرّدها إلى ربّه، فلا يحس إلاّ بوجود الله فتحصل له حلاوة من الجلال والجمال يغيب فيها دون أن يدري، ولا يوقظه منها إلاّ الله سبحانه وتعالى. وقد يقبض بعض القوم وهم في هذه الحال وهم لا يشعرون. وإذا صحا أحد من هذه الغيبة أدرك أنه أعطي فتحاً وعلماً وأسراراً لم يتعلمها من قبل إنما أودعها الله في قلبه في أثناء غيبته عن نفسه.

ولأُُقَرِّبَ هذا من العقل أقول : إني تعرّضتُ لعمليات جراحية خطيرة وكنت إذا تقدمت إلى العملية أذكر الله بقلبي حتى أغيب متمنياً أني إذا قبضت أقبض في حال الغيبة.

وإذا ما أعطيت البنج زدت غيبة ولم أحس إلا أنني في سكون وهدوء وراحة ليس بعدها راحة في الدنيا والآخرة، وأتمنى أن تطول ساعات الغيبة لأتمتع بالراحة والأمن في حضرة الحق، فإذا صحوت تكدَّرتُ كثيراً فلا راحة إلا مع الله وبين يدي الله واستحضار الله عز وجل استحضاراً يمنع أي خاطر يمر بالبال أو إحساس الإنسان بنفسه.

أرجو الله سبحانه وتعالى أن يذيقنا حلاوة شهود وصدق محبته وعدم الغفلة في حضرته ومنتهى رضاه.

شرح أسماء الله الحسنى
      القشيري
شرح حكَم الشيخ الأكبر : الشيخ من أزال عنك كل حجبك

شرح حكَم الشيخ الأكبر : الشيخ من أزال عنك كل حجبك

شرح حكَم الشيخ الأكبر : الشيخ من أزال عنك كل حجبك

شيخك أيها السالك الطالب للسلوك والمرشد المسلك لك في الطريق إلى الحق تعالى هو الذي أزال عنك ويرفع لك ما يحجُبكَ عن الله والوصول إليه والاشتغال به، وهذه الإزالة لا تكون إلا بالله؛ لأنه لا يوصل إلى الله إلاَّ الله لكن الشيخ لمَّا كانَ بالله يوصل المريد إلى الله بإذن الله من الله، فعطف (الشيخ) رضي الله عنه على الجملة المذكورة قوله : (واستأذن الحق لقربك) عطف السبب على المسبب فإن استئذان الحق سبب لإزالة المحجب عن المريد، وفيه أن السبب هو إذن الحق للشيخ بالإيصال للمريد لا استئذان الشيخ من الحق لإيصال المريد، وأجيب بأن الاستئذان سبب الإذن وسبب السبب سبب، فالشيخ المسلك للمريد يزيل الحجب عنه ويرفع الغطاء عن بصره وبصيرته بسبب أنه يستأذن من الحق تعالى؛ لأن يقربه إليه تعالى برفع الحجب والأستار، فالحق تعالى يأذن للشيخ في قربه إليه تعالى، وإذْن الحق في قرب المريد إذْن للشيخ في إزالة الحجب عن المريد، وكذا استئذان الشيخ الحق لقرب المريد استئذان الحق لرفع الحجب عنه فلا إشكال، فحاصل الكلام أن الموصل لا يكون إلا الحق أو من يكون بالحق، فالشيخ يجب أن يكون بالحق، فالشيخ يجب أن يكون بالحق قائمًا به متحققا بمقام كنت سمعه وبصره حتى يمكن منه الإيصال إذ لو كان بنفسه فلا يمكن منه ذلك، فثبت بهذا أن السالك بالله واجد له تعالى، والسالك بنفسه فاقد له، ولا يجده.

وبه يجمع بين قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (مَنْ طَلبَ الله وجدَه)، وبين قول أبي يزيد البسطامي قدس سره : (السالك مردود، والطريق مسدود).

فإن السلوك والطلب بمعنى واحد، فصار مآل قول الرسول صلى الله عليه وسلم : إلى أن الطالب واجد لله.

ومآل قول أبي يزيد : إلى أن الطالب غير واجد له، وهما متناقضان ظاهر لكن المراد في الأول الطلب بالله، وفي الثاني الطلب بالنفس فلا تناقض؛ لأن شرطه اتفاق القضيتين في الوحدات الثمانية وهنا ليس كذلك فتأمل.

شرح حكم الشيخ الأكبر
ملا حسن الكردي الباني
التــبـــيّـــــن أو التجربة الصوفية

التــبـــيّـــــن أو التجربة الصوفية

التــبـــيّـــــن أو التجربة الصوفية

التبيّن الصوفي للعالم

لقد كان استشفاف ما وراء العالم المادي من النوازع الملازمة للتصوف، بل هي مصاحبة للتفكير الإنساني عامة، لكن الصوفي أكثر من غيره تطمح روحه إلى اختراق هذا العالم باعتباره ظلمة كثيفة تحجب البصائر عن درك الحقائق، هذه البصائر التي جُعلت في الإنسان قوة بإمكانها أن تتجاوز عالم الملك الذي هو مجال القوى الحاسة فقط، لتدرك ما وراء هذا العالم من غيوب، ولو أن تشوف الصوفية إلى العيوب النفسية (الباطنية) خير عندهم من التطلع إلى الغيوب الكونية .

وقد تقدم لنا أن بيان الإنسان يتحقق عن طريق وظيفتين أساسيتين تستندان إلى أهم قوتين من قواه الطبيعية، وهما وظيفة التبيّن ووظيفة التبيان، ولما كان الإنسان في اعتبار الصوفية ظاهرة مناظرة لظاهرتي العالم والقرآن، فإن وظيفة التبين الإنساني لابد أن تشتغل بما يناسب تلقيها من الظاهرتين المناظرتين له، وللصوفية في تبين هاتين الظاهرتين مسلك خاص سنحاول توضيحه.

إن جمع الإنسان للأبعاد الذاتية الثلاثة، (البعد النفسي والبعد القلبي والبعد الروحي) من جهة، ومناسبة تلك الأبعاد للمراتب الوجودية الثلاث (عالم الملك وعالم الملكوت وعالم الجبروت) من جهة ثانية لم يكن في رؤية الصوفية إلا بهدف تحقيق الغاية من الخلق، وذلك بجعل معرفة الإنسان تلك العوالم أمراً ممكن الحصول عن طريق الوسائط السببية المناسبة لمسبباتها، فتحقق الإنسان بمعرفة كل مرتبة وجودية يحصل في لحظة تحققه الذاتي بالبعد المناسب لتلك المرتبة، بل إنه تحقق معرفي واحد ينطلق من الذات ويعود إليها، فبتحقق الإنسان ببعده النفسي يتم إدراكه لعالم الملك، لأن الإنسان نسخة مصغرة لهذا العالم، وبتحققه ببعده القلبي يعقل عالم الملكوت لأن الإنسان برنامج العالم الجامع لفوائده، كما أنه بتحققه بالبعد الإلهي المتجلي في الوجودات كلها قد يتاح له شهود عالم الجبروت، بمعنى أن تلك الأبعاد الذاتية للإنسان ليست أدوات مستقلة عن العالم الموضوعي أو ينحصر دورها في أنها وسائل لعمليات الإدراك الخارجي، ولكن معرفة تلك العوالم والوجودات مطوية في فطرة الإنسان بكيفية مسبقة بفضل التعليم الإلهي لآدم عليه السلام، وبذلك صار مجمع حقائق الأسماء التي قامت بها جميع العوالم، ولولا ذلك ما أمكن للإنسان أن يدرك شيئاً ولا أن يعرفه.

فمعرفة الإنسان إذن ليست ناتجة فقط عن التناسب الحاصل بين أبعاده الذاتية ومراتب الوجود تناسباً يتولد عنه استعداد للمعرفة بعد الجهل، ولكن تلك المعرفة كامنة في تكوينه أصلا، ثم إنه في حياته على الأرض يستحضرها بواسطة أسباب غالباً ما تكون ظاهرة التسلسل الحسي أو الذهني (مع غموض عمليات الإدراك والتعلم) فحقيقة المعرفة (التبّين) الإنسانية، في رؤية الصوفية، هي إعداد إلهي يتمثل في الهداية والتوفيق لما كان مقدوراً لذلك الإنسان أن يعرفه في حياته، وناتجة في ظاهر الأمر عن الأسباب التي يركبها. وقد انطلق الصوفية في هذا الفهم من الآيات القرآنية التي تفيد بأن الله هو مصدر العلم الإنساني مثل قوله تعالى:﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ (البقرة 30) و﴿وخلق الانسان علمه البيان﴾ (الرحمن 2) و﴿وعلم الانسان ما لم يعلم﴾ (العلق 5) وغيرها ، وهو تصور لايختلف فيه علماء الإسلام، وأهل السنة منهم خصوصاً؛ ولئن اختلف بعض المفسرين في المقصود من "الأسماء" في الآية السالفة، فجميعهم متفق على أن أصل كل علم هو الله، وأن وظيفة الإنسان أن يكسبه كأي شيء مخلوق، بل إن الإيمان والهدى والمعرفة عطاء من الله وإشهاد لبني آدم على أنفسهم قبل وجودهم على الأرض، وما دور الرسل إلا التذكير بتلك المعرفة المبثوثة في فطرة الإنسان﴿فذكر إنما أنت مذكر ﴾ (الغاشية 21).

وعندما اعتمد الصوفية تقسيم الوجود إلى ثلاث مراتب: وهي الملك، والملكوت والجبروت (أو الحقائق الإلهية التي لم تدخل عالم التكوين)، فإنهم لم يقصدوا بهذا التقسيم إلى أن هناك ثلاثة أنواع متمايزة من الموجودات، ولكنهم اعتبروا أن محل تلك الموجودات واحد وأن التراتب فيها ليس إلا من حيث أصلية المرتبة أو فرعيتها، فالأمر عندهم اعتباري، تختلف التسمية باختلاف الرؤية كما تختلف الرؤية باختلاف الترقي في المعرفة؛ فالعالم الداخل في التكوين عالم ملك ظاهر بالنسبة لمن بقي مفرقاً فيه بين الموجودات، منحجباً بها عن موجدها، وهذا العالم نفسه عالم ملكوت باطن بالنسبة لمن بلغ "مقام الجمع" فيه وشهد النور الفائض من الجبروت، ولكن من غير أن يضمه إلى أن أصله، أما من تحقق بأصل النور، فلا يبقى العالم في حقه إلا تجلياً لأنوار الجبروت . فالموضوع واحد ولكن طبقاته متعددة، ويتفاوت إدراك تلك الطبقات بتفاوت قوة المدركين، كما تتفاوت أبصار العيون في تبين شيء بعيد خلف ستر رقيق، بل إن أنوار عالم الملكوت ليست إلا أنوار القلوب المشاهدة لها، كما أن عالم الجبروت ليس غير انوار الأرواح الحاضرة فيها؛ فما سوى الحق، عند العارفين، خيال وهمي لاحقيقة لوجوده في العالم الخارجي، بمعنى أن الصوفي الواصل يعرف حقائق هذه العوالم من خلال معرفته بذاته، حينما تفيض الأنوار الإلهية من روحه على قلبه، باعتبار أن الإنسان مجلى ومجمع تلك الحقائق في سابق علم الله بالإنسان وتعليمه إياه بعد إيجاده، كما تقدم القول.

لذلك فإن الصوفية المسلمين يضعون أنفسهم داخل رؤيتهم الوجودية الخاصة، فيغدو لعالم الغيب حضور واقعي دائم في شعورهم، بحيث إن تعاملهم معه في كل مدارج سلوكهم مزامن لتعاملهم مع عالم الشهادة باعتبارهما وجهين يدلان على حقيقة واحدة مناظرة لحقائق الانسان، وما على الصوفي إلا أن يفك رموز الظاهر للوصول إلى الباطن متوسلاً بالتجربة الروحية المترواحة بين ظاهر الصوفي وباطنه؛ فالأكوان الظاهرة (عالم الشهادة) عنده علامات تشير إلى حقائق باطنة فيها (أو فيه)، وعليه أن يعمل على تطهير باطنه عبر تجربة شعورية تمكنه من أن يتلقى معاني تلك الإشارات ويفهمها ويؤولها، سواء صرح بهذا التأويل أم لم يصرح ؛ وكلما استغرق عالم الغيب شعور الصوفي ضعفت قيمة عالم الشهادة عنده وتأثيره فيه، إلى أن يندرج هذا العالم في عالم معنوي واحد، ذلك أن روح الصوفي العارف تغــّيب هذا العالم وتتغرب عنه إذ تتحقق بالحضور الإلهي الذي يصير كل موجود مستمداً وجوده من هذا الحضور، فلا يبقى للعالم من وجود أو معنى إلا مايكون به إشارة إلى الموحد أو ما يتعلق بمراحل السلوك الأخلاقي للمتصوف القاصد إلى كمال العرفان.

ولما كان مقصد الصوفي أن يصل إلى معرفة خالق الأكوان، وكانت هذه الأكوان المحسوسة (عالم الملك) شاغلة لقواه الإدراكية في البداية، فإن على الصوفي أن يحد من ذلك الاشتغال وأن يشحذ القوى الداخلية (البعد الروحي) بتوجيهها إلى مكّون الأكوان عن طريق الأعمال التعبدية حتى تنقدح في باطنه الأنوار التي بها يدرك حقائق المكونــّات، وهذه الرحلة من الكون إلى المكون، وهي رحلة معنوية يقوم بها الصوفي عبر ذاته، تتطلب مقاساة أعمال تخلص ظاهره من العادات، ومعاناة أحوال تجرد باطنه من التعلقات، فعلى الصوفي أثناء هذه الرحلة أن ينظر في "المكونات" وهو يستند قول الله تعالى:﴿ انظروا ماذا في السموات والأرض﴾ (يونس 151) ولم يقل: انظروا السموات والأرض ؛ ولما كانت آيات من القرآن متعددة تأمر بالسير في الأرض والنظر في المبادئ والعواقب، فإن الصوفية اجتهدوا في أن تعتبر قلوبهم بباطن الأكوان، وأن لا تغتر نفوسهم بظواهرها  ؛ولايتم للصوفي السير في هذا الاتجاه إلا بالعناية الإلهية التي تعينه على الحد من التعلقات النفسية، والإقبال بإخلاص الكلية على البارئ تعالى في جميع الأوقات دون توقف ولا فتور في الهمة أو توزع في التوجه، حتى تتم له المناسبة بين بعده الروحي وبين الغيب الإلهي، الذي هو «حضرة القدس وينبوع الوجود» ،فتنعكس على صفحة ذلك البعد أنواع العلوم والمعارف التي تتنوع وتختلف باختلاف تجليات الأسماء على الموجودات.

وحينما يحصل للصوفي شهود المكون في نهاية سفره، لا يبقى له شأن مع الأكوان الحسية ولا المعنوية أيضاً،« فلربما وقفت القلوب مع الأنوار [الملكوتية] كما حجبت النفوس بكثائف الأغيار» (المُلكية)، بل تغدو الأكوان عنده ظلمة لا ينيرها إلا ظهور الحق فيها بحيث لا يراها إلا به وبعده، بعد أن كان يراها قبله حين كان يعوزه وجود الأنوار،إذ كان يستدل على المؤثر بالآثار مثل عامة النظار، ولكن بعد حصول العرفان ينعكس الاستدلال المعروف بالمخلوق على الخالق فيصبح الخالق هو الدليل على كل ماسواه عند العارف الذي يتساءل عند الوجد بعد الفقد: «متى غاب حتى يُستدل عليه؟ ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟». إن الاستدلال بالمخلوق على الخالق عند الصوفي لا يوصل إلى المعرفة الحق، إنه استدلال لا يدل إلا على عدم الوصول إلى العلم بالله يقيناً؛ فكيف يدل عليه شيء وهو الذي أظهر كل دليل؟ بل إن الأكوان لا تثبت إلا بإثباته، وهي مضمحلة بظهور صفاته، كما هي ممحوة بأحدية ذاته، فر غرو أن يصيح العارف بالله منتشياً من فيض وجوده، «شتان بين من يستدل به وبين من يستدل عليه» .

وبعد أن يثبت الصوفي الأكوان بالمكون، لا يبقى له إلا أن ينظر في أحكامه فيها وحكمه، ويؤدي حقوق الخالق عليه فيها، ويتأدب بأوصافه تعالى وأفعاله مع المخلوقات لعلمه أن علم تلك الأوصاف والأفعال وهب إلهي يلزمه الشكر عليه للاستزاده منه، وهي عملية جدلية تصحب الصوفي إلى منتهى أمره.

ولم يكن قصد الصوفية من سلوكهم معرفة حقائق الأكوان وأسرارها، ولكن مجاهداتهم كانت دوماً من أجل الحصول على رضا الله والاطمئنان إليه، وقد علموا أن ذلك لايتم إلا بمزيد التقرب إليه، وأثناء هذا التقرب يجدون مزيد يقين، فيزيدهم معرفة يزدادون بها مجاهدة وتأدباً. وأثناء السير تهب على قلوبهم معارف تتعلق أحياناً بظاهر الأكوان (عالم الملك) وأحياناً بباطنها (عالم الملكوت)، وقد ضمنها بعضهم كتبه أو خصها بتأليف مستقل، بحيث إننا نجد في بعضها وصفاً دقيقاً للعوالم التي هي خارج المجموعة الشمسية ولأصل هذه المجموعة، (بما يتفق مع نظرية الكتلة الواحدة)، وبدء تكوين أجرامها ومخلوقاتها وموقع الأرض منها وقوانينها الطبيعية من حركة وكسوف وخسوف وأمطار، إلى غير ذلك من المشاهدات التي يُستشهد لها أحياناً بنصوص النقل من قرآن وأثر، وأحياناً أخرى بأدلة العقل والخيال والاحتمال والجدل، وقد يرفق ذلك برسوم لأشكال الموجودات الكونية ومكوناتها ؛ ومما يستغرب له أن كثيراً من المعلومات والمصوّرات تضارع ما اكتشفه العلم الحديث مؤخراً.

غير أن الصوفية في معراجهم الروحي اعتبروا أن انكشاف هذه المعلومات الكونية، الظاهرة منها والباطنة، من قبيل المواهب والأفضال الإلهية للتثبيت والتشجيع على المسير، وأنها غير مقصودة لذاتها، وقد تكون في ذات الوقت اختباراً للسالك ومزلقاً من مزالق الطريق حينما يعتد بها ويقف عندها معتقداً أنها المرحلة النهائية المقصودة، فتنقلب فتنة قاطعة عن السلوك، ويعبر ابن عطاء الله عن ذلك بقوله: «ربما وقفت القلوب مع الأنوار، كما حجبت النفوس بكثائف الأغيار» ، وقد يصلح لتصوير خطر هذه المفاوز على المتصوف ما وقع للشيخ أحمد بن عليوة مثلاً مع الواردات الكونية التي كانت تهجم على قلبه وتلاحق أفكاره، إذ تخوف منها وأخذ يحاول إبعادها وعدم الاعتماد على مقتضاها، وعندما استحكمت من فؤاده علم أنه مقصرواعتقد أنه أصبح أسير تلك المعارف، فشكا الأمر أخيراً إلى شيخه الذي أشار عليه بأن يكتبها ليتخلص منها . لذلك نجد الصوفية يحذرون المريدين من التوقف في تلك المراحل مذكرين بقول الله:﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ (النجم 42)،كما يحذرون من الاكتفاء بمثل تلك الكرامات والاغترار بها « فربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة» كما قال الإسكندري ، فالاستقامة عندهم خير من ألف كرامة، كما أن التشوف إلى العيوب النفسية خير من التطلع إلى الغيوب الكونية، كما أشرنا سابقاً.

الثلاثاء، 15 يناير 2019

التيسير في التفسير (12)

التيسير في التفسير (12)

التيسير في التفسير (12)

الكلام في كون الكلام معجزة للنبي عليه السلام

المعجزة : خصلةٌ تدلُّ على صدقِ من ظهرت على يده في دعوى الرسالة يَستدلُّ بها المستدِلُّ على أنه صادقٌ في دعواه. والمعجز في الحقيقة هو الله سبحانه لأنه فاعل العجزِ إلا أنه يقال لهذه الخصلة التي يظهر عند وجودها عجزٌ من تحدّي بالاتيان بمثلها معجزةً مجازاً.

ومن شرائط المعجزة أن تكون خصلة ناقضة للعادة خارجة عن طوق البشر توجد في زمان التكليف مع اقتران التحدي بها في دعوى النبوة على جهة الابتداء.

فإذا اجتمعت هذه الخصال فيها فهي معجزة دالة على صدق من ظهرتْ على يده فيمن تتضمّن دعواه، ومعجزات نبينا صلى الله عليه وسلم كثيرة. والاعتماد على القرآن فإنه المعجزة التي يُقطَع بصحَّتها ويوجب بانفراده العلم بصحة الرسول صلى الله عليه وسلم.، وصدقه في دعوى الرسالة، وما عدا القرآنِ فإنه يوجب التَّأنيسَ ولا توجب شيئاً بانفرادها لنا العلمَ، وإن كان فيها ما يوجب العلم الكسبيّ أيضا مما طريقُهُ الاستضافةُ، كما رُويَ أنه أشبع الخلق الكثير من الطعام اليسير وانه ينبعُ الماء من بين أصابعه وحنينُ الجذع وغير ذلك.

وقيل إن مجموع هذه الأشياء أخبارٌ توجب العلم بصدقه، وإن كان كل واحد منها بانفراده لا يوجب العلم كما نعلم أن حاتماً جوادٌ بما نقل إلينا من أخباره ثم كل واحد مما نُقلَ إلينا من أخباره لا يوجب العلم ومجموعه يوجب العلم حتى أنه لا يشكُّ من سمع الأخبار أنّ حاتماً كان سخياًّ.

ووجه الإعجاز في القرآن أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أتى بهذه القراءة على طريق الاستئناف لا على الحكاية والتلقُّف عن أحد من الخلق فتحدّاهم عليه السلام أن يأتوا بمثله على غاية الفصاحة في النظم والإعجاز مرتفعا عن حدّ الرَّكاكَةِ والرَّذالة منحطًّا عن رتبة...(*) خارجاً عن حدّ التكليف تحدّاهم بمثله فعجزوا عن ذلك.

ثم رجع إلى أن يأتوا بعشر سوَرٍ مثله فعجزوا ثم رجع إلى سورة واحدة فعجزوا، بدليل أنهم عدلوا عن مجاراته إلى محاربته، ولم يأتوا بما طالبهم به من شدّة حرصهم على تكذيبه وفرط تقصّيهم وحميتهم فدلَّ ذلك على صدقه وعجزهم ولو عُرض النبي صلى الله عليه وسلم فيما أتى به لنقل أعداؤه مع كثرتهم ولم يبق على مرّ الزمان كما نُقِلَ ما عورض به مما يوجب العلم بسخافة قائله وقلة تحصيله كما قالوا : قد أفلح من هينمَ في صلاته واطعم المسكين من مخلاته وأخرج الزكاة من إبله وشاته، وكقول مسيلمة :

والزارعات زرعاً والحاصدات والطاحنات طحناً والخابزات خبزا فالثاردات ثرداً يا ضِفدَع بنت ضفضع إلى كم تنقّين لا الماء تكدرين ولا الشُّرب تمنعين. فهذا وأشباهه يدل على قلة تحصيل قائله.

واعلم أنّ قراءة النبي صلى الله عليه وسلم هي المعجزة فأمّا عين كلام الله سبحانه فلا يقال له معجزة ولا دلالة. وقد ذكر بعض المحققين أنّ عين الكلام معجزة حكاه الإمام ابن فُورَك رحمه الله عن القاضي أبي بكر الأشعري أنه ذكرهُ في كتاب الانتصار ثم قال : إنه لا يصحُّ ذلك لأن عين كلامه قديمٌ، والقديمُ لا يختصُّ به أحدٌ دون أحدِ، ولا يجوز أنْ يكون عينُ كلامه دِلالة لأنّ الدلالة تكون بالمواضعة والاصطلاح او التوقيف أو الفعل كدلالة الفعل على الفاعل وصفاته وهذه المعاني في كلام الله سبحانه معدومة.

واختلفوا في أقلِّ ما هو معجز فمن النّاس من قال جميع القرآن معجزة واحدة لأن التحدي حصل بجميعه في قوله : {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ} الآية [الإسراء : 88]. ومنهم من قال أقل ما هو معجزةٌ عشر سور طوال وقال شيخنا أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه : أقل ما هو معجزة سورة سواء كانت قصيرة أو طويلة وأقصر السور سورة الكوثر وفيه معجزتان للنبي صلّى الله عليه وسلّم إحداهما : من طريق الخبر حيث قال : {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر :3] فمات العاصِ بن وائل أبترَ.

والثاني : أن هذه السورة مع قصرها اجتمع فيها جزالة اللفظ ورصانة المعنى والإنباء عن جملة العبادة بقوله : {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}.

وأمّا وجه الإعذاز في القرآن فقد اختلفوا فيه فقال بعضهم : إنَّ جنسه كان مقدوراً لهم، ولكنّ الله صرف دواعيهم عن الإتيان بمثله وكان صرف دواعيهم عن ذلك معجزةً، وهذا كما يقول الرجل علامة صدقي ان أقوم الساعة وأنتم قادرون متمكّنون من القيام فلا يستطيع أحد منكم أن يقوم فإذا قام هو، وعجِزوا دلّ على صدقه قالوا : ولو أنهم قدروا بعد دعواه على القيام كان ذلك أدل على صدقه فكذلك لا ينكر ان يؤتى بمثل القرآن بعد الرسول فلا يدلُّ على فساد القرآن بل يدل ذلك على صدقه لأنهم كانوا عاجزين في وقت التّحدّي وهذا باطلٌ لأنه لو كان الأمر على ما قالوه لكان ذلك بأركِّ كلامٍ وأوضعِ عبارةٍ لأن العجز عن مثل ذلك أبينُ وأدلّ على صحة التحدّي به إن كان على ما قالوه وبعض النّاس قال الإعجاز لم يتعلق بنظم القرآن وإنما تعلَّقَ بما أودع فيه من الإخبار عن الغائبات والصحيح من القول أن الإعجاز في القرآن من أربعة أوجه : 

أحدهما : النَّظمُ البارع.
والثاني : إخباره عن القرون الماضية والأيام السالفة من غير أنْ عُلِّم عليه السلام برواية الأحاديث وقراءة الكتب وتعلُّم السير.
والثالث : إخباره عما يكون في المستقبل فكان الوجهُ الذي قاله قطعا.
والرابع : أن العادة جَرَتْ بأنَّ الكلام الواحد إذا تكرر على الأسماع مجّته الآذان، وملَّته القلوب، والقرآن يزداد بكثرة تكرُّره على الأسماع طلاوة في النفوس وحلاوة في القلوب حتى أقر بذلك الجاحد والملحد.

الهوامش
(*) وقع هنا في النسخة (ل) : كلمتان غير واضحتان