نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

بيان الأدب

بيان الأدب

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (أدَّبَني رَبِّي فأَحسَن تَأديبي). والأدب تأديب الظاهر والباطن. فإذا تهذّب ظاهر العبد وباطنه صار صوفياً أديباً. ومن ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة ولا مقام أشرف من متابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم في أوامره وأفعاله وأخلاقه والتأدب بآدابه قولاً وفعلاً وعقداً ونية.

والانصاف فيما بين الله تعالى وبين العبد ثلاثة : في الاستعانة والجهد والأدب. فمن العبد الاستعانة ومن الله الإعانة على التوبة. ومن العبد الجهد، ومن الله التوفيق، ومن العبد الأدب، ومن الله الكرامة. ومن تأدب بآداب الصالحين فإنه يصلح لبساط الكرامة وبآداب الأولياء لبساط القربة وبآداب الصديقين لبساط المشاهدة وبآداب الأنبياء لبساط الأنس والانبساط.

ومن حرم الأدب حرم جوامع الخيرات. ومن لم ترضيه أوامر المشائخ وتأديباتهم فإنه لا يتأدب بكتاب ولا سنة. ومن لم يقم بآداب أهل البداية كيف يستقيم له دعوى مقامات أهل النهاية. ومن لم يعرف الله عز وجل لم يقبل عليه. ومن لم يتأدّب بأمره ونهيه كان عن الأدب في عزلة. وآداب الخدمة الفناء عن رؤيتها مع المبالغة فيها برؤية مجريها. العبد يصل بطاعته إلى الجنة، وبأدبه إلى الله تعالى. والتوحيد موجب يوجب الإيمان، فمن لا إيمان له لا توحيد له. والإيمان موجب يوجب الشريعة، فمن لا شريعة له لا إيمان له، ولا توحيد له. وترك الأدب موجب يوجب الطرد. فمن أساء الأدب على البساط رد إلى الباب. ومن أساء الأدب على الباب رد إلى سياسة الدواب. وأنفع الآداب التفقه في الدين والزهد في الدنيا والمعرفة بما لله عليك. وإذا ترك العارف أدبه مع معروفه فقد هلك مع الهالكين.

وقيل ثلاث خصال ليس معهن غربة : مجانبة أهل الريب، وحسن الأدب، وكف الأذى،.وأهل الدين أكثر آدابهم في تهذيب النفوس، وتأديب الجوارح، وحفظ الحدود، وترك الشهوات، وأهل الخصوصية أكثر آدابهم في طهارة القلوب، ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود، وحفظ الوقت، وقلة الالتفات إلى الخواطر، وحسن الأدب في مواقف الطلب، وإدمان الحضور. ومن قهر نفسه بالأدب فهو الذي يعبد الله بالإخلاص. وقيل هو معرفة اليقين. وقيل : يقول الحق سبحانه من ألزمتُه القيام مع أسمائي وصفاتي ألزمتُه الأدب، ومن أراد الكشف عن حقيقة ذاتي ألزمتُه العطب، فاختر أيهما شئت: الأدب أو العطب. ومن لم يتأدب للوقت فوقته مقت، وإذا خرج المريد عن استعمال الأدب فإنه يرجع من حيث جاء.

وحكي عن أبي عبيد القسم بن سلام قال : دخلت مكة فربما كنت أقعد بحذاء الكعبة وربما كنت استلقي وأمد رجلي فجاءتني عائشة المكية فقالت لي : يا أبا عبيد يقال إنك من أهل العلم، اقبل مني كلمة : لا تجالسه إلا بالأدب وإلا محا اسمك من ديوان أهل القرب.

وقال بعضهم : ألزم الأدب ظاهراً و باطناً، فما أساء أحد الأدب في الظاهر إلا عوقب ظاهراً، وما أساء أحد الأدب باطناً إلا عوقب باطناً. فالأدب استخراج ما في القوة والخلق إلى الفعل. وهذا يكون لمن ركبت السجية الصالحة فيه، والسجية فعل الله المحض واستخراجه بكسب الآدمي. فهكذا الآداب منبعها بالسجايا الصالحة والمنح الإلهية. 

ولمّا هيأ الله تعالى بواطن الصوفية بتكميل السجايا الكاملة فيها توصلوا بحسن الممارسة والرياضة إلى استخراج ما في النفوس مركوز بخلق الله إلى الفعل فصاروا مؤدبين مهذبين.

روضة الطالبين وعمدة السالكين

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016