آخر المشاركات

الثلاثاء، 18 ديسمبر 2018

في أدب السائر في سيره إلى حضرة ربه

في أدب السائر في سيره إلى حضرة ربه


في أدب السائر في سيره إلى حضرة ربه

عنوان المخطوطة : رسالة في التصوف
المؤلف : غير محدث

بسم الله الرحمن الرحيم 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وصحبه اجمعين.

القرآن نزل وتنزّل، فالنزول قد مضى والتنزل باق إلى يوم القيامة، فإن الحق تعالى مستبد الوجود والوجود مستمد والمادة من عين الوجود، فلو انقطعت المادة لانهدم الوجود، لا يصلح سماع هذا العلم إلا لمن حصلت له أربعة : الزهد والعلم والتوكل واليقين، الحق تعالى مطلع على السرائر والظواهر في كل نَفَسٍ وحال فأيُّما قلب رآه مؤثرا له حفظه من طوارق المحن ومضلات الفتن، فإن الحق تعالى يجري على ألسنة علماء كل زمان بما يليق بأهله، إذا ظهر الحق لم يبق معه غيره. من تحقق بالعبودية نظر أعماله بعين الرياء وأحواله بعين الدعوى وأقواله بعين الافتراء، فإن عمرك نَفَسٌ واحدٌ فاجتهد أن يكون لك لا عليك، فإن من اشتغل بطلب الدنيا ابتلي بالذل فيها، لا تعمى عن نقصان نفسك فتطغى، من تزيّن بزائل فهو مغرور، فالحميةُ في الأبدان ترك المخالفة بالجوارح والحميةُ في القلوب ترك الركون إلى الأغيار والحمية في النفوس ترك الدعوى، فإن أنفع العلوم العلم بأحكام العبيد وأرفع العلوم معرفة التوحيد، جعل الله قلوب أهل الدنيا محل للغفلة والوسواس وقلوب العارفين مكانا للذكر والاستناس، فإن الخوف يسوقُ ويعوقُ يسوقُ إلى الطاعة ويعوقُ عن المعصية، لا ينفع مع الكبرِ عمل ولا يضرُّ مع التواضع بطالة، إن أقامك ثبتت وإن قمت بنفسك سقطت، اللهم فهمنا عنك فإنا لا نفهم عنك إلا بك، فليس من ألبس ذلّ العجز كمن ألبس عز الاقتدار، فإن من طلب لنفسه حالاً أو مقاماً فهو بعيد عن طرقات المعاملة، فالسعيد من يإس من الفرح إلا من عند مولاه، فإن أفضل الطاعات عمارة الوقت بالمراقبات، فالفتوة أن لا تشتغل بالخلق عن الحق، الفتوة رؤية محاسن العبيد والغيبة عن مساوئهم، فإن من أخلص لله في معاملته تخلص من الدعوى الكاذبة، فإن أهل الصدق قليل في أهل الصلاح، فالفقر نور ما دمت تستره فإذا أظهرته تذهب نوره ، الجمع ما أسقط تفرقتك ومحى إشارتك والجمع استغراق أوصافك وتلاشي نعوتك، فإن المدّعي من أشار إلى نفسه، إنما حرموا الوصول لترك الاقتداء بالدليل وسلوكهم الهوى، فالتوكل وثوقُك بالمضمون واستبدال الحركة بالسكون، وانصف الناس من نفسك واقبل النصيحة ممن دونك تدرك بشرف المنازل، من لم يجد في قلبه زاجراً فهو خراب، فتوكل على الله حتى يكون الغالب على ذكرك فإن الخلق لم يغنوا عنك من الله شيئاً، فبالمُحاسبة يصل العبد إلى درجة المراقبة، فقد الأسف والبكاء في مقام السلوك عَلم من أعلام الخدلان، إذا سلى القلب عن الشهوات فهو معافاً، من لم يستعن بالله على نفسه صرعته، من لم يقم بآداب أهل البدايات كيف يستقيم له دعوى أهل النهايات، اطرح الدنيا على من أقبل عليها وأقبل على مولاك، من تفرغ من أشغاله أقامه الحق في خدمته، شتان بين من همته الحور والقصور وبين من همته رَفع الستور، فإن العبد من انقطعت آماله إلا من عند مولاه ، المحفوظون على طبقات محفوظ عن الشرك والكفر بالهداية، ومحفوظ عن الكبائر والصغائر بالعناية، ومحفوظ عن الخطرات والغفلات بالرعاية.

يتبع

الاثنين، 17 ديسمبر 2018

خمرة الحان ورنة الألحان شرح رسالة الشيخ أرسلان (3)

خمرة الحان ورنة الألحان شرح رسالة الشيخ أرسلان (3)

خمرة الحان ورنة الألحان شرح رسالة الشيخ أرسلان (3)


ثم إن الشيخ رضي الله عنه حيث ذكر الداء احتاج أن يذكر الدواء لأنه طبيب الأرواح فهو مثل طبيب الأشباح، فقال ولا يبين أي لا يظهر لك أيها المشرك هذا الشرك الخفي، توحيدك الذي أنت فيه نظير غيرك من جميع العوالم وهذا التوحيد الفطري الروحاني الصحيح المعتبر، فإن جميع بني آدم عارفهم وجاهلهم كلهم موحدون كاملون لأنهم أولاد نبي وأولاد النبي كاملون مثله، ولكن علمهم بأنفسهم وبغيرهم متفاوت، فمنهم من يعرف نفسه وغيره معرفة تامة فهو النبي والكامل، ومنهم من يعرف نفسه وغيره أدنى من ذلك وهو الصديق والولي، ومنهم أدنى من ذلك وهم الصالحون والعلماء، ومنهم من لا يعرف نفسه ولا غيره أبدا وهم الجاهلون الغافلون، وإن زعموا أنهم يعرفون نفوسهم وغيرهم فإن معرفتهم معرفة وهمية لا حقيقية لأنها تابعة لمقتضى قوى حواسهم وعقولهم، لا تابعة لنفوسهم على ما هي عليه، ولغيرهم على ما هو عليه وتكليفهم من الله تعالى على حسب علمهم بأنفسهم وبغيرهم قال تعالى :  (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) وقال أيضا في آية أخرى : إلا وُسعها. إلا إذا خرجت أي انفصلت عنك أي عن ذاتك وصفاتك وأفعالك وأسمائك وأحكامك بحيث تحققت بالتوحيد الذاتي والصفاتي والأفعالي والأسمائي والأحكامي، ورجعت ذاتك إلى ظهور ذاته تعالى لك ظهورا مقيدا غير مانع من الإطلاق بالنسبة إليها، ورجعت صفاتك إلى صفاته، كذلك وأفعالك إلى أفعاله، وأسماؤك إلى أسمائه، وأحكامك إلى أحكامه، فكان هو أنت في حضرة إطلاقه واستغنائه عنك، وأنت لست هو في حضرة تقييدك وافتقارك إليه، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : (فَفِرُّوا إلى الله). وقوله تعالى : (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) وفي الحديث : (موتوا قبل أن تموتوا) فإن قلت الشيخ رضي الله عنه قيّد الخروج بقوله عنك، ولم يذكر الخروج عن بقية الأغيار مع أنه شرط في ذلك أيضا. قلت : الخروج عن الأغيار سابق على الخروج عن النفس بحسب ضرورة الوجدان، كما أن زمان الشباب سابق على زمان الكهولة، فإذا قلت للغلام حتى تصير كهلا، معناه حتى تصير شابا ثم تصير كهلا، وههنا الخروج عن الأغيار رتبة أولى والخروج عن النفس رتبة ثانية، فإذا ذكرت الثانية كانت الأولى مفهومة في ضمنها فلا حاجة إلى ذكرها ،وبيان هذا أن نفس الإنسان محجوبة عنه بالأغيار، فإذا خرج عن الأغيار ارتفع الحجاب عن نفسه فعرف نفسه، فإذا عرفها خرج عنها فعرف ربه، كما سيشير إليه الشيخ رضي الله عنه في آخر الرسالة بأفصح مقالة. ثم لما كان ظهور التوحيد الفطري الذي فيك لك موقوفا على خروجك عنك كما ذكرنا ،كان دوام هذا الظهور لك موقوفا على إخلاصك في هذا الخروج، ولهذا قال رضي الله عنه : (فكلما أخلصت) أي في خروجك عنك بأن خرجت عن هذا الخروج أيضا لأنه عندك إنه منك وإن كان في الحقيقة ليس لك بل أنت وما منك من الله تعالى، قال تعالى : (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ الله). وإليه الإشارة بقوله تعالى : (واسجُدْ واقْتَرِبْ). فالسجود هو لحوق نفسك بأرضها التي خُلقت منها وهي العدم، والاقتراب هو السجود الثاني وهو لحوق هذا اللحوق الذي ظهر لك بالعدم أيضا، يكشف بالبناء للمفعول، أي يكشف الله تعالى بأن يظهر فيك وتجده في نفسك المعدومة، وهذا الانكشاف ليس كانكشاف الأشياء المغطاة قال العفيف التلمساني رضي الله عنه  من أبيات : (جميع خطاب أهل الله معنى، بلا حرف وكشف دون كشف)، أي هو كشف لكنه ليس كما يكشف الغطاء عن الآنية، والستر عن الباب، بل هو أمر إذا ظهر يرى العبد أن ذلك لم يكن متسترا بشيء، وإنما الإدراك كان ضعيفا عن الوصول إليه فقوّاه الحق تعالى فأدرك ما كان ظاهر أنه أي الشأن أو الذي انكشف لك هو أي الله سبحانه وتعالى الموجود وحده فقط بالوجود الخاص به لا أنت، أي لا وجود لك بالكلية ،بل أنت عدم محض، حينئذ وإن كنت عند ذلك على ما كنت عليه قبل ذلك من غير تغيير إلا أن بصيرتك قويت فأدركت ما لم تكن تدرك من قبل، كمن رأى شبحا من بعيد فأمعن النظر فيه فتحقق أنه إنسان، ثم أمعن النظر فيه فتحقق أنه فلان، حتى شرع في تدبير كلمات له يقولها عند اجتماعه به، ثم سار إلى نحوه وأشرف عليه فإذا هو صخر من الحجر، فإن الإنسان الذي كان في بصره قد زال، ولم يكن قبل ذلك مع أنه كان محققا له، فقد فنى الإنسان الذي هو فلان وبطلت العبارات التي دبرها له وظهر الصخر من الحجر الذي لم يكن، وهذا معنى قولهم : (حتى يفنى ما لم يكن ويبقى ما لم يزل) وقال تعالى : (ما زاغ البصر وما طغى). وهذا في نبينا صلى الله عليه وسلم حيث رأى ربه، وقد زاغ بصر غيره فلم يرى ربه حتى يذهب الزيغ والطغيان فتراه المؤمنون في دار الجنان، وإذا انجلى غبار الأغيار يظهر لك نور جميع الأنوار وهو الله الواحد القهار . قال تعالى : (فأَثْرَن بِهِ نَقْعًا). فقد أشار تعالى إلى أن العاديات وهي الروحانيات الموكلة بظهور الجسمانيات أهاجت الغبار وأثارته بينها فكان عالم الأجسام والصور بالقرآن القديم وهو الذكر الحكيم وهو الله الذي لا إله إلا هو العلي العظيم .

صفحة البداية          << السابق            التالى >>

السبت، 15 ديسمبر 2018

الحنين والأنين في حب الله

الحنين والأنين في حب الله

الحنين والأنين في حب الله

ومنها الحنين والأنين، وأن يكون بمراضي محبوبه ضنين، وأن يرى ناره جنة، وحبه من كل سوء جنة، تعذيبه عذب ومنه منّة، ولا يلوي لغيره الأعنة.

الحنين والأنين من صفات العاشقين، وهما ينشآن عن الشوق المستكن في صميم الفؤاد، وهو من صفات الغياب عن الحبيب، فإن من غاب عن حبيبه أو غاب عنه حبيبه اشتاق إليه.

وسبب ذلك اشتغال القلب بالحب واشتغاله به فلا يكتفي بوصل بل يزيده وجداً على وجد: غير أنه بروائح الوصل يحي ويموت بالفقد. والحب لا يكون إلا بين اثنين، محب ومحبوب قبيل المحويين : محو المحب في محبوبه، والمحبوب في محبه، فلهذا كان الحب مقاماً نازلاً بالنسبة لمقامات المعرفة. ولما اقتضى وجودين اثنين أحدهما أنزل والآخر أعلى كان الحنين من النازل للأعلى وإن كانا متلازمين لكن حنين الأعلى تنزّل.

واعلم أن حنين السالك إلى الارتقاء، وحنين المحب إلى اللقاء، وحنين المجذوب إلى البقاء، فترى السالك قد حجب بارتقائه، والمحب بلقائه، والمجذوب مصطلم في بقائه.

ولما كان الهوى محله النفس وهي من أصلها لطيفة ربانية غير أنها لمّا استوطنت هذا الهيكل حكم عليها طبعه وما يقتضيه من الأمور التي تنفعه وتضرها فصارت أسيرة في قيده محكوم عليها كلّما أرادت التخلص عاقتها العوائق، وأثقلها العلائق، حتى تتمكن منها العوائد فيسّر على صاحبها تخليصها من تلك القيود الوثيقة، وإطلاقها من الحبائل المشدة الموجبة تمزيقه، فإذا ذُكرت بإلفها القديم، حنّت لذلك المربّع حنو الفطيم، فكان الحنين من طبعها، فإذا فارقت إلفاً أو حالفت حلفاً لم تزل تحنّ إليه، وتجري من المحاجر عيوناً عليه. ولما طال حبسها في هيكلها الضيّق بالنسبة للمنازل العلائية، والمرابع الاصطفائية، زادها حنينها للعالم الأعلى والموطن الأجلى، حيث الملائكة العلا والرفيق الأعلى. 

تسلية الأحزان وتصلية الأشجان
من آداب الذكر

من آداب الذكر

من آداب الذكر

ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني آداب الذكر في كتابه "الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية" فقال ما خلاصته :

أما بيان آداب الذكر وبيان ثمرة التلقين فاعلم يا أخي أن كل عبادة خلت عن الأدب فهي قليلة الجدوى، وأجمع الأشياخ أن العبد يصل بعبادته إلى حصول الثواب ودخول الجنة، ولا يصل إلى حضرة ربه إلا إن صَحِبَه الأدب في تلك العبادة، ومعلوم أن مقصود القوم القرب من حضرة الله الخاصة ومجالسته فيها من غير حجاب، قال تعالى : من حديث قدسي : (أنا جليس من ذكرني). يعني ذكرني على وجه الأدب والحضور. والمراد بالمجالسة انكشاف للعبد أنه بين يدي ربه عز وجل وهو تعالى يراه، فمتى دام على العبد هذا الشهود فهو جليس الله تعالى، فإن غاب عن ذلك المشهد خرج من حضرته. فافهم.

فليس المراد بحضرة الحق مكانا مخصوصا في الأرض والسماء كما قد يتوهم، فلا يزال العبد يكثر من الذكر باللفظ حتى يصير الحق تعالى مشهوده، وهناك صح الفتح لأن الذكر لله حقيقة هو استصحاب شهود العبد أنه بين يدي ربه، والذكر باللسان إنما هو وسيلة إليه. وقد عدد الأشياخ للذكر ألف أدب من بينها :
أولا : التوبة النصوح وهي أن يتوب من كل ما لا يعنيه من قول أو فعل أو إرادة.
الثاني : الغسل أو الوضوء كلما أراد الذكر، وتعطير ثيابه وفمه.
الثالث : السكون والسكوت ليحصل له الصدق في الذكر، وذلك أن يشغل قلبه بالله، حتى لا يبقى خاطر مع الله، ثم يوافق اللسان القلب.
الرابع : أن يستمد عند شروعه في الذكر بهمَّة شيخه، بأن يشخصه بين عينيه ويستمدّ همّته ليكون رفيقه في السير.
الخامس : أن يرى استمداده من شيخه هو استمداده حقيقة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه واسطة بينه وبينه.
السادس : الجلوس في مكان طاهر كجلوسه في الصلاة.
السابع : تغميض العينين وذلك أن الذاكر إذا غمض عينيه تسدّ عليه طُرق الحواس الظاهرة وسدها يكون سببا لفتح حواس القلب.
كتاب : التحقيق فيما ينسب لأهل الطريق (2)

كتاب : التحقيق فيما ينسب لأهل الطريق (2)

كتاب : التحقيق فيما ينسب لأهل الطريق (2)

وكان كثير، كسفيان الثوري وغيره يقسمون العلم إلى قسمان يقولون : عالم بالله، وعالم بأمر الله. يشيرون بذلك إلى جمع بين هذين العلمين المشار إليهما : الظاهر والباطن. وهؤلاء أشراف العلماء وهم الممدوحون في قوله تعالى :(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ) الآية. وقال كثير من السلف : ( ليس العلم كثرة الرواية ولكن العلم الخشية) وقال بعضهم : (كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار بالله جدلاً) ويقولون :(عالم بالله ليس عالم بأمر الله) وهم أصحاب العلم الظاهر الذين لا نفاذ لهم في العلم الباطن، وليس لهم خشية ولا خشوع وهؤلاء مذمون عند السلف. وكان بعضهم يقول : (هذا هو العالم الفاجر). وهؤلاء الذين وقفوا مع ظاهر العلم ولم يصل العلم النافع إلى قلوبهم ولا شموا الرائحة، غلبت عليهم الغفلة والقسوة والإعراض عن الآخرة، والتنافس في الدنيا ومحبة العلو فيها والتقدم بين أهلها، وقد منعوا إحسان الظن بمن وصل العلم النافع إلى قلبه، فلا يحبونهم ولا يجالسونهم وربما ذموهم وقالوا ليسوا بعلماء وهذا من خداع الشيطان، وغرورهم يحرمهم من العلم النافع الذي مدحه الله ورسوله وسلف الأمة وأئمتها، ولهذا المعنى كان علماء الدنيا يبغضون علماء الآخرة ويسعون في أذاهم جهدهم كما سعوا في أذى سعيد بن المسيب، والحسين، ومالك ،وأحمد وغيرهم من العلماء الربانيين، وذلك لأن علماء الآخرة خلفاء الرسل، وعلماء السوء فيهم شبه وهم أعداء الرسل وقتلة الأنبياء، ومَن يأمر بالقسط من الناس حسدا وعداوة للمؤمنين، ولشدة محبتهم للدنيا لا يعظمون علما ولا دينا، وإنما يعظمون المال والجاه والتقدم عند الملوك، كما قال بعض الوزراء للحجاج بن أرطاه : (إن لك دينا وإن لك علما وفقها. فقال الحجاج : أفلا تقول : إن لك شرفا وإن لك لقدرا ، فقال الوزير : والله إنك لتصغر ما عظم الله وتعظم ما حقر الله) وكثير ممن يدّعي العلم الباطن ويتكلم فيه ويقتصر عليه يذم العلم الظاهر، الذي هو الشرائع والاحكام والحلال والحرام ويطعن في أهله، ويقولون محجوبون أصحاب قشور، وهذا يوجب القدح في الشريعة والأعمال الصالحة التي جاءت بالبحث عنها والاعتناء بها، وربّما انحل بعضهم عن التكاليف وادعى أنها للعامة وأما من وصل فلا حاجة له إليها، وأنها حجاب له، وهؤلاء كما قال الجنيد وغيرهم من العارفين وصلوا ولكن إلى سقر. وهذا من أعظم خداع الشيطان وغروره لهؤلاء، لم يزل يتلاعب بهم حتى أخرجهم عن الإسلام، ومنهم من يظن أن هذا العلم الباطن لا يتلقى من مشكاة النبوة ولا من الكتاب والسنة وإنما يتلقى من الخواطر والإلهامات والكشوفات، فأسائوا الظن بالشريعة الكاملة حيث ظنوا أنها لم تأت بهذا العلم النافع الذي يوجب صلاح القلوب وقربها من علام الغيوب، وأوجب لهم ذلك الإعراض عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بالكلية والتكلم فيه بمجرد الآراء والخواطر، فضلوا وأضلوا، فظهر بهذا أن أكمل العلماء وأفضلهم العلماء بالله العلماء بامر الله الذين جمعوا بين العلمين وتلقوهما معا من الوحيين، يعني الكتاب والسنة، وعرضوا كلام الناس في العلمين معا على ما جاء في الكتاب والسنة، فما وافق قبلوه، وما خالف ردوه. وهؤلاء خلاصة الخلق، وهم أفضل الناس بعد الرسل، وهم خلفاء الرسل حقا، وهؤلاء كثير في الصحابة، كالخلفاء الأربعة، ومعاذ، وأبي الدرداء، وبلال، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس وغيرهم . وكذلك فيمن بعدهم كالحسن، وسعيد بن المسيب ،وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير،  ويحيى بن أبي كثير، وفيمن بعدهم كالثوري، والاوزاعي، وأحمد وغيرهم من العلماء الربانيين وقد سماهم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم العلماء الربانيين، يشير إلى أنهم الربانيون الممدوحون في غير موضوع من كتاب الله عز وجل فقال الناس ثلاثة : (عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع). ثم ذكر كلاما طويلا وصف علماء السوء والعلماء الربانيين وقد شرحناه في غير موضع.

الجمعة، 14 ديسمبر 2018

مناقشة الشيخ الشعراني لمدعي الولاية من المشايخ القاصرين

مناقشة الشيخ الشعراني لمدعي الولاية من المشايخ القاصرين

مناقشة الشيخ الشعراني لمدعي الولاية من المشايخ القاصرين

قال رحمه الله : لو سئل القاصرون من مشايخ هذا الزمان عن حقيقة ما يدعون الخلق إليه ما عرفوا. فكيف يدعون إلى من لا يعرفون ؟ فإن قالوا : دعونا الخلق إلى طريق القرب من الله تعالى. قال لهم الحق تبارك وتعالى : "إن اعتقدتم القرب مني فقد حددتموني وأنا لا أحدد". وإن قالوا : دعوناهم إلى طريق سعادتهم لنقربهم منها. قال لهم الحق عزَّو جل : "سعادة الخلق لم تزل قائمة بهم، وما برحت معهم في حال طلبتكم القربة إليهم. فإن لم تعلموا ذلك، فقد جهلتم، والجاهل لا ينبغي أن يتصدر لباب الدعوة. وإن علمتم ذلك فما صدقتم، وأي فائدة لدعوتكم ؟". وإن قلتم : إنما طلبنا بالدعوة تقريب الخلق إلى معرفة ذواتهم. قال لكم الحق : "الشيء لا يجهل نفسه، وطلب القربة ممن يعرف لا يصح". وإن قلتم : طلبنا بذلك القرب إلى معرفتك. قال لكم الحق : "كيف تعرفون من ليس كمثله شيء ؟". فاعلم ذلك، واحذر أن تعمل شيخاً في هذا الزمان بالدعوىن فإن لكل مدعِ ممتحناً في الدنيا والآخرة، والله يتولى هداك.
الملتقى العالمي للتصوف الدورة 13 :المشترك الإنساني ترسيخ قيم التعارف والحوار

الملتقى العالمي للتصوف الدورة 13 :المشترك الإنساني ترسيخ قيم التعارف والحوار

الملتقى العالمي للتصوف الدورة 13 :المشترك الإنساني ترسيخ قيم التعارف والحوار

عبد الله مشنون

ارتبط التصوف والزوايا الصوفية في أذهان كثير من الناس بصور وأنماط تجسد انحرافا عن الدين وحيدة عن سواء السبيل ومرد ذلك إلى: بعض الزوايا الصوفية انغلقت على نفسها وأتباعها ومريديها، وانفردت بطقوس لا تمت للدين بصلة وممارسات تنم عن غلو وجهل فاضحين..غياب الرؤية السليمة للواقع وعدم القدرة على التكيف مع مستجدات العصر وإيجاد مساحات ملائمة للإسهام في بناء الفكر الاسلامي الحديث لذلك كانت الزوايا بالنسبة للكثيرين مجمعا للعباد والمريدين الذين أنبت عبادتهم على التقليد الأعمى والاتباع المجرد دون علم ولا هدى ولا كتاب منير.

ولعل هذه الصورة السلبية حالت دون أن يكون هنالك نوع من التواصل والحوار بين هذه الزوايا وجموع المسلمين أو المهتمين بالشأن الديني على الرغم مما تؤديه من مهام معتبرة على مستوى التربية والسلوك..إلا ان هذه الصورة ليست عامة في كل الزوايا خصوصا في المغرب فقد أسهمت مجموعة من الزوايا على مدار التاريخ في نشر الوعي والتربية السليمة الخالية من أسباب التطرف ومنابت الارهاب أو الهبوط إلى مدارك التبديع والتكفير وغيرها من الشرور والآثام التي ابتليت بها الأمة .

وفي هذا الاطار تبرز الزاوية القادرية البوتشيشية كمعلمة علمية وتربوية باسقة فقد قدمت على مر السنين إسهامات واسعة لتبديد تلك الصورة النمطية التي تحدثنا عنها آنفا فقد صار الملتقى العالمي للتصوف الذي تنظمه الزاوية القادرية قبلة للعلماء والمفكرين والباحثين والأكاديميين والجامعيين والمريدين من داخل المغرب وخارجه..ملتقى يجمع بين أجواء تبادل الافكار والتجارب وأجواء الذكر والسمو الروحي والصفاء الذهني والنفسي.
وقد جاءت الدورة الثالثة عشر المنظمة تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس للبحث في المشترك الإنساني كأرضية متفق عليها للحوار ومد جسور التعارف والتعاون بين الشعوب وقد قال فضيلة الدكتور سيدي منير مدير الملتقى أن اختيار موضوع هذه الدورة يندرج في سياق الجهود الى تدريس القيم الإنسانية المشتركة وإفشاء قيم السلام والمشترك الإنساني المتعلق بالقيم الإنسانية الفاضلة التي تجمع بين الشعوب من عدالة ومساواة وأخلاق حميدة وغيرها مما تكون مساحة مشتركة تلتقي من خلالها تجارب الشعوب وحاجاتهم دون النظر في اختلافاتهم العقدية او المذهبية.
لذلك فالمشترك الإنساني مائدة للتعارف والتعاون البناء القائم على المساواة والاحترام والاعتراف بالآخر دون تبخيس أو تقليل..”يأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”فالتعارف هو مفتاح العلاقات الإنسانية السليمة والتواصل البناء القائم على الاحترام المتبادل والرغبة في حماية السلم الأهلي والبناء المجتمعي الذي أساسه احترام التعددية والتنوع الفكري والثقافي.

أما غياب التعارف يخلق صورا نمطية مشوهة وغير صحيحة عن الاخر، وبالتالي تنعدم او تقل فرص تكوين المساحات المشتركة.
لذلك فقد وفق القائمون على هذا الملتقى لإثارة وتعميق البحث في هذا الموضوع خصوصا في هذه الفترة التي تمر منها الامة وما يكتنفها من احداث وما يحذق بها من مخاطر وما ألصق بها من صور القصد منها تشويه معالمها وصفائها ووسطيتها (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا).
وقد اتت فضاء الملتقى العالمي للتصوف اكثر من 115 عالما وباحثا وخبيرا من خارج المغرب وداخله اثروا البحث والنقاش حول هذا الموضوع وخرجوا بمجموعة من التوصيات اهمها:

1. ادراج مؤسسات الزوايا في الفعاليات الرسمية نظرا لإسهامها في ابراز مفهوم المشترك الانساني ضرورة.
2. الدعوة الى انشاء مراكز للبحث لترسيخ قيم المشترك الانساني.
3. ادراج القيم الروحية ضمن البرامج التعليمية والتربوية لتحصين الناشئة ضد الانحراف والتطرف
4. الدعوة الى انشاء جامعة دولية متخصصة في علوم التصوف.
5. اعداد برامج تلفزية للتعريف بالملتقى وابراز الدور الذي تقوم به الزاوية القادرية على المستوى التربوي والعلمي والثقافي في الداخل والخارج.

كما عرفت الامسية الختامية اقامة حفل ديني بهيج تراسه سماحة الدكتور سيدي جمال الدين شيخ الطريقة القادرية البوتشيشية تليت فيه آيات بينات من الذكر الحكيم وانشاد امداح نبوية.

وقد رفعت أكف الضراعة الى العلي القدير بالدعاء لأمير المؤمنين بان يحفظ جلالته بما حفظ به الذكر الحكيم ويقر عينه بولي عهده الامير مولاي الحسن وان يشد ازره بشقيقه الامير مولاي رشيد وان يمطر شآبيب والغفران على الملكين محمد الخامس والحسن الثاني.


المصدر : www.maroctelegraph.com

الخميس، 13 ديسمبر 2018

الأستاذ عبد الله مشنون يكتب عن الملتقى العالمي السنوي للتصوف في دورته 12 بمداغ

الأستاذ عبد الله مشنون يكتب عن الملتقى العالمي السنوي للتصوف في دورته 12 بمداغ

الأستاذ عبد الله مشنون يكتب عن الملتقى العالمي السنوي للتصوف في دورته 12 بمداغ

إيطاليا: عبد الله مشنون

في جو من الخشوع و التبتل وفي لحظات قمة في الجلال والجمال والرقي والوصال أقيم الملتقى العالمي السنوي للتصوف في دورته الثانية عشرة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس و ذلك بمداغ إقليم بركان والذي تنظمه الطريقة القادرية البودشيشية بتزامن مع الاحتفال بعيد المولد النبوي وقد كان موضوع هذه الدورة (التصوف والدبلوماسية الروحية الابعاد الثقافية والتنموية والحضارية).

وقد عرف هذا الملتقى حضور قامات دينية وعلمية كبيرة أتت من كل حدب وصوب للإسهام في ابراز مزايا واساسيات التصوف السني واسهاماته في ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال ونبذ كل مظاهر العنف و التطرف.

وهذه مناسبة نتقدم فيها بالشكر الجزيل لفضيلة الشيخ سماحة الدكتور سيدي جمال الدين العالم الرباني والمربي الجليل و لفضيلة الدكتور سيدي منير مدير الملتقى العالمي وللقائمين على هذا الصرح الروحي البديع على ما اولوه لنا من حفاوة وحسن ترحاب وما ذلك الا ثمرة لتربية روحية اصيلة وامتداد متجذر في أصول التصوف والسلوك القويم وتجسيد لاتباع سيد الخلق في مدح قدسي رباني (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).

لقد كانت هذه الأيام المباركة فرصة للتلاقح الفكري والمعرفي حيث توالى على منصة الالقاء جملة من العلماء و الدعاة الباحثين والاكادميين و الأساتذة الجامعيين والمربين الذين أبرزوا أن ارتداء لبوس التصوف والرشف من معين السالكين بحق وعلم ليطبع المسلم بصبغة نورانية لا تنفك عنه صبغة من الاعتدال والحكمة بعيدا عن التشويش والتشغيب و الجلبة التي يعيشها بعض المسلمين اليوم صبغة تجعل صاحبها سفيرا لهذا الدين وناطقا بسماحة وإشراقة هذه الحنيفية.

الأستاذ عبد الله مشنون يكتب عن الملتقى العالمي السنوي للتصوف في دورته 12 بمداغ

ولكم سررت وأنا أحظى بإلقاء كلمة متواضعة بين يدي الفضلاء من العلماء شيوخي وأساتذتي وقد عنونت تلك المداخلة ب(لتَعارَفوا) وهي كلمة قرآنية تنطق عن نفسها و تعلم القاصي والداني عن عظمة هذا الدين وأنه دين الكلمة والتعارف والدعوة بالموعظة الحسنة وأن سلفنا الصالح قد رزقوا فهما واسعا في هذا الصدد فسادوا العالم بأخلاقهم وعلموا الأمم بسمتهم ورحمتهم متأسيين في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله تعالى عنه (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).وهذه مناسبة نقول فيها أن الذين ينتهجون العنف سبيلا لهم في الحوار و من يتخذون من التكفير و التبديع منهجا في الفكر والسلوك لا يمثلون الإسلام في شيء بل الإسلام حجة عليهم حين يقول تعالى(لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) هذا بالنسبة لغير المسلم فكيف بمن ينطق بالشهادتين كيف بمن قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم:(لا تَحَاسَدُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَاناً. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، وَلا يَكْذِبُهُ، وَلا يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَا هُنَا -وَيُشِيرُ إِلى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ)

لذلك جاءت مداخلتي دعوة لمد يد التعارف والتآلف وإعادة لقراءة جديدة للعلاقة بين المسلمين وغيرهم وبين المسلمين فيما بينهم عسى أن تذوب هذه الأكوام من الجليد الآسن ويعود الدفئ إلى العلاقات بين الناس تحت غطاء من الاحترام وحسن الظن والتربية السلوكية القويمة.

وفي هذا السياق أهيب بأبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج كوني أحد أفرادها أن يلتزموا بالاخلاق الفاضله ما يجعلهم قدوة لغيرهم ونبراسا لأبنائهم من بعدهم فالكل راع والكل مسؤول عن رعيته.و أن يحرصوا أن يكونوا خير سفراء لدينهم و ووطنهم ملتزمين الوسطية والاعتدال في الأقوال كما الأفعال وليمدوا يد الخير لنظرائهم في الخلق من غير المسلمين .تلك هي الصورة التي أراد الله عز وجل أن نكون عليها و ندعو إليها دونما تشدد أو تطرف أو رهبنة أو أحكام جاهزة على هذا أو ذاك (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ  وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ).

كتاب : التحقيق فيما ينسب لأهل الطريق

كتاب : التحقيق فيما ينسب لأهل الطريق


مخطوطة : التحقيق فيما ينسب لأهل الطريق 
تأليف : خوقير أبو بكر بن محمد

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي يهدي إلى سبيله من جاهد فيه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق على الإطلاق المبعوث بخير الهدي ليتمم مكارم الأخلاق، وعلى آله أهل بيته وعترته الطاهرين وصحابته المهتدين والتابعين لهم إلى يوم الدين.

أما بعد فقد سألني بعض الإخوان أصلح الله لي ولهم الحال والشأن عن أشياء مما ينسب إلى أهل الطريق، وطلب مني أن أنقل له ما ذكره أهل التحقيق، فأحجمت زمنا طويلا، حتى عرضت لي مسائله في جملة الأوراق، فبدا لي الكتابة فيها وإجابة السائل عنها رغبة في النفع العام، وجمع الأوابد المتفرقة في هذا المقام، مع التوفيق بين كلام القوم وأهل الحديث، والتوسط في السير بين البطيء والحثيث، والفرط والمفرط ،والغالي والجافي، فكتبت هذه الرسالة ناقلا فيها من عبارات الطرفين ما تقر به العين، مؤيدا بنصوص الفقهاء من المذاهب الأربعة والبراهين القاطعة بغاية الإيضاح والتفصيل، وكشف ما يسلكه البعض من التبليس والتضليل راجيا أن تحل محل القبول عند ذوي العقول والمنقول. ورتبتها على مقدمة وست فصول وخاتمة، وسميتها :(التحقيق فيما ينسب لأهل الطريق) وأسأل الله الإخلاص والتوفيق إلى أقوم طريق. وها أنا أشرع في الفصول بحول الملك المعبود فأقول :

المقدمة

فألفاظ يكثر استعمالها ويحتاج إلى بيانها، كمقام بذكر قواعد ينبني عليها الكلام، منها علم الباطن وعلم الظاهر، فالأول هو ما باشر القلب ورسخَ فيه فأقر فيه معرفة الله وعظمته، وخشيته وإجلاله، وتعظيمه ومحبته، ومتى سكنت هذه الأشياء في القلب خشع فخشعت الجوارح كلها تبعا لخشوعه، وتنوعت لصاحبه معارف من أعمال قلبه وهي كثيرة، فيقال علم القلب. والثاني علم الظاهر مما يصدر على اللسان من الفتاوى والأحكام ، والحلال والحرام، والقصص والوعظ وغيره، قال الحسن : العلم علمان علم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم، وعلم في القلب فذاك العلم النافع. وقد تعوذ صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، وفي حديث أنس قال صلى الله عليه وسلم : سلوا الله علما نافعاً وتعوذوا بالله من علم لا ينفع.وغير ذلك مما يدل على أن العلم الذي لا يوجب الخشوع للقلب فهو علم غير نافع. ولم يقسم بعض العلماء العلم إلى باطن وظاهر إلا باعتبار التقرير السابق والمفهوم من الأحاديث من تقسيم العلم إلى نافع وغير نافع. كتب وهب ابن منبه  إلى مكحول : "إنك امرء قد أصبت بما ظهر من علم اللسان شرفا، فاطلب مما بطن من علم الإسلام محبة وزلفى". وفي رواية أخرى أنه كتب إليه : "إنك قد بلغت بظاهر علمك عند الناس منزلة وشرفا، فاطلب بباطن علمك عند الله منزلة وزلفى، واعلم أن أحد المنزلتين تمنع الأخرى" كما نقله الحافظ بن رجب، قال : فأشار وهب بعلم الظاهر إلى علم الفتاوى والأحكام، وحلال وحرام ،والقصص والوعظ، وهو ما يظهر على اللسان، وهذا العلم يوجب لصاحبه محبة الناس له وتقدمه عندهم، محدّرا من الوقوف عند ذلك والركون إليه، والالتفات إلى تعظيم الناس ومحبتهم، فإن من وقف مع ذلك فقد انقطع عن الله وانحجب بنظره إلى الخلق عن الحق، وأشار بالعلم الباطن إلى العلم الذي يباشر القلوب فيحدث لها الخشية والإجلال والتعظيم، وأمره أن يطلب بهذا الجنة من الله والقرب منه والزلفى لديه.

الداخل للحقيقة

الداخل للحقيقة

الداخل للحقيقة

الدّاخل للحقيقة كمن دخل بلاد الصحراء الخالية، إما أن يكون عارفاً بالبلاد فهو ناجٍ، وإلاّ يكون دخوله إليها مع أحد من خبرائها فهو أيضاً ناج. ولا يدخلها جاهلاً بها من غير رفقة أحدٍ من أهلها، فهو تالف هالكٌ. صار الأمر : ما ثمَّ إلاَّ عالمٌ بالبلد ناج، وإلاَّ مُتعلمٌ مرافقٌ لعالمٍ بها ناج. وإنَّ كل جاهل مستكفي بجهله هالك، ولا يحل لامرئٍ أن يَقْدِم على أمرٍ حتى يعلَمَ حكم الله فيه.

وأيضاً : قال جلَّ من قائل : (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِوَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) انظر وتأمل، إن كنت ذا فهم فإنك تجد عِظَمَ الأشياء لا تخرج إلاّ من عظيمها، النور العظيم لا يخرج إلاّ من الظلمة العظيمة، والواسع العظيم لا يخرج إلاّ من الضيق العظيم، والعزّ العظيم لا يخرج إلاّ من الذّلِّ العظيم، والقرب العظيم لا يخرج إلاّ منَ البُعْدِ العظيم، والبَسطُ العظيم لا يخرج إلاّ من القَبض العظيم، والعطاء العظيم لا يخرج إلاّ من المَنْع العظيم، والربحُ العظيم لا يخرج إلاّ من الخُسرانِ العظيم، والجَمعُ العظيم لا يخرج إلاّ من الفَرق العظيم. وكذلك بالعكس في هذه الأمور كلها، وغيرها مما لا نهاية لها. سبحان من جعل الأشياء كلها كامنة في أضدادها بحكمته وقدرته تعالى. سبحان العظيم الحكيم الرؤوف الرحيم.

           نصيحة المريد 
في طريق أهل السلوك والتجريد