الاثنين، 4 يونيو 2018

المريد الصادق عند الصوفية

المريد الصادق عند الصوفية

   هو الذي عرف جلال الربوبية وما لها من حقوق في مرتبة الألوهية على كلّ مخلوق مِن دوام الرضا والخضوع والتذلل إليه ، والعكوف على محبّته وتعظيمه ، ودوام الإنحياش إليه وعكوف القلب عليه ، معرضا عن كلّ ما سواه حبّا وإرادة ، فلا غرض له ولا إرادة في شيء سواه لِعِلْمِهِ أنّ كلّ ما سواه "كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا" . لمّا عرف هذا ، وعرف ما عليه من دوام العكوف على الإنقطاع عن الحضرة الإلهية ، وعرف خسّة نفسه في كثرة شؤمها وشرهها أنّها في جميع توجّهاتها مضادّة للحضرة الإلهية ، وأنّ جميع حضوضها ومراداتها مناقضة للحقوق الربّانيّة ، وعرف ما فيها من التثبط والتثبيط عن النهوض بالقيام بحقوق الحقّ ومعرفة ما يجب له تعالى من الخدمة والأدب بِمَا أَلِفَتْهُ من الميل إلى الراحات ، والعكوف على الشهوات ، والإنقطاع عن خالق الأرض والسماوات ، وأنّ جميع حظوظها لا تدور إلاّ في هذا الميدان ، وعرف عجزه عن تقويم هذه النفس الأمّارة بالسوء وعن ردّها إلى الحضرة الإلهية منقطعة عن هواها وشهواتها ، وعرف أنّه إِنْ قام معها على هذا الحال استوجب من الله تعالى في العاجل والآجل من الغضب والمقت ، وشدّة العذاب والنكال المؤبد للخلود ما لا حدّ له ولا غاية ، وارتعد قلبه في هذا البلاء الذي وقع فيه ، والعلّة المعضلة التي لا خروج منها ، ولا يمكنه المقام مع نفسه على ما هي فيه ممّا ذُكِرَ قبل من استجابة الغضب والمقت من الله تعالى ، ولا قدرة له عى نقل نفسه من مقرّها الخبيث إلى استيطان الحضرة الإلهية ، فحين عرف هذا رجع بصدقٍ وعزمٍ وجِدٍّ واجتهادٍ في طلب الطبيب الذي يخلّصه من هذه العلّة المعضلة ، ويدلّه على الدواء الذي يوجب به كمال الشفاء والصحة ، فهذا هو المريد الصادق ، وأمّا غيره ممّن لم يتّصف بهذه الصفات المتقدّمة فهو طالب لمرتبة لا غير ، قد يَجِدُ وقد لا يَجِدُ ، تعلّقتْ نفسُه بأمر طلبه ، وأمّا الأوّل فلِمَكَانِ صِدْقِهِ كان الشيخ أقرب إليه من طلبه ، فإنّ عناية الحقّ به التي وهبته ذلك العلم المذكور هي التي تقوده إلى الشيخ الكامل ، وتُلْقِيهِ في حضرة الشيخ الواصل ، وتقلب له قلب الشيخ بالمحبّة والتعظيم فيقع الإئتلاف بينهما والأدب فينفتح باب الوصول لأنّ عناية الحقّ متى وقعت على أمر جذبته جذبا قويّا لا يمكن تخلّفه ولو كان ما كان . فالذي يجب على المريد الصادق في الطلب كمال العلم المتقدّم وشدّة الإهتمام بالأمر المطلوب ، وعماية القلب عمّا سوى مطلوبه ، فلا يشتغل بشيء سوى ما يريد . هذا هو الصدق المفيد ، وهو الذي يخرجه من المقت اللاّحق .
**   **   **
 جواهر المعاني


Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: