نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

ما هو الحكم الشرعي في الحضرة أو العمارة عند الصوفية ؟

ما هو الحكم الشرعي في الحضرة أو العمارة عند الصوفية ؟
الزاوية القادرية البودشيشية مداغ

سؤال
:

ما هو الحكم الشرعي في الحضرة أو العمارة عند الصوفية ؟


الجواب :

سُمِّيَت الحضرة بهذا الاسم لأنه يقع فيها الحضور مع الله، فالذاكر يحصل له الحضور والخشوع أثناء ذكر الله، أو سماع مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سماع القصائد التي تدلُّ على توحيد الله ومحبته والشوق إليه.

وسُمِّيَتْ العمارة لأنَّ بها تُعَمَّرُ القلوب بحب الله والشوق إليه. وتسمّى عند علماء الصوفية بالوَجْدِ. والوَجْد هو ما يجده المريد في قلبه من المعاني والأذواق والأسرار، عندما يسمع القرآن الكريم يُتلى، أو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقرأ، أو عند سماع قصائد تدل على محبة الله ورسوله،  أو عند رؤية آية من آيات الله؛ كالكسوف أو الخسوف، أو عند رؤية البحر، أوبعض الظواهر الطبيعية، وهذه المسائل قلبية باطنية، ومن الناس من يتفاعل مع هذه الظواهر، منهم من يبكي، ومنهم من يخشع، ومنهم من تقشعر جلودهم فيصرخون أو يصعقون أو يهتزون، وهي أحوال مختلفة بحسب درجة كل ذاكر واستجابته وتفاعله مع الذكر، فلذلك لا يمكن لأحد القول بأنَّ العمارة وبهذا الشكل غير شرعية؛ لأن استجابة الجوارح للذكر لا يمكن حدُّها، لأن كل واحد حسب طاقته في تحمل هذه المعاني والأذواق.

فمن يقول أن الحضرة أو العمارة حرام فليأت بالدليل؛ لأن في الفقه أي شيء يُحرَّم فلابد له من دليل من القرآن أو الحديث أو أقوال السلف. فالله تعالى حرَّم بعض الأطعمة والمشروبات كالميتة ولحم الخنزير والخمر بنص قرآني، فما لا يحرَّم فجائزُ أكله وشربه، وأيضاً الملبوسات، فالحرير والذهب محرَّمان على الرجال بالنص. إذن لا يمكن لأحد أن يُحرم شيئا دون أن يردَ فيه نص قرآني أو من السنة النبويّة.

فإذا أردنا أن نأتي بالأدلة عن الأحوال من القرآن ومن السنة النبوية فهي كثيرة جدا.

أولا : حال سيدنا موسى عليه السلام، يقول الله تعالى :{ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } أول شيء هنا الحال، أي لما تجلى الله لجبل طور جعله دَكًّا، وسيدنا موسى طلب شيئاً مستحيلا طلب أن يرى الله بعينه لأن المحبة أغرقته في أوحالها، فأجابه الله تعالى أنك لن تراني بعينك؛ فأنا لستُ محدودا حتى تراني ولكن انظر  إلى الجبل فجعله دكًّا أي سهل منبسط  فخر موسى - أي سقط بقوَّة – فصعق – أي صاح  وأحدث صوتاً مثل الصاعقة – فهنا الخُرُور وهو السقوط غلبة،  و إحداث صوت قويّ يشبه صوت العاصفة ، فَلَمَّا أفَاقَ ورجع إلى وعيه – وهذا حال – "قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ"، أي لن أطلبه مرة أخرى .

ولذلك التجليات الإلهيّة التي وقعت لسيدنا موسى عليه السلام وقعت للأنبياء، وتقع للصالحين والأولياء والذاكرين إذا تجلى الله لهم بمعان وأذواق يشعرون بها دون غيرهم، ولكن المنكرين لا يعرفون عنها شيئا، ولا يتذوقونها، ففاقد الشيئ لا يعطيه. جاء أحد المريدين الى الشيخ محي الدين بن عربي فقال له : إن الناس لا يصدقون طريقتنا. فقال الشيخ: اذا طلب منك أحد حجة لمعرفة هذا الطريق فاسأله: كيف تعرف أن العسل حلو المذاق ؟ . فاذا قال : قد ذقته وبالذوق يعرف. فقل له : وكذلك التصوف لا تعرفه حتى تذوقه.وقيل أيضاً  : "من ذاق عرف".

ثانيا : من القرآن الكريم 

يقول الله تعالى : { لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } أي إذا نزل القرآن على الجبل خشع أي نزل، وتصدّع أي انشقَّ من خشية الله، وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاس، أي إذا كانت الجبال تتصدّع وتخشع لله تعالى فأين أنتم يا أصحاب الأرواح والقلوب يا بني البشر ؟ ألا تخشعون ؟ ألا تتصدعون كما تتصدّع الجبال ؟ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ، ففكِّروا في هذه الأحوال فإنَّ الطبيعة تهتزّ فكيف لا يهتزُّ الإنسان يقول الله تعالى : { وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } فالأرض تهتز عند نزول الماء عليها، فكذلك قلوب الصالحين تهتز عندما ينزل عليها ماء الغيب الذي هو السر الإلهي.

ثالثا : أحوال النبي صلى الله عليه وسلم 

 رويَ عن مُطرِّف بن عبدالله بن الشخير عن أبيه رضي الله عنه قال: "رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلِّي وفي صدره أزيزٌ كأزيز المِرجَل من البكاء"(1-2). وكان صلى الله عليه وسلم  عندما ينزل عليه الوحي تأخده رعدة كبيرة فيدخل على خديجةَ، فيقول: "زَمِّلوني زَمِّلوني" أي: غَطُّوني بالثِّيابِ ولُفُّوني بها، وطلب ذلك ليَسكُنَ ما حصَلَ له مِن الرِّعدةِ مِن شِدَّةِ هولِ الأمرِ وثِقْلِه.

وكان صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي عليه  جبينه وجبهته تفيضان بالعَرَق حتى في اليوم الشديد البرد .قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : " وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا "رواه البخاري ومسلم ولفظه : "ثُمَّ تَفِيضُ جَبْهَتُهُ عَرَقًا".

كما أن الصحابة رضي الله عهم عُرف عنهم أحوال كثيرة، منهم :

سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي كان رجلا بكاء. عن عائشة رضي الله عنها قالت وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً ، لاَ يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ ).

و سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان له خطان أسودان من كثرة البكاء، وكان يسمع بكاؤه من آخر الصفوف، وسمع قارئاً يقرأ قوله – تعالى -: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ1 فسقط مغشياً عليه، وبقي أياماً مريضاً يزوره الناس.

وإذا رجعنا إلى القرآن الكريم يقول الله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي خشعت، ويقول أيضا : { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}.

الأدلة كثيرة ولكن عامة الناس لا يعرفون لأنهم لا يذكرون الله كثيرا، فكيف يعرفون وهم لا يتفاعلون مع القرآن ولا مع الحديث.
حاصلها أن الحضرة ليست هي البدعة، بل هي الغفلة التي أبعدت الناس عن هذه الأحوال، فالحال هو الذي يدلُّ على حياة المؤمن، وهو ليس بعبادة بل هي ثمار العبادات.

والعلماء فرَّقوا بين الأحوال الربانية والشيطانية ، فالربانية هي التي تكون أسبابها شرعيَّة كذكر الله أو سماع القرآن أوالحديث، والشيطانية التي تكون أسبابها غير شرعيَّة كسماع الرقص والأغاني.

وختاما نتساءل لماذا لا تقع للمريد هذه الأحوال حتى يُصاحب العارفين بالله ؟ نقول : لأن أحوالهم ربانية، فمن صاحبهم أخد من أحوالهم، لأن الصحبة هي أن تأخد أخلاق وأحوال المصحوب وقيل : " من عاشر قوماً أربعين يوما صار منهم".  

***
1 -(الأزيز): صوت القِدْر عند غليانها.
2 -(المِرْجَل): القِدْر الذي يُطبَخ فيه.



عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016