نفحات الطريق: هل حقـًا رَحل الشَّيخ حَمزَة ؟

هل حقـًا رَحل الشَّيخ حَمزَة ؟

هل حقـًا رَحل الشَّيخ حَمزَة ؟

الشَّيخ حَمزة القادري بُودشيش وإن رحَل بجَسدِه فإنَّ رُوحَهُ سَتظـَلُّ مُشرقـَة فِي قلب مُريدِيهِ ومُحِبِّيه الذِينَ تشَبَّعُــوا بنفحَاتِ جَلالِه وسِحْر جَمَالِه ودَمَاثـَةِ أخلاقِه ونـُبل قيَمِه وسُمُوِّ تعَالِيمِهِ الصُّوفيَّـة الرَّاقيـة التِي تنمّ عَن شَيخ خَبير حَكيمٍ خَبر طريقَ مَعرفـَة الله وارتقـَى فِي مَدَارج حَضرتِهِ العليَّـة إلى أن عَرفـَه، فمُحِبُّو الشـَّيخ لم يَكـُونـُوا ليتعَلقـُوا بهِ لو لمَ يَكن دَليلا ومُرشدًا ومُوَجهًا إلى الله سُبحَانـَه، مُتحَققـًّا في حَضرَتِه، رَاسخـًا في مَحَبَّــته، زاهدا عن سِوَاه، ناهِلا مِن بحَار مَعرفتِهِ وحِكمَتِه التِي لا تطيقهَا الألبَاب والعُقـُول والبَصَائر.

الشَّيخ حَمزة القادري بُودشيش أحيَا أجيَالا مِن الشَّبَاب المثقـَّف، وزَكـَّى نفـُوسَ كثير من العُلمَاءِ والفقـَهَاء، وعَلى يَدَيه وبفضْل مَنهجَهِ التربَوي الرُّوحِي التزْكـَوي تخرَّجَ كثيرٌ مِن الدُّعَاة الأخـْلاقيِّـين والمُفـَكرين المُجَدِّدين وعَلى رأسِهم الفيلسُوف الكبير (طه عبد الرَّحمان) الذِي لا يَخفـَى على من قرأ كتبهُ (رُوحُ الدِّين) و(بؤسُ الدهرَانيَّـة) و(سُؤَال الأخلاق) مَعرفـَة تأثرهِ بالمَدرسَة الأخلاقيَّـة الحَمزَاويَّة التِي يَفتخِرُ بانتسَابهِ لهَا مُعترفـًا بفَضل شيخِهَا وبعِلمِه ومَقـَامٍه ووَرَعِهِ واعتدَالِه وحِكمتِه.

الشـَّيخ حَمْزة القادري بودشيش كانَ لهُ الفضلُ الكـَبير فِي إحيَاء التصَوُّف وإصْلاحِه وتجدِيدِه عَلى ضَوء السِّيَـاق المُعَاصِر بعدَمَا كانَ التصَوُّفُ ضَربًا من التـُّرَاث الدِّينِـي الفولكلوري الشَّعبي وبقِيَ ثقـَافة تقـُوم على طقـُوس الظـَّاهِر لا عَلى إصلاح البَاطِن، وحَتى مَوقفُ الشَّيخ من تصَوُّف الحَقـَائِق حمَلَ بين طيَّاتِه نظرَة استشرَافيَّـة إصلاحيَّـة تجدِيديَّة، كيفَ لا وهُو القـَائل: '' إنَّ العَصر الحَالِي هُوَ عَصرُ إصلاح الخـَلائِق وليسَ إطلاقَ الحَقـَائِق ''.

كانَّ الشيخُ حَمزة أعلا الله مَقامَه مُجددًا على المُسْتوَى الدِّينِي، مُجَاهدًا على المُستـَوى الرُّوحي والتزكوي ومُجتهدًا وَاعِيًّا بضَرُورَة الفصَل بَينَ تصَوّف الحَقـَائِق البَاطِنيَّـة وتصوف المُجَاهَدة فِي سَبيل إصلاح النـُّفوس وتخليق المُجتمع، كمَا كانَ أعلا الله مَقامَهُ، كثيرًا ما يُلحُّ عَلى مُريدِيهِ بكتمَان الأسرَار والحَقـَائِق البَاطنيَّة مِن (أذوَاق وأحوَال وكشُوفـَاتٍ وفتـُوحَاتٍ وفيُوضَات..) تحْصلُ للمُريدِ أثنـَاء تسَامِيه فِي مَدَارج الصَّفـَاء الرُّوحِي حَتـَّى لا يتعلقَ المُريدُ بالكرَامَة وينسَى مَهمَّتهُ العُظمَى مِن الوُجُود ألا وهي إصَلاح الدَّاخل، هذه المهمة الصَّعبة الجليلـَة وهذا الجهاد النفسِي والسُّلوكِي الذِي يَرتكِزُ من جهَةٍ على المُجَاهَدَةِ النفسيَّة بهَدفِ التحلـِّي بالقِـيَم العَارجَة والخِصَال السَّاميَّـة وَمِن جهَةٍ أخرَى على إصلاح الخــَارج، عَبر جَعل هذه القِيم قيمًا حيَّـة فعالـَة مُرتبطة بأفعَال وسلوكيَّات المَرء فِي حيَاتِه العَامَّة داخـَل المُجتمَع، كما الشيخ قدس الله سره، يَحُثُّ مُحبيهِ عَلى نشر القِـيَم السَّمحَة للإسلام، قِيَـم الاعتدَال والمَحبَّة ومَكارم الأخلاق التِي تعدُّ جَوهر الخطـَاب الصُّوفي المُعَاصِر الذِي استأثر بهِ الشَّيخُ على امتدَاد عُقود من الزَّمَن في مُوَاجَهة الخِطـَاب الديني المُتطـَرف خِطـَاب التـَّكفِير والكرَاهيّة والرِّجعيَّـة.

الشَّيخ حَمزة القادري بودشيش لم يرحَل لأنـَّهُ خلفَ لنـَا شيخـًا عَالِمًا زَاهِدًا خـَاشِعاً، عَظيم القـَدر، عَميقَ المَحبَّة، لطيفَ الطـَّبع، كثير التوَاضِع، كثير البُكـَاء، بَهي الطلعَة، جَميل الصفات.. ألا وهُو سيدي جمال القادري بودشِيش الذِي كان يَحثنِي عَلى العِلم ومُجَاهَدة النـَّفس وطلب المَعرفـَة ولزوم ذكر الله.. بَل وكـَان يُعرفنِي على العُلمَاء حَتى أنهَل مِن علمِهم وأتفقهَ مِن فِقههم وأستمِدَّ مِن أدبهم، ولازلت أذكرُ أوَّل نـَصِيحَةٍ هَمَس بهَا فِي أذنِي فِي أوَّل لقاءٍ لِي بهِ حين قال : " عَليكَ بـِـلا إلهَ إلا الله " لم يقل لِي عَليكَ بـِي أو عَليكَ بأبـِي شَيخي حَمزة.

أعلا الله مَقام الشَّيخ سيدي حمزة وحَفظك الله سيدِي جمَال وبارَكَ في عُمره وأعَانـَه على تزكية العِبَاد وإصلاح البلاد.

رشيد العالـــم

إرسال تعليق

2 تعليقات

  1. رحم الله الشيخ سيدي حمزة ونفعنا به وبعلومه
    أخوكم عاشق التصوف

    ردحذف