نفحات الطريق: أعلام التصوف : مولاي العربي الدرقاوي

تعريف الطريقة القادرية البودشيشية

أعلام التصوف : مولاي العربي الدرقاوي

هو الإمام العارف بالله المحقق، الشيخ والولي الصالح القطب الرباني، أبو المعالي مولانا أبو عبد الله محمد العربي بن أحمد بن الحسن بن سعيد الحسني، المعروف بمولاي العربي الدرقاوي، شيخ الطريقة الدرقاوية الشهيرة ومؤسسها.

مولده ونشأته:

ولد ببني زروال في بلاد جبالة عام 1150هـ/1737م ويذكر البعض أنّ أحد أجداده المعروف ببودرقة مدفون في بني ازكَ ببلاد الشاوية.
ينتمي مولاي العربي إلى الشرفاء الأدارسة، أخد التصوف عن أستاذه الصوفي الكبير مولاي علي بن عبد الرحمان العمراني الفاسي، المدعو بالجَمَل، المشهور بسعة اطلاعه وحميد خصاله والمتوفى سنة 1239هـ/1823م.

علمه وأخلاقه:

تعلم القراءة وحفظ القرآن الكريم بالروايات السبع حفظًا مُتقنًا. قال: "كنت أسلك للطلبة ألواحهم وكثيرًا ما أقبض اللوح بيدي وأقول لصاحبه قبل أن أنظر فيه هذا اللوح ثقيل فيه كذا وكذا خسارة أو خفيف ما فيه إلاَّ كذا وكذا أو لا شيء فيه فلا أجد إلاَّ ما أخبرتهم به إلهاماً من الله سبحانه وتعالى". اشتغل بطلب العلم، فرحل لمدينة فاس وأقام بها مدة قرأ خلالها على أكابر علمائها، ما قدَّر الله له من العلوم، وكان في تلك الفترات أيَّام الطلب مثابرا على مجاهدة نفسه وحملها على العبادة، من صيام وقيام وتلاوة وذكر مع فطمها على المخالفات.

شيوخه:

أخذ رحمه الله عن جماعة من الأولياء، وجمهور من الكبراء والأصفياء، وعمدته منهم: الشيخ العارف بالله مولانا أبو الحسن علي الجمل، رضي الله عنه
لقي الشيخ علي الجمل 1182 هـ / 1768 م. قال مولاي العربي الدرقاوي : "و كان من عادتي أن لا أقوم على أمر من الأمور جليلاً أو حقيرًا إلاَّ بعد الاستخارة النبوية فاستخرت الله في تلك الليلة فبت أخوض في صفاته أي الشيخ المربي كيف هو؟ وكيف تكون ملاقاتي معه؟ حتى لم يأخذنِ النوم تلك الليلة ولـمَّا قصدته لزاويته بالرميلة التي بين المدن عدوة الوادي من جهة القبلة شرفها الله وهي التي ضريحه بها الآن مشهور مقصودٌ للزيارة فدققت الباب فإذا به قائمٌ يشطب أي يكنس الزاوية إذ كان لا يترك تشطيبها بيده المباركة كل يوم مع كبر سنه وعلو شأنه فقال أيش تريد؟ قلت أريد ياسيدي أن تأخذ بيدي لله فقام معي قومةً عظيمةً ولبَّس الأمر عليَّ وأخفى عني حاله وصار يقول من قال لك هذا؟ ومن أخذ بيدي أنا حتَّى آخذ بيدك؟ وزجرني ونهرني وكل ذلك اختبارًا لصدقي فوليت من عنده قال فاستخرت الله تلك الليلة أيضًا فصليت الصبح وقصدته لزاويته أيضًا فوجدته على حاله يشطب الزاوية فدققت الباب ففتح لي وقلت تأخذ بيدي لله؟ فقبض علي يدي وقال لي مرحبًا بك وأدخلني لموضعه بالزاوية وفرح بي غاية الفرح وسُـرَّ بي غاية السرور فقلت له يا سيدي كم لي أُفتش على شيخ؟! فقال لي وأنا أفتش على مريد صديق!!! فلقنني الوِردَ وقال لي امش واجيء أي تردد علي بلا حرج أو تعالى لتزورني بدون حرج فكنت أمشي وأجيء كلَّ يوم فيذكرني مع بعض الإخوان من أهل فاس حرسها الله من كلِّ بأس".
و لزم مولاي العربي الدرقاوي شيخه سنتين ولما فاجأه الفتح المبين استأذن شيخه في الرحيل بأولاده من فاس إلى بلده قبيلة بني زروال فأذن له في ذلك.

طريقته الصوفية:

أسس مولاي العربي طريقته الصوفية ببوبريح من بلاد جبالة، وهي الطريقة الدرقاوية التي تستمد مذهبها من تعاليم الإمام الشاذلي، ولم تلبث هذه الطريقة أن نالت نجاحا باهرا في الحواضر والبوادي على السواء، وانخرط فيها عدد كثير من المريدين في المغرب والجزائر.
وطريقته رضي الله عنه مبنية على اتباع السنة في الأقوال والأفعال والعبادات والعادات، ومجانبة البدع كلها في جميع الحالات، مع كسر النفس وإسقاط التدبير والاختيار، والتبري من الدعوى والاقتدار، والإكثار من الذكر آناء الليل وأطراف النهار، والاشتغال بالمذاكرة وما يعني، وترك كل ما يُعني.

رسائل مولاي العربي الدرقاوي:

أمّا رسائله فنافعة جدا وفيها فوائد غزيرة تتعلق بالطريقة والعبودية والمعاملة مع الله تعالى، ولذلك قال فيها ابن جعفر في «السلوة»: ورسائله من أنفع الرسائل للمريدين وأدلها على كيفية السلوك والتجريد، لا يستغني عن مطالعتها سالك ولا يجحد خيرها وفضلها إلا هالك...إلخ.
بعض منها:
الرسالة الثانية: إن شئت أن تطوى لك الطريق، وتحصل في ساعة على التحقيق، فعليك بالواجبات، وبما تأكد من نوافل الخيرات...، وخالف هواك إذ ترى عجبا.
الرسالة الثالثة: الذكر هو الركن الأعظم في طريق الله، والعمدة فيه كما علمت، فكن عليه كما أمرت، والله يقويك، ونحبك -أحبك الله- أن تكون على تذكير عباد الله «الله»، ثم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذِّرهم من الكفر دائما، وذكِّرهم التواضع دائما، وزهِّدهم في الدنيا، وأمرهم أن يقنعوا منها بما تيسر كما أمر الله.
الرسالة الرابعة وستون: من أقبلت عليه الدنيا -أيها الفقير- ولم يعرض عنها كما أعرض عنها نبيه صلى الله عليه وسلم، فهو من المغرورين، أو نقول: من الهالكين- وكيف لا ؟ وهو قد أعطى للسنة بظهره والبدعة بوجهه والعياذ بالله.

من أقواله : 

يقول رضي الله عنه : إنّ الإكسير الحقيقيّ يا أخي الّذي يقلب الأعيان حقيقة لا محالة ويملك به الإنسان نفسه والإنس والجنّ، وما لا يتصوّره في عقله ويفوز بخيريّ الدنيا والآخرة هو ما أتانا به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الله تعالى في كتابه العزيز : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا / الحشر آية / 7 )، وإن شئت قلت هو الفطرة والنيّة والمحبّة والقناعة والمسكنة والصدق والشوق والعشق والتواضع والظنّ الحسن والخلق الحسن والسخاء والحياء والوفاء بالعهد، والوقوف عند الحدّ والتذلّل لله، والصبر على ابتلاء الله، والاكتفاء بالله وتعظيم شرائع دين الله، أو نقول متابعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم، ومتابعة الثقات الكبار من الأمّة المحمّديّة وهم كثيرون أحياء وميّتين رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا ببركاتهم، إلاّ إنّهم لا يعرفهم إلاّ من وصل مقامهم أو من وقف على آثارهم فاستدلّ بها عليهم، ولا يعرف ذلك إلاّ الحاذق اللبيب من أهل العلم رضي الله عنهم ولا يعرفه غيرهم، فمن أعطاه الله هذا الإكسير الّذي ليس له نظير فقد أعطاه الخير الكبير والسرّ الواضح الشهير.
ويقول رحمة الله عليه : إنّ المؤمن تحصل له الطمأنينة بذكر ربّه حتّى لا يحزنه الفزع الأكبر يوم القيامة، وليس الذكر عندنا أن يقول الذاكر (الله، الله ) دائما ويصلّي ويصوم كذلك، وحين تصيبه مصيبة يفتّش على ما بيده من الأعمال فلا يجد منها شيئا، بل الذكر عند أهل التحقيق رضي الله عنهم : أن يقول الذاكر بما لا بدّ منه من المأمورات، وحين يتجلّى له مولاه بما يخالف هواه يجهله ولا يعرفه فافهم فهّمنا الله وإيّاك آمين، واصبر على ربّك واشدّد يدك على الصبر عليه فإنّه سبحانه وتعالى يغطّي ضعفك بقوّته، وذلّك بعزّته، وفقرك بغناه،وعجزك بقدرته، وجهلك بعلمه، وغضبك بحلمه، وهكذا عندها تحيى الحياة الأبديّة في الدنيا والآخرة، ولا تخفاك الحياة الأبديّة إذ قال الله تعالى في أهلها : ( ونزعنا ما في صدورهم من غلّ إخوانا على سرّر متقابلين * لا يمسّهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين / الحجرات آية / 47 ، 48 )، وقال صلّى الله عليه وسلّم : ( ومن أدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتّى تعلموا أن قد كافأتموه ) رواه النسائي في سننه، وكلّ ذلك حتّى يتخلّص القلب من رقّ إحسان الخلق ويتعلّق بالملك الحقّ .
ويقول رحمة الله عليه : إنّ حلقة الذكر سواء وقوفا أو قعودا هي شعار طريق التصوّف بما في ذلك الذكر من الإجلال والتعظيم لله جماعة وبلسان واحد وميلة واحدة، والقصر في اسم الجلالة باللسان والصدر على حسب المراتب، وتشبيك الأيدي في القيام، وإنشاد الأبيات بالمعاني الرقيقة وتغزّلات الحقيقة الّتي اصطلح الصوفية رضي الله عنهم عليها، وهنالك فيكون المبتدىء والمتوسّط والمنتهي، وطالب التبرّك وذو المحبّة كلّهم فيها سواء كالصلاة، وكلّ واحد منهم يجني من ثمرة ذكره بحسب مكانته من ربّه وقدره.
ويقول رحمة الله عليه : إنّ الخير كلّه في ذكر الله سبحانه وتعالى: ( والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعدّ الله لهم مغفرة وأجرا عظيما / الأحزاب آية35/)، ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون / البقرة آية / 152)، إنّ الذكر له فضل عظيم، والغفلة مذمومة أصلا، فإنّنا نحتاج إلى مخالفة أنفسنا وأهواءنا إذ ذلك ينتج العلم الوهبيّ، والعلم الوهبيّ ينتج اليقين الكبير، ويخلّصنا من الشكوك والأوهام، ويوصلنا إلى حضرة الملك العلاّم، سبحانه لا إله إلاّ هو .
ويقول رحمة الله عليه: فأهل مقام الفناء ذات الحقّ عندهم عين صفاته لأنّهم لمّا فنوا لم يشهدوا قطّ سواها، فلذلك يقال لهم الذاتيّيون، ولِذاتِ الحقّ من الكمال والحسن والجمال ما تحيّرت فيه عقول الكلّ من خاصّتهم، لأنّها تلطّفت ودقّت حتّى غابت من شدّة تلطّفها ورقّتها، فلمّا غابت قالت لنفسها : كمالي وحسني وجمالي وبهائي وعلوّي وارتفاعي لا انتهاء له وقد غاب ولم يظهر، والكمال لا يكون كمالا كما هو كامل إذا كان حاضرا كما هو غائبا، وكما هو لطيفا يكون كثيفا، وكما هو قريبا يكون بعيدا، وكما هو جلاليّا يكون جماليّا وهكذا، وإن شئت قلت : صورتها قد أظهرت جمالها فيها ولم تظهر لها في نفسها إذ هي إلاّ هي، وليس ثمّ شيء سواها.
ويقول رحمة الله عليه : إنّ الروح والنفس شيء واحد نورانيّ من عين النور لأنّ لهما وصفين وهما :الصفاء والكدر، والأصل هو الصفاء، والفرع هو الكدر، فما دامت الروح على صفائها وحسنها وبهائها وجمالها وشرفها وعلوّها وارتفاعها فهي الروح،وإذا تركت ما هي عليه من هذه الصفات وتكدّرت بمفارقتها لوطنها وسكونها لغير أحبّتها صدق عليها إذ ذاك اسم النفس، وتسمّى حسب مراتبها ( أمّارة، لوّامة، وغير ذلك ) كما تسمّى بحسب مراتبها العليّة وهي كثيرة جدّا، وقد قيل : إنّ لها من النقائص ما لله من الكمالات، فإن شئت أن ترجع إلى وطنك الّذي جئت منه وهو عالم الصفاء، وتترك عنك وطن غيرك وهو عالم الكدر فإليك ما هو القول الفصل : (انسلخ من عالم الكدر كما تنسلخ الشاة من جلدها وانسه ولا تذكره قط وذلك بديمومتك لذكر الله على مصطلح أهل لا إله إلاّ الله فإنّ نورانيّتك تتقوّى وترد عليك المعاني بجيوشها العظيمة، ثمّ تحملك سريعا إلى وطنك الأمّ الأصيل ، والأشياء تظهر حقائقها في التجريب حيث يقول الصالحون رضوان الله عليهم : (من ذاق عرف)، لأنّ الروح لها من الأسرار ما لا يعدّ ولا يحصى، ولكن يبقى العجز هو وصف العبد مهما ارتقى، وقد مدح الله نبيّه صلّى الله عليه وسلّم بهذا المقام حيث قال: سبحان الّذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الّذي باركنا حوله / الإسراء آية / 1 )، ولم يقل بنبيّه ولا برسوله، وإنّما اختار اسم العبد لأنّ العبوديّة هي الشرف الأسمى وأشرف التسليم .
ويقول رحمة الله عليه : فاحذر من ميل قلبك إلى نفسك إذ هو من نفاد القلب وميله إليها هو اتباعه الأخفّ عليها دون الأثقل كما عند القوم رضي الله عنهم، وأن تكون دائما على ما يثقل على نفسك لا على ما يخفّ عليها إلى أن تفنى، فإنّ مخالفة الهوى تنتج العلم الوهبيّ، والعلم الوهبيّ ينتج اليقين الكبير، واليقين الكبير ينفي الشكوك والأوهام، ويزجّ صاحبة بحضرة الملك العلاّم، فمن ذكر ربّه على الدوام نسي نفسه على الدوام .
ويقول رحمة الله عليه : الوهم باطل كما علمت أيّها الفقير، لكن إذا اعتبرته منعك من سفرك إلى ربّك وخلاّك معك تخوض فيك تائها عن ربّك والعياذ بالله، وإذا لم تعتبره ذهب عنك شرّه وأتاك خيره إذ بعكس رأيه ورأي النفس ورأي الشيطان يحصل السير للسائرين ويطيب وقتهم كلّ وقت وحيـــــن .
ويقول رحمة الله عليه : إن شئت أن تطوى لك الطريق وتحصل في ساعة على التحقيق فعليك بالواجبات وبما تأكّد من نوافل الخيرات، وتعلّم من علم الظاهر ما لا بدّ منه، وخالف هواك تر عجبا، والتصوّف هو الخلق الكريم، وهو الدين عند أهل الدين، وفرّ من حسّك لأنّه ضدّ معناك والضدّان لا يجتمعان، وإن تقويّت من جهة المعاني ضعفت من جهة الحسّ والعكس كذلك .
ويقول رحمة الله عليه : إنّ نصحي لك أيّها الفقير أن تقوم بالمفروض وبما تأكّد من المسنون، وإنّه كما قال سيّدي البوصيري رضي الله عنه في ( بردته ) وسيّدي (ابن عطاء الله) رضي الله عنه في حكمه : من استغرب أن ينقذه الله من شهواته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز قدرة الله، وكان الله على كلّ شيء مقتدرا، من هنا فلا نحبّ إلاّ من يقوم بالواجبات وبما تأكّد من نوافل الخير .
ويقول رحمة الله عليه : اعلم إنّ الماء الّذي لا يجري دائما إلى أسفل تواضعا لله تعالى يرفعه الله تعالى فيجعل منه كلّ شيء حيّ كما قال تعالى : ( وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ / الأنبياء آية / 30) ( وهو الّذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا / الفرقان آية / 54 ).
وفاته:

توفي ليلة الثلاثاء، 22 صفر الخير، 1239هجرية الموافق لسنة 1825ميلادية عن سن عالية، نحو 80 سنة. غسلته زوجه مريم بنت الشيخ ابن خدة الحسناوي، وصلى عليه عبد الرحمن من حفدة الشيخ أبي البقاء عبد الوارث اليصلوتي العثماني، وكل ذلك بإيصائه. ودُفن بزاويته ببني زروال بحبل الزبيب.

إرسال تعليق

0 تعليقات