-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

الفصل الموضوعي بين صوفية التحقيق والمتمصوفة.


كثيرة هي الأخطاء التي قد يقع فيها اشباه العلماء والباحثين الكسيحين بله الجمهور والعامة المغرورون من التابعين لهم بسوء فيما يتعلق بتعريف التصوف وضبط حقيقته، ومن ثم تعيين طريقته والجماعة الممثلة له على سبيل الذوق والعرفان والتدقيق في التحقيق.

ومن هنا فقد يختلط في المفاهيم معنى التصوف بالفقر أو الزهد أو العزلة والاعتزال وقد ينسب إليه وصف الهرمسية والهروب من الواقع والعالم ودلالاته العلمية والمعرفية... فتسقط عليه حينئذ الأوصاف الرديئة جزافا وينسب الشيء إلى غير مقامه وبالتالي سيتنقص من قيمه ومرامه.

1- وعن مقدمات هذا الخلط يقول السهروردي في عوارف المعارف "فقد تذكر أشياء في معنى التصوف ذكر مثلها في معنى الفقر وتذكر اشياء في معنى الفقر ذكر مثلها في معنى التصوف، وحيث وقع الاشتباه فلا بد من بيان فاصل، فقد تشتبه الإشارات في الفقر بمعاني الزهد تارة ومعاني التصوف تارة ولا يتبين للمسترشد بعضها من البعض، فنقول: التصوف غير الفقر والزهد غير الفقر والتصوف غير الزهد، فالتصوف اسم جامع لمعاني الفقر ومعاني الزهد مع مزيد أوصاف وإضافات لا يكون بدونها الرجل صوفيا وإن كان زاهدا وفقيرا... سئل أبو محمد الحريري عن التصوف فقال: الدخول في كل خلق سني والخروج عن كل خلق دني، فإذا عرف هذا المعنى في التصوف من حصول الأخلاق وتبديلها واعتبر حقيقتها يعلم أن التصوف فوق الزهد وفوق الفقر، وقيل نهاية الفقر مع شرفه هو بداية التصوف" .

وإذ لخص لنا هذا النص الخصوصية المبدئية لمصطلح التصوف كميدان وحقل معرفي وسلوكي متميز فإنه بالضرورة يطرح السبر والتقسيم من أجل تحديد خصوصية الممارس للتصوف وتحديد مصطلحه كوصف بحسب مناسبته للخصوصية الاصطلاحية المحددة لحقيقة التصوف وماهيته.

يقول السهروردي في تحقيق مصطلح الصوفي ومضمونه: "واعلم أن كل حال شريف نعزوه إلى الصوفية في هذا الكتاب –أي عوارف المعارف- هو حال المقرب، والصوفي هو المقرب، وليس في القرآن اسم الصوفي، واسم الصوفي ترك ووضع للمقرب على ما سنشرح ذلك في بابه، ولا يعرف في طرفي بلاد الإسلام شرقا وغربا هذا الاسم لأهل القرب، وإنما يعرف للمترسمين، وكم من الرجال المقربين في بلاد المغرب وبلاد تركستان وما وراء النهر ولا يسمون صوفية لأنهم لا يتزيون بزي الصوفية، ولا مشاحة في الألفاظ، فيعلم أنا نعني بالصوفية المقربين، فمشايخ الصوفية الذين أسماؤهم في الطبقات وغير ذلك من الكتب كلهم كانوا في طريق المقربين وعلومهم علوم أحوال المقربين، ومن تطلع إلى مقام المقربين من جملة الأبرار فهو متصور ما لم يتحقق حالهم، فإذا تحقق بحالهم صار صوفيا ومن عداهما ممن تميز بزي ونسب إليهم فهو متشبه "وفوق كل ذي علم عليم"..."

والتحقق بالحال عند الصوفية يعطي لهم وعيا موحدا بالمصطلح الموظف بينهم على سبيل الإشارة ولومن غير تلقين واكتساب كما يذكر ابن عربي الحاتمي هذه الخصوصية الاصطلاحية عند الصوفية: "ومن أعجب الأشياء في هذه الطريقة ولا يوجد إلا فيها أنه ما من طائفة تحمل علما من المنطقيين والنحاة وأهل الهندسة والحساب والتعليم والمتكلمين والفلاسفة إلا ولهم اصطلاح لا يعلمه الدخيل فيهم إلا بتوقيف من الشيخ أو من أهله لا بد من ذلك إلا أهل هذه الطريقة خاصة إذا دخلها المريد الصادق وبهذا يعرف صدقه عندهم وما عنده خبر بما اصطلحوا عليه، فإذا فتح الله له عين فهمه وأخذ عن ربه في أول ذوقه وما يكون عنده خبر بما اصطلحوا عليه ولم يعلم أن قوما من أهل الله اصطلحوا على ألفاظ مخصوصة. فإذا قعد معهم وتكلموا باصطلاحهم على تلك الألفاظ التي لا يعرفها سواهم أو من أخذها عنهم فهم هذا المريد الصادق جميع ما يتكلمون به حتى كأنه الواضع لذلك الاصطلاح ويشاركهم في الكلام بها معهم ولا يستغرب ذلك من نفسه بل يجد علم ذلك ضروريا لا يقدر على دفعه وكأنه ما زال يعلمه ولا يدري كيف حصل له، والدخيل من غير هذه الطائفة لا يجد ذلك إلا بموقف، فهذا معنى الإشارة عند القوم ولا يتكلمون بها إلا عند حضور الغير أو في تآليفهم ومصنفاتهم لا غير، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل" .

ومن هنا فالخطاب الصوفي لا ينبغي الحكم على مصطلحاته إلا بإدراك معناه، وإدراكه لا يتم إلا بالذوق والحال وتبدل الصفات كما عبر الغزالي في المنقذ من الضلال. وهذا لا يتحقق إلا بمزاولة الميدان والدخول في الممارسة، وقد يكون من الخطأ البين التسرع في إصدار الأحكام على مجرد ما يتبادر إلى الذهن من المفاهيم اللغوية العادية وربما العامية، لأن الميدان للخصوص لا لأهل استراق النصوص. كما أن مصطلح التصوف جملة فيما ذهب إليه السهروردي هو لغة وصف به المقربون ومن ثم فله خاصيته الجمالية في الباعث والغاية، شأنه شأن الأسماء التي يتسمى بها الناس إما على سبيل التفاؤل والتجمل وإما على سبيل ما يصدر عنهم من سلوك وأخلاق، فإن كانت محمودة كان الوصف بحسب المناسبة وإن كان العكس فهو كذلك أيضا، ولهذا فلا مشاحة في الاصطلاح ولا بدعة فيه مما يذهب إلى ذلك المتسلفة المتزمتون في دعواهم أن مصطلح التصوف بدعة وكل بدعة ضلالة! وهذا الإسقاط مظهر من مظاهر البطالة الفكرية لديهم، إذ بحسب منطقهم الجامد أن كل اسم سمينا به شخصا أو علما مكتشفا لم يتسم به الصحابة ولم يحددوا مصطلحه مثلا فيكون بدعة، ومن ثم فالعالم الإسلامي كله أو جله بأسماء أشخاصه وعلومه ومدارسه سيكون بدعة، وهذا مسلك بطالي في الاعتراض والمناقشة لا يستحق الاسترسال في الرد أو التصحيح، بل يرد عليه ببساطة وهو إذا قلتم بأن التصوف أو الصوفية بدعة، فالسلفية بهذا التصريف أكثر بدعة لأنها لا تدل على معنى أخلاقي ولا علمي وإنما هي وصف لما مضى يشترك فيه الصالح والطالح وتقابله الخلفية بنفس المعنى حتى يخصص أو يعرف بالإضافة.

وحيث أن مصطلح الصوفي يعني المقرب فإنه يتميز بمعاني دقيقة عن مصطلح المتصوف الذي يخلط الكثير من الفقهاء المتكلمين وكذا الباحثين المعاصرين بينهما، وبالتالي تضيع الحقيقة الصوفية في هذا التداخل ولو بغير قصد سيء، وتنسب أشياء إلى هذا الفريق هي في الأصل للآخر وهكذا....

ولإزالة هذا الالتباس أيضا يذهب السهروردي إلى تقسيم الأشخاص المتعاملين مع التصوف إلى ثلاثة طوائف، الأولى: الصوفية، الثانية: المتصوفة، الثالثة: المتشبهة بالمتصوفة، "فالمتشبه صاحب إيمان، والمتصوف صاحب علم، لأنه بعد الإيمان اكتسب مزيد علم بطريقهم وصار له من ذلك مواجيد يستدل بها على سائرها، والصوفي صاحب ذوق، فللمتصوف الصادق نصيب من حال الصوفي، وللمتشبه نصيب من حال المتصوف وهكذا سنة الله تعالى جارية أن كل صاحب حال له ذوق فيه لا بد أن يكشف له علم بحال أعلى مما هو فيه، فيكون في الحال الأول صاحب ذوق وفي الحال الذي كوشف به صاحب علم وبحال فوق ذلك صاحب إيمان حتى لا يزال طريق الطلب مسلوكا، فيكون في حال الذوق صاحب قدم وفي حال العلم صاحب نظر وفي حال فوق ذلك صاحب إيمان... فالصوفي في مقار الروح صاحب مشاهدة، والمتصوف في مقار القلب صاحب مراقبة، والمتشبه في مقاومة النفس صاحب مجاهدة وصاحب محاسبة، فتلوين الصوفي بوجود قلبه وتلوين المتصوف بوجود نفسه والمتشبه لا تلوين له لأن التلوين لأرباب الأحوال، والمتشبه مجتهد سالك لم يصل بعد إلى الأحوال، والكل تجمعهم دائرة الاصطفاء" .

2- وبحسب هذا التقسيم فإن المراتب من حيث تعرضها للبطالة الفكرية ومستوياتها قد تتفاوت وتنعدم لدى فئة دون أخرى، إذ الصوفي في مقامه ومسلكه قد استراح من مشكلة البطالة الفكرية والأخلاقية وأصبح في مقام القرب الذي ناله بعدما اجتاز مراحل المتشبه والمتصوف، ولم يعد تشغله ذاته عن ذات الله وصفاته وأفعاله في فناء روحي وحضور كلي في بحر التوحيد، ومن ثم فقد أصبح هو المرشد والمربي والشيخ والأستاذ سواء فيما يتعلق بنفسه أو بخاصة مريديه أو بالمجتمع ككل بأسلوب مباشر أو غير مباشر!

لكن احتمال النقد والبطالة الفكرية يبقى مطروحا ومعرضا لها أصحاب مقام المتصوف والمتشبه به إضافة إلى فئة دخيلة على الميدان ككل وقد نصطلح عليها بالمتمصوفة لها خاصيتها السلبية المحضة على عكس الأقسام الأخرى التي كلها إيجابية في منهجها وتطبيقاتها وغاياتها، بحيث أنه لا ينطبق شيء من وصفه سواء على المتشبه أو المتصوف والصوفي، وذلك لأن بناءه النفسي والأخلاقي وكذا الفكري قد تأسس منذ البداية على شفا جرف هار، والنوايا فيه غير صادقة لا في التشبه ولا في التعرف لأهل التصوف.

فالصوفية قد أدركوا مبكرا هذا التداخل الذي يمكن أن يحصل حول مصطلح التصوف والصوفي، وبالتالي بادروا إلى تحديده كما رأينا وعدوا إلى تخصيص نقد مباشر لبعض الظواهر الشاذة والمشينة التي بدأت تتسرب إلى الطرق الصوفية الرصينة أو بعابرة أخرى بدأت تحاكيها في بعض إجراءاتها وأشكالها ومصطلحاتها استراقا بينما تختلف عنها كل الاختلاف في عمق منهجها وسلوكها وغايتها.

وهذه الانتقادات تتفاوت بدورها ما بين النقد التنبيهي لتصحيح المسار والنقد التحذيري من تقليد المحتالين والأشرار. فالغزالي خصص حيزا مهما لهذا النقد بشقيه التنبيهي والتحذيري وإن كان الغالب فيه هو النوع الثاني إذ سيذكر الصنف الرابع من المغرورين ويصطلح عليهم بالمتصوفة المغرورين قائلا "وما أغلب الغرور على هؤلاء، وما المتصوفة من أهل هذا الزمان إلا من عصمه الله اغتروا بالزي والمنطق والهيئة فشابهوا الصادقين من الصوفية في زيهم وهيئتهم وألفاظهم وآدابهم ومراسمهم واصطلاحاتهم وأحوالهم الظاهرة في السماع والرقص والطهارة والصلاة والجلوس على السجادة مع إطراق الرأس وإدخاله في الجيب كالمتفكر مع تنفيس الصعداء وفي خفظ الصوت في الحديث وفي الصياح إلى غير ذلك، فلما تعلموا ذلك ظنوا أن ذلك ينجيهم فلم يتعبوا أنفسهم قط بالمجاهدة والرياضة والمراقبة للقلب وتطهير الباطن والظاهر من الآثام الجلية والخفية وكل ذلك من منازل التصوف، ثم إنهم يتكالبون على الحرام والشبهات وأموال السلاطين ويتنافسون في الرغيف والفلس والحبة ويتحاسدون على النقير والقطمير ويمزق بعضهم أعراض بعض مهما خالفه في شيء من غرضه.

فهؤلاء غرورهم ظاهر، فمثلهم كمثل عجوز سمعت أن الشجعان والأبطال والمقاتلين تثبت أسماؤهم في الديوان فتزيت بزيهم فقيل لها أما تستحيي في استهزائك بالملك اطرحوها حول الفيل فطرحت حول الفيل فركضها حتى قتلها" . ويقول عن فرقة أخرى بأنها "ادعت علم المعرفة ومشاهدة الحق ومجاورة المقامات والأحوال والملازمة في عين الشهود والوصول إلى القرب، ولا يعرف هذه الأمور إلا بالأسامي والألفاظ لأنها تلقف من ألفاظ الطامات كلمات فهو يرددها ويظن أن ذلك أعلى من علم الأولين والآخرين، فهو ينظر إلى الفقهاء والمفسرين والمحدثين وأصناف العلماء بعين الازدراء فضلا عن العوام، حتى إن الفلاح ليترك فلاحته والحائك يترك حياكته ويلازمهم أياما معدودة ويتلقف منهم تلك الكلمات المزيفة فيرددها كأنه يتكلم عن الوحي ويخبر عن سر الأسرار ويستحقر بذلك جميع العباد والعلماء، فيقول في العباد إنهم أجراء متعبون، ويقول في العلماء إنهم بالحديث عن الله محجوبون، ويدعي لنفسه انه الواصل إلى الحق وأنه من المقربين، وهو عند الله من الفجار المنافقين وعند أرباب القلوب من الحمقى الجاهلين، لم يحكم قط علما ولم يهذب خلقا ولم يرتب عملا ولم يراقب قلبا سوى اتباع الهوى وتلقف الهذيان وحفظه" .

3- وهذه النماذج الشاذة والمنحرفة هي التي يمكن أن نصطلح على أصحابها بالمتمصوفة وعلى مسلكهم بالتمصوف، إذ يمثله نوع من المتطفلين والمتحايلين المزيفين على بعض الطرق التي قد تسمى صوفية بحسب المظهر خطأ، بينما يكون هدفها هو الإساءة إلى التصوف واستغلال الميل الروحي والتعاطف الاجتماعي مع الأولياء والصالحين لتحقيق غاية غير شريفة وهادفة، وبالتالي فإن المتزعمين لهذا الأسلوب هم الذين يصطلح عليهم بالمقابل والمناسبة الصرفية بالمتمشيخة كما عبر عنهم الشعراني في التمييز بينهم وبين الصوفية والمتصوفة الصادقين "ومن آدابهم –أي الصوفية- البعد عن مواطن التهم، وليس من طريقهم مؤاخاة النسوان والأحداث ولا مكالمتهم لغير ضرورة وما قال بإباحة النظر إلى المستحسنات التي نهى الشارع عنها إلا قوم فجار خرجوا عن الطريق ولبسوا على العامة بلبس الزي حتى ظن من لا معرفة له بميزان الشريعة أنهم من الأولياء مع أنهم أفسق الفاسقين... وهم على جانب عظيم من الكسل والفتور عن الخير، وكل من رأى زيهم الذي لبسوه وتقصير ثيابهم وحف شواربهم وتصغير عمائمهم وإرخاء عذبتهم تمشيخا لا اتباعا للسنة اعتقدهم ظاهرا" .

وهذا النوع من التمشيخ قد حذر منه في بداية الجزء الأول من كتاب "الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية" حيث عبر بمرارة وأسى عن الواقع الذي آل إليه الميدان الصوفي في نظر الجمهور وتصوره من خلال تصرفات هؤلاء المتمشيخة قائلا: "وكان من الباعث لي على تأليف هذه الرسالة طلب النصح لنفسي ولإخواني حيث تحلسنا بحلاس الأشياخ ومشينا على مراسمهم الظاهرة، وظن كل واحد منا نفسه أنه صار من أشياخ الطريق فوضعت هذه الرسالة كالميزان الذي يوزن بها المحق والمبطل، فمن وافق حاله ما فيها فليحمد الله، وإلا فليستغفر الله من دعاويه الكاذبة".

وقد بلغنا أن الذئب الذي اتهم بأنه أكل يوسف عليه الصلاة والسلام كان من حلفه أنه قال: "وألا أكون من مشايخ القرن العاشر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما أكلت يوسف؟!" فكيف يصح لأحد منا دعوى الطريق وهو في النصف الثاني من القرن العاشر الذي استعاذ الذئب أن يكون واحدا من أشباهنا فيها!؟"

فإذا كان الشعراني قد حذر من تفاقم ظاهرة التمشيخ أو التمصوف وخطورتها في القرن العاشر فما بالك الحديث عن القرن الخامس عشر الهجري والواحد والعشرين ميلادي بحيث أن الوضع سيكون أدهى وأمر، خاصة أمام هذا الطوفان من الانحلال الخلقي وتطور أساليب التزوير وتقدم الإعلام في تزيين الصور وتلفيقها، بحيث قد بدأ تفشي هذه الظاهرة في مرحلة الاختلال السياسي والاجتماعي للأمة قبيل مرحلة الاستعمار وفي بدايات القرن العشرين وخاصة عند انحدار الخلافة العثمانية وظهور ما يعرف بالدراويش وغيرهم، وبالتالي تفشي الجهل والقلق والانحلال الخلقي في العالم الإسلامي إلا من رحم الله تعالى، وذلك بسبب غياب العلماء والصلحاء والأولياء عن الحضور الفعال في توجيه المجتمع وتأطيره، حتى طغت الخرافات والشعبذات وأنواع من الدجل والألعاب البهلوانية والسحرية على الساحة العامة تحت زعم أنها من الكرامات وأنها مما ينبغي التسليم لأصحابها، مستغلين في ذلك عطف وميل الجمهور إلى الاعتقاد في الصلحاء والأولياء وبالتالي اختلط الذهب الخالص بالبهرج والمزيف، مما حدا بالمتشددين والمتربصين من زعماء الحنابلة المتسلفين في ثوبهم الأكثر خطورة وهو الوهابية النجدية المحدثة إلى استغلال ظاهرة التسيب في النسبة إلى التصوف والصوفية بغير مراقبة من طرف المتصوفة لاتخاذها ذريعة لفرض مخططها في سحق وقبر الحياة الوجدانية والروحية للأمة، بدعوى محاربة البدع ومنع التوسل والاجتماع على ذكر الله تعالى جهرا وجماعة وتلقينا، وذلك تحت مبرر الدعوة إلى التوحيد بالمفهوم المتسلف الجامد والأقرب إلى التجسيم والتشبيه عبارة ولفظا منه إلى التنزيه والتقديس. كما قد يبدو في كثير من تصريحاتهم وتفسيراتهم للعقيدة، وحسب ما استخلصه كثير من علماء ومفكري الأمة المعتدلين والمنفتحين في فكرهم ورؤيتهم النقدية والتحليلية.

أ‌) مظاهر التمصوف وتنوع أشكاله:
ومن هنا أصبح التمصوف ذا ألوان متنوعة لا تحصى في أساليبها وطرق استغلالها لميدان التصوف وميل الناس إلى تعظيم واحترام أهله. كما يقول الغزالي رحمه الله تعالى: "وأنواع الغرور في طريق السلوك إلى الله لا تحصى في مجلدات ولا تستقصى إلا بعد شرح جميع العلوم الخفية وذلك مما لا رخصة في ذكره، وقد يجوز إظهارها حتى لا يقع الغرور" . بحيث أن المتمصوف لا يجد عناء في كسب ثقة العامة حينما يريد أن يلبس عليهم أمره أو أمر الضريح أو القبر الذي يتخذه وسيلة لغايته، وذلك بمجرد دعواه أن صاحب هذا القبر كان وليا صالحا تجد الناس يقصدونه بالزيارة والتبرك حسب نواياهم وبواعثهم، وهذا عمل حسن ومقبول منهم إن بقي على سبيل التذكر والتفكر والاعتبار، لكن الأمر قد لا يبقى عند هذا الحد وإنما المشكلة تكمن في المحيطين بالقبر أو الضريح المقصود بالزيارة، إذ هناك يجد المتمصوفة فرصتهم لبث الخرافات والأكاذيب من باب ادعاء الكرامات المبالغ فيها لاستغلال المشاعر الطيبة للجمهور الزائر وبالتالي العمل على ابتزاز أمواله بشتى الوسائل ولو بالتسول في باب التوسل على سبيل ادعاء القدرة على التطبيب والعلاج من الأمراض الروحانية أو الصرع أو قراءة الغيب بالفأل المنظوم والمزيف، وما إلى ذلك مما قد يفتعله المتمصوفة من خلال التمويه بدعوات وتمتمات محفوظة توهم العامي الغمر بنوع من المعرفة والخصوصية، بينما الأمر ليس سوى تحايل وتغرير من أجل الابتزاز المالي والنفسي، وربما الاستدراج الجنسي في كثير من خلوات الأضرحة والأماكن المسماة غلطا وزعما بالزوايا، حيث لا تجد مراقبة رسمية ولا علمية أو وعيا اجتماعيا بخطورة هذا الابتزاز والتغرير عند سكان هذه المنطقة أو تلك، وهذا ما يشيع كثيرا في عدة أماكن وخاصة عند خلوات نائية غير مقصودة بكثافة!

كما قد نلاحظ ظاهرة التسول الفاحش عند هذه الأضرحة وتكريسه سواء من طرف القيمين على صيانتها أو السكان المجاورين لها، حتى أصبحت هذه الصفة كأنها من لوازم كل من ينتسب إلى ولي صالح، وهو ما يسيء إلى الصوفية كثيرا في ربط هذه الظواهر بهم رغم أنها تناقض سلوكهم وأخلاقهم مبدأ وغاية وعلى رأسها الزهد والورع والكفاف والعفاف، لكن الجمهور الغمر وماكري المتمصوفة هم الذين ساهموا في تشويه هذه الصورة، إضافة إلى تكريس السلطات وتشجيعها لهذه الممارسات، إما بحمايتها وغض الطرف عنها، وإما بدعمها ماليا على سبيل نثر الحب للالتقاط وجس النبض، مع علمهم بأن هؤلاء المتمصوفة لا قيمة لهم دينيا ولا أخلاقيا ولا علميا، ولكن من باب تمرير الهدف السياسي لترويض وتهجين الجماهير حتى يتحقق الاستقرار والانصراف للاشتغال بما لا يدع مجالا للإلحاح في المطالبة بالحقوق والواجبات والإصلاحات العامة والمهمة، وبالتالي تكريس التسليم لمن لا يستحقه من الأحياء والأموات كمهدئ بارد وقاتل!

1- ومن هنا تغير مفهوم الزاوية لدى العامة وحتى أشباه العلماء وأصبح في منظورهم عبارة عن مقبرة مسقفة تحتوي عدة قبور يأتيها الناس لاستدرار الحياة من الأموات ليس إلا، إذ أصبح المخيال الشعبي لا يفصل الزاوية عن المقبرة، بل اصبحت هذه الأخيرة هي أهم خصائصها والمميزة لها، ومن ثم وجد المتسلفة الوهابيون الفرصة سانحة لوصف الصوفية بالقبوريين، فكان التطرف مقابل التطرف وضاعت بينهما الحقيقة!

إذ الزاوية في الأصل ليست سوى بيت من بيوت الله تعالى يمارس فيها الذكر المتواصل مع الرغبة في التزكية والتربية وتحصيل الطهارة الظاهرية والباطنية، كما نجده في قول الله تعالى: "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها إسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار، ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله، والله يرزق من يشاء بغير حساب"

فتغير مفهوم الزاوية ودورها الروحي وأصالتها الدينية إلى مجمع فلكلوري أو مجال للشعبذة هو الذي أصبح يغلب على أذهان العامة وحتى أشباه العلماء الذين يعانون من بطالة فكرية وكسل عن البحث في حقائق الأشياء ودقائقها، ومن ثم تجند أصحاب المفهوم السليم والأصيل للزاوية ومؤسستها، فاستخرجوا ما كان مغفولا عنه اصطلاحا ومضمونا وذلك من أجل تصحيح المفاهيم وردع كل متطفل وواهم. بحيث نجد سيدي جمال(شيخ الظريقة القادرية البودشيشية) نجل شيخنا سيدي حمزة القادري بودشيش شيخ الطريقة والزاوية الحالي يسير في هذا البحث من خلال أطروحته "مؤسسة الزاوية بالمغرب بين الأصالة والمعاصرة" إلى تصحيح مفهوم الزاوية ودورها الروحي والاجتماعي والتاريخي مع التنبيه على خطر تغير المفهوم الاصطلاحي ومضامينها عبر التقادم والتآكل التاريخي. نقتبس بعض فقرات تقرير مناقشته، يقول فيها كأول استنتاج: "ولئن جرى العرف الأكاديمي على أن يقدم الباحث في خاتمة عمله أهم النتائج التي توصل إليها فإن هذا العرف يجعلنا ملزمين مع الاعتراف بتقصيرنا بإبراز النتائج التالية:

1- تأكد لنا خطر الأطروحة التي روج لها بعض المستشرقين ورددها وتبناها بعض الكتاب المعاصرين، ومفادها أن لفظ "الزاوية" بدأ يحل تدريجيا محل الرباط في المصادر ابتداء من القرن السابع الهجري الموافق للقرن الثالث عشر الميلادي، ذلك لأننا عثرنا على ورود مصطلح "الزاوية" في مصدر عريق، ويعتبر من أمهات مصادر العلوم الإسلامية ألا وهو صحيح الإمام البخاري، حيث ورد فيه قوله في ترجمته لباب من أبواب كتاب الجمعة "باب من أين تؤتى الجمعة؟ وعلى من تجب؟ لقول الله عز وجل "إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة" وقال عطا: إذا كنت في قرية جامعة فنودي بالصلاة من يوم الجمعة فحق عليك أن تشهدها سمعت النداء أو لم تسمعه – وكان أنس رضي الله عنه في قصره أحيانا يجمع وهو بالزاوية على فرسخين" ومن المعلوم أن أنس بن مالك رضي الله عنه صحابي خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، وقد توفي سنة تسعين هجرية، وهو آخر صحابي مات بالبصرة. ولعل مما يزيد استخدام مصطلح "الزاوية" منذ فجر الاسلام تأكيدا ما نجده في كتب شراح صحيح البخاري، فمن ذلك ما قاله الإمام بدر الدين العيني في عمدة القاري: "الزاوية هو موضع ظاهر البصرة بينها وبين البصرة فرسخان" وقال الإمام ابن حجر في فتح الباري: "الزاوية موضع ظاهر البصرة معروف وهذا وصله ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أنس أنه كان يشهد الجمعة من الزاوية وهي على فرسخين من البصرة" فهذا الاسم إن كان علما يدل على مكان معين يرجح أنه ارتبط بالاعتكاف على العبادة واشتق منها.

فمؤسسة الزاوية والتربية الصوفية متجذرة في البيئة الإسلامية لفظا ومعنى مصطلحا ومضمونا، وليست مستوردة ولا مستنبتة ولا مزروعة في كيان الأمة الإسلامية، بل إنها من أصالتها منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين" . فكان هذا استنباطا ممتازا وتنبها دقيقا وعميقا من سيدي جمال يبين عن مدى اصالة المفهوم الصوفي لديه معرفة وذوقا ومصطلحا ومؤسسة، إذ الزاوية القادرية البودشيشية تبقى شاهد عصر، ومؤكد ما قلناه عن مفهوم الصوفي والتصوف، ومفهوم الطريقة والزاوية في حلتها الأصيلة والراقية ودورها التربوي والتعليمي والاجتماعي والوطني، وقبل هذا وذاك التوحيدي الروحي.

2- وحينما تبرز طريقة أو زاوية اصيلة على يد شيخ محقق ومجدد قد يلجأ بعض البطاليين من رجال الفكر والسياسة عندما يشعرون بأن نجمهم آيل للأفول وبعد أن تمكنوا من استقطاب فئات من الجماهير على سبيل التزوير والتغرير إلى استعمال المتمصوفة الذين سبق وحددنا مواصفاتهم كوسيلة لمحاربة الصوفية الحقيقيين من المصلحين والمجددين في الأمة. وذلك بالعمل على تحريك الطرق الميتة، والنفخ الوهمي في أشباحها بالريح لا بالروح، وذلك لسلوك أسلوب المنافسة وإحياء الليالي المتتالية وإقامة الحفلات والمواسم لم تكن من قبل معهودة لديها، بل كانت قبلها جامدة وربما خاوية على عروشها لا يرتاد زواياها سوى العجزة والبطاليين والفاشلين وأيضا المعتوهين والمهوسين والممسوسين، اللهم إلا ما قد نجده من بعض الطرق التاريخية الكبرى التي ربما ظلت في بعض جوانبها تحافظ نوعا ما على شيء من الانضباط الشرعي ظاهريا على أكثر تقدير، أما من الجانب الروحي والترقي واعتبار المراحل والأحوال والمقامات فهذا مناله بعيد وبعيد جدا!

ومما زاد هذا النوع من التمصوف تجذرا وتكريسا في المجتمع الآيل للانحلال والانحراف هو ما تقوم به وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية ووزارة الثقافة من إبراز مظاهره على شكل ما يسمى بالتراث الشعبي مع إضافة كلمة صوفي أو روحي إليه، وما يصاحبه من أعمال بهلوانية وحركات فلكلورية بل تفسيرات خرافية ووهمية للحركة الروحية عند الصوفية، بحيث أصبحت تعرض وكأنها عبارة عن فلكلور أو رياضة بدنية وطقوس شعبية ذات اعتماد مبدئي على إيقاعات موسيقية تساهم في تحصيل الاضطراب البدني ذي الخلفية العصبية والمكبوتات النفسية، حتى وجدنا عروضا من هذا القبيل يشارك فيها تائهون غربيون جاؤوا يبحثون عن التصوف الحقيقي الذي قرأوا عنه في الكتب فإذا بهم يقعون فريسة هذا النوع من المتمصوفة الذين زادوهم في تيههم وحولوهم عن قصدهم. وبالتالي صدروا معنى التصوف محرفا وشاذا من خلال ما رأوا أو مارسوه إما بسذاجة أو مكر استشراقي، هدفه القيام بدراسة الأنماط الاجتماعية والسلوكية والعقدية الطائفية الحاصلة في الأمة، ووضع اليد على مواطن الضعف فيها حتى يتسربوا إليها من بابها ويغرروا بها بأساليبهم المعهودة في المكر والخداع الثقافي!

فقد رأينا في بعض برامج التلفزة المغربية للقناة الأولى صورا مخجلة من هذا القبيل كمثال المرأة الأوربية المسنة التي ادعت أنها وجدت نفسها في طقوس وحركات منبنية على الرقص المفتعل والمنظم مع اختلاط بالرجال وإيقاعات موسيقية في بعض التجمعات المسماة غلطا بالزوايا أو التكايا والتي قد تنسب خطأ إلى التصوف، لكنها أبعد منه بعد المشرقين والمغربين!

وهذا العرض وغيره من العروض كأصحاب السواطير والأباريق المشروبة من الماء المغلي والصخب الموسيقي المزعج وغير ذلك مما لا علاقة له بالعبادة من قريب أو بعيد يكون الهدف منه إساءة نظرة الجمهور للتصوف كعلم إسلامي جوهري في درجة الإحسان، وبالتالي صرفهم عن سلوك طريق الحق والصلاح نظرا لما يعهدونه من خروقات ومفاسد قد تصبح لديهم من العوائد والأعراف الشعبية التي قد يلزقونها ظلما وعدوانا بالصالحين الذين كان همهم هو إصلاح ذاتهم وغيرهم والعزوف عن شهوات الدنيا ومفاتنها واجتناب أماكن الشبهات والمحرمات.

من هنا فيكون على وزارة الثقافة والإعلام ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية خاصة عدم الخلط بين المفاهيم والمؤسسات التي تمثل لب مفهوم التصوف وبين تلك التي لا تعني سوى تقليد وثقافة شعبية وفلكلور وما إلى ذلك وإلا فسيكون هذا الحشو في التصنيف والمواسيم واللقاءات، كالتي تمت بسيدي شيكر وغيره من غير تصنيف موضوعي وإنزال الناس أو الطرق التحقيقية منازلها المعلومة جيدا بتساميها ورفعة شيوخها لدى بعض المسؤولين والقيمين على الشأن الديني الرسمي، ظلما سافرا لحقيقة التصوف وأهله المتحققين واستهانة بالقيم الروحية للمغاربة وللأمة عامة.


د. محمد بنيعيش
المصدر :هسبريس

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016