الأحد، 16 سبتمبر 2018

إيـقاظ الـهـمم في شــرح الحـكم (37)

ومن دواعي الملل وجود الشره وهو الحرص، وموجبه هو الإطلاق في العمل، فلذلك قيدت الطاعة بأعيان الأوقات كما أبان ذلك بقوله :

(وًعَلِمَ ما فيكَ مِنْ وُجودِ الشَّرَهِ فَحَجَرَها عَلَيْكَ فى بَعْضِ الأوْقاتِ

الشره : خفة في النفس توجب المسارعة للعمل والإسراع فيه. وينتج آفات ثلاثاً : 
أولها : الترك عند الدوام لتروي النفس وضيقها . الثاني : الملل وهو التثاقل إن لم يكن ترك . الثالث : الإخلال بالحقوق لوجود العجلة .
(والحجر) بالوقت فيه فوائد ثلاث : أولها : منع الشره , إذ لو كانت مرسلة لوقعت النفس فيها على وجه الشره . الثاني : نفي التسويف , لولا الوقت لكانت تعده من زمن إلى زمن فيؤدي إلى التفريط . الثالث : التمكين من العمل والتمكن فيه , إذ لولا الوقت لأهمل العمل ولم يحافظ عليه لغلبة الهوى ولم يحفظه إستعمالاً للحظوظ. 

ثم بين وجه التحجير وهو الإتقان والإقامة فقال :

( لِيَكُونَ هَمُّكَ إِقَامَةَ الصَّلاَةِ لاَ وُجُودَ الصَّلاَةِ )

قلت : السر في تحجير الصلاة في بعض الأوقات لتشتاق النفس إليها وترتاح بها فيحصل فيها الخشوع والحضور وقرة العين بخلاف ما إذا كانت دائمة فيها فلا تتعشق إليها بل ربما تمل فتوقعها على غير تمام والمقصود منك حركه قلبك لا حركة جسمك " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم " ليس الشأن حركة الأشباح إنما الشأن خضوع الأرواح فالسر في تحجير الصلاة عنك في بعض الأوقات أن يكون همك إقامة الصلاة , وهو إتقانها والقيام بحقوقها الظاهرة والباطنة لا وجود الصلاة من غير إقامة , فهي ميتة خاوية فهي إلى العقوبة أقرب .
قال الإمام القشيري رضي الله عنه :( إقامة الصلاة هو القيام بأركانها وسننها ثم الغيبة عن شهودها برؤية من يصلي له فتحفظ عليه أحكام الأمر بما يجري عليه منه وهو عن ملاحظتها محو , فنفوسهم منه مستقبلة إلى القبلة وقلوبهم مستقرة في حقائق الوصلة ) . 
وقال المؤلف رضي الله عنه : (إقامة الصلاة حفظ حدودها مع حفظ السر مع الله عز وجل لا يختلج بسرك سواه ) . 
وكتب عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه إلى عماله: (إن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها فهو لما سواها أحفظ , ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع ). من الشيخ زروق. 

ثم ذكر وجه كون المطلوب هو الإقامة دون الوجود من حيث هو فقال :

( فَما كُلُّ مُصَلٍّ مُقيمٌ

قلت : لأن الإقامة في اللغة : هو الإكمال والإتقان . يقال أقام فلان داره إذا أكملها وجعل فيها كل ما يحتاج إليه , فإقامة الصلاة إتقانها كما تقدم وضد الإقامة هو الإخلال والتفريط فليس كل مصل مقيماً فكم من مصل ليس له من صلاته إلا التعب .
وفي بعض الأحاديث : " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعداً " . وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم :" إذا صلى العبد فلم يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها لُفَّت كما يُلف الثوبُ الخلق ثم يُضرب بها وجهه " .أو كما قال عليه السلام. فالمصلون كثير , والمقيمون قليل , فأهل الأشباح كثير وأهل القلوب قليل. 
قال أبو بكر بن العربي المعافري رحمه الله : ولقد رأيت ممن يحافظ عليها آلافا لا أحصيها فأما من يحافظها بالخشوع والإقبال فما أستوفي منهم خمسة .
وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : ( كل موضع ذكر فيه المصلون في موضع المدح فإنما جاء لمن أقام الصلاة أما بلفظ الأقامة أو بمعنى يرجع إليها قال الله سبحانه : ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ )( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ( وأقامَ الصلاة ) ( والمقيمي الصلاة ) ولما ذكر المصلين بالفغلة قال : (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ) ولم يقل : فويل للمقيمين الصلاة .
واعلم أن الخشوع في الصلاة على ثلاث مراتب المرتبة :الأولى : خشوع خوف وانكسار وإذلال , وهو للعباد والزهاد .المرتبة الثانية : خشوع تعظيم وهيبة وإجلال وهو للمريدين السالكين المرتبة الثالثة : خشوع فرح وسرور وإقبال وهو للواصلين من العارفين ويسمى هذا المقام قرة العين كما يأتي إن شاء الله.

ثم اعلم أن الصلاة التي لا يصحبها خشوع ولا حضور هي باطلة عند الصوفية غير مقبولة عند العلماء , وقالوا ليس للعبد من صلاته إلا ما حضر فيها قلبه : فقد يكون له ربع صلاته أو نصفها بقدر ما حضر فيها ويعين على الخشوع الزهد في الدنيا وهذا هو 
الدواء الكبير إذ محال أن تكون عندك بنت إبليس ولا يزورها أبوها فلا يتأتى الخلوص من الخواطر ما دامت في القلب وقليلها هو كثيرها فمن بقيت فيه بقية منها فأنه تأتيه الخواطر على حسبها فمحال أن تكون شجرة الدنيا في قلبك وتسلم من الخواطر ومثال ذلك كشجرة عندك في بستان يجتمع عليها الطيور ويهولونك بأصواتهم , فكلما شوشتهم رجعوا فلا ينقطعون عنك أبداً حتى تقطع تلك الشجرة فإذا قطعتها استرحت من أصواتهم , فكذلك الدنيا ما دامت في اليد وهو معمور بها لا يسلم القلب من خواطرها حتي يخرج عنها , وحينئذ يستريح من مساويها والله تعالى أعلم. 
و مما يعين أيضاً على الخشوع الإكثار من ذكر الله بالقلب والقالب وإدمان الطهارة لأن الظاهر له تعلق بالباطن إذا طهر هذا طهر هذا وبالله التوفيق . 

ثم ذكر نتائج الصلاة وثمراتها ومرجعها إلى ست كل واحدة توصل إلى ما بعدها ( وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى )فأشار إلى الأولى:

( الصَّلاَةُ طُهْرَةٌ لِلْقُلُوبِ

قلت : إنما كانت الصلاة مُطهِّرَة للقلوب من المساوي والعيوب لما فيها من الخضوع والانكسار والذل والافتقار والتذلل والاضطرار فإذا خضع القلب لهيبة الجلال طهر من سائر العلل لأن طلب العلو والرفعة هو أصل العلل وعنصرها ومن شأن النفس وطبيعتها طلب العلو والاستكبار والتعزز والافتخار لأنها جاءت من عالم العز فلا ترضى إلا بالعز. فلما ركِّبت في هذا القالب الجسماني ردتها القهرية إلى العبودية وجعلتها لها باباً للوصول إلى حضرة الربوبية , فلا يطمع لها في الرجوع إلى أصلها إلا بانكسارها وذلها ولذلك قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه : أتيت الأبواب كلها فوجدت عليها إزدحاماً فأتيت باب الذل والإنكسار فوجدته خالياً , فدخلت منه وقلت :هلموا إلى ربكم هكذا سمعته من أشياخنا . 
فإذا إانكسرت وذلت رجعت لأصلها ووصلت وإذا تعززت واستكبرت حجبت وطردت , وإذا طردت بعدت وكلما بعدت عن الحضرة الربانية استحكمت فيها الشهوات الجسمانية والأخلاق الشيطانية , فاتصفت حينئذ بكل خلق دني وبعدت من كل خلق سني . فإذا أراد الله تعالى أن يرحمها بالقرب من جنابه والوقوف ببابه ألهمها الصلاة وحببها إليها , حتى إذا تطهرت من الذنوب ومحيت عنها المساوي والعيوب , قربت من حضرة الحبيب ومناجاة القريب , فقرعت الباب , وطلبت رفع الحجاب وهذا معنى قوله :

( واستفتاحٌ لِبَابِ الغُيوب

وهي النتيجة الثانية من نتائج الصلاة , قلت : المراد بالغيوب أسرار الملكوت وأسرار الجبروت وإنما كانت الصلاة إستفتاحاً لباب الغيوب , لما اشتملت عليه من تطهير الظاهر والباطن .
قال محمد بن علي الترمذي الحكيم رضي الله عنه: ( دعا الله الموحدين إلى هذه الصلوات الخمس رحمة منه عليهم وهيأ لهم فيها أنواع الضيافة لينال العبد من كل قول وفعل شيئاً من عطاياه : فالأفعال كالأطعمة والأقوال كالأشربة وهي عرش الموحدين هيأها رب العالمين لأهل رحمته في كل يوم خمس مرات حتى لا يبقى عليهم دنس من الأغيار ) .
فإذا تطهر الظاهر بالطهارة الحسية والباطن بالطهارة المعنوية استحق الدخول إلى الحضرة القدسية , فأول ما يتحف به قربه إلى الباب وسماع خطاب الأحباب من وراء حجاب فيتمتع بمناجاة الأحباب ولذيذ الخطاب وهو معنى قوله : 

(الصَّلاةُ مَحَلُّ المُناجاةِ

وهي النتيجة الثالثة , قلت : المناجاة : هي المساررة والمكالمة مع الأحباب فمناجاة العبد ربه بالتلاوة والأذكار ومناجاة الرب لعبده بالتفهم والفتح ورفع الأستاروفي الحديث الصحيح : " المصلّى يُناجي ربَّه "وقال أيضاً عليه السلام : ( يقول الله تعالى : قسّمت الصلاة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل , فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين , قال تعالى : حمدني عبدي , وإذا قال : الرحمن الرحيم , قال الله تعالى : مجدني عبدي , فإذا قال : مالك يوم الدين قال الله تعالى : فوض إلى عبدي , فإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين , قال الله تعالى : هذه بيني وبين عبدي , فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم الآية , قال الله :هذه لعبدي ولعبدي ما سأل ) الحديث. فلا يزال المصلي يناجي ربه ويطلب قربه حتى تتمكن المحبة من القلب والإقبال من الرب , فتصفو المحبة من كدر الجفا ويتصل المحب مع حبيبه في محل الصفا , وهو معنى قوله : 

( ومَعْدِنُ المُصافاةِ

وهي النتيجة الرابعة , قلت :المعدن هو محل الذهب والفضة ستعير هنا لصفاء القلوب 
والأرواح لتصفيتها من لوث صلصال الأشباح فالمصافاة خلوص المناجاة من تشويش الحس وكدر الهواجس فهي أرق وأصفى من المناجاة كما قال ابن الفارض رضي الله عنه :
ولقد خلوتُ مع الحبيبِ وبيننَا ..... سرٌّ أرقُّ من النسيم إذا سرَا 

وهذه مصافاة العبد لربه , ومصافاة الرب لعبده بالإقبال عليه حتى لا يدعه لغيره . وفي الخبر :" إن العبد إذا قام إلى الصلاة رفع الله الحجاب بينه وبينه وواجهه بوجهه وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهوى يصلون بصلاته ". فإذا تمت التصفية , وعظمت المحبة , وكثر العطش , وظهر الدهش , استحقت الروح رفع الحجاب وفتح الباب , فتدخل إلى حضرة الأحباب , ويرتفع بينها وبينهم الحجاب فتخرج من ضيق الأشباح إلى فضاء عالم الأرواح أو من ضيق الملك إلى سعة عالم الملكوت وهو معنى قوله :

( تتّسعُ فيها ميادينُ الأسرار

وهي النتيجة الخامسة , قلت :الميادين : جمع ميدان وهو مجال الخيل أستعير هنا لفضاء عالم الملكوت . فإذا تنزَّهت الروح في عالم الملكوت وجالت بفكرتها في سعة أنوارها أشرقت عليها أنوار سنا الجبروت , وهو معنى قوله :

( وَتُشْرِقُ فيها شَوارِقُ الأنْوارِ

وهي النتيجة السادسة . قلت : أراد بالأسرار أسرار الذات وهو لأهل الفناء وبالأنوار 
أنوار الصفات وهو لأهل البقاء والله أعلم. 

وأراد الشيخ بهذه الصلاة التي تنقله من حال إلى حال ,ومن مقام إلى مقام صلاة أهل الاعتناء , وهم أهل السلوك على يد الشيوخ لا صلاة أهل الغفلة , وصلاة أهل المجاهدة من العباد والزهاد فليس لهم هذا السير , والله تعالى أعلم . 
قال أبو طالب : حدثنا أن المؤمن إذا توضأ للصلاة تباعدت عنه الشياطين في أقطار الأرضين خوفاً منه , لأنه تأهب للدخول على الملك فإذا كبر حجب عنه إبليس وضرب بينه وبينه بسرادق لا ينظر إليه وواجهه الجبار بوجهه فإذا قال : الله أكبر أطلع الملك في قلبه فإذا ليس في قلبه أكبر من الله , فيقول الملك : صدقت الله أكبر في قلبك كما تقول , فيتشعشع في قلبه نور يلحق ملكوت العرش فينكشف له بذلك ملكوت السموات والأرض ويكتب له حشو ذلك النور حسنات . 

قال : وإن الغافل الجاهل إذا قام إلى الوضوء احتوشته الشياطين كما تحتوش الذباب على نقطة العسل فإذا كبر أطلع الملك في قلبه فإذا كل شيء في قلبه أكبر من اللهعنده فيقول الملك : كذبت ليس الله في قلبك كما تقول , فيثور من قلبه دخان يلحق بعنان السماء فيكون حجاباً لقلبه عن الملكوت , قال : فيرد ذلك الحجاب صلاته , وتلتقم الشياطين قلبه ولا يزال تنفخ فيه وتنفث وتوسوس وتزين له حتى ينصرف من صلاته ولا يعقل ما فعل .



Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: