الجمعة، 28 سبتمبر 2018

شرح الحكم الغوثية : مَنْ جالس الذاكرين انتبه من غفلته، ومَنْ خدم الصالحين ارتفع لخدمته

من جالس الذّاكرين كان من جُلساء الله، وكيف لا ينتبه من غفلته. ففي الغالب تعود بركة الحضور عليه، وهو الانتباه من الغفلة حتّى يصير ذاكرا. ولهذا يُقال: "الذّاكر مع الغافلين غافل، والغافل مع الذّاكرين ذاكر" لما سيعود عليه من بركة الذّكر. ولهذا ينبغي للإنسان أن لا يُجالس إلاّ الذّاكرين، لأنّ مُجالسة الذّاكرين ذكر، لما يُروى في فضل مجالس الذّكر، وأنّها من رياض الجنّة.
قال عليه الصّلاة والسّلام: «إِنَّ لِلَّهِ سَرَايَا مِنَ الْمَلائِكَةِ، تَحِلُّ وَتَقِفُ عَلَى مَجَالِسِ الذِّكْرِ فِي الأَرْضِ، فَارْتَعُوا فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ". قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "مَجَالِسُ الذِّكْرِ، فَاغْدُوا وَرُوحُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ، وذَكّرُوهُ أَنْفُسَكُمْ»[رواه الحاكم في المستدرك].

وقال أيضا عليه الصّلاة والسّلام:«ما من قوم يذكرون الله إلاّ حفّت بهم الملائكة، وغشيتهم الرّحمة، ونزلت عليهم السّكينة، وذكرهم الله فيمن عنده» [رواه الترمذي والطبراني]. وأخرج أحمد في الزهد عن ثابت قال : «كان سلمان في عصابة يذكرون الله فمر النبي صلى الله عليه وسلم فكفوا فقال : ما كنتم تقولون ؟ قلنا : نذكر الله ، قال : إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها ، ثم قال : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم» . وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي رزين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : «أَلا أَدُلُّكَ عَلَى مِلاكِ هَذَا الأَمْرِ الَّذِي تُصِيبُ بِهِ خَيْرَ الدُّنْيَا ؟ عَلَيْكَ بِمَجَالِسِ أَهْلِ الذِّكْرِ ، وَإِذَا خَلَوْتَ فَحَرِّكَ لِسَانَكَ مَا اسْتَطَعْتَ بِذِكْرِ اللَّهِ ». وقال عليه الصلاة والسلام :«لأن أذكر الله تعالى مع قوم بعد صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس، أحب إلي من الدنيا وما فيها، ولأن أذكر الله تعالى مع قوم بعد الفجر إلى طلوع الشمس أحب إلي من الدنيا وما فيها». وقال عليه الصلاة والسلام : «رياض الجنة حلق الذكر، فإذا مررتم برياض الجنة فارتعوا». يعني اجلسوا معهم فيها. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن لله ملائكة سيارة وفضلاء ، يلتمسون مجالس الذكر في الأرض ، فإذا أتوا على مجلس ذكر حف بعضهم بعضا بأجنحتهم إلى السماء ، فيقول الله : من أين جئتم ؟ فيقولون : جئنا من عند عبادك يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويهللونك ويسألونك ويستجيرونك ، فيقول : ما يسألون ؟ وهو أعلم ، فيقولون : يسألونك الجنة ، فيقول : وهل رأوها ؟ فيقولون : لا يا رب ، فيقول : فكيف لو رأوها ، ثم يقول : ومم يستجيروني ؟ وهو أعلم بهم ، فيقولون : من النار ، فيقول : وهل رأوها ؟ فيقولون : لا ، فيقول : فكيف لو رأوها ؟ ثم يقول : اشهدوا أني قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوني وأجرتهم مما استجاروني ، فيقولون : ربنا ، إن فيهم عبدا خطاء جلس إليهم وليس منهم ، فيقول : وهو أيضا قد غفرت له ، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم » . و أي فضل أعظم من هذا الفضل حتى صار المخطئ يغفر له بسبب مجالسة الذاكرين.

وحاصل الأمر، ينبغي للمؤمن أن يتسبّب في ما ينزع غفلته، ولا يكون له ذلك إلاّ بمُجالسة المتنبّهين. وكان عليه الصّلاة والسّلام ينهى عن مجالسة الأموات، ويعني بهم أموات القلوب الغافلين عن الله. وقال فيهم عليه الصّلاة والسّلام: «ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلاّ قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة يوم القيامة»[رواه أبو داود]، فمجالسة هؤلاء سمّ قاتل، إيّاك أخي ومجالستهم، فإنّ المجالسة مجانسة والطّبع جلاّب، ومع من تكون بحاله تكون، ولهذا ينبغي للإنسان أن لا يجالس ولا يصحب إلاّ صاحب الشّعور، المُتّصف بالذّكر والحضور، لكي يتنبّه من غفلته بسبب مجالسته له.

وأمّا خدمة الذّاكرين والصّالحين فالانتفاع بها معلوم بالضّرورة، لقول أبي مدين التلمساني: "من خدم الصّالحين انتفع بخدمته"، والمُراد بالصّالحين من صلحت سيرتهم، وصفت سريرتهم، المُتفرّغون من تهذيب نفوسهم، المُستريحون من شرّها باطنا وظاهرا. فمن خدم مثل هؤلاء في الغالب تعود عليه بركتهم، وسرّ الله منوط بخدمة الرّجال، لما قيل: "والله ما أفلح من أفلح إلاّ بصحبة من أفلح". ومن لم يخدم الصالحين لم ينتفع بشيء من أسرارهم. وكيف ينتفع وهو لم يسخ بخدمته لهم، وبالتذلل على أعتابهم. ومن أين يحصل له النفع الذي هو موقوف على صحبتهم. قال وهو أصدق القائلين :(وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) وقال أيضا :(وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ).
فاصحب يا أخي العارفين وانهض في خدمتهم. فمن صحبهم انتفع بصحبتهم، ومن خدمهم انتفع بخدمتهم وشمّ فيهم رائحة الحق. فهم أبواب الحضرة الإلهية. ثم إن العارف بالله، إذا رضي على من يخدمه أغناه.


                   

Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: