نفحات الطريق: الشوق عند الصوفية

تعريف الطريقة القادرية البودشيشية

الشوق عند الصوفية

الشوق عند الصوفية هبة خص الله بها المحبين، فمن أحب الله اشتاق الى لقائه ، قال ذوالنون: "الشوق أعلى الدرجات، وأعلى المقامات، فإذا بلغها الإنسان استبطأ الموت شوقا إلى ربه" ، وقد قسم أبوالعباس المرسي الشوق إلى قسمين: شوق على الغيبة لا يسكن إلا بلقاء الحبيب ، وشوق الأرواح على الحضور والمعاينة، فإذا رفعك إلى محل المحاضرة والشهود المسلوب عن العلل فذلك مقام التعريف إيمانا حقيقيا وذاك ميدان تنزل أسرار الأزل ، فالمشتاق فى عمل دءوب، وترقب مستمر إلى لقاء الحبيب والتمتع بجماله وبهائه يشعر بالغربة الوجودية والكونية، لأن حضوره لا يكون إلا بالحى القيوم.

ويعتبر الشوق قريب الاغتراب؛ لأن الشوق إلى الشئ يعنى فيما يعنيه الاغتراب عنه، فالمشتاق إلى وطنه لابد أن يكون مغتربا عنه لأن هذا النوع من الاغتراب المقرون بالشوق لا ينتهى ولا يقر له قرار، لأن السالك لو وصل إلى درجة من درجات الوصال، لاشتاق لغيرها،ولو وصل إلى النهاية لاشتاق إلى الملازمة والملازمة مستحيلة، لأن النفس فى مدارجها بين صعود وهبوط.

ويؤكد ذلك تعريف الكاشانى للشوق بأنه حركة الشوق الى الله بالمحبة المنبعثة من مطالعة تجليات الصفات. وتقسيمه الشوق الى مراتب تبدأ بالاشتياق إلى وعد الله للمحبين بالجنة ثم الشوق الى الكرامة ثم التخلق بأخلاقه تعالى إلى أن ينتهى إلى الاشتياق مع الوصول إلى شهوده بجميع التجليات ومعاينة جماله فى الكائنات،وهذه المراتب تبين تحفز العارف وتطلعه إلى اجتياز كل مرحلة لبلوغ الأعلى منها، كفعلهم مع المقامات.
والدليل أيضا أن الشوق يعرف بأنه سفر القلب إلى المحبوب الأعلى سبحانه"وقد قيل: هو احتياج القلوب إلى لقاء المحبوب.. وقالت طائفة: بل يزيد الشوق بالقرب والوصال، ولا يزول؛ لأنه كان قبل الوصول على الخبر والعلم، وبعد قد صار على العيان والشهود، ولهذا قيل:
وأبرح ما يكون الشوق يوما
إذا دنت الخيام من الخيام
قالوا: ومن الدليل على الشوق يكون حال اللقاء أعظم: أن نرى المحب يبكى عند لقاء محبوبه وذلك البكاء إنما هو من شدة شوقه إليه ووجده به، ولذلك يجد عند لقائه نوعا من الشوق، لم يجده فى حال غيبته عنه"وهذه الفقرة الأخيرة تؤكد أن المحب السالك مغترب لا ينتهى اغترابه مطلقا.
يقول أبوالحسن الصباغ :
وردنا على أن الهوى مشرب عذب
وحط به للسفر أشواقه الركب
فلما وردنا ماءه ألهب الظما
ألا من رأى ظمآن ألهبه الشرب
أكب الهوى يزكى على زناده
أيا قادحا أمسك فقد علق الحب.
ولو أننى أخليت قلبى لغيركم
من الناس محبوبا فما وسع القلب
ترى تسمح الأيام منكم بنظرة
فتلقى على الأيدى الرسائل والكتب
أعاتبكم لا من ملال ولا قلى
ولكن إذا صح الهوى حسن العتب
فعبارة"ألا من رأى ظمآن ألهبه الشرب"تؤكد استمرار الشوق، واهتياجه بالوصال، ولذلك ارتبط الشوق عند الصوفية بنبرة الحزن، وما تكنه النفس من ألم الفراق.

فنبرات الحزن التى تعلوا الأبيات توحى بما تكنه النفس من الإحساس بالحرمان والحزن لبعد الحبيب , والتطلع لمواصلته حتى لو سكب المحب بدلا من الدموع الدماء، فالشوق يحفزه للقاء، ولكن قدره ما زال ضعيفا حقيرا أمام قدر المحبوب الذى تهفو نفسه إليه.
وهذا الإحساس بألم الفراق ناتج عن امتلاء قلوب المحبين بالمحبة، يقول الطوسى: وسئل بعضهم عن الشوق فقال: هيام القلب عند ذكر المحبوب، وقال أبوسعيد الخراز رحمه الله: ملئت قلوبهم عن المحبة فطاروا بالله عز وجل طربا وهاموا إليه اشتياقا؛ فيالهم من قلق مشتاق آسف بربه، كلف دنف ليس لهم سكن غيره ولا مألوف سواه !!.
وأهل الشوق أحوال:
فمنهم من اشتاق إلى ما وعد الله تعالى أولياءه من الثواب والكرامة والفضل والرضوان، ومنهم من اشتاق إلى محبوبه من شدة محبته وتبرمه ببقائه شوقا إلى لقائه.
ومنهم من شاهد قرب سيده، وأنه حاضر لا يغيب، فينعم قلبه بذكره، وقال: إنما يشتاق إلى غائب وهو حاضر"لا يغيب"، فذكر بالشوق عن رؤية الشوق، فه ومشتاق بلا شوق، ودلائله تصفه عند أهله بالشوق ولا يصف نفسه بالشوق، والشوق يقتضى الأنس"
وهذا يعنى أن اغتراب الشوق إلى الله، هو اغتراب حرمان من الوصال والعودة بالروح إلى مصدرها النقى، وكذلك تمنى رؤية المولى ببهائه وجماله. يقول التلمسانى:
أحبابنا هل بقربكم أمل .
أم هل بوصلكم أرى سببا
آها لأيامنا بقربكم .
وطيب عيش بوصلكم ذهبا .
يا سائق العيس نح وكاظمة .
أبلغ سلامى لنازلين قبا .
وقل قضى ذاك المشوق بكم .
وما قضى من وصالكم أربا

إن الصوفى يعيش تجربة الاغتراب بكل كيانه، يشعر فى داخله بهوه سحيقه يكاد أن يسقط فيها، ويتوه فى دروبها، ومن أجل ذلك نسمعه يندب، ويرسل صيحات الاستغاثة، لأنه يشعر أن العمر يمر سراعا، وينفرط عقده من بين أصابعه، ولم يحقق الأمل الذى يسعى من أجله، ولم يصل إلى الوطن الذى اغترب عنه،أ وبمعنى آَخر الوطن الذى يبحث عنه، ليترك على أعتابه همومه ويقضى على اغترابه.

ويتمثل الاغتراب مع الشوق أقوى ما يتمثل فى"الحيرة"التى يشعر بها العارف أثناء سلوكه وشعوره بعدم الوصال. ويذهب ابن عربى إلى أن الحيرة تأتى نتيجة الحجاب والاستتار بالنظر العقلى، فإذا تم الكشف وصفا العلم الشهودى والعرفان الذوقى ارتفع التحير"فالحائر دائر"أى السير بالله ومن الله وإلى الله. ويقول ابن عربى أيضا:
حار أرباب الهوى . فى الهوى وارتبكوا لما كان الهوى يطالب بالشئ، وتفيضه حار صاحبه وارتبك فإنه من بعض مطالبه موافقة المحبوب فيما يريده المحبوب وطلبه الاتصال بالمحبوب، فإن أراد الهجر، فقد ابتلى المحب صاحب الهوى بالنقيضين أن يكونا محبوبين له فهذه هى الحيرة التى لزمت الهوى فالحيرة لا تنتهى لا فى لحظة الوصال ولا فى لحظة الهجر، ولذلك فإن قلب الصوفى دائما مضطرب قلق، ومع ذلك ربما تكون الحيرة مطلوبة عند العارفين يقول ابن الفارض:
زدنى بفرط الحب فيك تحيرا 
وارحم حشى بلظى هواك تسترا

وإذا سألتك أن أراك حقيقة 
فاسمح ولا تجعل جوابى: لن ترى

ويعلق النابلسى على البيتين بقوله:"الحيرة فى الله تعالى عين الهداية، ولهذا طلب الزيادة منها.."ونسمعه يقول: وما احترتُ، حتى اخترتُ حُبّيكِ مَذهباً،, فوحيرتي إنْ لمْ تكنْ فيكِ خيرتي.

إرسال تعليق

0 تعليقات