الأحد، 5 أغسطس 2018

في كرامات الأولياء الأخيار

قال الإمام نجم الدين عمر النسفي في (عقائده): وكرامات الأولياء حق، فتظهر الكرامة على طريق تقفي العادة للولي من قطع المسافة البعيدة في المدة القليلة، وظهور الطعام، واللباس، والشراب، والمشي على الماء وفي الهواء، وكلام الجماد، والعجماء وغير ذلك من الأشياء، ويكون ذلك معجزةٌ للرسول الذي ظهرت هذه الكرامة لواحد من أمته؛ لأنه يظهر بها أنه وليٌّ، ولن يكون وليّاً إلا وأن يكون محقّاً في ديانته، وديانته الإقرار برسالة رسوله مع الطاعة له في أوامره ونواهيه.
قال الشارح سعد الدين : حتى لو ادّعى هذا الولي الاستقلال بنفسه وعدم المتابعة لم يكن وليّاً، ولم يظهر ذلك على يده، وإذا ظهر فلا يكون كرامةً بل استدراجاً.

والحاصل أن الأمر الخارق للعادة فهو بالنسبة إلى النبى معجزةً سواء ظهر من قِبَله أو من قبَل آحاد أمته، وبالنسبة إلى الولي كرامة ًلخلوِّه عن دعوى النبوة من ظهر ذلك من قبله.
وقال إمام الحرمين في كتابه "الإرشاد" : ما صار إليه أهل الحق انخراق العادات للأولياء.
ثم قال : وإن الكرامة والمعجزة ليس بينهما فرقٌ إلا وقوع المعجزة على حسب دعوى النبوة والكرامة دون ادِّعاء النبوة.
قال الإمام عبد الله بن أسعد اليافعي في كتابه "نشر المحاسن" : ظهور الكرامات للأولياء جائز عقلاً، وواقعٌ نقلاً، أمَّا جوازه في العقل فلأنه ليس مستحيلٌ في قدرة الله تعالى بل هو من قبيل الممكنات كظهور معجزات الأنبياء، هذا مذهب أهل السنّة من المشايخ العارفين، والنُّطقاء الأصوليين، والفقهاء، والمحدثين، وتصانيفهم ناطقةٌ بذلك شرقاً غرباً عجماً وعرباً، وأمّا وقوع ذلك بالنقل فقد جاء في القرآن والأخبار والآثار والإسناد ما يخرج عن الحصر والتعداد، فمن ذلك في القرآن ما أخبر الله تعالى عن مريم عليها السلام بقوله تعالى :{ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ }، وكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، هكذا جاء في التفسير، وكذلك ما أخبر الله تعالى من إلهام أم موسى عليه السلام في أمره ما هو معروفٌ، وكذلك ما أخبر الله تعالى من العجائب عن الخضر مع موسى عليهما السلام، وكذلك قصة أصحاب الكهف والأعاجيب التي ظهرت عليهم من كلام الكلب معهم وغير ذلك، وكذلك قصة آصف بن برخيا مع سليمان عليه السلام في عرش بلقيس في قوله تعالى :{ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ }، ومن ذلك في الأخبار حديث جريح الرّاهب الذي كلّمه الطفل في المهد، وهو حديثٌ صحيحٌ أخرجه البخاري ومسلم.
وحديث الغار الذي انطبقت عليهم الصخرة، ثم انفرجت عنهم، وهو أيضاً حديث صحيحٌ أخرجه البخاري ومسلم.
وحديث البقرة التي كلّمت صاحبها، وهو حديثٌ صحيحٌ مشهورٌ، والحديث المتفق على صحته المذكور في الصحيحين في أبي بكر الصديق مع ضيفه وبركة الطعام حتى صار بعد الأكل أكثر مما كان قبله ثلاث مراتٍ، وكذلك ما اشتهر عن الصدِّيق أيضاً أنه أُخبر أن حمل امرأته أنثى فكان كذلك، وحديثٌ في الصحيحين المتفق على صحته في عمر رضي الله عنه أنه من الممحدَّثين بفتح الدّال، وكذلك ما صحَّ عنه أنه قال : يا سارية الجبل في حال خطبةٍ في يوم الجمعة، فبلغ صوته إلى سارية، فكان لعمر رضي الله عنه في ذلك كرامتان : إحداهما : ما كُشِف له عن حال سارية وأصحابه المسلمين، وحال العدو، والثانية : بلوغ صوته إلى بلادٍ بعيدةٍ.
والحديث المتفق على صحته في سعد وسعيد في إجابة دعوة كل واحدٍ منهما، والحديث الصحيح في البخاري في "خبيب" في قطف العنب الذي وجد في يده يأكله في غير أوان الثمر.
والحديث الصحيح حديث البخاري أيضا في : أسيد بن حضير، وعبّاد بن بشر اللذين خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم في ليلةٍ مظلمةٍ ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما.
والحديث الصحيح : حديث الرجل الذي سمع صوتاً في السحاب يقول : اسقي حديقة فلان، وما جاء أن ابن عمر رضي الله عنهما قال للأسد الذي منع الناس الطريق : تنحّ، فبصبص بذَنبِه وذهب، وما جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي، فحال بينهم وبين الموضع قطعةٌ من البحر، فدعا بالاسم الأعظم ومشى على الماء.
وما جاء أنه كان سلمان وأبي الدرداء قصعةٌ فسبّحت حتى سمعا التسبيح، وكذلك ما اشتهر أن عمران بن الحصين كان يسمع تسبيح الملائكة عليه حتى اكتوى، فانحبس عنه ذلك، ثم أعاده الله تعالى إليه.
والحديث الصحيح حديث مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ رُبَّ أَشعَتَ مدفوعٌ بالأبوابِ لو أقسمَ على الله لأبرَّه }.

قلت : ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكفى دليلاً.

وقد ورد عن السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المشايخ العارفين والفقراء الصادقين وسائر الأولياء والصالحين من الكرامات المستفيضات، الصادرات عن العِيان والمشاهدات، ما طَبَقَ الآفاق، وملأ جميع البلاد، وعجزت الدفاتر عن اليسير منه في الحصر والتَّعداد، وأمّا كثرة ظهور الكرامات واشتهارها بعد زمن الصحابة وزيادتها على ما كان في زمانهم فالجواب عن ذلك ما أجاب به الإمام أحمد لما قيل له : يا أبا عبد الله، إنّ الصحابة لم يُروَ عنهم مثلما قد رُويَ عن الأولياء والصالحين، فكيف هذا ؟! فقال : اولئك كان إيمانهم قويّاً، فما احتاجوا إلى زيادة شيء يتقوون به، وغيرهم كان إيمانهم ضعيفاً لم يبلغوا إيمان أولئك، فقووا بإظهار الكرامات.

وكذلك قال الشيخ شهاب الدين السهروردي : وخرق العادة إنما يكاشف به لموضع ضعف يقين المكاشف رحمة من الله تعالى على عباده العبَّاد، ثواباً معجَّلاً لهم، وفوق هؤلاء قومٌ ارتفعت الحجب عن قلوبهم، وباشر بواطنهم نور اليقين، وصدق المعرفة، فلا حاجة لهم إلى مددٍ من المخرقات، ورؤية القدر والآيات، ولهذا ما نُقل عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا القليل، وما نُقل عن المتأخرين من المشايخ والصادقين أكثر؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لبركة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ومجاورة نزول الوحي وتردُّد الملائكة وهبوطها تنوَّرت بواطنهم، وعاينوا الآخرة وزهدوا في الدنيا وتزكّت نفوسهم، وانخلعت عاداتهم، وانصقلت مرايا قلوبهم، فاستغنوا بما أعطوا من رؤية الكرامة، واستماع أنوار القدرة.

قال اليافعي: وأيضا فهذه الكرامات من الكشف وغيره أنوارٌ، والأنوار إنما يظهر حسن بهائها في الظلمة، فأما الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فكلُّهم أنوار ليس فيهم ظلمةٌ؛ لتوهُّج ضياء شمس النبوّة عليهم، وكمال محاسنهم، ثم إن الشمس إذا غربت تظهر الظلمة عقيب غروبها ولا تظهر إلا الكواكب الكبار، فكلما تغرب عن الافق تكثر الظلمة، فتظهر سائر الكواكب إلى أن يظهر فجر الوعيد، وأيضا الصحابة كانوا أهل حقّ، وسُنَّةٍ، وطاعةٍ، وعدلٍ، ومعروفٍ، ثم ظهر بعدهم عكس ذلك من الباطل والبدع، والمعاصي، والظلم، والمنكر، فبث الله تعالى في سائر البلدان رجالاً قلدهم سيوفا ماضيات تقطع أعناق المنكرين عليهم.

والحاصل: أنه قد علمت أنهم قد اتفقوا على أن الفارق بين الكرامة والمعجزة هو تحدي النبوة فقط، ولم يشترط أحد منهم لكون الكرامة دون المعجزة في جنسها وعظمها، فدلَّ ذلك على جواز استوائها فيما عدا التحدي المذكور، ويشهد لصحة هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح :{ لو أقسمَ على الله لأبَرَّه }.

**   **   **
الانتصار للأولياء الأخيار

Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

1 coment rios: