recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

كتاب : الحقيقة القلبية الصوفية / أحمد لسان الحق(18.).


معايرة الوسائل الفكريّة والروحيّة الناجعة في اكتشاف الحقيقة .


إنّ الوصول إلى الحقيقة الباطنيّة أو المعرفة الربانيّة ، أو ما يعرف بالفيوضات الربانيّة ، لا يكون بما يُكتب ويقرأ..فالحقيقة نورانيّة تضيء القلوب الموجّة إلى مصدرها ، ولا تُكتب على الإوراق ، إلاّ من حيث وصفُها ، والوصف غير الواقع ، وإنّما يكون بالإتصال روحيّا بعالمها الأسنى : عالم ما فوق العقل والمنطق ، إذ العقل مخلوق محدود الإدراك ، وعالم الرّوح عالم اللّامخلوق والّلامحدود .. والإعتماد على المخلوق المحدود ، في السيطرة أو إدراك كُنه عالم الّلامخلوق واللّامحدود ضربة في هواء ، وكتابة على ماء ، ومحاولة لم نعلم أحدا من الفلاسفة أو المفكّرين قد بحث وعاد بنتيجة ، أو فاز منها بطائل ، ووصل بها إلى ما وصل إليه الذين يبدؤون الرحلة الروحيّة الغيبيّة عند انتهاء مُدركات العقول ، فيستعملون القوّة العقليّة في دراسة المادّة واستغلالها ، والقوّة الروحيّة في الوصول إلى ما ورائها ، كما تقول نظريّة ابن خلدون ، وتجلّى عمليا في تجربة الفيلسوف الإمام الغزّالي ، الذي قام بتجربة روحيّة ،على يد شيخ مربّ روحيّ . اكتشف أثناءها حقيقة نفسه ، وعرف من هو ؟ قبل أن يحاول اكتشاف حقيقة الآخرين .

ولعلّ ذلك هو الفرق بين عمل الصّوفي والفيلسوف ، فالصوفيّ يبدا بمحاولة اكتشاف حقيقته عن طريق التربيّة الروحيّة والإدمان على الذكر وتلاوة القرآن ، واتّصال الأرواح . ومن خلالها - وبعد أن تفتح له البصيرة ، التي بها يدرك الحقيقة الإلهيّة - يحاول أن يكتشف عالماً نورانيّا يجهله . وفيه تلتقي حقيقته مع حقائق أمثاله في الرّقاق والشفوف ، وإذا تحدّث يقينا عن حقيقة غيره ، فمن خلال حقيقته ، كما سيأتي عند تحليل حديث : (مَن عَرفَ نفسه عَرَفَ ربَّه ) إذ من جهل نفسه ، يكون - بالأحرى - جاهلا لغيره ، ولربّه أجهل .

وأمّا الفيلسوف فيحاول اكتشاف حقيقة الأشياء - عقلا - خارج ذاته ، وفي المحيط الذي يدور حوله.. وكلّما اكتشف حقيقة تمسّك بها ، إلى أن يكتشف حقيقة أخرى جديدة تنسخها ، كما هو شأن تقدّم القوّة العقليّة ، مع الإكتشافات العلميّة وتطوّرها ، فيتهافت حول تصيُّد الحقائق ، كما يتصيَّد البحّار بشبكة مخرّقة ، ما دخل هنا يبقى قليلا ليخرج من هناك . وهو ما يريده الفيلسوف الإمام الغزّالي ، بعد تجربته الروحيّة بكتابه : " تهافُت الفلاسفة " ومن قال : لا ، فليحدّثنا عمّا تبقّى ممّا وصل إليه "أفلاطون" خاصّة ما سجّل في "الجمهوريّة" أو " المدينة الفاضلة " وهو قيدوم الفكر الفلسفي اليوناني . فمن آرائه في نظام الحياة الدعوة إلى إشاعة الملكيّة والنساء ، وحلّ نظام الأسرة ، قطعا لأسباب النزاع.. والشيوعيّة هي التي سبّبت الفوضى ، وخلقت أسباب النزاع ، وكوّنت الجمهوريّة الدكتاتوريّة الشيوعيّة ، والمدينة اللّاأخلاقيّة واللّافاضلة ، في كل الدعوات الشيوعيّة ، ما بين دعوة ودعوة "زَرْدَشْت" و "مَزْدَكْ" وانتهاءً بانتحال "ماركس" وتطبيقها من "لينين" بثورة قهريّة دمويّة ، لم يعرف لها تاريخ البشريّة مثلا... ورأى أفلاطون أن الفكر الفلسفي فكر راق يصلح للنبلاء ، يريد الفلاسفة ، والفكر الإقتصاديّ فكر منحطّ يصلح للعبيد ، وبرهنت التّجربة على أنه لولا العبيد الذين يعملون في الحقول لمات النبلاء جوعا.. وآراء تلميذه "أرسطو" في منع الرّبا والإحتكار ، وإثبات الملكيّة الخاصّة أكثر إيجابيّة ، كما اوضحناه في الجزء الأول من " الوسيط في الإقتصاد السياسي الإسلاميّ والعصري ، لنظام الشركات الإسلاميّة والعصريّة ً ص 102-106" وإذا لم تفلح آراء أفلاطون في المادّة والأنظمة القائمة على أساسها ، فكيف تفلح في ما وراءها ؟.

ويستثني ممّا أنتجه عقل أفلاطون ، ودخل في غمار التاريخ ، لَمسةً أُفقيّة حول تساؤله عن مصدر مُنظّم الكون ، واعترافه بمنظّم أعلى يَرى ولا يُرى ، إذ تساءل : "من أين نشأ هذا النظام الكامل في تفريعاته ، المحفوف بالعظمة والجلال ؟ ليس من الممكن أن يحمل ذلك على المصادفة . فلو أمكننا أن نقول : إنّه نشأ من تلقاء نفسه ، لصحّ أن نقول : إنّ "بوليكلت" حدثت من تلقاء نفسها... فلا بدّ إذاً من وجود عقل أعلى . وهو الصانع الوحيد ، لأنّ الطبيعة أثر تجلّى فيه الإتّحاد الدّال على وحدانية الصانع ، الذي ينفد حكمه كنفود الفكر في الحال بدون خطأ ، وهو حَاضر غَائب يَرى ولا يُرى . ومع ذلك ، فمن المستحيل أن تدركه الحوّاس ، فهو كالشمس التي تمسّ جميع الأبصار ، ولكنّها لا تسمح لأحد أن ينظر إليها" (55) لكن ما اسمه ؟ وهل له مكان كمكان الشمس أو يوجد في كلّ مكان ؟. 

إن الفيلسوف أفلاطون - ,إن وفّق وفتحت نظريّته ملفّ البحث عن منظم الكون - لا يعرف أو لا يملك اداة يستعملها في الوصول إلى الحقيقة الغيبيّة إلا العقل . والعقل أعلى أو أدنى ارضيّ لا ينفصل عن المادو . فهو وليدها عن طريق الإحتكاك ، يولد الإنسان بدونه ، فيتكوّن من خلالها ، كما يرى الفيلسوف الماديّ ماركس . إن هي إلا قوة فكريّة خصّ الله بها الإنسان ، ليكون قادرا على عمارة قلبه بالمعاني السامية الخالدة ، التي خُلق من أجلها ، وتتيح له الوصول إلى معرفة خالقه الذي يعتقد سلفا بوجوده ، كما تجلى في تفسير ابن عبّاس في قوله تعالى :(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)(56) أي ليعرفوني .فكان المصير الذي خُلق الجنّ والإنس من أجله ، في تفسير ابن عباس ، هو أن يُعرف الله ولا يُجهل ، وفي حديث قدسيّ -وإن قال البعض في سنده -(كُنتُ كنزاً مَكْتوماً فخلقتُ الخَلْقَ ليَعرفوني) وإنّه لو كانت معرفة الله تدرك بالعقل ، والقوة الفكريّة ، لأدركها الفلاسفة والمفكرون ، قبل اصحاب الفطرة من الاولياء والعارفين ، الذين - من بينهم أُميُّون -أدركوها بأرواحهم الطيبة الطاهرة . 

و ما يشعر به الفيلسوف أفلاطون من أنّ منظّم الكون حاضر غائب يَرى ولا يُرى ينفد حكمه كنفود الفكر في الحال بدون خطأ حقٌّ أشرف به على عتبة التوحيد والإيمان ، فحام ولم ينزل ، لكن ليس المنظّم للكون هو العقل ، الذي لا يعرف غيره ، وإن وصفه بالأعلى . فالعقل يخطىء ويصيب ، وبتحليله أطلّ على البداية ، وغابت عنه النهاية .. إنه الله الذي خلق العقل الأعلى والأدنى ، وخلق الكون ونظّمه ، وخلق المادة والروح... وبالروح تدرك حقيقته ، لا بالعقل .

إن أمَّ الحقيقة وأسماها هي التي يكتشفها الذاكر في باطنه ، وهي وحدها التي لا يتناول النسخ أو الشك او الإنتكاس ، أو يصيبها ما يصيب نتائج العقل من صواب وخطأ ، لأنّها من الله . والله لا يمدّ أصفياءه بما ينتابه شك وخطأ . والإنسان من جهته ، وبطبيعته قد يشكّ ويكذّب غيره ، لكن لا يشكّ ولا يكذّب نفسه ، خاصة في واقع يعيشه بروحه وشعوره ووجدانه ، كما أنها لا توصف بتهافت العقول حول البحث عن حقيقة الأشياء . وعلى اعتبارها قام الإمام الغزّالي كفيلسوف بنقد ذاته ، واستخفّ بنتائج الفكر الفلسفيّ ، الذي ظل يراوده قسطا من عمره . وعلى أساس تجربته العلميّة الروحيّة يُقدّم رأيه في كتابه "تهافُت الفلاسفة"عن ردّ الفيلسوف ابن رشد بكتابه "تهافُت التهافث" تقديم رأي المجرّب عن غيره . والإمام الغزّلي قد انتقل من قوّة عقليّة أرضيّة محدودة إلى قوة روحيّة سماويّة مطلقة ، وابن رشد بقي حيث كان ، عاكفا على عقليّة ارضيّة محدودة الإدراك . وما سمّوه بالفلسفة الصوفيّة ، أو التصوف الفلسفيّ لا مكان له في الواقع ، ولا وجود له - عمليّا - في ميدان المعرفة الإلهيّة والعلم الربانيّ . والذين ينحتون الألفاظ تحت هذا العنوان واهمون وليسوا بباحثين .

إن أصحاب الحقيقة الصوفيّة ليسوا بفلاسفة ، ولا بمفكّرين يحترفون الفكر الفلسفيّ ، ومن بينهم أميّون .. والفيوضات الربانيّة ، التي تفيض عن أرواحهم ، كما فاضت عن أرواح أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم دون أن يُنعتوا بأنّهم فلاسفة أو مفكرون لا تفرق بين روح وروح ، كما أن الأفكار التي تنتجها العقول ، لا تفرق بين عقل وعقل.. الأمر الذي قد لا يفهمه بعض المثقّفين ، خاصّة من أصيبوا بهوس المعارضة والإنكار ، كما كنّا لم نفهمه قبل اليوم . وقد كَادت عواصفهم الهوجاء - أيام المراهقة العقليّة والعلميّة - أن تعصف بسفينة الرحمة والمسالمة ، التي ورثناها ، أو ترمي بها نحو شاطئ طبعهم الجافّ ، وفكرهم المقلق المعوجّ ، ولكن الله سلم .

ومن ثم ّ ، فالمعاني القلبيّة التي تنبت في أرض الفطرة الطاهرة ، واليقظة الباطنيّة ، وصفاء السريرة ، بعيدة كل البعد عن نتائج فلسفيّ ، كما يتوهّم البعض . وإنما هي حقائق إلهيّة ، عاشها المقرّبون ، ورمزوا إليها برموز ، يدريها من يماثلهم في الذوق والشفوف . وقد اخطأ - عمليّا - من سمّاها بفلسفة التصوف ، وأتعب نفسه ، وضيّع وقته من غير طائل من يحاول فكّ مستغلَقاتها بالفكر ، أو يروم فهم ما بداخلها بلغة اللسان ، وقد دوّنت بلغة الذّوق الروحيّ.. فينحتون الألفاظ كما تنحت الأحجار ، دون الوصول إلى ما بداخلها . وبأي لغة لسانيّة ، أو قوة عقليّة أو فكريّة ، يمكن للمستشرق أو المستغرب أن يصل - ذوقيّا وروحيّا وشعوريّا ووجدانيّا وواقعيّا - إلى فهم معنى "مقام الفنلء والبقاء": فناء الحسّ الماديّ الظاهري ، فقد جهل المعنى النورانيّ الباطنيّ ، الذي يعاش بالقلب والروح ، ولا يدركه العقل .

**   **   **
55 - الإسلام والمبادئ المستوردة ص42
56 - سورة العنكبوت : 56



عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016