الثلاثاء، 17 نوفمبر 2015

الجمال والجلال

ماهية الجمال

الجمال مصطلح عند الصوفيين؛ فقد ورد لأول مرة في معجم المصطلحات، مع التهناوي في (كشاف مصطلحات الفنون)، فقد خالف التهناوي كل من أبي البقاء والقاضي النكري في تعريف الجمال، واعتبر أن الجمال هو الحسن، فقال: «الجمال: بالفتح وتخفيف الميم في اللغة بمعنى الحسن وحسن الصورة والسيرة».
إن الجمال يطلق على معنيين:
أحدهما: الجمال الذي يعرفه الجمهور، مثل صفاء اللون ولين الملمس، وغير ذلك مما يمكن أن يُكتسب، وهو على قسمين: «ذاتي، وممكن الاكتساب».
وثانيهما: الجمال الحقيقي: وهو أن يكون كل عضو من الأعضاء على ما ينبغي أن يكون عليه من الهيئات والمزاج.
الجمال ما يُتجمَّل به ويُتزيَّن به، وهو يعني الحسن الكثير، قال تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} أي لكم فيها تجمل وتزيين عند الناظرين إليها.
والجميل من أسماء الله الحسنى يدل على صفة الجمال بدلالة التضمن، لما ورد في حديث عبدالله بن مسعود (رضي الله عنه)، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنةً، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس».

والصبر الجميل والصفح الجميل، أحسن ما يكون من الصبر والصفح كما قال تعالى: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}، وقوله: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}.
الجمال هو تجليه بوجهه لذاته فلجمال الله المطلق جلال.
يعدّ الجمال من اصطلاحات الصوفية، حيث إن الجمال الحقيقي عندهم هو صفة أزلية لله تعالى، وعبارة عن أوصافه العليا وأسمائه الحسنى على العموم، وأما على الخصوص، فصفة الرحمة والعلم واللطف والنعم والجود والرازقية والنفع وأمثال ذلك كلها من صفات الجمال.

والجمال عند ابن عربي نعوت الرحمة والألطاف من الحضرة الإلهية، وهو معنى يرجع من الله إلينا في التنزلات والشاهدات والأحوال، وله فينا أمران الهيبة والأنس، وذلك الجمال دنوًّا وعلوًّا، فالعلو نسميه: جلال الجمال، وفيه يتكلم العارفون، وهو الذي يتجلى لهم، ويتخيلون أنهم يتكلمون في الجلال الأول، وهذا جلال الجمال، قد اقترن معه منا الأنس والجمال الذي هو الدنو، اقترن معه منا الهيبة، فإذا تجلى لنا جلال الجمال أنسنا، ولولا ذلك لهلكنا، فإن الجلال والهيبة، لا يبقى لسلطانهما شيء فيقابل ذلك الجلال منه بالأنس منا، لنكون في المجاهدة على الاعتدال حتى نعقل ما نرى ولا نذهل، وإذا تجلى لنا الجمال هبنا، فإن الجمال مباسطة الحق لنا، والجلال عزته عنا، فتقابل بسطه معنا في جماله بهيبته فإن البسط يؤدي إلى سوء الأدب، وسوء الأدب في الحضرة سبب الطرد والبعد، ولهذا قال بعض المحققين ممن عرف هذا المعنى: اقعد على البساط وإياك والانبساط فإن جلاله في أنسنا يمنعنا في الحضرة من سوء الأدب.

الجمال هو تجلية بوجهه لذاته فلجماله المطلق جلال هو قاهريته لكل عند تجلية بوجهه فلم يبق أحد حتى يراه، وهو علو الجمال وله دنو يدنو به منا وهو ظهوره من الكل كما يقول الشيباني: جمالك في كل الحقائق سافر وليس له إلَّا جلالك ساتر.
الجمال عبارة عن إلهام الغيب الذي يرد على قلب السالك، ويرد أيضاً بمعنى إظهار كمال المعشوق من العشق وطلب العاشق، والجمال الحقيقي صفة أزلية لله تعالى مشاهدة في ذاته أولاً مشاهدة علمية، فأراد أن يراه في صنعة مشاهدة عينية، فخلق العالم كمرآة شاهد فيه عين جماله عياناً.

الجلال

الجلال نعوت القهر من الحضرة الإلهية الذي يكون عنده الوجود.
الجلال هو احتجاب الحق تعالى عنا بعزته وألَّا نعرفه بحقيقته وهويته كما يعرف هو ذاته، فإن ذاته سبحانه لا يراها أحد على ما هي عليه إلَّا هو.
إن جلال الله تعالى عبارة عن ذاته بظهوره في أسمائه وصفاته كما هي عليه على الإجمال، وأما التفصيل فإن الجلال عبارة عن صفات العظمة والكبرياء والمجد والثناء، وكل جمال له فإنه يشتد ظهوره يسمى جلال.

والجلال إظهار استغناء المعشوق عن عشق العاشق، وهو دليل على فناء الوجود وغرور العاشق وإظهار فقره وبقاء ظهور المعشوق كما يكون للعاشق اليقين به.
والجلال نعت إلهي يُعطي في القلوب هيبةً وتعظيماً، وبه ظهر الاسم الجليل.
ويذهب الجيلاني إلى أن الجلال بالإجمال هو الجلال المطلق لله الذي يستحيل لغيره أن يراه فيه، وأما جلال الجمال فهو جلال الجمال الذي تجلى لنا فيه، بحيث إنه لما تجلى لنا فيه جماله، وكان جلاله مقترناً بجماله، فكان تعالى لأجل الجلال والجمال عند تجليه لنا مما لا يستحيل علينا أن ندركه في تجليه لنا. ومن لم يعرف ما اختص به أهل السنة من بين سائر الطوائف، حيث اثبتوا كونه تعالى مرئيًّا بالأبصار في دار القرار مع تنزُّهه عن الجهة، والتحيُّز وتوابعهما، بخلاف من نفى الرؤية من الفلاسفة والمعتزلة لأجل تنزُّهه عن الجهة، أو من أثبت الجهة لأجل رؤيته، فقد اتَّضح مما ذكرنا معنى الجلال والجمال المطلقين.

ولهذا الجمال جلال هو احتجابه بتعيُّنات الأكوان، فلكل جمال جلال، ووراء كل جلال جمال، ولما كان في الجلال ونعوته معنى الاحتجاب والعزة، لزمه العلو والقهر من الحضرة الإلهية والخضوع والهيبة منا، ولما كان في الجمال ونعوته معنى الدنو والسفور، لزمه اللطف والرحمة والعطف من الحضرة الإلهية والأنس منا.
ويذهب الجيلاني إلى أن للجلال بالتفصيل ظهورين اثنين، هما: جلال الجمال وجمال الجلال. الأول يكمن في مبادئ ظهور الحق على الخلق، والثاني يكمن في اشتداد ظهور الحق في الخلق. بمعنى أن الموجودات توجد بجلال الجمال، وتتميَّز فيما بينها بجمال الجلال. وكأن الجيلاني يؤكد فعل الخلق والإيجاد والإبداع لا يمكن أن يتم إلا بالجلال -جلال الجمال هنا-، أما تميّز الموجودات فيحتاج إلى الجمال -جمال الجلال هنا-، أما بالنسبة إلى الجلال المطلق والجمال المطلق فلا مدخل للإنسان فيهما، وإن يكن لكل منهما مظهر حسي.

Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: