-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

إيقاظ الهمم في شرح الحكم -1

يقول العبد الفقير إلى مولاه الغني به عما سواه أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى لطف الله به وحباه أن أولى ما عقد عليه الجنان. ونطقت به ألسنة الفصاحة والبيان. وخطت به أقلام البنان. حمد الفتاح العليم الكريم المنان الحمد لله الذي ملأ قلوب أوليائه بمحبته. واختص أرواحهم بشهود عظمته. وهيأ أسرارهم لحمل أعباء معرفته. فقلوبهم في روضات جنات معرفته يحبرون. وأرواحهم في رياض ملكوته يتنزهون. وأسرارهم في بحار جبروته يسبحون. فاستخرجت أفكارهم يواقيت العلوم. ونطقت ألسنتهم بجواهر الحكم ونتائج الفهوم. فسبحان من اصطفاهم لحضرته. واختصهم بمحبته.

أما بعد كل شيء وقبله ومعه. فعلم التصوف من أجل العلوم قدراً. وأعظمها محلاً وفخراً. وأسناها شمساً وبدراً. وكيف لا وهو لباب الشريعة. ومنهاج الطريقة. ومنه تشرق أنوار الحقيقة. وكان أعظم ما صنف فيه الحكم العطائية. التي هي مواهب لدنية، وأسرار ربانية.ولقد طلب مني شيخناً العارف الواصل المحقق الكامل سيدي محمد البوزيدي الحسنى أن أضع عليها شرحاً متوسطاً يبين المعنى ويحقق المبنى معتمداً في ذلك على حول الله وقوته. وسميته إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ولنقدم بين يدي الكتاب مقدمتين احداهما في حد التصوف وموضوعه وواضعه واسمه واستمداده وحكم الشارع فيه وتصور مسائله وفضيلته ونسبته وثمرته.

أما حده فقال الجنيد: هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به، وقال أيضاً: أن يكون مع الله بلا علاقة، وقيل: الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دني، وقيل: هو أخلاق كريمة ظهرت في زمان كريم مع قوم كرام، وقيل: أن لا تملك شيئاً ولا يملكك شيء، وقيل: أسترسال النفس مع الله على ما يريد، وقيل: الاخذ بالحقائق والا ياس مما في أيدى الخلائق،وقيل: ذكر مع اجتماع ووجد مع استماع وعمل مع اتباع، وقيل: الإناخة على باب الحبيب وأن طرد، وقيل: الجلوس مع الله بلاهم،وقال الشبلي: الصوفي منقطع عن الخلق متصل بالحق لقوله تعالى واصطنعتك لنفسي.

وقال أيضا: قاعدة صدق التوجه مشروط بكونه من حيث يرضاه الحق تعالى وبما يرضاه ولا يصح مشروط بدون شرطه ولا يرضى لعباده الكفر فلزم تحقيق الايمان وأن تشكروا يرضه لكم فلزم العمل بالاسلام فلا تصوف الا بفقه اذ لا تعرف أحكام الله تعالى الظاهرة إلا منه ولا فقه ألا بتصوف اذ لا عمل الا بصدق توجه ولاهما إلا بايمان إذ لا يصح واحد منهما بدونه فلزم الجمع لتلازمهما في الحكم كتلازم الأرواح للأجساد ومنه قول مالك رحمه الله: من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق،ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق.وأما موضوعه فهو الذات العلية لأنه يبحت عنها باعتبار معرفتها إما بالبرهان إو بالشهود والعيان فالأول للطالبين والثاني للواصلين وقيل موضوعه النفوس والقلوب والأرواح لأنه يبحث عن تصفيتها وتهذيبها وهو قريب من الأول لأن من عرف نفسه عرف ربه وأما واضع هذا العلم فهو النبي صلى الله عليه وسلم علمه الله له بالوحي والإلهام فنزل جبريل عليه السلام أولاً بالشريعة فلما تقررت نزل ثانياً بالحقيقة فخص بها بعضاً دون بعض وأول من تكلم فيه وأظهره سيدنا على كرم الله وجهه وأخذه عنه الحسن البصري.

وأما اسمه فهو علم التصوف واختلف في اشتقاقه على أقوال كثيرة ومرجعها إلى خمس: أولها أنه من الصوفة لأنه مع الله كالصوفة المطروحة لا تدبير له الثالث أنه من الصفة إذ جملته اتصاف بالمحامد وترك الاوصاف المذمومة الرابع أنه من الصفاء إذ جملته اتصاف بالمحامد وترك الاوصاف المذمومة الخامس أنه منقول من صفة المسجد النبوي الذي كان منزلاً لأهل الصفة لأن الصوفي تابع لهم فيما أثبت الله لهم من الوصف حيث قال تعلى: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وهو الأصل الذي يرجع إليه كل قول. 

وأما حكم الشارع فيه فقال الغزالي إنه فرض عين إذا لا يخلو أحد من عيب أو مرض إلا الأنبياء عليهم السلام وقال الشاذلي: من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً على الكبائر وهو لا يشعر.

وأما تصور مسائله فهي معرفة اصطلاحاته والكلمات التي تتداول بين القوم كالأخلاص. والصدق. والتوكل والزهد. والورع. والرضى. والتسليم. والمحبة. والفناء. والبقاء. وكالذات. والصفات. والقدرة. والحكمة. والروحانية. والبشرية وكمعرفة حقية الحال والوارد والمقام وغير ذلك.وأما فضيلته فقد تقدم أن موضوعه الذات العالية وهي أفضل على الاطلاق فالعلم الذي يتعلق بها أفضل على الاطلاق اذ هو دال بأوله على خشية الله تعالى وبوسطه على معاملته وبآخره على معرفته والأنقطاع إليه ولذلك قال الجنيد: لو نعلم أن تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا لسعيت إليه.

وأما نسبته من العلوم فهو كلي لها وشرط فيها إذ لا علم ولا عمل الا بصدق التوجه الى الله تعالى فالإخلاص شرط في الجميع هذا باعتبار الصحة الشرعية والجزاء والثواب وأما باعتبار الوجود الخارجي فالعلوم توجد في الخارج بدون التصوف لكنها ناقصة أو ساقطة، ولذلك قال السيوطي: نسبة التصوف من العلوم كعلم البيان مع النحو يعني هو كمال فيها ومحسن لها، وقال الشيخ زروق رضي الله عنه: نسبة التصوف من الدين نسبة الروح من الجسد لأنه مقام الإحسان الذي فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: أن تعبد الله كأنك تراه الحديث اذ لا معنى له سوى ذلك إذ مدراه على مراقبة بعد مشاهدة أو مشاهدة بعد مراقبة والا لم يقم له وجود ولم يظهر.

وأما فائدته فتهذيب القلوب ومعرفة علام الغيوب أو تقول ثمرته سخاوة النفوس وسلامة الصدور وحسن الخلق مع كل مخلوق واعلم أن هذا العلم الذي ذكرنا ليس هو اللقلقة باللسان وإنما هو أذواق ووجدان، ولا يؤخذ من الأوراق وإنما يؤخذ من أهل الأذواق، وليس ينال بالقيل والقال وإنما يؤخذ من خدمة الرجال وصحبة أهل الكمال، والله ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح وبالله التوفيق.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016