recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

المراهنة الرياضية ومراقبة الأحوال الإنسانية عند الصوفية



الدكتور محمد بنيعيش
كلية الآداب والعلوم الإنسانية



تمهيد:

للحصول على ربح وفير فلابد من الدخول في رهان حازم.فإما أن تكون سائرا سير السلحفاة وقاصدا نيل الكفاف فتحصل على الأدنى من الإمداد وإما أن تجري جري الفهود فتصطاد المراد بعد عناء ومجهود أو تلقى حتفك دونه بتلف وسكتة قلب وانهيار.
لكن حينما يكون الرهان قائما على قاعدة علمية منيرة وتسامي راقي في الأهداف فإن الأمر يختلف،والنتيجة تكون فوق المبتغى والمتوقع .

والصوفية من هذا المنطلق هم أهل الرهان الأعظم وأصحاب الرياضة المتطورة والفنون الروحية النامية بلا منازع ،وهذا التحدي يؤسسونه على شبه معادلات رياضية عددية وجبرية لا تُسلّم إلا بالنتيجة المضاعفة والقفز على الحواجز والمقامات.

أولا:التصوف التنموي ومستَمَدُّه الروحي والسلوكي


فالتصوف كما يعرفه أهله:"أوله علم وأوسطه عمل وآخره موهبة"وهو"أخلاق وأذواق وأشواق" كما يقول الشيخ حمزة القادري بودشيش رحمه الله وأكرم مثواه، وهو نفس تعريف الشيخ الحالي جمال الدين بن حمزة القادري بودشيش.وهنا مربط الفرس في وصل التنمية بالتصوف، وربط الأعمال بالمراقبة لضمان هذا النتاج المضاعف، حتى قد أصبحوا هم رواد الأخلاق والتزكية المرادفة للنماء بلا منازع كما يقول أبو حامد الغزالي في "المنقذ من الضلال":"والقدر الذي أذكره لينتفَع به أني علمت يقينا أن الصوفية هم السابقون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسنُ السير وطريقَهم أصوبُ الطرق وأخلاقَهم أزكى الأخلاق ،بل لو جُمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدِّلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلا،فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به !!!".

فالتصوف هو البديل الأوحد، وليس لتيار آخر القدرة على أن يبدله ببديل آخر، إذ مشكاة النبوة هاته هي عين النماء والبركة والعطاء المضاعَف .ومعلوم من سيرة الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان مصدر البركة وعين الرحمة حيث حل وارتحل.بل إنه صلى الله عليه وسلم قد كان في نشوئه الذاتي مُضاعَف النمو كما تحكيه عنه مرضعته السيدة حليمة السعدية:"فلم يزل الله يرينا البركة نتعرَّفها حتى بلغ سنتين فكان يشِب شبابا لا يشبه الغلمان،فوالله ما بلغ السنتين حتى كان غلاما جَفْرا، فقدمنا به على أمه ونحن أضنُّ شيء به مما رأينا فيه من البركة !!! " .

فالبركة والتنمية متلازمان في وعي الصوفية ،لأنهما عين الرهان في اختيار الطريق لديهم ،إذ كل الطرق تؤدي إلى روما ولكنها قد تختلف ما بين الطريق السيَّار والطريق المعوج وغير المعبَّد.ومن الغباء أن يسلك الشخص طريقا مليئا بالمخاطر ويترك طريقا سيّارا ممهدا بأقل كلفة ، فيه دليل مرشد ،وعلامات ومحطات استراحة، ومراقبة المركبة وحال الراكب.وهذا هو حال الصوفي في اختياره الطريق الأسلم باعتماده على مرشد لمسيرته وساهر على راحته ووصوله إلى بر الأمان كما يقول ابن عاشر:

يصحب شيخا عارف المسالك     يقيه في طريقه المهالك 
يذكـــــــــــــــره الله إذا رآه      ويوصــل العبد إلى مولاه 

ثانيا:المراهنة العددية للذكر و ضوابط مراقبتها 


فالذكر والمذكر هو محور المعادلة الرياضية في مراقبة الأعمال الروحية عند الصوفية.خاصة وأن الذكر يتأسس على قواعد عددية حسابية من ورائها وفي تنوعها رموز وإشارات تتضمن سر تلك الأعداد ،وتؤسس للعنصر المجهول في عمقها وباطنها كنموذج المعادلة من الدرجة الأولى أو الثانية أو ذات المجهولين، لا يمكن حل ألغازها إلا بواسطة الخبير العارف بالله تعالى،في حين أن ممارسة الأعمال المتواصلة العددية ككم منفصل حسابي قد يتم في زاوية تمثل الكم المتصل الهندسي، إما عند ركنها وإما في شكل دائري تشخصه حلقة الذكر الرئيسية قد يصطلح عليها بالوظيفة، وهي مرادفة للأعمال بشكل أو بآخر.وعلى رأس هذه الأعداد يوجد ذكر الهيللة " لا إله إلا الله" أو ذكر الاسم الأعظم"الله" الذي يمثل العدَّ اللامحدود ،أي أنه ليس حصريا بالنسبة للصوفي المتمرس والذي به يترقى من المسار الأفقي نحو المسار العمودي "وأن إلى ربك المنتهى" هذا بالإضافة إلى تلاوة القرآن الكريم كُلاّ وعددا. 

و الذكر عن طريق الأستاذ أوالشيخ المربي قد يجعل بينك وبينه صلة روحية واستمدادا بحسب مرتقاه ،فيسرِّع وتيرة سيرك طالما أنك في وصلة معه ،لأن الراكب رهين بقرار السائق ومهارة سياقته وسرعته.وهو نفسه سيكون وارثا محمديا بالتسلسل والاتصال الروحي المباشر كما سبق وبينا في مشكاة النبوة. 

في حين قد توجد أذكار أخرى محدودةَ العدد ،وهي تحمل رموزا رياضية من حيث اعتبار الأعداد المضاعفة ،عدًّا تنازليا أو تصاعديا، أذكر من بينها ذكر اللطيف. وبالأخص ما يعرف ب"لطيف" ابن حجر .بحيث قد يبتدئ، في حالة طلب الفضل والخيرات، من العدد الأصغر وارتقاء إلى أعلى عدد ،أي من الوحدات والمفردات إلى العشرات والمئات ثم الآلاف.وعلى العكس من هذا يكون الإجراء في حالة الدفاع ومقاومة المصائب وما إلى ذلك.إذ العدد يتأسس من أربعة آلاف وأربعِمائة وأربعةٍ وأربعين.وهذا ليس اعتباطيا وإنما هو قائم على ترتيب رياضي يخضع لعملية الضرب والجمع والقسمة والمراهنة على المطلوب.

فليس التصوف إذن عملا عبثيا أو شعبذة وإنما هو قائمٌ على مبادئ رياضية تحقيقية ومتناسبة لا تراهن على الاحتمالات والظنون ،كما أنها ذات حسابات هادفة لا يعلم سرها إلا أهل الاختصاص من كبار العارفين الصوفية.وفي سلوكهم لمبدأ الذكر العددي يكونون قد وُفِّقوا ووافقوا المنهج النبوي الأقرب لتحقيق التنمية الروحية، والتي عنها تنبعث التنمية الاقتصادية والاجتماعية بشتى تفرعاتها وتعقيداتها.يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"سبق المفردون ،قالوا :وما المفردون يارسول الله ؟ قال:الذاكرون الله كثيرا والذاكرات"رواه مسلم.ومصطلح المفردون هذا فيه بلاغة وجوامع للكلم ،وفيه إشارة إلى الذكر الفردي والعددي على سبيل الكم المنفصل، والذي به يكون السبق وحساب الزمن وقطع المسافات.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016