-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

" الطريقة القادرية البودشيشية " (شيخ و منهج تربية )


الشيخ المأذون من عند الله تعالى:

إذا قيل بأن الشيخ مأذون من عند الله تعالى، فهل هذا الإذن مباشرة أو من طرف الرسول صلى الله عليه و سلم ، أو بواسطة الشيخ الذي تربى و تتلمذ على يديه الشيخ المأذون له في الدعوة؟ و إذا كان أحد هذه الاحتمالات مسلم به فكيف تم هذا الإذن و متى، خاصة إذا قيل بأنه من الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه و سلم ؟.

و الجواب عن هذه التساؤلات بحسب خلفياتها و بواعثها يكون كالتالي:

إذا قلنا بأن الشيخ مأذون من عند الله تعالى، فالحكم الشرعي كما سبق و رأينا وارد في هذا المعنى و مؤيد إمكان وقوعه، و "الله يختص برحمته من يشاء" و " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ".أما كيف تم هذا الإذن و متى؟ فهذا من خصوصيات الشخص المأذون له، و هو سر الله في خلقه، كما ورد في الحديث القدسي " الإخلاص سر من سري استودعته قلب من أحببته من عبادي" عن جبريل عن النبي صلى الله عليه و سلم عن الله سبحانه و تعالى.

فكما أن الإخلاص سر الله في عباده الصالحين فإذنه لهم بالدعوة هو سر الأسرار و قد يكون بالتحديث إلهاما و علما لدنيا إما بخاطر رباني أو ملكي، صريح أو ذوقي كما يمكن استلهام إمكانه من خلال قوله تعالى " فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا و علمناه من لدنا علما" و " اتقوا الله و يعلمكم الله ".

و كذلك الأحاديث النبوية من بينها قول النبي صلى الله عليه و سلم " من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم " و " لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر "، و في رواية " لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر".

و أفضل ما في الحديث و الإلهام هو الإذن الحاث بالإشارة أو التصريح على النهوض للدعوة الى الله تعالى، و تحقيق الصلاح للأمة وتجديد أمر دينها. وهذا أمر ممكن و وارد شرعا و عقلا، و المجادل فيه قوله عليه مردود.

فالمأذون له في الدعوة أو التعبير حسب شرح حكمة لابن عطاء الله السكندري، هو "الذي يتكلم لله و بالله و في الله، و لذلك كان كلامه صوابا " قال الجنيد: "الصواب كل نطق عن إذن"، كأنه يشير بهذا الى قوله تعالى: لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن و قال صوابا" فإذا قرع أسماع السامعين كلامه فهمت في مسامعهم عبارته، فلم يفتقروا الى معاودة و لا تكرار، وجليت إليهم إشارته فلم يحتاجوا معها الى إطناب و لا إكثار، بخلاف غير المأذون له في ذلك".

فالحقائق كما يقول الشيخ أحمد زروق ما يقع من نكت الإلهام بالأمور العرفانية بالقلب، و يتمكن منها ، و لها صورة في النفس و عبارة في الخارج إذا تم نورها ظهر في الباطن و الظاهر و العبارة ما يشهد لصاحبها بالتحقق، ثم إذا أذن له في التعبير عنه برزت بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار، و إلا ظهرت بنعوت الظلمة كأنها شمس اعتراها كسوف لا تكاد تقبل لثقلها و لا تظهر لبعدها ولا تسمع لامتجاجها".

فالإذن كما بينا وارد حكمه و ممكن وقوعه شرعا و عقلا، و المجادل في استبعاده من الإرث النبوي و تبعية الدعوة يكون قريبا من حيث باعث اعتراضه لمزاعم قريش حينما اعترضوا على الرسول صلى الله عليه و سلم في إخباره لهم بأنه موحِى إليه من عند الله تعالى رغم أنه جاءهم بمعجزة القرآن الكريم وبدليل صدقه فيهم، وذلك من باب حسدهم له و غلف قلوبهم بحجاب المعاصرة رغم إقرارهم جماعيا له بالصدق كأهم خاصية خلقية لشخصه الكريم، إذ حينما قال لهم، أرأيتم إن حدثكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟ قالوا نعم. قال:" فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" و في رواية قالوا: "نعم ما جربنا عليك إلا صدقا" الحديث.

و السبب في هذا الانصراف المنحرف عن التصديق في مجال الدعوة سواء تعلق الأمر بالرسول كموحى له و صاحب معجزة أو بالولي كملهم أو محدث غيبي وارث له، و ذلك بعدما كان قوم هذا أو ذاك مسلِّمين له بالصدق في أمور الدنيا و السلوك العادي العام يمكن تفسيره بالخلفيات التالية كما يقول ابن عربي الحاتمي، "قد علم الإنسان أن البهائم و جميع الحيوانات دونه في المرتبة، فلو تكلم حيوان و لو كان خنفساء و نطقت وقالت أنا رسول من الله إليكم، احذروا من كذا و افعلوا كذا لتوفرت الدعاوي من العامة على إتباعها و التبرك بها وتعظيمها، و انقادت لها الملوك، و لم يطلبوها بآية على صدقها، و جعلوا نطقها نفس الآية على صدقها، و إن كان الأمر ليس كذلك، وإنما لما نال المرتبة غير الجنس لم يقم بهم حسد لغير الجنس، فأول ابتلاء ابتلى الله به خلقه بعث الرسل إليهم منهم لا من غيرهم، و مع الدلالات التي نصبها لهم على صدقهم و استيقنوها حملهم سلطان الحسد الغالب عليهم أن يجحدوا ما هم به عالمون موقنون ظلما وعلوا، قال تعالى : " و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ظلما و علوا " أي ظلموا بذلك أنفسهم و علوا على من أرسل إليهم، فاندرج في ذلك علوهم على الله، و لو قلت يا فلان كيف تتكبر على خلقه، لاستعاذ من ذلك و قال إن هذا الذي يزعم أنه من عند الله يكذب على الله، حاشا الله أن يبعث مثل هذا إلينا، "لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم". . .

و الولي إن لم يكن قد وصل الى درجة الرسول أو النبي من حيث الدلالة على صدقه في دعواه بالآيات و المعجزات إلا أنه مع ذلك ينبغي أن يصدق في دعواه تحصله على الإذن الإلهي، للقرائن المواكبة و الملازمة له، كقرينة أخوة الإيمان و ولاية الأمة، و مقتضى حسن الظن بالصالحين، هذا مع دلائل الصدق العام و صحة السلوك لديه، خاصة إذا توفرت الأدلة الروحية على ولايته، كرؤى و كرامات، و ثناء الخلق عليه و مدحهم إياه كعاجل بشرى له، و كذا توفر أحوال و مظاهر خشوع و رسوخ يقين وإكثار من ذكر الله تعالى، كمنشور للولاية و أهم مظهر للإيمان و الاطمئنان القلبي به، فالصدق و تكراره دليل صدق سالكه، و قد يصبح انطباعا في الذات أو الروح، و لهذا فيكون من الصعب جدا أو المستحيل نفسيا تغييره فجأة لمجرد هوى طارئ عارض و هو من أكبر الدلائل على الولاية و النبوة و الرسالة معا لأنه صدق نشأ مع الزمن و ترعرع في ظروفه و تقلبات مناخه و أحواله و مع ذلك ظل راسخا في وجدان سالكيه كناموس أو قانون نفسيو أخلاقي مطبوع في ذات ملتزمه.

والدليل على رسوخ هذا النوع من الصدق و عدم قابليته للتغيير بعد رسوخه زمانا و واقعا، هو ما نص عليه قول النبي صلى الله عليه و سلم " عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي الى البر و إن البر يهدي الى الجنة، و ما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا "و من هنا فإذا قال الصديق و المتحري للصدق أنه مأذون من عند الله تعالى في التربية و الدعوة إليه، فيكون من الأولى شرعيا و عقليا تصديقه في ذلك ما دامت القرائن شاهدة على صدق أحواله و أقواله قبل دعواه و بعدها، و إلا أصبح المؤمنون في علاقتهم ببعضهم البعض أبعد ما يكونون عن مقتضى الولاية العامة و مظاهرها ذات البنيان يشد بعضه بعضا، لأنهم أضحوا غير ذي ثقة فيما بينهم جملة، سواء كانت لديهم دلائل الصدق أم لم تكن، و هذا حال سلبي قد يعود بعلاقاتهم إذا هو سرى فيهم الى قطيعة الجاهلية و دعاويها و العياذ بالله، غير أن الفرق بين العصر الجاهلي والإسلامي هو أن الجاهليين لم يكن لديهم إيمان بنصوص دينية تضبطهم في صدقهم أو تصديقهم، أما المسلمون فهم ملزمون بالوقوف عند النصوص الدالة على الصدق و التصديق " و الذي جاء بالصدق و صدق به أولئك هم المتقون" كما أن من يسلم و يأخذ بنص حديث الولي سواء على ظاهره أو في عمق معناه يكون من السهل عليه التسليم بأن لله عبادا يخصهم بإذنه في الدعوة إليه وتجديد أمر الدين " و الله يختص برحمته من يشاء".

فهذا الإذن قد يكون نتيجة الولاية الخاصة، و هو عنصر ضمان سلامة الدعوة و استقرارها على غايتها، كما أنه قد يكون الحافظ لأهلها من التمرغ في وحل المصائب و النكسات دون مخرج أو فرج لحد الوقوع في المذلة المنهي عن تعريض المؤمن نفسه لها كما يقول النبي صلى الله عليه و سلم:"لاينبغي للمؤمن أن يذل نفسه " قالوا: يا رسول الله كيف يذل نفسه؟ قال: يحمل نفسه ما لا طاقة له به" الحديث إذ العمل بغير إذن و غير ذوق و وعي إسلامي رصين قد يؤدي الى اندفاع في غير محله، و إقدام في مقام إحجام و عنف في مقام رفق و هكذا دواليك، إذ كما يحكى في بعض النكت الشعبية: أن دجاجة و حجلا ترافقا مدة فلم ترض الدجاجة عن حالها و حال من حولها، فأرادت أن تعمل بنفسها ما ليست هي مؤهلة له تكوينا و خاصية، فقالت ذات يوم للحجل: هيا بنا لنطير! فقال الحجل: أنا لا أطير حتى يريد الله (أي يأذن لي في ذلك) فقالت الدجاجة: أما أنا فسأطير أراد أم لم يرد (رادْ أو مارادْ). فرمت بنفسها من أعلى مرتفع كانت مقيمة فيه و هي غير مؤهلة للطيران، و لا إذن لها فيه، فإذا بها ضرورة و بغير إرادة تقع ساقطة في وحل و طمي لم تستطع التخلص منه إلا بعناء و غثيان مع وجود آثار بقيت مشينة لجمالها و سبكة قدميها، وكذلك دالة على جراءتها و عدم احتياطها سواء قبل الطيران أو عند الوقوع في الوحل، و هو ما يلاحظ على الدجاج من قشور وشوائب عالقة بأقدامها وأظافرها في غالب الأحيان؟ أما بالنسبة الى الحجل فإنه بقي ينتظر الإذن المؤهل له للطيران حتى جاءه و ناله بفضل و استحقاق بحسب نيته، فإذا به يطير على هدى من الله تعالى و حفظ منه ثم ينزل مكرما في طست من الحناء، و هذا ما يفسر به مجازا جمال قدمي الحجل و حسن شكلهماو مسلكهما، بل كل حاله و هيئته بالنسبة الى جمال الدجاج.

إن هذه الحكاية رغم خياليتها و مشابهتها لقصص كليلة و دمنة الرمزية إلا أنها تتضمن إشارة و تومئ بوجه أو بآخر الى واقع سلوكي ونتائجه، تعددت مظاهره في مجال الدعوة الى الله تعالى من خلالها يتميز الداعية بإذن عمن ليس له إذن، أو على أبسط تعبير من ليس له وعي أو ذوق بالدعوة و شروطها الروحية و السلوكية.

و لهذا فلما حكيت هذه القصة لشيخي سيدي حمزة لم يزد على أن قال " نحن مع مراد الله ".

د محمد بنعيش

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016