-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

التصوف في عُرف علماء الأمة

لقد عاتب الله تعالى المؤمنين في كتابه العزيز بَعْد أربعِ سنواتٍ فقط مِنْ إسلامهم لاكتفائهم بالرسم والشكل في الدين، ولِعَدم تمكُّن المعاني الإيمانية مِن قلوبهم؛ نقرأ ذلك في قوله تعالى: "أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ" [الحديد، 16]؛ أي: "أمَا آنَ للمومنين أنْ تخشع قلوبهم لذكر الله".قال ابن مسعود كما جاء في صحيح مسلم: "ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين"، فبَعْدَ أربع سنوات فقط مِن إسلامهم جاءهم التنبيه وجاء العتاب.فما الحال بالنسبة للعديد مِنَ المسلمين اليوم وبعد سنوات طِوالٍ مِن إسلامهم؟. فهذه الآية هي دعوة للقلوب المؤمنة للتَّحقُّقِ بنسمات القرب من الله تعالى والخشوع لذكره، وهي دعوة للقلوب الغافلة والـمُدْبِرة لسلوك دروب الصلة والخشوع...فالنصوص القرآنية والحديثية في ديننا الحنيف تَحدَّثت عن عِدة أذواق قلبية، وأصول إيمانية، ومعان روحية، كِدنا أو نكاد نفقدها اليوم؛ بل أصبحت هذه الأذواق والرقائق على حد قول الشاطبي في الموافقات كالنسي المنسي، وصار طالب العمل بها كالغريب المقصي.ولقد كان فقهاء الأمّة يجمعون بين علوم الشريعة وعلوم الحقيقة (التصوف)، وكانوا يؤدون العبادات العمَلية متحققين بسر الإِخلاص فيها، متذوقين لحلاوتها، مدركين لأسرارها؛ ونستعرض في جولة سريعة هذا التكامل عند الأئمة الأربعة الأجلاء:

الإمام مالك : وهو الذي تحقّقَ بالجمع بين الفقه والتصوف، حيث كان "إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه". وسُئل يوما في ذلك، أيْ عن مواجيده وأحواله وأذواقه، فقال: "لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علي ما ترون... قال: كنت كلما أجد في قلبي قسوة آتي محمد بن المنكدر، فأنظر إليه نظرة فأتعظ بنفسي أياما". هكذا أشار إلى تشرُّب الأذواق القلبية من مُعاينة ومجالسة الصالحين، حيث كان يأتي محمداً بن المنكدر الذي كان له أثرٌ بـيِّــنٌ في تربية الآخرين، فيأخذ من ورعه وخشيته، ويستفيد من مُجَرَّد النّظَر إليه.لذلك ينبغي أن تُكتب قولته المشهورة بمدادٍ من ذهب، وأن تُجعل نُصب عيني كُلِّ مسلِم، بل وفي عُنُق كل مسلِم ينشُد الكَمال، والتي قال فيها: "من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق".

الإمام أحمد بن حنبل: كان فقيهُ الحنابلة رحمه الله يقول لولده عبد الله: "يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم (الصوفية)؛ فإنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة...".ورُوي عنه كذلك قوله بشأن الصوفية: "لا أعلم قوماً أفضل منهم".وفي طبقات الحنابلة: "ذُكر في مجلس أحمد بن حنبل معروف الكرخي، وهو من أئمة التصوف، فقال بعض من حضره: هو قصير العلم، قال أحمد: أمسك عافاك الله، وهل يُراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف".وعند ابن الجوزي في صيد الخاطر: "قال أحمد بن حنبل: وهل يُراد بالعلم إلا ما وصل إليه معروف".وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل، أنه قال: "قلت لأبي: هل كان مع معروف شيء من العلم؟ فقال لي: يا بني، كان معه رأس العلم: خشية الله تعالى".

الإمام الشافعي : قال: "صحبت الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين، وفي رواية سوى ثلاث كلمات، قولهم: الوقت كالسيف إِن لم تقطعه قطعك، وقولهم: نفسَك إِن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وقولهم: العدم عصمة".وقد صحبهم عشر سنين كما يذكر الشعراني رحمه الله، حتى قال: "حُبِّبَ إِليَّ من دنياكم ثلاث: تركُ التكلف، وعِشرةُ الخلق بالتلطُّف، والاقتداء بطريق أهل التصوف".وقال الجنيد : "كان الشافعي من المريدين الناطقين بلسان الحق في الدين".وكان الشافعي يسأل الدعاء من العارف بالله إدريس بن يحيى الصوفي، ذَكَر ذلك الحافظ أبو نعيم في "الحلية"، والحافظ البيهقي في "مناقب الشافعي"، والحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، وابن أبي حاتم في "آداب الشافعي ومناقبه".لذلك فهو يوصي بالجمع بين الفقه والتصوف فيقول شِعراً في ديوانه:
فقيهــًا وصوفيًّا فكُـــن ليسَ واحــــداً
 فــــإني وحــقِّ اللـــه إيـَّــــاك

 أنـصَحُ فذلك قـــــاسٍ لــم يـذق قلبُه تُقـى
 وهذا جهــول، كيف ذو الجهل يصلـح.

الإمام أبو حنيفة : نقل الفقيه الحنفي الحصكفي صاحب الدر المختار بأن أبا حنيفة كان من أئمة طريقة التصوف ومن أرباب الشريعة والحقيقة.وقال ابن عابدين في حاشيته متحدثاً عن أبي حنيفة، تعليقاً على كلام صاحب الدر المختار: "هو فارس هذا الميدان؛ فإِن مبنى علم الحقيقة على العلم والعمل وتصفية النفس، وقد وصفه بذلك عامة السلف".فهلاَّ تأسى الفقهاء والعلماء بهؤلاء الأئمة، فساروا على نهجهم، وجمعوا بين الشريعة والحقيقة، بين الفقه والتصوف، لينتفعوا وينفع الله بعلمهم، كما نفع بأئمتهم العظام، معادن التقوى والورع، رحمة الله عليهم أجمعين.

د.اسماعيل راضي

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016