recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

الحكم العطائية (206) : فرغ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار.

شرح الحكم العطائية :{فرغ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار}

{فرغ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار}

قلت التفرغ هو الخلو من الشيء والتنظيف منه والأغيار جمع غير بكسر الغين وفتح الياء ويصح أن يكون بفتح الغين وسكون الياء، وهو أليق والمراد به حينئذ السوى، وإنما جمعه لتعدد أنواعه، كما قالوا في جمع العالمين، يقول رضي الله عنه: فرغ قلبك أيها الفقير من الأغيار وهو ما سوى الله تعالى، بحيث لا يتعلق قلبك بشيء من الكون علوياً أو سفلياً، دنيوياً أو أخروياً، حسياً أو معنوياً، كحب الخصوصية وغيرها من الحظوظ، فإذا رحل قلبك من هذا العالم بالكلية، ولم يبق فيه إلا محبة مولاه، فإنه يملؤه بالمعارف، بحيث يكشف عنك حجاب الوهم، ويذهب عنك ظلمة الحس، فتشاهد الأشياء كلها أنواراً ملكوتية، مشاهدة ذوقية تمكينية، ويملؤه أيضاً بالأسرار، وهي أسرار الجبروت فتغيب بالجمع عن الفرق، وبشهود الجبروت عن شهود الملكوت، وتكاشف بأسرار القدر، فيهب عليك نسيم برد الرضى والتسليم، وأنت في حضرة النعيم المقيم عند الملك الكريم، فالأسرار على هذا أبلغ من المعارف، فالمعارف أنوار الملكوت، والأسرار أنوار الجبروت، لأن السائر قد يكشف له عن نور الملكوت فيشهد الكون كله نوراً، لكنه مفتقر إلى تلك الأنوار ليترقى بها إلى التمكين في شهود الذات، كافتقار القارئ إلى النظر في الرسوم، فإذا حفظ القارئ المعنى وتمكن منه محيت الرسوم ولم يفتقر إليها، كذلك السالك يكشف له أولاً عن نور الكون فيغيب في النور عن ظلمة الحس، ثم لا يزال في السير حتى يقبض المعنى ويتمكن منه فلا يحتاج إلى مشاهدة، فيستغني عن نور الملكوت بنور الجبروت، فيمحى السوى عن عين قلبه بالكلية ويغيب عن نفسه وحسه بشهود الأحدية، كون صاحبه تارة مع ربه، وتارة مع نفسه، وبقدر تمكن النور في القلب ودخوله إليه يكون بغض العبد للدنيا وتركه لهواه .
وفي هذا المعنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" النور إذا دخل القلب انفسخ وانشرح قيل: فهل له من علامة يا رسول الله؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور". ثم اعلم أن الأنوار التي أذن لها في الوصول عامة لجميع المؤمنين وقد تقدم قول أبي الحسن لو كشف عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض ، وأما الأنوار التي أذن لها في الدخول فهي خاصة بالخواص أهل التفرغ من الأغيار ولوث الأنوار، فأما من كان قلبه محشوا بصور أثارها فلا يطمع في نيل أسرارها، كما أبان ذلك بقوله: "ربما وردت عليك الأنوار فوجدت القلب محشوا بصور الآثار فارتحلت من حيث جاءت" قلت: رب هنا للتكثير أي كثيراً ما ترد عليك أنوار عالم الغيب لتغيبك عن عالم الشهادة، فتجد قلبك محشواً بصور عالم الشهادة فترحل عنك وتتركك محبوساً في قيدك، أو تقول: كثيراً ما ترد عليك أنوار المعاني لتخرجك من سجن الأواني فتجد قلبك مملوءا بها فتتركك في وسطها محجوباً بها، أو تقول كثيراً ما ترد عليك أنوار الملكوت فتجد قلبك محشواً بظلمة الملك فتتركك في ظلمة الكون، أو تقول قد ترد عليك أنوار الجبروت فتجد قلبك محشواً بأنوار الملكوت فرحاً بها قانعاً ببهجتها فتتركك واقفاً معها، وتنادي عليك القناعة من الله الذي تطلب أمامك ولو كان العلم ينتهي إلى حد محدود لم يقل الله تعالى لسيد العارفين :" وقل رب زدني علما"، قال عليه الصلاة والسلام :" كل يوم لا ازداد فيه علما لا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم" أو كما قال عليه السلام ، فالمانع للقلب من دخول الأنوار هو وجود الأغيار.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016