نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

الرابطة الشريفة : التَّوَجُّه في الطريقة القادرية البودشيشية.


(الرابطة الشريفة)


يقول محقق كتاب مكتوبات العارف بالله الشيخ خالد النقشبندي في مقدمته على كتاب المكتوبات ما نصه: (الإنسان لا يخلو من رابطة ما فمن مرابط لماله ومن مرابط لحرفته ومن مرابط للنساء ومن مرابط لأصحابه وأخدانه إلى غير ذلك فالرابطة في إصلاح الصوفية ليست إلا عبارة عن نفي هذه الروابط عن القلب وصرفه عنها وربطه بالشيخ وتخيله كأنه معه ومن المقرر أن إعمال الفكر في أمر من الأمور ربطه به على سبيل المحبة لاسيما إذا استولت هذه الخطرة على القلب يعمل في نفس الإنسان عمل مزاولة ذلك الأمر فإعماله في الأمور المحمودة محمود وفي الأمور المذمومة مذموم...).
وقال الشيخ خالد النقشبندي:" الرابطة هي من أعظم أسباب الوصول بعد التمسك التام بالكتاب العزيز وسنة الرسول"(1).

وقال من الأئمة الشافعية الإمام الغزالي في الإحياء وفي باب تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن من الصلوات ما نصه: (وأحضر في قلبك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشخصه الكريم وقل السلام عليك أيها النبي وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك ما هو أوفى منه).
وقال منهم العلامة الشهاب ابن حجر المكي شيخ الشهاب الخفاجي في شرح العباب في بيان معاني كلمات التشهد ما نصه:( وخوطب صلى الله عليه وآله وسلم كأنه إشارة إلى أنه تعالى يكشف له عن المصلين من أمته حتى يكون كالحاضر معهم ليشهد لهم بأفضل أعمالهم وليكون تذكر حضوره سببا لمزيد الخشوع والخضوع ثم أيده بما مر عن الإحياء).
وقال منهم أيضا محشي الأشباه: أحمد بن محمد الشريف الحموي في كتابه: (نفحات القرب والاتصال بإثبات التصرف لأولياء الله تعالى والكرامة بعد الانتقال) ما خلاصته: (إن الأولياء يظهرون في صور متعددة بسبب غلبة روحانيتهم على جسمانيتهم وحمل على هذا المعنى ما في بعض روايات الحديث الصحيح حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم : "ينادى من كل باب من أبواب الجنة بعض أهل الجنة" فقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه : وهل يدخل من تلك الأبواب كلها؟ فقال: (نعم وأرجو الله أن تكون منهم)(2). 

والأنبياء يظهرون في صور متعددة أكثر من باب أولى كما حصل مع سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام حين مر بسيدنا موسى صلى الله عليه وآله وسلم في قبره فوجده يصلي ليلة إسراءه ثم صلى به في المسجد الأقصى ثم وجده في السماء السادسة وهو الذي كان سببا في تخفيف الصلاة من الخمسين إلى خمس وأجساد الأنبياء لا تبلى وهم أحياء في قبورهم.
وقال منهم الحافظ الجلال السيوطي في رسالة حافلة ألفها في مثل هذه المادة سماها (كتاب المنجلي في تطور الولي) نقلا عن الإمام السبكي الشافعي في (الطبقات الكبرى) : (الكرامات أنواع... إلى أن قال: الثاني والعشرون: التطور بأطوار مختلفة وهو الذي يسميه الصوفية المثال وبنوا عليه تجسد الأرواح وظهورها في صور مختلفة من عالم المثال واستأنسوا بقوله تعالى :"فتمثل لها بشرا سويا"(3).

وقال منهم أيضا العلامة شمس الدين ابن قيم الجوزية في كتابه (الروح): إن للروح شأنا آخر غير شأن البدن وتكون في الرفيق الأعلى وهي متصلة ببدن الميت بحيث إذا سلم على صاحبها رد السلام وهي من مكانها هناك انتهى نقلا عن الحافظ السيوطي في كتابه المنجلي.
وقد جاء في كتاب (رشحات عين الحياة) أيضا في معنى قوله تعالى :"وكونوا مع الصادقين"(4) إن للكينونة معهم معنيين: كينونة بحب الصورة وهي التزام مجالسة أهل الصدق ومصاحبتهم حتى ينور باطنه بأنوار صفاتهم وأخلاقهم بسبب دوام الصحبة معهم وكينونة بحسب المعنى وهو أن يلتزم طريق الرابطة بحسب الباطن بطائفة يستحقون الوساطة ولا تنحصر الصحبة في المجالسة الصورية والنظر بالعين بل ينبغي أن يجعل الصحبة دائمة وأن يتجاوز عن الصورة إلى المعنى حتى تكون الواسطة في نظره دائما ويكون المقصود الأصلي حاصلا حقيقة بتلك الواسطة.
وقال الإمام الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين) في باب تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة: فاعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها فلا ينصرف القلب إلى الله عز وجل إلا بالتفرغ عما سواه.

وقال الشهاب بن حجر في الفتاوى الصغرى إن الرابطة هي الطريقة السالمة من كدرات جهلة الصوفية وهي مندوبة لأنها من الوسائل الموجبة لدفع الخطرات ونفي الغفلة والوسائل لها حكم المقاصد والأمر الذي لم ينه عنه الشرع يسوغ فعله إما عن طريق الإباحة إن أدى إلى مباح أو الندب إن أوجب مندوبا أو الواجب إن حصّل واجبا لا يحصل بغيره.
فقد حصل لنا بالتجربة أنا إذا تصورنا الرابطة انتفت عنا الأغيار كلها وبقي هذا الغير وحده فتعرض حينئذ وهذا مثل إنسان له أعداء فتودد إلى بعضهم وسلطه على باقيهم فإذا أهلكهم عنه لم يبق إلا واحد فيقدر على إزالته فيزيله وهذا وجه ينبغي للمنصف أن يتأمله فإنه ظاهر الحسن مطابق للواقع لأن الرابطة ليست مرادة لعينها بل مرادة لغيرها.
وقال تعالى :"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة"(5)، والوسيلة بالأعمال الصالحات ولا تكون الأعمال الصالحة إلا بالإخلاص ولا يكون العمل خالصا إلا إذا خلا من الشوائب وقد حصل بالتجربة أنا إذا اشتغلنا بالرابطة خلت أعمالنا من شوائب الغفلة والعمل في الغفلة غير معتد به لأنه لا يكتب للعبد من صلاته إلا ما عقل منها فهي من الوسائل الموجبة للغفلة وزوال الغفلة مقصود وما أوصل إلى المقصود فهو مقصود ومن لوازم زوال الغفلة الحضور وهو من أشرف الوسائل والرابطة لزوال الغفلة فهي أيضا من أشرف الوسائل الموجبة للخشوع والحضور ومن أوثق الأسباب لتذكر العبد أثناء الذكر أو غيره أنه عبد لله وأنه إنما يجلس بين يدي رب العزة والجلال من بيده مقاليد أمره كله ومن لا يستطيع جميع الناس ولو اجتمعوا أن يلحقوا به ضرا أو نفعا إلا بإذنه فهل يليق به بعد هذا كله أن يجالسه بجسده وقد شتت قلبه وفكره هنا وهناك وهو يعلم أنه يعلم السر وأخفى فتراه عندها يهرع إلى الرابطة وما ذاك إلا عملا بقوله الصريح صلى الله عليه وآله وسلم : «خير الوجوه من إذا رأيته ذكرك الله».(6) فينقطع بذلك كل ما يشوشه أو يعرقل تفكره في خالقه وجليسه جل وعلا وحسبنا هذا الحديث دليلا لمن يرضى بقول الله وقول رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ويخضع من خلالها للحق ويصم سمعه عن الافتراء ولسانه عن الجدل والمراء ويكون مفتاحا للخير مغلاقا للشر يجمع بين المسلمين ولا يفرقهم.
ويقول الإمام الغزالي في الصحيفة (169) من الجزء الأول أيضا عن الكلام على الصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : (واحضر في قلبك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشخصه الكريم وقل: سلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك ما هو أوفى منه ثم تسلم على نفسك وعلى جميع عباد الله الصالحين).
ويقول العارف بالله المرحوم الشيخ محمد أمين الكردي: رابطة المرشد: وهي مقابلة قلب المريد بقلب شيخه وحفظ صورته في الخيال ولو في غيبته وملاحظة أن قلب الشيخ كالميزان ينزل الفيض من بحره المحيط إلى قلب المريد المرابط واستمداد البركة منه لأنه الواسطة إلى التوسل ولا يخفى ما في ذلك من الآيات والأحاديث قال الله تعالى :"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة"(7).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم :"المرء مع من أحب"(9).
وقال العارفون : "كن مع الله فإن لم تستطع فكن مع من كان مع الله".
قال الشيخ الأكبر مولانا عبدالله الأحرار المشهور بخواجه أحرار: (إن الكينونة مع الصادقين المأمور بها في كلام رب العالمين على قسمين : كون بحسب الصورة ، وهي مجالستهم حتى تنطبع فيه صفاتهم، وكون بسحب المعنى ثم فسر الكينونة بمعنى الرابطة)(10).
فإن قال أحد : من أين لكم أن استحضار صورة رجل في الذهن – ولو كان من الصالحين – تحصل به هذه المطالب كلها؟
وإن استحضاركم بسبب تعلق القلب؟ وإنه جائز؟
والجواب عن هذا من وجوه: الأول : قولك من أين لكم أن استحضار صورة رجل في الذهن تحصل به هذه المطالب كلها؟
أقول: قال تعالى :"فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"(11) ، ألا ترى انك إذا كبرت تكبيرة الإحرام اشتغلت برابطة التاجر الذي يعطيك زكاة أو صدقة أو برابطة الحاكم أو الزير الذي يعدك بمنصب أو عطية أو برابطة أهلك ومالك أو بكل في الركعة أو السجدة وتنسى من أنت واقف بين يديه ولا تستحي منه وتنسى نفسك وتخرج من الصلاة ولا تدري أي شيء قلت، أتنكر ذلك؟! ما أراك تجحد ذلك!! ومن المعلوم أن زوال الغفلة مطلوب وهو مفتاح السعادة أن الحضور روح العبادة وزال الغفلة لا يكون إلا بنزول رحمة الله تعالى على عبده ومن أسباب نزول الرحمة: ذكر الصالحين قال سفيان بن عينية :"عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة" وذكرهم من لوازم محبتهم ومحبتهم فرض لقوله عليه الصلاة والسلام :"من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله فقد استكمل الإيمان"(12) ومحبتهم محبة الله لقوله صلى الله عليه وآله وسلم حاكيا عن الله تعالى : "حقت محبتي على المتحابين فيَّ والمتزاورين فيَّ والمتباذلين فيَّ والمتصادقين فيَّ"(13) وعداوتهم محاربة لله تعالى لقوله على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم :«من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب»(14).
وقال الشيخ صاحب الرسالة أيضا وهو يتكلم عن رابطة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وأهميتها ونفع السالك في الطريق الوصول إلى مراقبة الله عز وجل ونفي ما سواه: (واعلم أيها الأخ في الله – ألهمك الله رشدك إن رابطة الشيخ الكامل توصلك إلى رابطة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك من أجل النعم واوفر القسم " وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم"(15) والفناء في النبي صلى الله عليه وآله وسلم موجب للولوج في حضرة القدس والهيجان في مفاوز الأنس والتعرض لنفحات الله تعالى مأمور به ومحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرض وروي عن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"(16) .
والنفس تدخل في عموم قوله :"والناس أجمعين" وقد وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبدالله بن هشام وهو أن عمر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم :"لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال عمر رضي الله عنه فإنه الآن والله لأنت أحب اليَّ من نفسي فقال صلى الله عليه وآله وسلم «الآن يا عمر»(17) . ويكفيك قوله تعالى :"النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم "(18).
فمن هو أولى بك من نفسك فكيف لا ينبغي أن يكون أحب إليك منها؟ قال سهل رضي الله عنه : (من لم يرَ ولاية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جميع أحواله ويرَ نفسه في ملكه لا يذوق حلاوة سنته)(19).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :«من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي يودُّ أحدهم لو رآني بأهله وماله»(20).
وفي كتاب (الشفا) سئل علي رضي الله عنه : كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال: كان والله أحب الينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البراد على الظمأ .(21).
وعن زيد بن أسلم رضي الله عنه : خرج عمر رضي الله عنه ليلة يحرس فرأى مصباحا في بيت عجوز تنفش صوفا وتقول:
على محمد صلاة الأبرار ... صلى عليه الطيبون الأخيار
قد كنت قواما بكا بالأسحار ... يا ليت شعري والمنايا أطوار
هل تجمعني وحبيبي الدار
فجلس عمر رضي الله عنه يبكي(22).
وروي أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما خدرت رجله فقيل له: أذكر أحب الناس اليك يزل منك فصاح (يا محمداه ) فانتشرت(23).
قال: والعم أن من أحب شيئا آثره وآثر موافقته وإلا لم يكن صادقا في حبه وكان مدعيا فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تظهر علامات ذلك عليه.
وعن انس بن مالك رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل) ثم قال لي: (يا بني وذلك من سنتي ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة)(24).
وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعده لا يذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا وكذلك كثير من التابعين.
وقال بعضهم: المحبة دوام الذكر للمحبوب.
وقال آخر: الميل الدائم بالقلب الهائم.
وقال آخر: أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب.
وقال آخر : إيثار المحبوب على جميع المصحوب.
وقال آخر: موافقة الحبيب في المشهد والمغيب.
وقال آخر: أن تهب كلك لمن أحببت.
وحقيقة الحب: الميل إلى ما يوافق الإنسان وتكون موافقته له إما بإدراكه كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة والأطعمة والأشربة اللذيذة وأشباهها أو استلذاذه بإدراكه بحاسة عقله وقلبه معاني شريفة باطنة كمحبة الصالحين والعلماء وأهل المعروف والمأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة ، فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء.
وقال الشهاب ابن حجر في شرح الهمزية عند قول الناظم:
فاملاء السمع من محاسن يمليها ... عليك الإنشاد والإنشاء
فإنها تحدث للسامع سكرا وأريحية وطربا وتحريكا للنفس إلى جهة محبوبها فيحصل بتلك الحركة والشوق تخيل المحبوب وإحضاره في الذهن وقرب صورته من القلب واستيلاؤها على الفكر فيحصل للروح ما هو أعجب من سكر الشراب وألذ من عشاق الشوابِّ!.
ومن فوائد الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم محبة المصطفى عليه صلى الله عليه وآله وسلم بل زيادة المحبة المذكورة اللازمة لها ازدياد للشوق مع استحضار للمحاسن النبوية في القلب والحنان بحيث يمثل خياله به ولا يكاد يفتر عن ذكر القلب واللسان.
واعلم أنه يتأكد على المصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتصور وقت الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم صورته النبوية الكريمة في مرآة قلبه كأنه بين يديه سائلا من الله الصلاة والسلام عليه لأنه إذا واظب المصلي على ذلك تدوم عليه أسرار أنواره الكريمة المحمدية.
واعلم ان من ثمرات الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم انطباع صورته الكريمة في النفس انطباعا ثابتا متأصلا متصلا.
وقال القاضي في (الشفا): (إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله لأنت أحب الي من أهلي ومالي وإني لأذكرك فما أصبر حتى أجيء فانظر إليك وإني ذكرت موتي وموتك فعرفت انك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإن دخلتها لا أراك فانزل الله تعالى :"ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا"(25) فدعاه فقرأها عليه(26).
وفي حديث آخر: (كان رجل عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينظراليه لا يطرف فقال عليه الصلاة والسلام : (ما بالك؟) قال: بأبي أنت وأمي: أتمتع بالنظر اليك ، فإذا كان يوم القيامة رفعك الله بتفضيله... فأنزل الله الآية )(27).
فقد تبين من المقالات السابقة: أن الرابطة كانت تحصل للصحابة رضي الله عنهم أجمعين من شدة محبتهم وكمال اتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك كان حصوله للتابعين وأتباعهم من صحبة الخلفاء الراشدين والأئمة المرشدين ولما تمادى الزمان وتكدرت بالأشغال الدنيوية قلوب الأنام وفترت عزائمهم في المحبة بالإخلاص التام احتاجوا إلى التنبيه عليها والتصريح بها فأمر الخلفاء المرشدين شيوخ العلم والتربية السالكين بالتكلف بها لجمع قلوبهم وتلقيح أرواحهم بأرواحهم وتأليفها لأجل الاستفاضة منهم ثم عبَّروا عن هذه المحبة الروحانية الدينية الرابطة لأن العشق والمحبة يربط قلب المحب بالمحبوب ويقيده به فيحصل الارتباط الروحاني بينهما وقد يسمونها – نسبة – لانتسابه وإضافته بها اليهم فصارت اصطلاحا شائعا فيما بينهم كما أن لكل قوم اصطلاحا ولما كانت الرابطة من أخص أوصافهم وأعظم أركان طريقتهم ومدار امرهم اشتهروا بها بين الناس حتى سموهم مرابطين فلم يزالوا يسمونهم في بلاد العرب بهذا الاسم إلى يومنا هذا فيعنون به الصوفية المقربين والأولياء العارفين قدس الله أسرارهم وكذلك سميت طريقتهم طريق العشق والمحبة لأن مدار الأمر والعمدة فيه كما عرفت هو المحبة الدينية للرفيق الديني والواصل الموصل إلى الله العارف بأسرار السلوك في سبيل الله وفي الله وفي تحصيل رضى الله لا لغرض مما سواه وفي مثل هذه المحبة يقول الله عز وجل في الحديث القدسي : «أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي»(28) ومن الصورة الواضحة لمصداقية الرابطة الشريفة الطاهرة ما حصل مع سيدنا بلا الحبشي عند سكرات الموت عندما كانت تقول له زوجته واكرباه واحزناه وهو يقول: "وا فرحتاه وا طرباه غدا ألقى الأحبة محمدا وصحبه" فهل نقول أن سيدنا
بلالا أشرك لأنه نسي الله في هذا المقام إنه لشيء عجاب!! وهل إذا تذكر الإنسان في صلاته أمور الدنيا أشرك أيضا فلماذا بعد هذا كله تقولون إذا تذكر الشيخ وهو يذكر الله فيكون قد أشرك؟ لذلك لابد أن نعرف ونميز بين الشرك والحب (أي الرابطة) لذلك قالوا: من قل علمه كثر اعتراضه، ومن كثر علمه قل اعتراضه.
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يقول الله عز وجل : حقت محبتي للمتحابين فيَّ والمتزاورين فيَّ والمبتاذلين فيَّ والمتصادقين فيَّ)(29).
وفي تفسير ابن مسعود عند قوله تعالى: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"(30)، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن من عباد الله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانتهم من الله تعالى ) قالوا: يا رسول الله !خبرنا من هم وما أعمالهم لعلنا نحبهم قال: «هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام منهم، ولا أموال يعطونها فو الله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس»(31).
وهذه المحبة اختيارية وعقلية فإن العاقل إذا تيقن منفعته وسلامته في شيء يختاره لنفسه بحكم عقله ولو كان خلاف طبعه، كشرب المريض الدواء المر باختياره بخلاف ما تحبه النفوس بالميل الطبيعي كالمحبة الكائنة بين الآباء والأولاد أو الحاصلة من النظر إلى الأشياء العجيبة والصور الجميلة فإنه جبلة اضطرارية وقد تنقلب المحبة الاختيارية اضطرارية وذلك حين مشاهدة كمالات المحبوب بعد حصول الاتحاد الروحاني بينهما ثم إن الرابطة وإن كانت أصالة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه لا شك في جوازها أيضا لأولياء الله العارفين والمشايخ الكاملين الذين هم مأمورون بتسليك العباد وإرشادهم فإنهم آلة وأتباعه ونوابه وورثته عليه الصلاة والسلام الذين أمرنا بحبهم وإكرامهم والبر بهم كما وقعت الإشارة في الحديث السابق إليهم.
فكما جازت الصلاة والتسليم عليهم تبعا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم جازت الرابطة اليهم أيضا لأنها ليست من الخصائص النبوية بل هي من لوازم الدعوة وتتمة الإرشاد والتربية وهم يشاركونه فيها وفي لوازمها من حيث كونهم أتباعه ونوابه إلى يوم القيامة فكيف لا ؟ ألا ترى قوله تعالى :" قل هذه سبيل أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني "(32) فانظر كيف أشركهم به في الدعوة والإرشاد وامتثالا لقوله تعالى :" لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ"(33) فهم أحق الناس اقتداء به واتباعا وتأمل – أيضا – كيف أوجب لهم الطاعة عليناقوله :"يا أيهالذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"(34) وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»(35) والأعمال بدنية وقلبية فالحركات والتصورات المباحة إذا نوى بها الإنسان الطاعة أو التقوي بها عليها فله ما نوى ولو لم يدرك مراده فكيف إذا تحقق حصول المراد؟!! ولا يخفى أن قول الجائع للشبعان (أنت جائع) مثلا لا يوجب له جوعا فكذلك قول المعترض (ما نرى صحة ما ترونه) لا يوجب عدم صحة رؤيتنا فعليه أن يقول: ما تدَّعونه حقا، فأنتم وشأنكم ولا يسوغ له غير ذلك إن نصح نفسه(36)!!.

وقال الفقهاء : يسن للمصلي أن لا يجاوز بصره إشارته وذلك لأنه أجمع لِلْهَمِّ وأدفع للتفرقة فكذلك الرابطة تستعمل لدفع الأغيار واستجلاب الحضور فحين القيام في الصلاة ينظر لموضع سجوده وحين الركوع ينظر لظاهر القدمين وحين الجلوس ينظر لحجره وحين السجود ينظر لأرنبة أنفه وحين التلسليم إلى منكبيه. وقد ورد في الأثر :" إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون عباد الله إلى الله ويمشون في الأرض بالنصيحة".فهذا الذي ذكر في الأثر هو رتبة المشيخة والدعوة إلى الله(37).
إن قيل: كيف يتصور النبي صلى الله عليه وآله وسلم من لم يره أصلا وكيف يحضره في قلبه؟
فالجواب: (يكون هذا): بمطالعة شمائله الشريفة وضبط حليته المنيفة من كتب الأحاديث الصحيحة وقد ألف العلماء الكتب الكثيرة في هذا الشأن وبينوها بأوضح بيان وإن كان ممن تشرف بزيارة قبره عليه الصلاة والسلام فيتصور في نفسه كانه حاضر في الروضة المطهرة ومشغول بزيارته فهذا أسهل من الأول.
وهل لو شعر الإنسان قلبيا بأن عليه حافظين كراما كاتبين في كل لحظة يكون قد أشرك؟ ! وهل ما يخطر على بال العبد من صور الملائكة والجن والعرش والتماثيل والأشخاص وغيرها في الصلاة ومختلف العبادات يعتبر شركا؟! خصوصا إذا جاء ذكرها فيما تلوه من القرآن؟!
الأصل أن المريد يبدأ دخوله الحضرة الإلهية بتصور من كان سببا في صلته بالله وفاء له وتبركا به ثم هو يفنى بعد هذا في ذهنه وتصوره بمجرد اندماجه في الذكر فهو نوع من الاستصحاب الروحي المؤقت لطرد الشيطان والخواطر الصارفة استعدادا للقيام بحق الله والاستغراق في أنواره وهو ليس من الشروط الأكيدة في السلوك ولكنه نوع من العلاج ووسائل التصفية والتنقية وطرد الشيطان وبخاصة للمبتدئين.
فلا شرك ولا خوف من شرك بل هو التوحيد كل التوحيد.
ونصيحتي في الخاتمة لهذا الباب أن أقول:
بعد وضوح هذه الأدلة الساطعة يجب عليك إذا كنت ممن يرضى بما قال الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن تنقاد للحق وتخضع وتصم سمعك عن الافتراء ولا تصحب من كذب وافترى وأن تصون لسانك عن الجدل والمراء والكذب وأن تكون مفتاحا للخير مغلاقا للشر تجمع المسلمين ولا تفرقهم فقد قال المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : «بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا»(38) ولا داعي لمحاربة الذاكرين المحبين للصالحين وهذا نوع من انواع تحريش الشيطان بين المسلمين فلا تكن بريدا له وكن على حذر وإياك ان تقطع الناس عن طريق الذاكرين الصالحين فإن الخطب جلل فعندما تقطعهم عن أهل الذكر والصلاح يتصيدهم الشيطان ومحاربة إبليس وجنوده وما نرى من الكبائر التي تهز عرش الرحمن أمامي وأمامك والتي تحصل عيانا ولا تنكر وكأنها جائزة فمحاربتها أولى وهذا ما يقوله أي إنسان فيه حرارة الإيمان الصادق والوعي الناضج .

الموسوعة اليوسفية

****
(1) الرسالة الخالدية في الطريقة النقشبندية.
(2) أخرجه البخاري (1789) ومسلم (1027) والترمذي (3674).
(3) سورة مريم الآية (17).
(4) سورة التوبة الآية (119).
(5) سورة المائدة الآية (35).
(6) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد بلفظ [قال رجل يا رسول الله من أولياء الله؟ قال: الذين إذا رؤوا ذكر الله] (16779) وفي رواية [إن من الناس مفاتيح لذكر الله إذا رؤوا ذكر الله] (16780) ووراه أبو يعلى (2437) والطبراني في الكبير (10476) وابن المبارك في الزهد بإسناد صحيح (218) بلفظ [قيل يا رسول الله: أي جلسائنا خير؟ قال: من ذكركم الله رؤيته وزاد في علمكم منطقة وذكركم بالاخرة عمله] .
(7) سورة المائدة الآية (35).
(8) سورة التوبة الآية (1199.
(9]) أخرجه البخاري (5817) ومسلم (2640) وأبو داود (5127) والترمذي (32529).
( 10) تنوير القلوب ص (5179.
(11) سورة الحج الآية (469.
(12) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب (4/249.
(13) رواه ابن حبان في صحيحه (5779 واحمد (5/239) والترمذي في الزهد باب ما جاء في الحب في الله والطبراني (20/168) وأبو نعيم في الحيلة (5/121).
(14) رواه البخاري (61379).
( 15) سورة فصلت الآية (359.
(16) أخرجه البخاري (159 ومسلم (449 والنسائي (5013).
(17) أخرجه البخاري (5/16 و 8/73 و 161) وأحمد (4/233 و 336) .
(18) سورة الأحزاب الآية (69.
(19) الشفا للقاضي عياض (2/19).
(20) أخرجه مسلم (2832) وابن حبان في صحيحه (72319.
(21) الشفا للقاضي عياض (2/22).
( 22) الشفا للقاضي عياض (2/239.
(23) الشفا للقاضي عياض (2/23) والبخاري في الأدب المفرد (964).
( 24) أخرجه الترمذي (2680).
( 25) سورة النساء الآية (69).
(26) الشفا (2/20) وانظر أسباب النزول للواحدي ص (140و 141).
(27) الشفا (2/21).
(28) أخرجه الإمام مالك في الموطأ (2/952) والإمام أحمد في مسنده (2/237) ومسلم (2566) وابن حبان في صحيحه (574).
(29) أخرجه ابن حبان في صحيحه (577) واحمد (5/239) والترمذي في الزهد باب ما جاء في الحب في الله والطبراني (20/168) وأبو نعيم في الحلية (5/121).
(30) سورة يونس الآية (62).
(31) أخرج نحوه أبو داود (3527) وابن حبان في صحيحه (573) وأحمد (5/343) والحاكم في المستدرك (4/170) وصححه ووافقه الذهبي.
(32) سورة يوسف الآية (108).
(33) سورة الاحزاب (21)
(34) سورة النساء (59)
(35) رواه البخاري (1/157) وأبو داود (2201) والترمذي (1647) والنسائي (1/59 - 60).
(36) السفر الأسنى في الرابطة الحسنى (74).
( 37) عوارف المعارف ص (73) المطبوع بملحق إحياء علوم الدين.
(38) أخرجه بهذا اللفظ مسلم (4500) وأبو داود (4835) وأخرجه البخاري بلفظ «يسر ولا تعسر وسكنوا ولا تنفروا» (96) و (6125).

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016