-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

شرح الحكم العطائية من كتاب اللطائف الإلهية

شرح الحكم العطائية من كتاب اللطائف الإلهية

الحكمة الثامنة و العشرون: 
«دلّ بوجود آثاره على وجود أسمائه ، و بوجود أسمائه على ثبوت أوصافه، و بثبوت أوصافه على وجود ذاته، إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه. فأرباب الجذب يكشف لهم عن كمال ذاته، ثمّ يردّهم إلى شهود صفاته، ثمّ يرجعهم إلى التّعمّق بأسمائه، ثمّ يردّهم إلى شهود آثاره، و السّالكون على عكس هذا فنهاية السّالكين بداية المجذوبين، و بداية السّالكين نهاية المجذوبين. لكن لا بمعنى واحد، فربّما التقيا في الطّريق هذا في ترقّيه، و هذا في تدلّيه» .

شرح الحكمة:

إن هذه الحكمة تشير إلى مسألة مهمة في العقيدة و هي وجوب النظر و الاستدلال على المكلّف للوصول إلى الإيمان بوجود اللّه تعالى و صفاته و أسمائه، يقول الإمام أبو بكر الباقلاني رحمه اللّه تعالى موضحا ذلك: «إن الواجب على المكلّف أن يعلم أن أول ما فرضه اللّه عزّ و جل على جميع العباد النظر في آياته و الاعتبار بمقدوراته و الاستدلال عليه بآثار قدرته و شواهد ربوبيته لأنه سبحانه غير معلوم باضطرار و لا مشاهد بالحواس و إنما يعلم وجوده و كونه على ما تقتضيه أفعاله بالأدلة القاهرة و البراهين الباهرة» .
و يقول الإمام الجويني: «أجمعت الأمة على وجوب معرفة الباري و استبان بالعقل أنه لا يتأتى الوصول إلى اكتساب المعارف إلا بالنظر و ما يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب» و يقول الإمام عبد الباقي المواهبي الحنبلي: «فتجب معرفة اللّه تعالى شرعا و مما ورد في الشرع النظر في الوجود و الموجود على كل مكلّف قادر و هو أول واجب للّه تعالى» .
و هذه الحكمة تبين لنا عملية النظر و الاستدلال الموصلة إلى معرفة اللّه تعالى فتقول: دل (أي اللّه تعالى) بوجود آثاره (أي مخلوقاته) على وجود أسمائه (الحسنى التسعة و التسعين التي وردت بالشرع) و بوجود أسمائه (أي و دل بوجود أسمائه الحسنى) على ثبوت أوصافه (أي اتصافه تعالى بصفات الكمال) و بثبوت أوصافه (أي و دل الحق تعالى باتصافه بالكمالات) على وجود ذاته (تعالى) إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه (أي بما أنه ثبت عقلا استحالة قيام الصفة بنفسها و لا بد لها من ذات تقوم بها ثبت وجود ذات اللّه تعالى التي تقوم بها الصفات العلية) .
و تفصيل شرح هذه الحكمة أن نقول: إن الأثر يدل على المؤثر، و الصنعة تدل على الصانع، و كما قال الأعرابي: «البعرة تدل على البعير و الأثر يدل على المسير أفأرض ذات فجاج و سماء ذات أبراج أفلا يدل ذلك على اللطيف الخبير؟ !» . فالآثار و شأن المجذوبين الاستدلال به على الأشياء، وهم الذين يقولون ما رأينا شيئا إلا رأينا اللّه قبله.
و لا شك أن الدليل أبدا أظهر من المدلول. فأما ما ظهر للسالكين من الآثار، و هي الأفعال، فاستدلوا بها على الأسماء، و بالأسماء على الصفات، و بالصفات على وجود الذات، فكان حالهم الترقي و الصعود من أسفل إلى أعلى.
و أول ما ظهر للمجذوبين حقيقة كمال الذات المقدسة، ثم ردّوا منها إلى مشاهدة الصفات، ثم رجعوا إلى التعلق بالأسماء ثم أنزلوا إلى شهود الآثار. فكان حالهم التدلي و التنزل من أعلى إلى أسفل.
فما بدأ به السالكون من شهود الآثار إليه انتهاء المجذوبين.
و ما ابتدأ به المجذوبون من كشف حقيقة الذات إليه انتهاء السالكين. لكن لا بمعنى واحد؛ فإن مراد السالكين شهود الأشياء للّه. و مراد المجذوبين شهود الأشياء باللّه، فالسالكون عاملون على طريق الفناء و المحو، و المجذوبون مسلوك بهم طريق البقاء و الصحو. و لما كان شأن الفريقين النزول في تلك المنازل المذكورة لزم التقاؤهما في طريق سفرهما: السالك مترقّ، و المجذوب متدلّ» انتهى

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016