-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

مقامات وأحوال الصوفية : الـحـيــاء

مقامات وأحوال الصوفية"الـحـيــاء"

إن الحياء خلق يبعث على فعل كل مليح وترك كل قبيح، فهو من صفات النفس المحمودة.. وهو رأس مكارم الأخلاق، وزينة الإيمان، وشعار الإسلام؛ كما في الحديث: "إن لكل دين خُلقًا، وخُلُقُ الإسلام الحياء".
قال تعالى : (إن الله كان عليكم رقيبا) وقال تعالى : (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ).
ونظرًا لما للحياء من مزايا وفضائل؛ فقد أمر الشرع به وحث عليه، بل جعله من الإيمان، ففي الصحيحين: الإيمان بضع وسبعون شعبة - أو بضع وستون شعبة - فأفضلها : قول لا إله إلا الله . وأدناها إماطة الأذى عن الطريق . والحياء شعبة من الإيمان . 
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها . فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم : إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت . 
وقيل أَن الحياء يوجب التذويب فيقال الحياء ذوبان الحشا لاطلاع المولى قال سيدناعمر رضي الله عنه: (مَن قلَّ حياؤه قلَّ ورعه، ومَن قلَّ ورعه مات قلبه) .قال ابن حجر: (الحَياء: خُلُق يبعث صاحبه على اجتناب القبيح، ويمنع مِن التقصير في حقِّ ذي الحقِّ).
وقيل هو: (تغيُّر وانكسار يعتري الإنسان مِن خوف ما يُعَاب به ويُذَمُّ، ومحلُّه الوجه).
قال تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف:26].
فُسِّر لباس التَّقوى بأنَّه الحَيَاء كما رُوِي عن الحسن ، ومعبد الجهني .
يقول ابن عربي قدس الله سره : « من حقيقة الحياء : وجود العلم بما يجب لله تعالى ، وأنت القائم به والمطلوب عقلاً وشرعاً ، ومحال أن يقدر مخلوق على الوفاء بما يجب لله تعالى من عليه تعظيمه ، عقلاً وشرعاً ، ولابد له من لقاء ربه وشهوده ومقامه هذا ، فالحياء يصحبه في الدنيا والآخرة ، لأنه لا يزال ذاكراً لما يجب عليه ، وذاكراً لعدم قيامه في حق الله بما يجب له ، وقد ورد في الخبر ما يؤيد هذا : أن الحق إذا تجلى لعباده يوم الزور الأعظم ، ويرفع الحجب عن عباده ، فإذا نظروا إليه جل جلاله قالوا سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ، فهذا الاعتراف أوجبه الحياء من الله عز و جل فالحياء أنطقهم بذلك » .
قسم الإمام الهروي الحَيَاء ثلاث درجات: 
الدرجة الأولى : حياء يتولد من علم العبد بأن الله ناظر اليه , فيدعوه ذلك الى الدأب في الطاعة والنفور من المعصية .
الدرجة الثانية : الحياء الذي يتولد في العبد عند شعور قلبه بأن الله تعالى معه , وأنه مع الله , وأن الله قريب منه بالإجابة والإثابة . 
الدرجة الثالثة : حياء يتولد من شهود الحضرة . وهي التي لا تشوبها هيبة . ولا تقارنها تفرقة . ولا يوقف لها على غاية . 
شهود الحضرة : انجذاب الروح والقلب من الكائنات ، وعكوفه على رب البريات ، فهو في حضرة قربه مشاهدا لها . وإذا وصل القلب إليها غشيته الهيبة وزالت عنه التفرقة . إذ ما مع الله سواه . فلا يخطر بباله في تلك الحال سوى الله وحده . وهذا مقام الجمعية . وخلاصة الدرجات حياء المحبة : فهو حياء المحب من محبوبه ، حتى إنه إذا خطر على قلبه في غيبته هاج الحياء من قلبه ، وأحس به في وجهه . ولا يدري ما سببه . وكذلك يعرض للمحب عند ملاقاته محبوبه ومفاجأته له روعة شديدة . ومنه قولهم : جمال رائع . وسبب هذا الحياء والروعة مما لا يعرفه أكثر الناس . ولا ريب أن للمحبة سلطانا قاهرا للقلب أعظم من سلطان من يقهر البدن . فأين من يقهر قلبك وروحك إلى من يقهر بدنك ؟ ولذلك تعجبت الملوك والجبابرة من قهرهم للخلق وقهر المحبوب لهم ، وذلهم له . فإذا فاجأ المحبوب محبه . ورآه بغتة : أحس القلب بهجوم سلطانه عليه . فاعتراه روعة وخوف .
أقوال في الحياء:
يقول الامام عبد القادر الكيلاني قدس الله سره : « الحياء : أن يستحيي العبد أن يقول الله ما لم يقم بحقه ، وأن يتوجه إلى الله بالمحارم ، وأن يتمنى على الله ما لا يستحقه عليه ، وأن يترك المعاصي حياءً لا خوفاً ، وأن يقضي الطاعات ، وأن يرى الحق مطلعاً عليه فيستحي منه » .
يقول الشيخ الحسين بن منصور الحلاج : « حياء الرب أزال عن قلوب أوليائه سرور المنة ، بل حياء الطاعة أزال عن قلوب أوليائه شهود سرور الطاعة » .
ويقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام : « الحياء خمسة أنواع : حياء ذنب ، وحياء تقصير ، وحياء كرامة ، وحياء حب ، وحياء هيبة ، لكل واحد من ذلك أهل ولأهله مرتبة على حدة » .
يقول الشيخ عمر السهروردي : « الحياء على الوصف العام والوصف الخاص . فأما الوصف العام : فما أمر به رسول الله قدس الله سره في قوله : استحيوا من الله حق الحياء ... وهذا الحياء من المقامات . وأما الحياء الخاص فمن الأحوال : وهو ما نقل عن عثمان رضي الله عنه أنه قال : إني لأغتسل في البيت المظلم فأنطوي حياء من الله » .
قال الجنيد - رحمه الله : الحياء رؤية الآلاء . ورؤية التقصير ، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء . وحقيقته خلق يبعث على ترك القبائح . ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق . 
قَالَ يَحْيَي بْن معاذ: من استحيا من اللَّه مطيعا استحيا اللَّه تَعَالَى منه وَهُوَ مذنب.ومن كلام بعض الحكماء : أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيا منه . وعمارة القلب : بالهيبة والحياء . فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير . 
وقال ذو النون : الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربك ، والحب ينطق والحياء يسكت . والخوف يقلق . 
قال أبو عَلِيّ الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ : الحياء ترك الدعوى بَيْنَ يدي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ
وقال السري : إن الحياء والأنس يطرقان القلب . فإن وجدوا فيه الزهد والورع وإلا رحلا . 
وفي أثر إلهي ، يقول الله عز وجل : ابن آدم . إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك . وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك . ومحوت من أم الكتاب زلاتك . وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة . 
وفي أثر آخر : أوحى الله عز وجل إلى عيسى عليه الصلاة والسلام : عظ نفسك . فإن اتعظت ، وإلا فاستحي مني أن تعظ الناس . 
وفي أثر آخر : ما أنصفني عبدي . يدعوني فأستحيي أن أرده . ويعصيني ولا يستحيي مني . 
وقال الفضيل بن عياض : خمس من علامات الشقوة : القسوة في القلب . وجمود العين . وقلة الحياء . والرغبة في الدنيا . وطول الأمل . 
وقال يحيى بن معاذ : من استحيا من الله مطيعا استحيا الله منه وهو مذنب . 
وقيل أيضًا: قلَّة الحَيَاء مِن موت القلب والرُّوح، فكلَّما كان القلب أحيى كان الحَيَاء أتم.
وقال أبو عبيدة النَّاجي: سمعت الحسن يقول: (الحَيَاء والتَّكرُّم خصلتان مِن خصال الخير، لم يكونا في عبد إلَّا رفعه الله عزَّ وجلَّ بهما) .
وقال ابن عطاء: العلم الأكبر: الهيبة والحَيَاء؛ فإذا ذهبت الهيبة والحَيَاء، لم يبق فيه خير.
وقال أبو عثمان: مَن تكلَّم في الحَيَاء ولا يستحي مِن الله عزَّ وجلَّ فيما يتكلَّم به، فهو مُستَدرَج.
وقال الجريري: تعامل القرن الأوَّل مِن النَّاس فيما بينهم بالدِّين، حتى رقَّ الدِّين.. ثمَّ تعامل القرن الثَّاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء، ثمَّ تعامل القرن الثَّالث بالمروءة حتى ذهبت المروءة، ثمَّ تعامل القرن الرَّابع بالحَيَاء حتى ذهب الحَيَاء، ثمَّ صار النَّاس يتعاملون بالرَّغبة والرَّهبة.
وقال ابن أبي الدُّنْيا: (قيل لبعض الحكماء: ما أنفع الحَيَاء؟ قال: أن تستحي أن تسأله ما تحبُّ، وتأتي ما يكره) .

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016