-->
نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

كتاب : الحقيقة القلبية الصوفية / أحمد لسان الحق(11).

ضرورة الشيخ المربي الحقيقي واشتراط الإذن الخاص 

إذاً من سمتْ همّته ، وتاقت نفسه إلى الحقيقة الغيبيّة ، والمعرفة الإلهيّة ، والكرْع من الفيوضات الربّانيّة ، وإلى العلم اللّدُني ّالوهبيّ ، الذي طلبه نبي الله موسى عليه السلام في اتّباع العبد الصالح ، كان عليه أن يطلبه ، ليس من الفقهاء المتخصّصين في الفقه والفتوى ، ولكن من الأولياء والعارفين ، المتخصّصين في الدّلالة على الله ، وتربية أرواح عباده ، كي تصفو وتطهر، وتصلح لحضرته. ذلك أن عالَم المادّة ظلمة ، وعالَم الروح نور ، والظلمة والنُّور لا يجتمعان ، والانتقال - باطنيا - من عالَم الظلمة إلى عالَم النّور يحتاج إلى عمليّة تنوير الباطن ، وتلك من مهمّة الشيوخ الحقيقيون الملهمون في التربيّة الروحيّة.

ومن علامة الشّيخ المربيّ الرّوحيّ أنه يدفن نفسه في أرض العبودية ، ولا يدّعي أيَّ شيء ، ولا يقوم إلآّ بإذن الله وإرادته ، وإذا قام بنفسه وإرادتها ، فمدّع يُعرضُ نفسه ومن ادّعى تربيتهم للخطر ، إذ يعملُ بدون حصانة ربّانيّة ، والإذن المشروط في القيام بالتصرّف في تربية الأرواح إشارة غيبيّة إلهيّة ، يحصل بها الشّيخ على إذن ربّانيّ ، يتحصّن به هو وأتباعه من الآفات.

والمعلوم أن الوحي خاصّ بالأنبياء ، ويكون بواسطة الملَك ، والخطاب الإلهي الذي يتصاعد في القلوب الطيّبة الطّاهرة ، الفارغة ممّا سوى الله ، يقع لبعض العارفين وأول من أكرمه الله بهذه المكرمة الخاصة ، هو الخليفة الثاني لمولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب . واصحاب الإذن الخاص من بين جميع الأولياء والعارفين ، هم وحدهم الذين يحقُّ لهم القيام بالتّصرف في تربية الأرواح ، وتصفيتها بوسائلشرعيّة في الظاهر ، معنويّة روحيّة في الباطن ، ويُعرفون بأصحاب السّر والمدد ، ويشترطُ لهذا النّوع من الإذن الخاصّ أن يأتي من القلب ، حيث محطّ تجلّيات الخالق ، وأن لا يُسمع بالأذنين ، تجنّبا للخلط بين الخطابات الإلهيّة ، وهواتف الجنّ ، وأن يتكرّر حتى يتحقّق وأن يقع في اليقظة. وإذا وقع في المنام لا يعُعتدّ به . وبذلك يتّضح - على عكس ما يجهله البعض - أنّ مؤهلة الشيخ في التّربيّة الروحيّة ، لا تكمن في الوصول إلى الولاية والمعرفة ، فليبق على مستوى الإرشاد والدّعوة والإقتصار على الذكر التّعبّدي ، بعيدا عن محاولة معالجة الأرواح ، التي لا تمسّ إلاّ بإذن خالقها.

وقد أسرّ إليّ شيخ لنا في التربية الروحيّة كان يحبّني ومات منذ ربع قرن من الزّمن أنه لم يقم بالتربيّة ، ولم يشرع في إعطاء الإذن في الذكر للمريدين ، إلّا بعد أن سمع نداء الحق في قلبه. وقد كتمت هذا السرّ -الذي لم يأذن لي في نشره -حتّى عمّن معي من الذاكرين ، تجنُّبا للنّقاش ، وفتح ملفّ المهاترات مع المرضى بهوْس الجدال العقيم ، عملا بقوله تعالى :{ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ } (19) إلاّ أنّ واجب الإيضاح والبيان ، قد فرض نشر المطويّ ،وإفشاء السرّ المكتوم ، خدمة للحق والحقيقة ، ووفاءً لما تقتضيه الأمانة العلميّة في البحث ، وكي لا نتأثّم ويصدق فينا قول النبي صلى الله عليه وسلم :{مَن عَلمَ علْمًا وكَتَمَهُ ألْجَمَهُ الله بلجام منَ النّار} والحديث يشمل كلّ ما الناس في حاجة إلى معرفته ، كي لا يضيع الحقّ ، ويعيش الباطل على حسابه ، خصوصا ما يتعلق بالحقيقة الإلهيّة ، التي هي أمُّ الحقائق الغيبيّة ، ومصدر المعرفة الربانيّة ، وسرّ الأسار في هذا الوجود { فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } (20) إنّ الحقيقة العلميّة - ظاهريّة كانت أم باطنيّة - تفرض وجودها ، ولا ينبغي كتمانها ، وبعد نشرها فالناس - حسب اختصاصاتهم واستعداداتهم الباطنيّة ، ومؤهلاتهم الفطريّة ، ودرجات إيمانهم بالغيب - أحرار ، فمن شاء فليصدّق ومن شاء فليكذّب ، والله من وراء كلّ قائل حيّا أو ميّتا.

إنّ "الحكمة ضالّة المُؤمن أيْنَما وجَدها أخدَها" ولمَ لا ؟وقد حضرني الآن أنّ جدّتي رحمة الله عليها ، كانت تقول - بكلّ بساطة - فيما ينبغي أن يكون عليه الموقف بالنّسبة للقوّالين والملاحظين ما معناه : أين تجد ألف خرقة لتسدّبها ألف فم ؟ دعهُم يقولوا ما شاءوا ، والمثل العربيّ يقول :"رُبّ سُكوت أبْلَغُ من كَلام" وأحيانا عدم الجواب هو الجواب ، وإذا كان لابدمن الجواب ، خاصّة لمن يلاحظ جهلا في الحقائق الغيبيّة ، فأحسن جواب هو جواب الشيخ الخضري ، لمّا نشر بحثا ، وقيل لأه :"إنّ البعض يلاحظ على ما كتبت ، فأجاب : "لم أكتب للملاحظين ، إنّما كتبتُ لغيرهم" والملاحظات إذا لم تكن علميّة بنّاءة تحمل أدلّتها تعتبر من لغو الكلام ، وقد مدح الله الذين يعرضون عن اللّغو ، فقال : { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ}( سورة القصص 55).

ثمّ إنّ شيخنا هذا رحمه الله ، قد أخبرني أنّ شيخه - قبل الإذن الغيبيّ - أذن له آخر حياته في التربيّة والدعوة إلى الله ، وأمره أن لا يتصرّف في حياته ، وأن ينتظر حتّى يأتيه الإذن من جهة أخرى...وعندئد يحق له أن يستقّل بالتربيّة ، ويلهَم سلوكا جديدا يعتمده ، ويُنوّع الأذكار ، حسب طبائع المريدين ، وأحوالهم ، ويعالج كلّ حالة بما يناسبها ، إضافة إلى الورد العامّ الموحّد ،. ومن لم يتأكد له الإذن قلبيّا ، ينبغي أن يلزم الأدب مع شيخه ، ولو بعد موته ، ويبقى مريدا أو مرشداً أو مقَدَّما في طريقته ، متبرّكا ومتعبّدا هو ومن معه بالأذكار التي حصل عليها في حياته ، كما وقع في كثير من الطرُق.

ممّا يدلّ على أنّ الشيخ في التربيّة الروحيّة ، لا يحقُّ له أن يَستقلّ ، ويقوم بالتصرّف في تربيّة الأرواح ، ومعالجتها ومحاولة تصفيتها بإذن من شيخه فحسب وإنما بإذن من الله ، الذي روح الشيخ وروح العباد بيده ، باعتبار الإذن أساس التوفيق والهداية ، والحصانة له وللمريدين ، كما لا ينبغي له أن يخرج عن دائرة شيخه في حياته مُطلقًا ، ولو بعد موته ، إذ لم يحصل على الإذن من الله والرسول صلى الله عليه وسلّم واستخلاف الشيخ لأحد المريدين ، الذي يُحمل أصلا على الإذن في تسيير طريقته ، يستفيد منه على مستوى التعبّد والدّعوة والإرشاد العام ، ولا يؤهله لتربية الأرواح. ومن هنا ضاعت الحقيقة ، وانحرف قطارها عن سكّته ، وانزلق نحو تصرّفات المدّعين والمبتدعة والمشعودين والمضلّلين . وهو جانب مظلم لم يدخل في اختصاص هذه الدراسة ، ولم يقع في الإطار المحدّد لمنهجيتها ، وحسابهم على الله إن شاء الله غفر ، وإن شاء عاقب. 

**     **    **

19- سورة الأحقاف : 11
20 - سورة يونس :32


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016