recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

إيقاظ الهمم في شرح الحكم (43)


الباب الرابع عشر

وقال رضي الله عنه :

(لولا جَميلُ سَترِهِ لَمْ يَكُنْ عَمَلٌ أهْلاً لْلْقَبولِ)


 قلت : لأن العمل الذي يكون أهلاً للقبول هو الذي تتوفر فيه شروط القبول، وهو سر الإخلاص وغاية الحضور والتبري فيه من الحول والقوة، وهذا في غاية الندور، فلولا أن الله سبحانه تفضل علينا بجميل ستره فغطي مساوينا بجلائل لطفه وبره ما كان عمل أهلاً للقبول أصلاً، ولكن الذي منَّ بوجود الأعمال يمنّ بوجود القبول والإقبال، قال بعضهم : ما هناك إلاَّ فضله ولا نعيش إلاَّ في ستره، ولو كشف الغطاء لكشف عن أمر عظيم.

 وقال يحيى بن معاذ رضي الله عنه : (مسكين ابن آدم - جسم معيب وقلب معيب - يريد أن يخرج من معيبين عملاً بلا عيب) قلت  :ولهذا المعنى قال تعالى : (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) فعبر بعن التي تدل على التجاوز. ولم يقل نتقبل منهم فكأنه قال : أولئك الذين نتجاوز عنهم في أعمالهم فنتقبلها منهم، والله تعالى أعلم.

 وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (البلاء والهوى والشهوة معجونة بطين آدم) قيل : وهو معنى قوله تعالى : إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ ) أي أخلاط فاختلط به البلاء والهوى والشهوة فركب ابن آدم منها، فلزمته الثلاثة ما دامت بنيته قائمة وبشريته موجودة فإذا انهدمت البشرية حساً أو معنى لم يبق حكم النظفة الأمشاجية، وصار الحكم للروح النورانية ولله تعالى أعلم .

فإذا تقرر أن عملنا مدخول وليس أهلاً للقبول لولا جميل ستره المأمول ،علمت أن افتقارنا إلى عمله وعفوه في حال الطاعة أعظم من افتقارنا إليه في حال المعصية كما أبان ذلك بقوله :

(أنْتَ إلى حِلْمِهِ إذا أَطَعْتَهُ أَحْوَجُ مِنْكَ إلى حِلْمِهِ إذا عَصَيْتَهُ


قلت : وذلك لأن الطاعة بساط العز والرفعة وللنفس فيها شهوة ومتعة، ولأن الناس يلحظون صاحب الطاعة الظاهرة وينظرونه بعين التعظيم ويبادرون إليه بالخدمة والتكريم، وكل ما عظم في عين الخلق سقط من عين الحق إن كان يفرح بذلك ويقنع به دون الملك الحق بخلاف المعصية، فإنما هي بساط الذلّ والإنكسار ومحل السقوط والاحتقار وكحل ما سقط من عين الخلق عظم في عين الحق، فكان العبد في حال طاعته لربه أحوج إلى حلمه وعفوه مه في حال معصيته، لأن الطاعة التي ينشأ عنها العز والاستكبار أقبح من المعصية التي تورث الذل والافتقار، بل في الحقيقة ليست بطاعة لأن الطاعة التي توجب البعد ليست بطاعة والمعصية التي توجب القرب ليست بمعصية، وفي الحديث يقول الله تبارك وتعالى : (أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي) ومن كان الله عنده فهو أعظم من ألف مطيع توجب له طاعته طرده وبعده.
أوحى الله تعالى إلي بعض الأنبياء عليهم السلام :( قل لعبادي الصديقين لا يغتروا فإني إن أقم عليهم عدلي وقسطي أعذّبهم غير ظالم لهم، وقل لعبادي الخاطئين : لا ييئسوا من رحمتي فإنه لا يكبر عليّ ذنب أغفره ).
 وقال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه : "توبة المعصية واحدة وتوبة الطاعة ألف توبة" وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى استغفر ثلاثاً تعليماً للأمة في شهود التقصير، وإلا فلا استغفار من طاعة ولا ذنب على المختار صلى الله عليه وسلم.

 ولما كانت المعصية بساط الذلّ والاحتقار، كما تقدم، وهي أقرب لمقام العبودية، والطاعة بساط العز والرفعة فافتقرت إلى حلم الله أكثر، صار الناس يطلبون الستر في المعصية أو عنها خوفاً مما ينشأ عنها كما أبان ذلك بقوله :

(السَّتْرُ عَلَى قِسْمينِ: سَتْرٍ عن المعْصِيَةِ، وسَتْرٌ فيها؛ فالعامَّةُ يَطلُبُونَ مِنَ الله تعالى السَّتْرَ فيها خشيةَ سُقُوطِ مرتبتهِم عِندَ الخلقِ، والخاصةُ يطلبون السترَ عنها خشيةَ سُقُوطِهِم مِن نَظَرِ المَلِكِ الحَقَّ)


 قلت : الستر هو الحفظ والتغطية وهو في الحس من الآفات والبليّات التي توجب هلاكه، وفي المعنى من الفضيحة والمقت وسقوط المرتبة وهو باعتبار المعصية على قسمين : قسم يقع الستر فيها فلا يفضح صاحبها، وقسم يقع الستر عنها فلا يقع العبد فيها ولو طلبها لِما شمله من حفظ الله ورعايته.

 فالعامة يطلبون الستر من الله فيها مع وقوعها لئلا يسقطوا من عين الخلق فهم يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم، والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين، فمحط نظرهم إنما هو شهود الخلق غائبين عن نظر الملك الحق، وذلك لضعف إيمانهم وقلّة يقينهم وانطماس بصيرتهم.

 وفي بعض الأخبار : يقول الله تبارك وتعالى :( يا عبادي أن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم ).

وأما الخاصة فهم يطلبون من الله الستر عنها والعصمة مها خشية أن يسقطوا من عين الحق، لأن صدور المعصية من العبد سوء أدب ومن أساء الأدب مع الأحباب طرد إلى الباب، فإذا وقعت منهم معصية بادروا إلى الاعتذار وصحبهم الخجل والانكسار، ثم وجدوا في سيرهم ولم يقفوا مع نفوسهم إذ لا وجود لها في نظرهم ولا التفات لهم إلى الخلق إذ لم يبق في نظرهم إلا الملك الحق، غابوا بشهود الحق عن رؤية الخلق أو بشهود المعنى عن رؤية الحس أبو بشهود الموسوط عن الواسطة .

وأما خاصة الخاصة فلا يطلبون شيئاً ولا يخافون من شيء، صارت الأشياء عندهم شيئاً واحداً واستغنوا بشهود واحداً عن كل واحد، فهم ينظرون ما يبرز من عنصر القدرة فيتلقونه بالقبول والرضي فإن كان طاعة شهدوا فيها المنّة، وإن كان معصية شهدوا فيها القهرية وتأدبوا مع الله فيها بالتوبة والانكسار قياماً بأدب شريعة النبي المختار صلى الله عليه وسلم . وقد وردت أحاديث في المقامات الثلاثة تعليماً للأمة، فقد دعا عليه السلام بالستر على المساوىء، ومنها وهي العصمة والحفظ وطلب مقام الرضا والتسليم لأحكام الله القهرية، كل ذلك منشور في كتب الأحاديث فلا نطيل به.


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016