-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

طريق المحبين وطريق المحبوبين/أبو الحسن الشاذلي


يقول سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه:

اعلم أن العلوم التى وقع الثناء على أربابها هي ظلمة فى علم ذوي التحقيق وهم الذين غرقوا فى تيار بحر الذات وعموم (غموض) الصفات فصاروا هناك بلا هم، وهم الخاصة العليا الذين ورثوا الأنبياء والرسل فى أسرارهم، وإن جلت مراتب الأنبياء والرسل فلهم منها نصيب. إذ ما من نبي ولا رسول إلا وله من هذه الأمة وارث. فكل وارث على قدر إرثه من موروثه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء" ولا يكون وارثاً إلا وله نصيب معلوم من مورثه يقوم مقامه على سبيل التحقيق بالمقام والحال فإن مقامات الأنبياء قد جلت أن يلمح حقائقها غيرهم.
وكل وارث فى المنزلة على قدر موروثه، إذ يقول الله جل وعلا "ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض" كذلك فضل بعض الأولياء على بعض، إذ الأنبياء بعين الحق، وكل عين مستمد منها على قدرها، وكل ولي له مادة مخصوصة، فانقسم الأولياء إلى قسمين: 
• قسم منهم هم أبدال الأنبياء، 
• وقسم منهم أبدال الرسل. 
فأبدال الأنبياء الصالحون، 
وأبدال الرسل الصديقون، 
فبين الصالحين والصديقين فى التفضيل كما بين الأنبياء والمرسلين، فمنهم ومنهم، غير أن منهم طائفة انفردوا بالمادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدونها عين يقين، لكنهم قليلون، وهم فى التحقيق كثيرون، وكل نبى وولى مادته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن الأولياء من يشهد عينه، ومنهم من يخفى عليه عينه ومادته، فيفنى فيما يرد عليه ولا يشتغل بطلب مادته، بل هو مستغرق بحاله لا يرى غير وقته. 
ومنهم الذين مدوا بالنور الإلهي فنظروا به حتى عرفوا أمرهم على التحقيق، وذلك كرامة لهم لا ينكرها إلا من أنكر كرامات الأولياء، فنعوذ بالله من النكران بعد العرفان، وهم الذين أخذوا طريقاً لم يأخذه غيرهم. 
إذ أن الطريق طريقان: 
• طريق خاصة 
• وطريق عامة
فأعنى بالخاصة المحبوبين الذين هم أبدال الرسل، 
وأعنى بالعامة المحبين الذين هم أبدال الأنبياء، 
فعلى جميعهم السلام.

فأما طريق الخاصة، فهو طريق علوي تضمحل العقول فى أقل القليل من شرحها، ولكن عليك بمعرفة طريق العامة، وهى طريق الترقي من منزل إلى منزل إلى أن ينتهي إلى منزل وهو "مقعد صدق عند مليك مقتدر".
ثم شرع سيدي أبو الحسن يشرح طريق العامة فقال:
فأول طريق يطؤه المحب الترقي منه إلى العلا فهو النفس، فيشتغل بسياستها ورياضتها إلى أن ينتهى إلى معرفتها. 
فإذا عرفها وتحقق بها فهناك تشرق عليه أنوار المنزل الثانى وهو القلب فيشتغل بسياسة معرفته. 
فإذا صح له ذلك ولم يبقَ عليه منه شئ رقى إلى المنزل الثالث وهو الروح، فيشتغل بسياستها ومعرفتها، فإذا تمت له المعرفة بها هبت عليه أنوار اليقين شيئاً فشيئاً، حتى إذا أنست بصيرته بترادف الأنوار عليها برز اليقين عليه بروزاً لا يعقل فيه شيئاً بما تقدم له من أنوار المنازل الثلاثة، فهناك يهم ما شاء الله، ثم يمده الله بنور العقل الأصلى فى أنوار اليقين، فيشهده موجوداً لا حد له ولا غاية بالإضافة إلى هذا العبد، وتضمحل جميع الكائنات فيه، فتارة يشهدها فيه كما يشهد الينابيب فى الهواء بواسطة نور الشمس، فإذا انحرف نور الشمس من الكوة لا يشهد للينابيب أثراً، فالشمس التى يبصر بها هو العقل الضروري بعد المادة بنور اليقين.

فإذا اضمحل هذا النور ذهبت الكائنات كلها وبقى هذا الموجود، فتارة يبقى وتارة يفنى حتى إذا أريد به الكمال نودى نداءً خفياً لا صوت له فيمد بالفهم عنه، إلا أن الذى يشهده غير الله ليس من الله فى شيء، فهناك ينتبه من سكرته، فيقول: أي رب أغثني، أي رب أغثني فإني هالك، فيعلم يقيناً أن هذا البحر لا ينجيه منه إلا الله، فحينئذٍ يقال له إن هذا الموجود هو العقل الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول ما خلق الله العقل" وفى خبر آخر "قال له أقبل فاقبل"- الحديث، فاعطي هذا العبد الذل والانقياد لنور هذا الموجود، إذ لا يقدر على حده وغايته، فعجز عن معرفته، فقيل له: هيهات لا تعرفه إلا بغيره، فأهداه الله جل وعلا بنور أسمائه فقطع ذلك كلمح البصر أو كما شاء الله "نرفعُ درجاتٍ من نشاء" فأمده الله بنور الروح الرباني، فعرف به هذا الموجود، فرقى إلى ميدان الروح الرباني، فذهب عنه جميع ما تحلى عنه هذا لعبد وما تخلى عنه بالضرورة، وبقى كلا موجود، ثم أحياه الله بنور صفاته فأدرجه بهذه الحياة فى معرفة هذا الموجود الرباني، فلما استنشق من مبادئ صفته كاد يقول هو الله، فلحقته العناية الأزلية فنادته: ألا إن هذا الموجود هو الذى لا يجوز لأحد أن يصفه ولا أن يعبر عنه بشيء من صفاته لغير أهله لكن بنور غيره يعرفه، فأمده الله بنور سر الروح، فإذا هو قاعد على باب ميدان السر، فرفع همته ليعرف هذا الموجود الذى هو السر، فعمي عن إدراكه فتلاشت جميع أوصافه كأنه ليس بشيء، ثم أمده الله بنور ذاته فأحياه به حياة باقية لا غاية لها، فنظر جميع المعلومات بنور هذه الحياة، فصار أصل الموجودات نوراً شائعاً فى كل شيء لا يشهده غيره، فنودي من قريب: لا تغتر بالله، فإن المحجوب من حجب عن الله بالله إذ محال أن يحجبه غيره فيحيى بحياة استودعها الله فيه، فقال: أي رب بك منك إليك فأقل عثرتي، فإني أعوذ بك منك حتى لا أرى غيرك، فهذا هو سبيل الترقى إلى حضرة العلي الأعلى، وهو طريق المحبين أبدال الأنبياء، والذى يعطى أحدهم من بعد هذا لا يقدر أحد أن يصف منه ذرة ، والحمد لله على نعمائه، والصلاة على محمد خاتم أنبيائه.
وأما الطريق المخصوص بالمحبوبين فهو منه إليه، إذ محال أن يتوصل إليه بغيره، فأول قدم لهم بلا قدم أن ألقى عليهم من نور ذاته، فغيبهم عن عباده، وحبب إليهم الخلوات، وصغرت لديهم الأعمال الصالحات، وعظم عندهم رب الأرضين والسموات، فبينما هم كذلك إذ البسهم ثوب العدم فنظروا فإذا هم لا هم، ثم أردف عليهم ظلمة غيبتهم عن نظرهم بل صار عدماً لا علة له، فانطمست جميع العلل وزال كل حادث، فلا حادث ولا وجود، بل ليس إلا العدم المحض الذى لا علة له، وما لا علة له فلا معرفة تتعلق به، اضمحلت المعلومات وزالت المرسومات زوالاً لا علة فيه، وبقى من أشير إليه لا وصف له ولا صفة ولا ذات، فاضمحلت النعوت والأسماء والصفات، فلا اسم ولا صفة ولا ذات، فهناك ظهر من لم يزل ظهوراً لا علة فيه، بل أظهر سره لذاته فى ذاته ظهوراً لا أولية له، بل نظر من ذاته لذاته بذاته فى ذاته، فحيى هذا العبد بظهوره حياة لا علة فيها، فظهر بأوصاف جميلة كلها لا علة لها، فصار أولاً فى الظهور لا ظاهر قبله، فوجدت الأشياء بأوصافه، وظهرت بنوره فى نوره، فأول ما ظهر سره فظهر به قلبه، ثم ظهر أمره بسره في سره، وظهرت بأمره الذوات فى نور القلم بنور القلم، ثم ظهر عقله بأمره في أمره وظهر به عرشه في نور لوحه بنور لوحه ثم ظهر روحه بعقله فى عقله، وظهر بروحه كرسيه في نور عرشه بنور عرشه، ثم ظهر قلبه بروحه في روحه، فظهر بقلبه حجبه في نور كرسيه بنور كرسيه، ثم ظهرت نفسه بقلبه فى قلبه فظهر بنفسه فلك للخير وللشر فى نور حجبه بنور حجبه، ثم ظهر جسمه بنفسه في نفسه فظهر بجسمه أجسام العالم الكثيف من أرض وسماء، وعلى الجملة كل كثيف فى نور الفلك بنور الفلك، فإذا أول قدم هذا المحبوب الفرد طرح النفس عدماً وهو طرح لا علة فيه، فهو استقبال العدم بسقوط الأولية والآخرية والظاهرية والباطنية، فيكون استقبال صفة معدومة لمعدوم، ومعنى الصفة المعدومة للمعدوم: أي لما انتهى العبد بدليل العلة وهو شهود الحق كلا شهادة، متصلة غير منفصلة، شهادة لا غفلة فيها قام عليه دليل لا علة فيه ولا له وهو شهود العدم المحض، ومعنى قيام الدليل الذى لا علة فيه ضرورة عدم المخلوقات المشهودات هو ذلك، فترادف عليه دليل العدم المحض وهو سكرة النسيان الدائم أبداً حتى حيى الحياة التى أشير إليها فيما تقدم من الكلام على هذا المقام. فإذا طريق هذا العبد طريق علوي، فأول ما طرح فى بحر الذات، فانعدم فأحيى حياة طيبة فنقل من غير تنقل إلى بحر الصفات ثم بحر الأمر الربانى ثم بحر السر ثم بحر القلم الأصلي ثم بحر الروح ثم بحر القلب ثم بحر النفس ثم بحر الحس ثم لقيه بحر السر فطرحه فى بحر القلمية ثم بحر اللوحية ثم بحر العرشية ثم بحر الكرسي ثم بحر الحجبية ثم بحر الفلكية فلقيه بحر السر المحيط فطرحه فى بحر الملكية ثم بحر الإبليسية ثم بحر الجنية ثم بحر الإنسية، فلقيه هناك بحر السر فطرحه فى بحر الجنان ثم بحر النيران ثم طرحه فى بحر الإحاطة وهو بحر السر، فغرق هناك غرقاً لا خروج له منه أبداً الأبد إلا بإذن، فإن شاء بعثه عوضاً من الرسول يحيي به عباده، وإن شاء ستره يفعل فى ملكه ما يشاء، وكل بحر من هذه الأبحر قد انطوت فيه أبحر شتى لو دخل الصالح الذى هو بدل النبي فى أقل بحر من هذه الأبحر لغرق فيه غرقاً لا نجاة له منه، فهذه عبرة من بيان طريق الخصوص والعموم والحمد لله كثيراً.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016