نفحات الطريق

يعنى الموقع بالتأصيل الشرعي للتصوف المقتبس من مشكاة نور النبوة والتعريف بمقامات وأعلام الصوفية. إلى جانب نشر كتب ورسائل عن التصوف.

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

تحبيب العباد الى الله

الإشارة 

 إنما يعظم جاه العبد عند الله بثلاثة أمور : انحياشه بقلبه إلى الله ، ومسارعته إلى ما فيه رضا الله ، وإرشاد العباد إلى الله ، بدعائهم إلى الله بالحال والمقال ، فبقدر ما يقع من هداية الخلق على يديه يعلو مقامه عند الله ، إن حصلت المعرفة بالله ، وبهذا تعرف شرف مرتبة مشيخة الصوفية ، الدالين على الله ، الداعين إلى حضرة الله ، إن تكلموا وقع كلامهم في قلوب الخلق ، فيرجعون إلى الله من ساعتهم ، مجالسهم كلها وعظ وتذكير ، حالهم ينهض إلى الله ، ومقالهم يدل على الله ، ففي ساعة واحدة يتوب على يديهم من الخلق ما لا يتوب على يد العالم في سنين؛ وذلك لإنهاض الحال والمقال ، فلا جرم أنهم أعز الخلق إلى الله ، وأعظمهم قدرا عند الله .

قال السهروردي في العوارف : ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « والذي نفس محمد بيده لئن شئتم لأقسمن لكم ، إن أحب عباد الله إلى الله يحببون الله إلى عباده ، ويحببون عباد الله إلى الله ، ويمشون في الأرض بالنصيحة » وهذا الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم هو رتبة المشيخة والدعوة؛ فإن الشيخ يحبب الله إلى عباده حقيقة ، ويحبب عباد الله إلى الله .

فأما كونه يحبب عباد الله إلى الله؛ لأن الشيخ يسلك بالمريد طريق الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في أفعاله وأخلاقه . ومن صح اقتداؤه واتباعه أحبه الله ، قال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } [ آل عمران : 31 ] ، ووجه كونه يحبب الله إلى عباده؛ لأنه يسلك بالمريد طريق التزكية ، وإذا تزكت النفس انجلت مرآة القلب ، ودخل فيها نور العظمة الإلهية ، ولاح فيها جمال التوحيد ، وذلك ميراث التزكية ، قال الله تعالى : { قد أفلح من زكاها } [ الشمس : 9 ] ، وفلاحها : الظفر بمعرفة الله ، فإذا عرفه ، قطعا ، أحبه وفنى فيه . 

فرتبة المشيخة من أعلى الرتب؛ لأنها خلافة النبوة في الدعوة إلى الله . 
ثم قال : فعلى المشايخ وقار لله ، وبهم يتأدب المريد ظاهرا وباطنا ، قال الله تعالى : 
{ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } [ الأنعام : 90 ] ، فالمشايخ ، لما اهتدوا ، أهلوا للاقتداء بهم ، وجعلوا أئمة للمتقين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حاكيا عن الله عز وجل : « إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي ، جعلت همته ولذته في ذكري ، فإذا جعلت همته ولذته في ذكري ، أحبني وأحببته ، ورفعت الحجاب فيما بيني وبينه ، لا يسهو إذا سها الناس ، أولئك كلامهم كلام الأنبياء ، أولئك الأبطال حقا ، أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض عقوبة أو عذابا ، ذكرتهم فصرفته بهم عنهم » انتهى كلامه رضي الله عنه .

ومن كلام ذي النون المصري - لما تكلم على الأبدال - قال : { فهمهم إليه ثائرة ، وأعينهم إليه بالغيب ناظرة ، قد أقامهم على باب النظر من رؤيته ، وأجلسهم على كراسي أطباء أهل معرفته ، ثم قال لهم : إن أتاكم عليل من فقدي فداووه ، أو مريض من فراقي فعالجوه ، أو خائف مني فانصروه ، أو آمن مني فحذروه ، أو راغب في مواصلتي فمنوه ، أو راحل نحوي فزودوه ، أو جبان في متاجرتي فشجعوه ، أو آيس من فضلي فرجوه ، أو راج لإحساني فبشروه ، أو حسن الظن بي فباسطوه ، أو معظم لقدري فعظموه ، أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه ، أو مسترشد فأرشدوه }. وهذه صفة مشايخ التربية على ما شهدناهم ، وما شهدنا إلا بما علمنا . وبالله التوفيق .

تفسير ابن عجيبة

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق