-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس (7)

واعلم أن كل صلاة لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر لا تُسمى صلاة لقوله تعالى:" إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " وأنت تخرج من الصلاة ومن مناجاة الحق سبحانه وتعالى في قوله:" إياك نعبد وإياك نستعين " ومناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم بقولك: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " وهذا في كل صلاة ثم تخرج إلى الذنوب بعد هذه النعم التي أنعم الله بها عليك؟

عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه ، أنه كان يحضره عنده فقهاء الإسكندرية والقاضي ، فجاؤوا مرة مختبرين للشيخ ، فتفرس فيهم وقال : يا فقهاء يا فقهاء ! هل صليتم قط؟ قالوا: يا شيخ وهل يترك أحدنا الصلاة؟ فقال لهم : قال الله تعالى: "إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ " فهل أنتم كذلك إذا مسكم الشرلا تجزعوا وإذا مسكم الخير لا تمنعون؟ فسكتوا جميعا ، فقال لهم الشيخ : فما صليتم هذه الصلاة قط .إن تفضل عليك بالتوبة فتبت إليه فمن فضله سبحانه وتعالى تُبتَ إليه، وإنك تُذنبُ سبعين سنة فتتوب إليه في نفس واحد ، فيمحو ما عملته في تلك المدة "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، فالمؤمن كلما ذكر ذنبه حزن ، وكلما ذكرطاعته فرح .

قال لقمان الحكيم: المؤمن له قلبان ، يرجو بأحدهما ويخاف بالآخر: يرجو قبول عمله ويخاف ألا يُقبل منه ، ولو وُزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ،من أراد رؤية الله فعليه بقيام أوامر الله .إذا اطلعت على زوجتك بخيانة فإنك تغضب عليها ، فكذلك نفسك قد خانتك في عمرك ، وأجمع العقلاء على أن الزوجة إذا خانت لا ياويها زوجها بل يُطلقها ، فطلق نفسك . سُأل رسول الله صلى الله عليه وسلم :ما أكثر ما يُدخل الناس النار ؟ فقال  عليه الصلاة والسلام :الأجوفان، هو الفم والفرج " فاغسل قلبك بالندم على ما فاتك من الله عز وجل.

 غلطوا والله في النواح على زوجة أو زوج ، أو والد أو ولد ، بل كان من حقهم أن يُقيموا النواح على فقدانهم تقوى الله من قلوبهم . تُقهقه بالضحك كأنك قد جاوزت الصراط المستقيم وعثرات النيران.
إذا لم يكن بينك وبين الله ورعٌ يحتجزك عن معاصي الله إذا خلوت وإلا فضع التراب على رأسك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : "من لم يكن له ورع يحتجزه عن معاصي الله إذا خلا ،لم يعبأ الله بشيء من عمله" لا شيء يُخجلك يوم القيامة مثل درهم أنفقته في حرام. 

النقص فيك والحجاب منك

ومما يُخاف عليك موالات الذنوب ليستدرجك فيها ،ويُمكنك منها . قال الله تعالى:" سنستدرجهم من حيثُ لا يعلمون ".إن كانت معك عنايته ينفعك القليل ، وإن لم تكن لك عناية منه لم ينفعك الكثير . لو كشف عنك الحجاب لرأيت كل شيء ناطقا مسبحا لله تعالى، ولكن النقص فيك والحجاب منك . ما أكثر احتراسك على بدنك ، وما أرخض دينك عليك ! لو قيل لك : إن هذا الطعام مسموم لأمتنعت منه ، ثم لو حُلف لك بالطلاق أنه ليس بمسموم لتوقفت عنه ، بل لو غسلت الوعاء الذي هو فيه مرارا لنفرت منه نفسُك ، فلم تكن كذلك في دينك ؟!. 
وكم لله عليك من أيادي أكثر من أمك!إنها إذا أخذتك وأنت صغير تُلبسُك أحسن الملابس، فإن وسختها تخلع عليك ثيابا تخلع عليك ثيابا أُخر في الوقت ، وأنت تأتي إلى مملكة مزينة ، ليس فيها موضع شبر إلا ويصلح للسجود عليه ،تُتلف ثوبك وتوسخه بالمعصية ، هكذا فعلك ، تجلى عليك المحاسن فتجعل فيها ما يُكدرها من المعصية.

ليس كل من صحب الأكابر اهتدى بصحبتهم ، فلا تجعل صحبة المشايخ علة في أمنك ، فمن اغتر بالله فقد عصاه ،لأنك أمنت عقوبته . كما يقول الجاهل : صحبت سيدي فلانا ورأيت سيدي فلانا ، ويدعون بدعاوي كلها كاذبة باطلة ، بل كان يبنغي لهم أن تزيدهم صحبة المشايخ خوفا ووجلا ، فقد صحب الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا أكثر وجلا وخوفا .وربما كان الغنى دفعا والفقر جمعا ، لأن الفاقة تُحوجك أن تتضرع إلى الله ، ولفاقة تجمعك على الله خير من غنى يقطعك عنه . كما أُمرت أن تُعرض عمن عصى وتدعو له في الغيبة . والناس اليوم على العكس ، وما عسى أن ينفعك صومك وصلاتك وأنت تقع في عرض أخيك المسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" جددوا إيمانكم بقول :" لا إله إلا الله ". 

فدل ذلك على أنه يُحصل له غبار المعصية ودنس المخالفة ، وما كل المخالفة ، وما كل غش يُطهره الماء ، بل رُب غش لا يُطهره إلا النار ، كالذهب إذا كان فيه الغش ، فكذلك العصاة من هذه الأمة لا يصلحون لدخول الجنة حتى تُطهرهم النار . 

لا تحسد إلا عبدًا قد لُف في ملابس التقوى ، هذا هو العيش وما أطيب عيش المحب مع الحبيب إذا لم يطلع عليه رقيب، فإن أحب أن يطلع عليه رقيب فما صدق في حُبه ، وكل من أراد أن يعلم أحد بحاله فقد خُدع . ولا تكن كأرباب الدنيا الذين طلقتهم الدنيا ، بل كن من الذين طلقوها وفارقوها قبل افتراقهم . فمثالك إذا آثرت الدنيا على الآخرة كمن له زوجتان : إحداهما عجوز خائنة ، والأخرى شابة وفية ، فإذا آثرت العجوز الخائنة على الشابة الوفية أفما تكون أحمق.

ربما قضى عليك بالذنب ليُخرج منك الكبر والعُجب.
يُصلي الرجل ركعتين فيعتمد عليهما ، ويركن إليهما ويُعجب بهما ، فهذه حسنة أحاطت بها سيئات ، وآخر يفعل المعصية فتكسبه الذلة والإنكسار وتُديم المسكنة والإفتقار ، فهذه سيئة أحاطت بها حسنات . 

كفى بك جهلا نظرك إلى إساءة صغيرة من غيرك ، وتعاميك عن كبير إساءتك . لا تنتقد على الناس بظاهر الشرع ولا تنكر عليهم ، فلو خوطبوا اليوم بما كانت عليه الصحابة والسلف الصالح لم يستطيعوا، لأن أولئك حُجج الله على خلقه .

مثال الدنيا عند أرباب البصائر كجيفة أدخلت الكلاب خراطيمها فيها ، أرأيت إذا غمس رجل فمه في جيفة أفما تعيب عليه ؟ فإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد جعل ميزانا للبيع والشراء، أفما جعل ميزانا للحقائق ؟ المتنجس القدم لا يصلح للمحاضرة ، فكيف بمن تنجس فمه، من خان هان ، قيمة اليد خمسمئة دينار، قُطعت في ربع دينار إذا خانت، ومن تجرأ على صغيرة وقع في الكبيرة، اعرف كمائن نفسك ولا تثق بها ، إذا قالت لك تزور فلانا، فربما رُحت إلى نار تتأجج، وترمي نفسك فيها عمدا، هذا زمان اجتماع ، قلّ ما تجلس مجلسا إلا وتعصي الله فيه ، فكثيرٌ من السلف آثروا الجلوس في بيوتهم ، وتركوا صلاة الجماعة ، فإن طالبتك النفس بالخروج فاشغلها بالقعود في الدار بشيء من الطاعة ، فإن الغيبة أشد من ثلاثين زنية في الإسلام ، ولكن الكلاب لا ترقد في دار عالية الحيطان بل على المزابل، من أراد أن ينظر إلى أمثلة القلوب فلينظر إلى الديار : فدار عامرة مأهولة ودار قد خربت حتى بقيت مبولة للبوالين ، وقلب الدار العامر ، وقلب كالدار الخراب.

من صدق مع الله
كفاه الله مضرة الأعداء

 لا تظهر حتى تُعامل الله ، فتصدق كل يوم ولو بربع درهم أو بلقمة ، حتى يكتبك الله في ديوان المتصدقين ، وصل في الليل ولو ركعتين ، حتى يكتبك الله تعالى مع القائمين، وإياك تغلظ وتقول : من عنده قوت يوم بيوم كيف يتصدق. قال الله تعالى :"لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ". فمثال المسكين إذا تصدق عليه كالمطية تحمل زادك إلى الآخرة . من أراد النهايات فعليه بتصحيح البدايات . من صدق مع الله كفاه الله مضرة الأعداء ، وحمل مؤنة الأرداء لأنه قد هان كل الهوان من احتاج إلى الخلق،أتظن ان الدواء حلوى تأكلها ؟ إن لم تهجم عليه هجما لم يُحصل لك الشفاء ، فاهجم على التوبة ولا تغلبنك حلاوة المعصية ،وإذا رأيت نفسك متطلعة إلى الشهوة فاهرب إلى الله واستعث به فإنه يُنجيك منها بدل ما تقول:أين أصحاب الخطوة ؟ أين الأولياء ؟ أين الرجال ؟ قُل أين البصيرة ؟ هل يصلح للمتلطخ بالعذرة أن يرى بنت السلطان. 

عن الشيخ مكين الدين الأسمر رضي الله عنه أنه قال : كنت في الأسكندرية فرأيت شمسا قد طلعت مع الشمس فتعجبت من ذلك ، فدنوت منه فإذا شاب قد خط عذاره - نبت شعر لحيته - قد غلب نوره على نور الشمس فسلمت عليه فرد علي السلام ، فقلت له : من أين أنت ؟ قال : صليت الصبح في المسجد الأقصى ببيت المقدس وأصلي الظهر عندكم والعصر بمكة والمغرب بالمدينة ! فقلت له : تكون ضيفي . قال : لا سبيل إلى ذلك ، ثم ودعني وانصرف . 

من أكرم مؤمنا فكأنما أكرم الله ، ومن آذى مؤمنا فقد أذى سيده ومولاه فإياك أن تؤذي مؤمنا فإن نفسك قد امتلأت بمساويها فيكفيها حملك . وما مثلك إلا كالبصلة إذا قُشرت خرجت كلها قشورا، إذا أردت تنظيف الماء قطعت عنه أسبابه الخبيثة ، فمثال الجوارح كالسواقي تجري إلى القلب ، فإياك أن تسقي قلبك بالرديء كالغيبة والنميمة والكلام السيء والنظر إلى ما لا يحل ، وغير ذلك ، فإن القلب لا يحجبه ما خرج منه ، وإنما يحجبه ما اقام فيه ، فإستنارة القلب : بأكل الحلال والذكر وتلاوة القرآن وصونه عن النظر إلى الكائنات المباحات والمكروهات والمحرمات . فلا تطلق صائد بصرك إلا لمزيد علم أو حكمة . عوض ما تقول : هذه المرآة صدئت ، قل: عيني بها رمد ،يكون بك حب الرياسة والجاه وغيرهما وتقول :الشيخ ما يجذب قلوبنا . قال العائق مني : "لو استعددت في أول يوم لما أحتجت إلى حضور مجلس ثان ، وإنما احتجت إلى التكرار لقوة صدأ قلبك ، حتى تكون لكل جلسة صقلة" .

عليك بالحوالة - حول أمورك كلها إلى الله وأطلبها منه وحده - على مولاك واترك من لا يستطيع أن ينفع غيره . إقطع إياسك من الخلق ، ووجه رجاءك إلى الملك الحق ، وانظر : ماذا عملك ؟ وماذا عمل معك من اول نشأتك ؟ ما صنع معك إلا جوادا وإحسانا ، وانظر مذا صنعت معه فلا ترى إلا جفاء وعصيانا ،ما اكثر موالاتك للمخلوقين وما أقل موالاتك لله.

الله هو المالك
وأنت الراعي وجوارحك غنمك 

جوارحك غنمك وقلبك هو الراعي والله هو المالك فإن رعيتها في المرعى الخصيب حتى أرضيت المالك ، استوجبت الرضى ، وإن رعيتها في المرعى الوخيم حتى أعجف - صار هزيلا ونحيلا - أكثرها ، ثم جاء الذئب فأخذ بعضها استوجبت العقوبة من المالك ، فإن شاء انتقم منك ، وإن شاء عفا عنك . فجوارحك إما أبواب إلى الجنة ، وإما أبواب إلى النار . فإن صرفتها فيما يرضاه كنت ساعيا في طريق الجنة ، وإلا كنت ساعيا في طريق النار . فهذه موازين الحكمة فزن بها عقلك كما تزن بها الأشياء المحسوسات ، فإن أردت أن تعرف كيف تمر على الصراط فأنظر حالك في الإسراع إلى المساجد ، فيكون جزاء الذي يأتي المسجد قبل الأذان أن يمر على الصراط كالبرق الخاطف والذي يأتي في أول الوقت يمر عليه كأجاويد الخيل . وها هنا صراط الإستقامة لا يُشهد بالأبصار ، ولكن تشهده بالقلوب ، قال الله تعالى :" وأن هذا صراطي مُستقيما فاتبعوه " .ولم يُشر إلا إلى موجود ، فمن أضاءت له الطريق يتبعها ، ومن كانت طريقه مظلمة لم يشهدها فيبقى متحيرا ، فإن كنت قد أطلقت سمعك وبصرك ولسانك بُرهة من عمرك فقيد الآن ما أطلقت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل الأغنياء بخمسمئة عام " . وذلك لأنهم سبقوا في الدنيا بالعبادات ، وأنت تترك الجماعة وتصلي وحدك ، وإذا صليتها نقرتها نقر الديك ، وهل يُهدى للملوك إلا ما حسن وأنتخب ؟ فما سبق الفقراء إلى الجنة إلا لأنهم سبقوا إلى خدمة المولى في الدنيا ، والمراد بالفقراء الذين صبروا على مُر الفاقة ، حتى إن أحدهم ليفرح بالشدة كما تفرح أنت بالرخاء ، فدخول الفقراء الجنة قبل الأغنياء يدل على صبرهم على الفاقة .كفى بك جهلا أن تتردد إلى المخلوق ، وتترك باب الخالق، فقد ارتكبت المعاصي من كل جانب ، أفلا تكون محزونا على نفسك ؟ .

والعجب كل العجب من عبد يُقبل على صُحبة نفسه ولا يأتيه الشر إلا منها ، ويترك صحبة الله ولا يأتيه الخير إلا منه .فإن قيل : كيف الصحبة لله ؟ فاعلم أن صحبة كل شيء على حسبه : فصحبة الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وصحبة الملكين بأن يُمليهما الحسنات وصحبة الكتاب والسنة أن يعمل بهما ، وصُحبتك السماء بالتفكر فيها ، وصُحبتك الأرض بالإعتبار لما فيهما وليس من لازم الصحبة وجود الرتبة ، فالمعنى في صحبة الله صحبة أياديه - النعم والآلاء - ونعمه : فمن صحب النعم بالشكر وصحب البلايا بالصبر ، وصحب الأوامر بالإمتثال ، والنواهي بالإنزجار ، والطاعة بالإخلاص - فقد صحب الله تعالى ، فإذا تمكنت الصحبة صارت خلة - المودة والصداقة - .إياك أن تقول : ذهب الخير وانطوى بساطه ، فلسنا نريد من يُقنط الناس من رحمة الله ويُؤيسهم منه تعالى ، ففي زبور داود عليه السلام:" أرحم ما أكون بعبدي إذا أعرض عني ". فرُب مطيع هلك بالعُجب ، ورُب مذنب غُفر له بسبب كسر قلبه . 

عن الشيخ مكين الدين الأسمر أنه قال : رأيت بالإسكندرية عبدا مع سيده وعليهما لواءٌ قد أطبق ما بين السماء والأرض ، فقلت : يا تُرى هذا اللواء للسيد أم للعبد ، فتبعتهما حتى اشترى له سيده حاجة وفارقه ، فلما ذهب العبد ذهب اللواء معه ، فعلمت أنه وليٌ من أولياء الله تعالى ، فجئت إلى سيده وقلت له : أتبيعني هذا العبد ؟ فقال : لماذا ؟ فما زال بي حتى ذكرت له أمره ، فقال لي : يا سيدي ، الذي تطلبه أنت: أنا أولى به ، وأعتقه وكان وليا كبيرا . فمنهم من يعرف الأولياء بالشم من غير وجود طيب ، ومنهم من يعرفهم بالذوق ، إذا رأى وليا ذاق طعم الحلاوة في فمه ، وإذا رأى صاحب قطيعة ذاق طعم المرارة في فمه . من لم يترك المحرمات لم ينفعه القيام بالواجبات من لم يحتم لم ينفعه الدواء، ما أقل بركة مال وقعت فيه أيدي الناهبين ! فهذا - والله - عُمُرُ الغافلين منهوب . 

مثال الدنيا كعجوز جذماء برصاء ، سُترت بثوب حرير ، فالمؤمن نافرٌ ومُنفر عنها لإنكشافها له ، وما لبس أحدٌ لباسا أنتن من لباس الدعوى بأن يقول في المخاصمة : أنت مثلي ؟وأنت يصلح أن تكلمني ؟ومن أنت حتى أكلمك ! فأول من هلك بذلك أبليس ، فإياك وهذا ولو كان أعرج أجذم أجرب فلا تحقره ، لحرمة لا إله إلا الله في قلبه ، وحسن ظنك بكل أحد تُفلح ، أتحسب أن حُسن الخلق هو أن يكون الإنسان حسن الملتقى ، ومن أكرم الناس وضيع حقوق الله تعالى ؟ ليس هذا بحخُلق حسن ، بل لا يكون العبد ممدوحا بحُسن الخلق حتى يكون قائما بحقوق الله تعالى ، وقائما بأحكامه ، مستسلما لأوامر الله ، مجتنبا لنواهيه ، فمن منع نفسه معاصي الله ، وأدى حقوق الله فقد حسن خُلقه . ىما سلط الله عليك ألسنة العباد إلا لترجع إليه . ألا ترى : لا توال لك قيمة عند الله حتى تعصي ، فإذا عصيت فلا قيمة لك . التقوى هي ترك معصية الله حيث لا يراك أحد . 

كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا شرب الماء قال : "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَهُ عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ ، وَلَمْ يَجْعَلُهُ مَالِحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا " .. وهو صلى الله عليه وسلم مقدس عن الذنوب ولكن تواضعا منه وتعليما وكان يمكنه أن يقول : بذنوبكم ، وما أكل الرسول ولاشرب إلا ليعلمنا الأدب وإلا فكان عليه الصلاة والسلام يُطعم ويُسقى ، فالعارف يُنكس رأسه إذا شرب وربما تقطر عيناه بالدموع ويقول : هذا تودد من الله تعالى . 

كان بعضهم لا يخرج لصلاة الجماعة لما يتعرض له في طريقه ، منهم مالك بن أنس رضي الله عنه ، لأن الجماعة ربح والربح لا يُحسب إلا بعد الإطاحة على رأس المال . 
لا تحسب السباع في البرية بل السباع في الأسواق والطرق وهي التي تنهش القلوب نهشا . مثال من يُكثر الذنوب والإستغفار كمثل من يُكثر شُرب السُم ، ويُكثر استعمال الترياق ، فيقال له : قد لا تصل إلى الترياق مرة ، فيهجم عليك الموت قبل الوصول إليه . من مرض قلبه مُنع أن يلبس التقوى ، فلو صح قلبك من مرض الهوى والشهوة تحملت أثقال التقوى ، فو صح قلبك من مرض الهوى والشهوة تحملت أثقال التقوى ، فمن لم يجد حلاوة الطاعة دُل على مرض قلبه من الشهوة ، وقد سمى الله تعالى الشهوة مرضا بقوله تعالى : " فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ".ولك في علاجه طريقان : استعمال ما هو نافع وهو الطاعة ، واجتناب ما هو لك مُضر وهو المعصية . فإن فعلت ذنبا وأعقبته بالتوبة والندم والإنكسار والإنابة كان ذلك سبب وصلتك به ، وإن فعلت طاعة وأعقبتها بالعجب والكبر كان ذلك سبب القطيعة عنه . 

عجبا لك كيف تطلب صلاح قلبك ، وجوارحك تفعل ما شاءت من المحرمات كالنظر والغيبة والنميمة وغير ذلك ؟ فمثالك كمن يتداوى بالسم أو كمن أراد تنظيف ثوبه بالسواد، فعليك بالخلوة والعزلة ، فمن كانت العزلة دأبه كان العز له ، فمن صدقت عُزلته ظفر بمواهب الحق له بالمنن ، وعلامتها : كشف الغطاء وإحياء القلب وتحقيق المحبة ، فعليك بحسن العمل لا بكثرته : فمثال كثرة العمل مع عدم الحُسن فيه كالثياب الوضيعة الثمن ، ومثال قلة العمل مع حُسنه كالثياب القليلة الرفيعة الثمن ، كالياقوتة : صغيرٌ جرمها مثير ثمنها . فمن أشغل قلبه بالله ، وعالجه مما يطرأ عليه من الهوى كان أفضل ممن يُكثر من الصلاة والصيام .

المصلي يناجي الله ورسوله

مثال من صلى الصلاة بغير حضور قلب كمن أهدى للملك مئة صندوق فارغة فيستحق العقوبة من الملك ، ومن صلاها بحضور القلب كان كمن أهدى له ياقوتة تساوي ألف دينار ،فإن الملك يذكره عليها دائما، إذا دخلت في الصلاة فإنك تناجي الله تعالى وتُكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنك تقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . ولا يُقال أيها الرجل عند العرب إلا لمن يكون حاضرا. ركعتان بالليل خير من ألف بالنهار ، وأنت لا تصلي فيه ركعتين إلا لتجد ذلك في كيزانك ، وهل يُشترى العبد إلا للخدمة؟ هل رأيت عبدا يُشترى ليأكل وينام ؟ وما أنت إلا عبد أشتُريت . قال الله تعالى :" إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ". 

من لم يُلزم نفسه لزمته ، ومن لم يطالبها طالبته ، فلو جعلت عليها الأثقال بالطاعة لما طالبتك بالمعصية ، ولما كانت تتفرغ لها . هل رأيت الصالحين والعُباد يتفرجون في الأعياد ؟ من شغل نفسه بالمباحات والفرح شُغل عن قيام الليل ، فيقال له : شغلت نفسك عنا فشغلناك عن عبادتنا . 

ركعتان في جوف الليل أثقل عليك من جبل أحد ، فأعضاء يبست عن الطاعة لا تصلح إلا للقطع ، فإن الشجرة إذا يبست لا تصلح إلا للنار . 

من أحب الدينا بقلبه كان كمن بنى حسنا فوقه مرحاض فرشح عليه ، فلا يزال كذلك حتى يُرى ظاهره كباطنه ، ومنهم من يُنقيه فلا يزال قلبه أبيض ، وتنقيه بالتوبة والأذكار ،والندم والإستغفار . كذلك أنت في حضرة الله مُلوث بمعصيتك ، تأكل المحرم وتنظر إلى المحرم ، فمن يفعل المخالفات والشهوات يُظلم قلبه ، فان لم تتب في حال الصحة ربما ابتلاك بالأمراض والمحن ، حتى تخرج نقيا من الذنوب كالثوب إذا غُسل فاصقل مرآة قلبك بالخلوة والذكر حتى تلقى الله تعالى ، وليكن ذكرا واحدا فتنبع لك الأنوار ، ولا تكن كمن يريد أن يحفر بئرا فيحفر ذراعا هنا وذراعا هنا فلا ينبع له ماءٌ أبدا ، بل احفر في مكان واحد فينبع لك الماء . 

يا عبدالله دينك هو رأس مالك ، فإن ضيعته ضيعت رأس مالك ، فاشغل لسانك بذكره ، وقلبك بمحبته ، وجوارحك بخدمته ، واحرث وجدودك بالمحارث حتى يجيء البذر فينبت ، ومن فعل بقلبه كما يفعل الفلاح بأرضه أنار قلبه . 

فمثالك مثال رجلين اشتريا أرضا قياسا واحدا ، فأخذها الواحد فنقاها من الشوك والحشيش وأجرى بها الماء ، وبذرها فنبتت وجنى منها وانتفع بها ، فهذا كمن نشأ في الطاعة قد أشرقت أنوار قلبه . وأما الآخر فإنه أهملها حتى نبت فيها الشوك والحشيش ،وبقيت مأوى للأفاعي والحيات ، فهذا قد أظلم قلبه بالمعاصي . 

إذا حضرت المجلس وخرجت إلى المخالفات والغفلات فإياك أن تقول:ما يُفيد حضوري ؟ بل احضر يكون بك مرض أربعين سنة ، أفتريد أن يذهب عنك في ساعة واحدة ، أو في يوم واحد ؟ فمثاله كرمل رمي في موضع أربعين عاما ، أفتريد أن يزول في ساعة واحدة أو في يوم واحد ؟ فمن فعل المعاصي وتقلب في الحرام لو انغمس في سبعة أبحر لم يطهر حتى يعقد مع الله عقد التوبة . 


جنابة الظاهر والباطن

للظاهر جنابة تمنعك من دخول بيته ، وتلاوة كتابه ، وللباطن جنابة تمنعك من دخول حضرته ، وفهم كلامه ، وهي الغفلة . فإذا طلبت النفس الشهوات فالجمها بلجام الشرع ، فمثالها كالدابة إذا مالت لزرع غيرك ، فغض الأبصار عن ميلها إلى المستحسنات ، والقلوب عن ميلها إلى الشهوات ، وليكن قلبك معمورا على الدوام ، والحق سبحانه وتعالى اختار لحضرته من يصلح لها ، ومن لا يصلح رماه للكائنات ، فمثالهم كالعبيد يُعرضون على الملك ، فمن أخذه الملك عز ومن لا يصلح بقى للرعية . 

ما أتيت لمواطن حكمة أو معصية إلا وفي عُنقك سلسلة نورانية أو ظلمانية ، فإن كنت لا تشهدها أنت فغيرك يشهدها ، ألا ترى أن الشمس يشهدها الناس أجمعون إلا من كان أعمى. 

ما فائدة العلم إلا بالعمل به ، مثاله كملك كتب كتب إلى نائبه بثغر كتابا فما فائدة الكتاب ، أن تقرأه فقط، إنما فائدته العمل به، مثال من يشتغل بالعلم وليس له بصيرة كمثل مئة ألف أعمى سلكوا طريقا متحيرين فيها ، فلو كان فيهم واحد بعين واحدة لتبعه الناس أجمعون وتركوا مئة ألف أعمى . ومثال العالم مع ترك العمل كالشمعة تُضيء للناس بإحراق نفسها .علمٌ فيه غفلة عن الله : الجهل خير منه فمن أثمرت جوارحه فقد أمطر قلبه لسانه بالذكر ، وعينه بالغمض ، وأذنيه بالإستماع إلى العلم ، ويديه ورجليه بالسعي إلى الخيرات .  من أكثر من مجالسة أهل هذا الزمان فقد تعرض لمعصية الله تعالى ، مثاله كمن جعل الحطب اليابس في النار ، ويريد ألا تتقد ، فقد أراد مُحالا ، لأنه قد ورد . خُص بالبلاء من عرفته الناس ، وعاش فيهم من لم يعرفهم ، فربما جالست غير مُتق وكنت متقيا فجرك إلى الغيبة وقهرك في نفسك . ما خرب القلوب إلا قلة الخوف . 
القلب الحسن هو الذي لا يشغله عن الله تعالى حسنٌ . إن أردت شفاء قلبك فاخرج إلى صحراء التوبة ، وحول حالك من الغيبة إلى الحضور ، وألبس ثياب الذلة والمسكنة ، فإن القلب يشفى ، ولكنك تحشو بطنك وتتفاخر بالسمن ، فمثالك كالخروف الذي يُسمن للذبح ، ألا فقد ذبحت نفسك وأنت لا تشعر !!. لا يفتك مجلس الحكمة ولو كنت على معصية ، فلا تقل : ما الفائدة في السماع المجلس ، ولا أقدر على ترك المعصية ؟ بل على الرامي أن يرمي فإن لم يأخذ اليوم يأخذ غدا ، ولو كنت كيسا فطنا لكانت حقوق الله عندك أحظى من حظوظ نفسك . ما يطلع على الأسرار إلا أمين ، وأنت تُعطي نفسك حظها من المآكل والمشارب حتى تملأ بيت الخلاء ، أو يكفيك حبُ الدنيا ؟ ومن احب الدنيا فقد خان ، ومن خان فهل يُطلعك الملكُ على أسراره ! فأستعمل الأذكار وعليه إنزال الأنوار . ما نفع القلب شيء مثل خلوة يدخل بها ميدان فكرة ."كيف يُشرق قلب صُورُ الأكوان منطبعة في مرآته ، أم كيف يرحل إلى الله وهو منكب على شهواته ، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يطهر من جنابة غفلاته ، أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته.أصل كل معصية وغفلة وسهو : الرضى عن النفس ، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة : عدم الرضى عنها .


أيها العبد ارحل
عن هذه الأكوان إلى المكون

لا ترحل من كون إلى كون فتكون كالحمار في الرحى ، يسير ، والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه ، ولكن ارحل من الأموان إلى المُكون،إنما الأنوار مطايا القلوب والأسرار، والنور جند القلب كما أن الظلمة جند النفس ، فإذا أراد الله أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار ،وقطع عنه مدد الظلم والأغيار،النور له الكشف ، والبصيرة لها الحُكم ، والقلب له الإقبال والإدبار، الأكوان ظاهرها غرة وباطنها عبرة ، فالنفس تنظر إلى ظاهر غرتها ، والقلب ينظر إلى باطن عبرتها، متى اوحشك الله من خلقه فأعلم أنه يريد أن يفتح لك باب الأنس به،الصلاة محل المناجاة ، ومعدن المصافاة ، تتسع فيها ميادين الأسرار وتُشرق فيها شوارق الأنوار ، علم وجود الضعف منك فقلل أعدادها وعلم احتياجك إلى فضله فكثر أمدادها، الناس يمدحونك بما يظنون فيك ، فكن أنت ذاما لنفسك لما تعلم منها ، فإن أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس . غيب نظر الخلق إليك ، وغب عن إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك. 

علم أن العباد يتشوفون إلى ظهور سر العناية ، فقال تعالى: " يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ " . وعلم أنه لو خلاهم وذلك لتركوا العمل اعتمادا على الأزل فقال تعالى : "إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ".

إن أردت ورود المواهب عليك فصحح الفقر والفاقة لديك "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا".
أنوار أُذن لها بالدخول ، وأنوار أُذن لها بالوصول . ربما وردت عليك الأنوار فوجدت القلب محشوا بصور الآثار ، فارتحلت من حيث نزلت .فرغ قلبك من الأغيار يملأه بالمعارف والأسرار .

المؤمن يشغله الثناء على الله عن أن يكون لنفسه شاكرا ، وتشغله حقوق الله عن أن يكون لحظوظه ذاكرا،جعلك الله في العالم الأوسط بين مُلكه وملكوته ، ليُعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته ، وأنك جوهرة انطوت عليها أصداف مُكوناته، أنت مع الأكوان مالم تشهد المكون ، فإذا شهدته كانت الأموان معك،العاقل بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى ، قد أشرق نوره وظهرت تباشيره ، فصد عن هذه الدار موليا ، وأعرض عنها مُغضيا ، فلم يتخذها موطنا ، ولا جعلها سكنا ، بل أنهض الهمة فيها إلى الله تعالى ، وسار إليه مستعينا به في القدوم عليه ، فما زالت مطية عزمه لا يقر قرارها ، دائما تسايرها إلى أن أناخت بحضرة القدس وبساط الأنس ،محل المفاتحة والمواجهة والمجالسة ، والمحادثة والمشاهدة والملاطفة ، وصارت الحضرة مُعشش قلوبهم ، إليها يأوون وفيها يستوطنون ، فإن نزلوا إلى سماء الحقوق ، وأرض الحظوظ فبالإذن والتمكين ، والرسوخ في اليقين ، فلم ينزلوا إلى الحقوق بسوء الأدب والغفلة ، ولا إلى الحظوظ بالشهوة والمتعة ، بل دخلوا في ذلك كله بالله ولله ومن الله وإلى الله ، فإياك يا أخي أن تُصغي إلى الواقعين في هذه الطائفة ، لئلا تسقط من عين الله ، وتستوجب المقت من الله ، فإن هؤلاء القوم جلسوا مع الله على حقيقة الصدق وإخلاص الوفاء ومراقبة الأنفاس مع الله ، قد سلموا قيادهم إليه ، وألقوا أنفسهم سلما بين يديه وتركوا الإنتصار لأنفسهم حياء من ربهم ، فكان هو المحارب عنهم لمن حاربهم ، والغالب لمن غالبهم . ولقد ابتلى الله هذه الطائفة بالخلق خصوصا ، ولا سيما أهل العلم ، فقل أن تجد منهم من شرح الله صدره للتصديق بولي مُعين بل يقول لك : نعم إن الأولياء موجودون ولكن أين هم ؟ فلا يُذكر له أحد إلا وأخذ يدفع خصوصية الله فيه ، طلق اللسان بالإحتجاج ، عاريا من التصديق ، فاحذر من هذا وصفه ،وفر منه فرارك من الأسد . 

أيها المريد
إياك وجواذب التعلق بغير الله

قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : "ليس الفقيه من فقأ الحجاب عيني قلبه ، وإنما الفقيه من فهم سر الإيجاد ، وأنه ما أوجده إلا لطاعته ولا خلقه إلا لخدمته ، فإذا فهم هذا كان الفقه منه سببا لزهده في الدنيا وإقباله على الآخرة ، وإهماله لحظوظ نفسه واشتغاله بحقوق سيده ، مفكرا في المعاد ، قائما بالإستعداد" . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير ". والمؤمن القوي هو الذي أشرق في قلبه نور اليقين . قال الله تعالى : " وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّات النَّعِيم" ، سبقوا إلى الله فخلصوا قلوبهم مما سواه ، فلم تُعقهم العوائق ، ولم تشغلهم عن الله العلائق ، فسبقوا إلى الله إذ لا مانع لهم ، وإنما منع العباد من السبق جواذب التعلق بغير الله ، فكلما همت قلوبهم أن ترحل إلى الله سبحانه وتعالى جذبها ذلك التعلق الذي به تعلقت ، فكرت راجعة إليه ومقبلة عليه ، فالحضرة مُحرمة على من هذا وصفه ، وممنوعة على من هذا نعته ، وافهم ها هنا قوله تعالى : ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ والقلب السليم هو الذي لا تعلق له بشيء غير الله تعالى ، وقوله تعالى : "وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ" يُفهم منه أنه لا يصلح مجيئك إلى الله ولا الوصول إليه إلا إذا كنت فردا مما سواه ، وقوله تعالى : " أَلَمْ يَجِدك يَتِيمًا فَآوَى " يفهم منه أنه لا يأويك الله إلا إذا صح يُتمك مما سواه ، وقوله صلى الله عليه وسلم : إن الله وتر يحب الوتر . أي يحب القلب الذي لا يُشفع بمثنيات الآثار ، فكانت هذه القلوب لله وبالله ، فهم أهل الحضرة المخاطبون بعين المنة ، فكيف يُمكنهم أن لسواه مستندين ، وهم لوجود الأحدية مشاهدون. 

أهل الله كانوا بالله
 فكفاهم الله

قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله : "قَويَّ علي الشهود فسألته أن يستر علي ذلك ، فقيل لي : لو سألته بما سأله موسى كليمه وعيسى روحه ومحمد حبيبه صلى الله عليه وسلم وصفيه ، لم يفعل ذلك ولكن سله أن يُقويك ، فسألته فقواني ،فأهل الفهم أخذوا عن الله وتوكلوا عليه فكانوا بمعونته لهم ، فكفاهم ما أهمهم وصرف عنهم ما أغمهم ، واشتغلوا بما أمرهم عما ضمن لهم ، علما منهم بأنه لا يكلهم إلى غيره ، ولا يمنعهم من فضله ، فدخلوا في الراحة ، ووقفوا في جنة التسليم ، ولذاذة التفويض ، فرفع الله بذلك مقدراهم وكمل أنوارهم . 

العلم النافع

واعلم رحمك الله تعالى أن العلم حيثما تكرر في الكتاب العزيز ، أو في السنة المطهرة إنما المراد به العلم النافع الذي تُقارنه الخشية ، وتكتنفه المخافة ، قال الله تعالى : "إنما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" ، فبين أن العلم تُلازمه الخشية ، فالعلماء هم أهل الخشية ، وكذلك قوله تعالى : " إن الذين أوتوا العلم من قبله " وقوله تعالى : " وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ " وقوله تعالى :" وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا " ، وقوله صلى الله عليه وسلم :"العلماء ورثة الأنبياء" . إنما المراد بالعلم في هذه المواطن كلها ، العلم النافع القاهر للهوى ، القامع للنفس ، وذلك متعين بالضرورة ، لأن كلام الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل من أن يُحمل على غير هذا ، والعلم النافع هو الذي يُستعان به على الطاعة ، ويُلزم الخشية من الله تعالى ، والوقوف على حدود الله تعالى ، وهو علم المعرفة بالله تعالى ، ولكن من استرسل بإطلاق التوحيد ولم يتقيد بظواهر الشريعة فقد قذف به في بحر الزندقة ، ولكن الشأن أن يكون بالحقيقة مؤيدا ، وبالشريعة مقيدا ، وكذلك المحقق فلا يكون منطلقا مع الحقيقة ولا واقفا مع ظاهر إسناد الشريعة ، وكان بين ذلك قواما ، فالوقوف مع ظاهر الإسناد شرك ، والإنطلاق مع الحقيقة من غير تقييد بالشريعة تعطيل ، ومقام الهداية قيما بين ذلك . 

كل علم تسبق إليك فيه الخواطر وتتبعها الصور ، وتميل إليه النفس ، وتتلذ به الطبيعة ، فارم به وإن كان حقا ، وخذ بعلم الله الذي أنزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واقتد به وبالخلفاء من بعده ، وبالصحابة والتابعين من بعدهم ، وبالهداة إلى الله تعالى ، الأئمة المبرئين من الهوى ، ومتابعتهم تسلم من الشكوك والظنون والأوهام والوساوس والدعاوي الكاذبة المضلة عن الهدى وحقائقه . وحسبك من العلم النافع : العلم بالوحدانية . ومن العلم : محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومحبة الصحابة وإعتقاد الحق للجماعة ، وإذا أردت أن يكون لك نصيب مما لأولياء الله تعالى ، إما بإشارة صادقة أو بأعمال ثابتة لا ينقضها كتاب ولا سنة ، فارفع همتك إلى مولاك واشتغل به دون غيره . سمعت الشيخ أبا العباس المرسي يقول : والله ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق . واذكر رحمك الله ها هنا قوله تعالى : "وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ" فمن العز الذي أعز الله به المؤمن : رفع همته إلى مولاه وثقته به دون ما سواه . 

واستح من الله بعد أن يكون كساك حُلة الإيمان ، حتى تميل إلى الأكوان ، أو تطلب من غيره وجود الإحسان . وقبيح بالمؤمن أن يُنزل حاجته بغير مولاه ، مع علمه بوحدانيته وانفراده بربوبيته ، وهو يسمع قول الله تعالى ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾. وليذكر قوله تعالى :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوابِالْعُقُودِ ﴾.ومن العقود التي عاقدته عليها ألا ترفع حوائجك إلا إليه ، ولا تتوكل إلا عليه ، ورفع الهمة عن الخلق هو ميزان الفقر . ﴿وأقيموا الوزن بالقسط﴾. فيظهر الصادق بصدقه والمدعي بكذبه ، وقد ابتلى الله تعالى بحكمته ووجود منته الفقراء الذين ليسوا بصادقين بإظهار ما كتموا من الرغبة ، وأسروه من الشهوة فابتذلوا أنفسهم لأبناء الدنيا ، مُباسطين لهم ، موافقين لهم على مآربهم ، مدفوعين عن أبوابهم ، فترى الواحد منهم يتزين كما تتزين العروس . 

معتنون بإصلاح ظواهرهم ، غافلون عن إصلاح سرائرهم ، ولقد وسمهم الحق وسمة كشف بها عُوارهم ، وأظهر أخبارهم ، فبعد أن كانت نسبتهم مع الله ، أن لو صدق مع الله أن يقال له : عبد كبير ، فأخرج عن هذه النسبة فصار يقال له : شيخ الأمير . أولئك الكاذبون على الله تعالى ، الصادون العباد عن صحبة أولياء الله ، لأن ما يشهده العوام منهم يحملونه على كل منتسب لله ، صادق وغير صادق ، فهم حُجُبُ أهل التحقيق ، وسُحُبُ شمس أهل التوفيق ، ضربوا طبولهم ، ونشروا أعلامهم ، ولبسوا دروعهم ، فإذا وقعت الحملة ولوا على أعقابهم ناطصين ، ألسنتهم منطلقة بالدعوى ، وقلوبهم خالية من التقوى ! ألم يسمعوا قوله سبحانه وتعالى "لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ " أتُرى : إذا سأل الصادقين عن صدقهم ، أيترك المدعين من غير سؤال ؟ ألم يسمعوا قوله تعالى: "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" فهم في إظهار زي الصادقين وعملهم عمل المُعرضين . 

قال الله تعالى: "وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا" فاعلم أن باب الرزق طاعة الرازق ، فكيف يُطلب منه بمعصيته ، أم كيف يُستمطر فضله بمخالفته ؟ وقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام :" لا يُنال ما عند الله بسخطه" أي : لا يُطلب رزقه إلا برضاه ، وقد قال تعالى مبينا لذلك بقوله :"وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ" ولهذا المعنى قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه في حزبه لما قال : وأعطنا كذا وكذا ، قال : والرزق الهني الذي لا حجاب به في الدنيا ،ولا حساب ولا سؤال ولا عقاب عليه في الآخرة ، فأهله على بساط علم التوحيد والشرع سالمين من الهوى والشهوة والطمع . 

واحذر من التدبير مع الله تعالى، فمثال المدبر مع الله كعبد أرسله السيد إلى بلد ليصنع له ثيابا ، فدخل العبد تلك البلدة فقال : أين أسكن ؟ ومن اتزوج؟ فاشتغل وصرف همته لما هنالك وعطل ما أمره السيد به حتى دعاه إليه ، فجزاؤه من السيد أن جازاه القطيعة ووجود الحجبة ، لإشتغاله بإمر نقسه عن حق سيده . كذلك أنت أيها المؤمن أخرجك الحق إلى هذه الدار وأمرك فيها بخدمته وقام ذلك بوجود التدبير منة لك ، فإن أشتغلت فيها بتدبير نفسك عن حق سيدك فقد عدلت عن سبيل الهدى ، وسلكت مسالك الردى . ومثال المدبر مع الله ، والذي لا يدبر مع الله ، كعبدين للملك: أما أحدهما فمشتغل بأوامر سيده ، لا يلتفت إلى ملبس ولا مأكل ، بل إنما هنته خدمة السيد ، فأشغله ذلك عن التعرض لحظوظ نفسه ، وأما العبد الآخر فكيفما طلبه سيده وجده يغسل ثيابه ، وفي سياسة مركوبه ، وتحسين زيه ! فالعبد الأول أولى بإقبال سيده من العبد الثاني ، والعبد إنما اشتُري للسيد لا لنفسه ، كذلك العبد البصير الموفق لا تراه إلا مشغولا بحقوق الله وامتثال اوامره ونواهيه عن محاب نفسه ومهماته ، فلما كان كذلك قام له الحق سبحانه وتعالى بكل أموامره وتوجه له بجزيل عطائه لصدقه في توكله ، لقوله تعالى: " ومن يتوكل على الله فهو حسبه ". والغافل ليس كذلك ، لا تجده إلا في تحصيل دنياه وفي الأشياء التي توصله إلى هواه . 

ومثال العبد مع الله في هذه الدار كالطفل مع أمه ، ولم تكن الأم تدع تدبير ولدها من كفالتها ، ولا أن تُخرجه من رعايتها . كذلك المؤمن مع الله ، قائم له بحسن الكفالة ، فهو سائق إليه المنن ، ودافع عنه المحن . 

ومثال العبد في الدنيا كمثل عبد قال له السيد : اذهب إلى أرض كذا وكذا ، وأحكم أمرك لأن تسافر منها في برية كذا وكذا ،وخذ أهبتك وعُدتك ، فإذا أذن له السيد في ذلك ، فمعلوم أنه قد أباح له أن يأكل ما يستعين به على إقامة بُنيته ليسعى في طلب العدة ، وليقوم بوجود الأهبة . 

كذلك العبد مع الله : أوجده في هذه الدار وأمره أن يتزود منها لمعاده ، فقال الله تعالى :" وتزودوا فإن خير الزاد التقوى" فمعلوم أنه إذا أمره بالزاد إلى الآخرة فقد أباح له أن يأخذ من الدنيا ما يستعين به على تزوده إلى الآخرة ، وإستعداده وتأهبه لمعاده . 

ومثال العبد مع الله كمثل أجير أتى به ملك إلى داره ، وأمره أن يعمل له عملا ، فما كان الملك ليأتي بالأجير ويستخدمه في داره ويتركه من غير تغذية ، إذ هو أكرم من ذلك . فكذلك العبد مع الله : فالدنيا دار الله ، والأجير هو أنت . والعمل هو الطاعة والأجرة هي الجنة ، ولم يكن الله ليأمرك بالعمل ، ولا يسوق لك ما به تستعين عليه . 

ومثال العبد مع الله تعالى كمثل عبد أمره الملك أن يقيم في أرض كذا ، ويحارب فيها العدو ويجاهده فيها ، فمعلوم أنه إذا أمره بذلك أباح له أن يأكل من مخازن تلك الأرض بالأمانة ، ليستعين به على محاربة العدو . وكذلك العباد : أمرهم الحق سبحانه وتعالى بمحاربة النفس والشيطان ومجاهدتهما ، لقوله تعالى : وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم " وقال تعالى :" إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا " فلما أمر العبد بمحاربته ، أذن له أن يتناول من منابت أرضه ما يستعين به على محاربة الشيطان ، إذ لو تركت المأكل والمشرب لم يُمكنك أن تقوم بطاعته ، ولا أن تنهض لخدمته . 

ومثال العبد مع الله كمثل ملك له عبيد ، فبنى دارا وبهجها وحسنها ، وتولى غراسها ، وكمل المشتهيات فيها ، في غير الموطن الذي فيه العبيد ، وهو يريد أن ينقلهم إليها ، أترى إذا كانت هذه العناية بهم فيما ادخره لهم عنده وهيأه لهم بعد الرحلة ، أيمنعهم ها هنا أن يتناولوا من مننه ، وفضلات طعامه وهو قد هيأ لهم الأمر العظيم والفضل الجسيم ؟! كذلك العباد مع الله : جعلهم في الدنيا ، وهيأ لهم الجنة ، فلا يريد أ، يمنعهم من الدنيا ولكت ما يُقيم به وجودهم ، فقال تعالى ;" كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا " وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ".وإذا ادخر لك الباقي ومن عليك به لا يمنعك الفاني ،فإنما يمنعك مالم يقسمه لك ، ومالم يقسمه لك فليس لك .  ومثال المهموم بأمر دنياه ، الغافل عن التزود لأخراه ، كمثل إنسان فاجأه سبع وهو يريد أن يفترسه ، ووقع عليه ذباب ، فاشتغل بذب الذباب ودفعه عن التحرز من السبع . 

والحق أن هذا عبد أحمق ، فاقد وجود العقل ، ولو كان متصفا بالعقل لشغله أمر الأسد وصولته وهجومه عليه عن الفكرة في الذباب . كذلك المهتم بأمر ديناه عن التزود للآخرة ، دل ذلك منه على وجود حمقه ، إذ لو كان فهما عاقلا لتأهب للدار الآخرة التي هي مسؤول عنها ، وموقوف فيها ، فلا يشتغل بأمر الرزق ، فإن الإهتمام به بالنسبة للآخرة نسبة الذباب إلى مفاجأة الأسد وهجومه . 
ومثال المدخر للأمانة كعبد الملك لا يرى أن له مع سيده شيئا ، ولا يعتمد على ادخار ما في يده ، ولا بدل له ، ولا يختار إلا ما اختاره السيد له ، فإذا فهم هذا العبد أن الإمساك مُراد السيد ، أمسك لسيده لا لنفسه ، حتى يتخير موضع صرفه ، فيكون له صارفا حين يفهم من سيده إرادة صرفه ، فهذا بإمساكه غير ملوم ، لأنه أمسك لسيده لا لنفسه ، كذلك أهل المعرفة بالله إن بذلوا ففيه ، وإن أمسكوا فله ، يبتغون ما فيه رضاه ، ولا يريدون ببذلهم وإمساكهم إلا إياه ، فهم خُزان أمناء ، وعبيد كُبراء ، وأبرار كرماء ، قد حررهم الحق من رق الآثار ، فلم يميلوا إليها بحب ، ولم يُقبلوا عليها بود ، منعهم من ذلك ما أسكنه في قلوبهم من حب الله ووده ، وما امتلأت به صدورهم من عظمته ومجده ، فصارت الأشياء في أيديهم كهي في خزائن الله من قبل أن تصل إليهم ، علما بأن الله تعالى يملكهم ويملك ما ملكهم . 

بيان للمعتبرين وهداية للمستبصرين 

وهو أن من خرج عن تدبيره لنفسه كان الله هو المتولي بحسن التدبير له . والتدبير على قسمين : تدبير محمود ، وتدبير مذموم . 
فالتدبير المذموم : هو كل تدبير ينعطف على نفسك بوجود حظها ليس لله فيه شيء ، كالتدبير في تحصيل معصية ، أو في حظ بوجود عقل ، أو طاعة بوجود رياء وسمعة ، ونحو هذا ، فهذا كله مذموم لأنه إما موجب عقابا ، وإما موجب حجابا . ومن عرف نعمة العقل استحى من الله سبحانه أن يصرف عقله إلى تدبير مالا يوصله إلى قربه ، ولا يكون سببا لوجود حبه ، والعقل أفضل ما من الله به على عباده ، لأنه سبحانه خلق الموجودات وتفضل عليها بالإيجاد وبدوام الإمداد ، فاشتركت الموجودات في إيجاده وإمداده ، فلما اشتركت أراد الحق سبحانه أن يميز الآدمي عنهم ، فأعطاه العقل وأيده به ، وفضله بذلك على الحيوان ، وأكمل به نعمته على الإنسان ، وبالعقل ووفوره وإشراقه ونوره ، تتم مصالح الدنيا والآخرة ، فصرف نعمة العقل إلى تدبير الدينا التى لا قدر لها عند الله تعالى كفرٌ لنعمة العقل ، وتوجُهُه إلى الإهتمام بإصلاح شأنه في معاده ، قائما بشكر المحسن إليه ، والمفيض من نوره عليه : أحق به وأحرى ، وأفضل له وأولى فلا تصرف عقلك الذي من الله به عليك في تدبير الدنيا ، التي هي كما أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : الدنيا جيفة قذرة . وكما قال للضحاك : ما طعامك ؟ قال : اللحم واللبن . 
قال : ثم يعودان إلى ماذا ؟ قال : إلى ما قد علمت يا رسول الله . قال : فإن الله قد جعل ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا . 
والتدبير المحمود : هو ما كان تدبيرا لما يُقربك إلى الله سبحانه وتعالى ، كالتدبير في براءة الذمة من حقوق المخلوقين ، إما وفاء وإما إستحلالا ، وتصحيح التوبة إلى رب العالمين ، والفكرة فيما يؤدي إلى قمع الهوى المُردي والشيطان المغوي ، فهذا كله محمود لا شك فيه، ولذلك قال رسول الله صلىالله عليه وسلم : فكرة ساعة خير من عبادة سبعين سنة . والتدبير للدنيا على قسمين : تدبير الدنيا للدنيا ، وتدبير الدنيا للآخرة . 

فتدبير الدنيا للدنيا: هو أن يدبر في أسباب جمعها افتخارا واستكثارا لها ، وكلما زيد فيها شيء ازداد غفلة واغترارا ، فأمارة ذلك أن تشغله عن الموافقة وتؤديه إلى المخالفة . وتدبير الدنيا للآخرة : كمن يدبر المتاجر ليأكل منها حلالا ، لأو لينعم على ذوي الفاقة أفضالا ، وليصون بها وجهه عن الناس إجمالا ، فأمارة ذلك عدم الإستكثار والإدخار ، والإسعاف والإيثار ، فقد تبين من هذا أنه ليس كل طالب للدنيا مذموما ، بل مذموم من طلبها لنفسه لا لربه، ولدنياه لا لآخرته ، فالناس إذا على قسمين : عبدٌ طلب الدنيا للدنيا ، وعبدٌ طلب الدنيا للآخرة . 


العارف بالله تعالى
لا دنيا له ولا آخرة

وسمعت شيخنا أبا العباس المرسي رضي الله عنه يقول : العارف لا دنيا له ولا آخرة ، لأن دنياه لآخرته ، وآخرته لربه . وعلى هذا تحمل أحوال الصحابة والسلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين ، فكل ما دخلوا فيه من أسباب الدنيا فهم بذلك إلى الله متقربون ، وإلى رضاه منتسبون ، لا يقصدون بذلك الدنيا وزينتها ، ووجود لذاتها ، ولهذا وصفهم الله تعالى بقوله: "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚوَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا" . وما ظنك بقوم يحبهم الله ، واختارهم لصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم والأحكام ، وبينوا الحلال من الحرام ، وفهموا الخاص والعام ، وفتحوا الأقاليم والبلاد ، وقهروا أهل الشرك والعناد ، ويحق قوله صلى الله عليه وسلم فيهم : أصحابي كالنجوم بأيهم أقتديتم اهتديتم . وقد وصفهم الله في الآية الكريمة بأوصاف إلى أن قال " يبتغون فضلا من الله ورضوانا " . دل ذلك من قوله سبحانه وتعالى أنهم ما ابتغوا بما حملوه من الدنيا ولم يقتصدوا بذلك إلا وجهه الكريم وفضله العظيم . وقال سبحانه وتعالى في آية أخرى: "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالاَصَالِ * رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ" . وبم ينف عنهم الأسباب ولا التجارة ، ولا البيع ولا الشراء فلا يُخرجهم عن المُدحة غناهم إذا قاموا فيه بحقوق مولاهم . 


الدنيا في أيديهم
وليست في قلوبهم

قال عبدالله بن عتبة : كان لعثمان بن عفان رضي الله عنه عند خازنه يوم قتل زنة مئة ألف وخمسمائة دينار ، وألف ألف درهم ، وترك ألف فرس ، وألف مملوك ، وخلف ضياعا : يبئر أريس وخيبر ووداي القرى ما قيمته مئتا ألف دينار . وخلف عمرو بن العاص ثلاثمائة ألف دينار ، وبلغ مال الزبير بن العوام خمسين ألف دينار ، وترك ألف فرس وألف مملوك . 

وغنى عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه أشهر من أن يذكر . وكانت الدنيا في أكفهم لا في قلوبهم ، صبروا عنها حين فُقدت ، وشكروا الله حين وُجدت ، وإنما ابتلاهم الله بالفاقة في أول أمرهم حتى تكملت أنوارهم ، وتطهرت أسرارهم ، فبذلها لهم حينئذ ، لأنهم لو أُعطُوها قبل ذلك لعلها كانت تأخذ منهم ، فلما أعطوها بعد التمكين والرسوخ في اليقين تصرفوا فيها تصرف الخازن الأمين ، وامتثلوا فيها قول رب العالمين: " وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه " . فكانت الدنيا في أيدي الصحابة لا في قلوبهم ، ويكفيك في ذلك خروج عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن نصف ماله ، وخروج أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن ماله كله ، وخروج عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه عم سبعمائة بعير موقورة بالأحمال ، وتجهيز عثمان بن عفان رضي الله عنه جيش العسرة ، إلى غير ذلك من حُسن فعالهم وسني أحوالهم رضي الله عنهم أجمعين رضاء دائما ابدا . فتضمنت الآيات التزكية لظاهرهم وسرائرهم ، وإثبات محامدهم ومفاخرهم ، فقد تبين من هذا أن التدبير على قسمين : تدبير الدنيا للدنيا كما هو حال أهل القطيعة اللئام الغافلين ، وتدبير الدنيا للآخرة كحال الصحابة الأكرمين والسلف الصالحين ، رضوان الله تعالى عليهم أجميعن وجعلنا ممن اقتدى بهم، آمين، بل ألف آمين.. 

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016