-->
نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

التصوُّف السُنِّي (الحلَّاج نموذجاً)

التصوُّف السُنِّي (الحلَّاج نموذجاً)


مقدمة :


خالد تركي آل تركي 

من المعلوم والمتفق عليه بين المسلمين أن للدين ثلاثة مراتب: الإسلام، الإيمان، الإحسان، وأُصطُلِح على تعريف الإسلام لغةً بأنه: التسليم والاستسلام لله والانقياد له بالطاعة، وللإسلام خمسة أركان: شهادة ألَّا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا(وهذهِ الخمسة يُعنى بها علم الفقه) . والإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره(وهذهِ الستة يُعنى بها علم العقيدة"التوحيد") ، أما الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك (وهذهِ المرتبة يُعنى بها علم التصوُّف)، هكذا أجمع علماء المسلمين من أهل السنة والجماعة. وعندما خلق الله الإنسان أراده أن يكون في ثلاثة أركان، الجسد، والنفس، والروح، وهذهِ الروح لا غذاء لها سوى في الدين، وعلى وجه الخصوص(التصوُّف)، فالتصوُّف هو الوحيد الذي به تشبع الروح وتنال نصيبها وتحصل على كفايتها. 

مفهوم التصوُّف:


ليس من اليسير تعريف التصوف تعريفاً جامعاً ومانعا بلغة المناطقة، فالتصوُّف مثله مثل أي مصطلح ديني أو علمي أو فلسفي، تتعدد تعريفاته بتعدد اتجاهاته ومذاهبه وعلماؤه. ولكن سنوجز من خلال ذكر ثلاثة من التعاريف التي تكون كفيلة بإعطاء تصوُّر شامل عن مفهوم التصوف:
1 - تعريف معروف الكرخي: (التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق).
2 - تعريف الجنيد: ( أن تكون مع الله بلا علاقة) وعرَّفه أيضاً بأنه: (تصفية القلب عن موافقة البرية ومفارقة الأخلاق الطبعية وإخماد الصفات البشرية ومجانبة الدواعي النفسانية ومنازلة الصفات الربانية والتعلق بعلوم الحقيقة واتباع الرسول في الشريعة).
3 - تعريف الدكتور إبراهيم هلال: ( السير في طريق الزهد، والتجرد عن زينة الحياة وشكلياتها وأخذ النفس بأسلوب من التقشف وأنواع من العبادة والأوراد والجوع والسهر في صلاة أو تلاوة ورد. حتى يضعف في الإنسان الجانب الجسدي ويقوى فيه الجانب النفسي أو الروحي فهو إخضاع الجسد للنفس بهذا الطريق المتقدم سعياً إلى تحقيق الكمال النفسي كما يقولون وإلى معرفة الذات الإلهية وكمالاتها وهو ما يعبرون عنه بمعرفة الحقيقة)(موقع الدرر السنية).

أهمية التصوف :


جوهر الدين هو الحب، وبالحب يقوم الدين ويتجلَّى في أرقى صورة، ولم يخلقنا الله لنقوم بعبادته من خلال طقوس شكلية! حاشاه جلَّ جلاله فهو غني عن تلك الطقوس. خلقنا لأنه أحبَّنا أولاً، وبالحب ننقاد إليه عاشقين لا مُرغمين.
من هنا يكون التصوف هو أسُّ الدين، ودينٌ بلا تصوف يقود غالباً إما للإلحاد وإما للإرهاب، وليس التصوف الإسلامي هو الضروري لوحده؛ بل حتى المسيحية واليهودية بلا تصوف تصبح خطراً على معتنقيها.
في التصوف تكون العلاقة مع الله قائمة على الحب، وطالما أنها قائمة على الحب فمن المستحيل أن يكره الإنسان الآخرين أو أن يتحكم في معتقداتهم أو يزدريهم أو يسعى إلى إجبارهم عنوة إلى دينه أو مذهبه، فالسير إلى الله يحركه الحب لله ولكل خلق الله، هذا هو التصوُّف بكل بساطة. فالتصوف يجعل من الدين عنصر بناء لا عنصر هدم.
عند النظر إلى مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات والبرامج التي تستضيف أصحاب الفكر الإلحادي ومؤيديهم، سنجد بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك موجة إلحاد تعصف بالشباب وتتخطَّفهم ذات اليمين وذات الشمال، ولا أظن أنه يوجد مضاد لها سوى في التصوُّف، فالتصوُّف هو العلاج الفعَّال والدواء الناجع للإلحاد، بينما اتخاذ(العقلانية) طريقةً ومنهجاً لعلاج تلك المشكلة أو الظاهرة فإنه لا يعالجها بل يساهم في زيادتها ويقويها ويُسندها، فالإلحاد وإن كان يتجلَّى ويظهر في صورة فكرية أو سلوكية إلا أنه نابع من الوجدان، وقد يتعجب البعض من هذا الرأي فيقول: الإلحاد أتى نتيجة عدم اقتناع العقل بمسائل يعتبرها خرافات ولا يقوم عليها الدليل الفيزيقي أو المنطقي، فكيف تقول أن التصوف الذي هي دروشة وخرافات(كما يعتقد البعض أنه كذلك) هو العلاج للإلحاد!؟
الجواب بإيجاز: أنه لمَّا كان الإلحاد يؤثر سلباً على الإنسان انفعالياً ووجدانياً، فإنه قد اقتضى أن يكون العلاج من جنس المشكلة ذا طابع وجداني يتوافق مع طبيعة المشكلة، ولا يوجد سوى التصوف يشعل لهيب الروح تجاه خالق الوجود ومدبره.
وإن صح التعبير فإنه يمكن القول بأن التصوف في الإسلام يقابل مفهوم الروح القدس في المسيحية، فالروح القدس هو من يعطي المواهب الروحية ويشعل الرغبة نحو الإله عند الإنسان المسيحي، ففي الكتاب المقدس في رسالة بولس نجد الأمر بالامتلاء بالروح القدس: (ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة بل امتلئوا بالروح)، وفي هذا إشارة واضحة على أن الأحوال الوجدانية لها دور فعَّال في حياة الإنسان ولها لذة محسوسة كلذة الخمر تماماً ولكن بلا أضرار أو خطيئة، وفي آية آخرى: (يعطي الروح القدس للذين يسألونه)، فليس كل أحد يستحق أن ينال تلك القوة الروحية إلا من يريدها بالفعل فيسعى لها لكي يكون أهلاً لها، وكذلك التصوف في الإسلام يقوم بالدور نفسه، فيشعل الرغبة عند المسلم نحو الله، ومرتبة الإحسان في الإسلام(أن تعبد الله كأنك تراه) تعادل الامتلاء بالروح القدس في المسيحية، ويمكن القول أيضاً أنه لا أحد يستشعر وجود الله وعظمته كما يستشعرها الصوفي الحقيقي، فالتصوُّف يجعل الإنسان في حالة ديناميكية روحية نفسية نفسية مستمرة تسمو بالإنسان إلى أرقى صورة، ويكاد أن يتحوَّل فيها الإنسان إلى صورة شبه ملاك.
التصوُّف فيما أراه ماهو إلا طريقة في التديُّن تُضفي على أسلوب حياة الإنسان الحب والسلام والراحة والتسامح مع الذات ومع الآخرين.
إن التصوُّف في نظري هو ميكانيزم الروح، فالعلاقة بينهما علاقة تسامي، لأن الروح عندما تختلط بالتصوُّف فإنها تسمو بذاتها من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، حينئذ يكون دور التصوُّف بهذا المفهوم التسامي بالدين، فيُصبح ديناً حقيقياً سماوياً لا أرضَ فيه ولا دنيا.
وهناك من يعترض على التصوُّف وينكر على المُتصوِّفة تمايلهم أثناء حلقات الذكر والغناء الديني، ورغم أن التصوف أعظم مسألةً وأعمق روحاً وأكبر قدراً من مجرد التمايل أو الرقص، ورغم ذلك كان لابد من الرد على من يعترضون وينكرون، والرد عليهم سيكون عبر مقولة لأحد السلف الصالح رحمه الله، حيث نجده يقول: (إنه لَتَمُرّ بالقلب أوقات يرقص فيها طرباً)، وهذا هو ما يحدث مع المتصوفة نتيجة تأثر الوجدان وامتلاؤه بالعشق الإلهي، فنجدهم ينسون أنفسهم فيصدر منهم بعض الحركات من تمايل ونحوه لا على سبيل الابتداع بل على سبيل: لا نرى سوى الله ولا نسمع غير الله ولا ننطق إلا بالله. وإن رَقَصَ القلب طرباً وفرحاً بالله كما يقول السلف الصالح، فكان لزاماً أن تتبعه الجوارح في هذا الرقص والفرح. 
يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله:"وحصول هذه الأحوال للقلب بالسماع، سببه سر الله تعالى في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح، وتسخير الأرواح لها وتأثرها بها شوقاً، وفرحاً وحزناً، وانبساطاً وانقباضاً، ومعرفة السبب في تأثر الأرواح بالأصوات من دقائق علوم المكاشفات، والبليد الجامد القاسي القلب، المحروم عن لذة السماع، يتعجب من التذاذ المستمع ووجده، واضطراب حاله، وتغير لونه، تعجب البهيمة من لذة اللوزينج، وتعجب العنين من لذة المباشرة، وتعجب الصبي من لذة الرياسة، واتساع أسباب الجاه، وتعجب الجاهل من لذة معرفة الله تعالى، ومعرفة جلاله وعظمته وعجائب صنعه، ولكل ذلك سبب واحد، وهو أن اللذة نوع إدراك، والإدراك يستدعي مُدرَكاً، ويستدعي قوة مُدرِكة، فمن لم تكمل قوة إدراكه لم يُتصوَّر منه التلذذ، فكيف يدرك لذة الطعوم من فقد الذوق، وكيف يدرك لذة الألحان من فقد السمع، ولذة المعقولات من فقد العقل؟!"(الغزالي : 1058م - 1111م).
ويقول رحمه الله: "منتهى الرياضة أن يجد قلبه مع الله تعالى على الدوام، ولا يمكن ذلك إلا بأن يخلو عن غيره، ولا يخلو عن غيره إلا بطول المجاهدة. فإذا حصل قلبه مع الله تعالى، انكشف له جلال الحضرة الربوبية، وتجلَّى له الحق، وظهر له من لطائف الله تعالى ما لا يجوز أن يُوصَف، بل لا يحيط به الوصف أصلاً)(نفس المرجع).
ومما يؤكد على أهمية التصوُّف هو أنه يجعل من الموت طريقاً سريعاً للقاء المحبوب، فلا يهاب الموت صوفيٌ حقيقي، بل الموت عنده مصدر متعة ينتظره بشوق ليعانق من عاش ومات لأجله.
فيكون التصوُّف بهذا قد تميَّز بأنه الاتجاه أو الطريقة أو الفلسفة الوحيدة التي قد انتصرت على شبح الموت، فأوجدت وصنعت نفساً قوية لا تنظر للموت إلا نظرة حبٍ واشتياق. فالدين بنصوصه المقدسة حول حقيقة الموت يورث الخوف والخشية، ويأتي التصوف بطرقه وفلسفته فيُدعِّم الروح ويأخذها بعيداً فترى في الموت راحة لا شقاء ،متعة لا ألم، نعيم لا جحيم. 
وإذا كان الدين يُقدِّم للإنسان مُسلَّمات كأركان وواجبات، فإن التصوُّف يأتي ليبث في الدين الروح، فيجعل من الدين معنى وحياة.
وكما أن الفلسفة تحمي العلم من النزعة(العلموية) ليكون في مصلحة الإنسان، فإن التصوُّف يحمي الدين من نزعة التطرف ليكون في مصلحة الإنسان كذلك. فالفلسفة تعيد للإنسان إنسانيته كما يرى الفيلسوف ريكور، والتصوُّف أيضاً يحيي القيم الإنسانية النبيلة في الإنسان.
إن التصوُّف هو نافذة وطريق لفهم الروح بشكل أعمق من الدين بصورته الطقسية، فالدين بصورته الطقسية قد يتحول إلى عادة بلا روح أو شعور، لكن التصوف الحقيقي يمنع من تحوُّل الدين إلى عادة، فالتصوف يرتقي بالدين ليكون أسلوب حياة.
وقد تجد متديِّنا إرهابياً، بل قد تجد رجل دين أو فقيه يتحوَّل بين عشية وضحاها إلى مُتطرِّف! لكن يستحيل أن تجد صوفياً كذلك، لماذا؟ لأن الحب عنوانه، الحب منهجه، الحب غايته.
وما يجمع الفلسفة والتصوُّف هو أن كل منهما لا يمكن تعلُّمه بالطريقة التي تُعلَّم من خلالها سائر العلوم، وإنما هما تجربتان يعايشهما الفرد ويخوض في غمارهما، وبعد ذلك يستطيع أن ينطق ويتحدث بما شعر به أو أدركه عن واقع تجربة وخبرة.

ويكفي التصوُّف شرفاً أنه يجعل الإنسان يعبد الله حباً وعشقا، لا طمعاً في جنة ولا خوفاً من نار، يقول الغزالي رحمه الله:"أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: (إن أودَّ الأودَّاء إليَّ من عبدني بغير نوال، لكن ليعطي الربوبية حقها). وفي الزبور: (من أظلم مِمَّن عبدني لجنة أو نار، لو لم أخلُق جنة ولا ناراً ألم أكن أهلاً أن أُطاع؟!)...وقال سفيان الثوري لرابعة: ما حقيقة إيمانك؟ قالت: (ما عبدته خوفاً من ناره، ولا حباً لجنته، فأكون كالأجير السوء، بل عبدته حباً له وشوقاً إليه)"(إحياء علوم الدين،ج٤،ص٣٠٢٤، ٣٠٣٣).

لا تَلُمني يا إلهي عندما أرفض أن أدعوك، فأنا لا أريد منك شيئاً يا إلهي، أنا أريدك أنت! أنت كل ما أريد. أنت محبوبي، أنت معشوقي، أنت مقصودي. 
هذا هو التصوُّف في أبهى صورة. 

نوجز أهمية التصوُّف في النقاط التالية:

1 - التصوُّف يصبغ الدين بالصبغة الإنسانية، فيكون في مصلحة الإنسان والإنسانية.
2 - التصوُّف الحقيقي يعمل على حماية الإنسان المتديِّن من نزعتي التطرُّف والإلحاد.
3 - التصوُّف يجعل من الدين عنصر بناء لا عنصر هدم، ويجعل من الإنسان كائناً فاعلاً ومؤثِّراً في مجتمعه ومحبَّاً للجميع بعيداً عن معتقداتهم وأديانهم ومذاهبهم وقومياتهم وعرقياتهم.
4 - التصوُّف يتسامى بالدين، فيجعل من الدين ديناً سماوياً لا أرض فيه ولا دنيا ولا مصالح دنيوية مادية تُرجى من ورائه. 
5 - يحمي الإنسان من الأزمات الوجودية، ويجعل من الموت مصدراً للفرح بلقاء الله، فلا يصبح الموت عندئذ مصدر قلق للإنسان. 

التصوُّف السُنِّي :


يُشاع عند البعض أن التصوُّف عندما يُطلق فإنه يُراد به مذهباً إسلامياً كمذهب أهل السنة والجماعة أو الشيعة، وهو في حقيقة الأمر ليس كذلك، فالتصوُّف ليس مذهباً في العقيدة ولا حتَّى في الفقه، التصوف عند أهل السنة يُقصَد به المرتبة الثالثة من مراتب الدين وهي الإحسان(أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). 
سُئِل الشيخ الإمام علي جمعة السؤال التالي: 
يقول البعض ممن لا يحبون التصوف أن التصوف هو التشيع ، ويقول المتصوفة أنهم أهل السنة ، فما جلاء هذا الأمر؟
فكان جوابه:
"في البداية لا يمكن أن نعد التصوف الإسلامي مذهباً عقائدياً, كالمعتزلة والخوارج, والشيعة, ولا يمكن أن نعده كذلك مذهبا فقهياً كالحنفية, والمالكية, والشافعية والحنابلة. ولكن التصوف الإسلامي منهج التربية الروحي والسلوكي والذي يرقى به المسلم إلى مرتبة الإحسان, والتي عرَّفها النبي صلى الله عليه وسلم: (أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك). فالتصوف برنامج تربوي , يهتم بتطهير النفس من كل أمراضها التي تحجب الإنسان عن الله عز وجل، وتقويم انحرافاته النفسية والسلوكية فيما يتعلق بعلاقة الإنسان مع الله ومع الآخر ومع الذات...ومع كون الصوفية ليسوا مذهباً عقائدياً إلا أنهم ينتمون لمذهب أهل السنة الجماعة, وعدَّهم علماء التوحيد من أهل السنة والجماعة. يقول ابن السبكي: (أعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل, وإن اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصولة بذلك. وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف:
الأولى: أهل الحديث, ومعتقد الأدلة السمعية - الكتاب والسنة والإجماع.
الثانية: أهل النظر العقلي وهم الأشعرية والحنفية الماتريدية). وشيخ الأشعرية هو أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي. وهم متفقون في المبادئ العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه, وفي المبادئ السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط والعقلية والسمعية في غيرها. واتفقوا في جميع المطالب الاعتقادية إلا في مسائل. 
الثالثة: أهل الوجدان والكشف وهم الصوفية. ومبادئهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية والكشف والإلهام في النهاية)"(جمعة، فيس بوك). 

تطبيقات التصوُّف :


يُعد الذِّكْر(ذِكرُ الله) وقراءة الأحزاب(كحزب الدور الأعلى لابن عربي وحزب البحر للشاذلي) والأوراد الشرعية أهم خاصية للتصوُّف وأهم ما يُميِّز المُتصوِّفة، فبالذِّكْر يكون التصوُّف ومن دونه لا يكون، ومن أحبَّ الله فلا بد أن يكون مُلازماً لذِكْرهِ على كل حال وفي كل حال.
وقد يستعين بعض المُتصوِّفة بالموسيقى، خصوصاً في (الذِّكْر الجماعي) لتكون مُدعِّمة للذِّكْر ومن ثم الوصول إلى حالة(الوجد). وعندما يغلب على المُتصوِّف حالة الوجد فقد يصدر منه بعض الانفعالات والحركات مثل: البكاء، التمايل...إلخ. وهي عَرَضٌ طبيعي، وليست مقصودة في ذاتها، فيأتي البعض من أعداء التصوف ليُشنِّعوا على المتصوفة ويتهموهم بالإبتداع أو الجنون نتيجة ذلك التمايل الطارئ والمؤقَّت!!
يقول الغزالي رحمه الله: "ويُثمِر السماع حالة في القلب تُسمَّى الوجد، ويُثمِر الوجد تحريك الأطراف، إما بحركة غير موزونة فتُسمَّى الاضطراب، وإما موزونة فتُسمَّى التصفيق والرقص...فإذاً تأثير السماع في القلب محسوس، ومن لم يُحرِّكه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع، وكثافته على الجمال والطيور، بل على جميع البهائم، فإن جميعها تتأثر بالنغمات الموزونة، ولذلك كانت الطيور تقف على رأس داود عليه السلام لاستماع صوته"(الغزالي، ص١٣٤٨، ١٣٦٠). 
وعن مسألة جواز السماع يقول: "ونقل أبو طالب المكي إباحة السماع عن جماعة فقال: سمع من الصحابة عبدالله بن جعفر، وعبدالله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية وغيرهم، وقال: قد فعل ذلك كثير من السلف الصالح"(نفس المرجع، ص١٣٤٩).
ويقول رحمه الله: "ولا يدل على تحريم السماع نَصٌّ ولا قياس...فيدل على إباحة سماع الصوت الحسن، امتنان الله تعالى على عباده به، إذ قال: (يزيد في الخلق ما يشاء) فقيل: هو الصوت الحسن...ولو جاز أن يُقال: إنما أُبيح ذلك بشرط أن يكون في القرآن، للزمه أن يُحرِّم سماع صوت العندليب لأنه ليس من القرآن"(نفس المرجع،ص ١٣٥١-١٣٥٣).نظرية المعرفة عند الصوفية:

يُعد الحدس مصدراً من مصادر المعرفة عند الصوفية الإسلامية، يقول محيي الدين بن عربي رحمه الله واصفاً كتابه(الفتوحات المكيِّة): "فالعلم الإلهي هو الذي كان الله سبحانه مُعلِّمه بالإلهام والإلقاء وإنزال الروح الأمين على قلبه، وهذا الكتاب من ذلك النمط عندنا، فوالله ما كتبت منه حرفاً إلا عن إملاء إلهي وإلقاء رباني أو نفث روحاني في روع كياني"(ابن عربي، ص٢٣٢).
ويقول الغزالي رحمه الله: " ولا تظنن أن هذه الطاقة تنفتح بالنوم والموت فقط، بل تنفتح باليقظة لمن أخلص الجهاد والرياضة، وتخلص من يد الشهوة والغضب والأخلاق القبيحة والأعمال الرديئة. 
فإذا جلس في مكان خال، وعطَّل طريق الحواس، وفتح عين الباطن وسمعه، وجعل القلب في مناسبة عالم الملكوت، وقال دائما: (الله الله الله) بقلبه دون لسانه، إلى أن يصير لا خير معه من نفسه، ولا من العالم، ويبقى لا يرى شيئاً إلا الله سبحانه وتعالى، انفتحت تلك الطاقة، وأبصر في اليقظة الذي يبصره في النوم، فتظهر له أرواح الملائكة والأنبياء والصور الحسنة الجملية، وانكشف له ملكوت السماوات والأرض، ورأى ما لا يمكن شرحه ولا وصفه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (زويت لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغربها) وقال الله عز وجل: (وكَذلِك نُري إِبراهيم ملَكوت السماواتِ والأَرض). لأن علوم الأنبياء عليهم السلام كلها كانت من هذا الطريق، لا من طريق الحواس، كما قال سبحانه وتعالى: (واذكر اسم ربك وتبتَّل إليه تبتيلا)، معناه: الانقطاع عن كل شيء، وتطهير القلب من كل شيء، والابتهال إليه سبحانه وتعالى بالكلية. وهو طريق الصوفية في هذا الزمان. وأما طريق التعليم، فهو طريق العلماء. وهذه الدرجة الكبيرة مختصرة من طريق النبوة، وكذلك علم الأولياء؛ لأنه وقع في قلوبهم بلا واسطة من حضرة الحق، كما قال سبحانه وتعالى: (آتيناه رحمةً مِن عِندِنا وعلَّمناه مِن لَدُّنا علماً). 
وهذه الطريق لا تُفهم إلا بالتجربة، وإن لم تحصل بالذوق لم تحصل بالتعليم. والواجب التصديق بها حتى لا تُحرَم شعاع سعادتهم، وهو من عجائب القلب. ومن لم يُبصِر لم يُصدِّق، كما قال سبحانه وتعالى: (بل كَذَّبوا بِما لَم يحيطوا بِعِلمِهِ ولَمَّا يأتِهِم تأويلُه) ،وقوله: (وإِذ لَم يهتدوا بِهِ فَسيقولونَ هذا إِفك قَديم)"(كيمياء السعادة، ص8، 9). 

الحلاج قدَّس الله روحه (شهيد التصوُّف): 

هو أبو عبدالله الحسين بن منصور الحلَّاج(244ه-309ه)، من أشهر علماء ورموز التصوف السني وأكثرهم إثارة للجدل، وُلِد في مدينة بيضاء في بلاد فارس ونشأ في واسط في العراق. 
للحلَّاج عبارات إن فُهِمت على ظاهرها كانت كُفراً صريحاً، إلا أنه لم يكن يقصد ما يفهمه الناس ويفسرونه، تلك الكلمات التي تفوَّه بها كانت نتيجة الهيام بالله، نتيجة غيابه (غياب الحلَّاج) وحضور الله فقط، أي غاب الحلَّاج جسداً وروحاً وتجلَّى الله، ومن يلوموا الحلاج لم يذوقوا ما ذاق، لم يعرفوا ما عرف، لم يصلوا إلى المنزلة التي وصل إليها، تعلَّم لغةً ليس لها قاموس في متناول أيديهم فَصَعُب عليهم فهمه، هام عشقاً بخالقه، تدرَّج في تصوفه حتى أضحى لا يرى سوى الله، وهل هناك أصلاً موجود غير الله؟ هكذا آمن الحلاج، أطعم روحه وغذَّاها، أيقن أن الروح هي العماد والأساس، فترك الجسد حتى تلاشى ولم يعد هناك جسد!
لذلك عندما حان وقت إعدامه كان أسعد الناس! لأنه كان متهيئاً لهذا اليوم الذي تنفك فيه قيود الجسد فتتحرر الروح وتعود إلى مصدرها المُقدَّس.
الحلاج في نظري هو أذكى المتصوِّفة وأعمقهم وجداناً، لم يخشى أحداً فما كان منه إلا أن أصبح ينطق ويصرِّح بكل ما يطرأ عليه مما قد ذاقه وأحس به، وكأنه بذلك قد اقترب من منزلة النبوة إلا أن رحمة الله كانت تحيط به فلم يستطع الشيطان أن يقوده إلى الحد الذي يزعم فيه أنه نبي يوحى إليه! 
لقد استطاع الحلاج أن يتجاوز بتصوفه منزلة البشر بكسره للجسد وإضعافه، وارتقى بروحه فكان ملاكاً على هيئة بشر! 
أدرك الحلاج أن الطقوس الدينية التي نمارسها بالجسد لن توصله إلى الله، فبدأ في محاربة هذا الجسد وأعطى الراية للروح لتقوده نحو المعشوق الوحيد. 
تعذَّب وعانى وتألَّم من أجل عشقه لله بطريقةٍ كان ظاهرها الكفر والجنون وباطنها وحقيقتها الإيمان والحكمة. كان يحاول أن يجعلهم يذوقوا ويتمتَّعوا بما قد ذاقه وتمتَّع به، لكنه نور الله لا يناله إلا من ارتضاه(نورٌ على نور يهدي الله لنوره من يشاء).
ويُروى عن الإمام الغزالي أنه قال: "إن لله تعالى شراباً يسقيه في الليل قلوب أحبائه، فإذا شربوا طارت قلوبهم في الملكوت الأعلى، حباً لله تعالى، وشوقاً إليه". 
والحلَّاج رحمه الله لم يشرب فقط من هذا الشراب، وإنما تضلّع منه كما يتضلَّع الحاج أو المعتمر من ماء زمزم. فرأينا آثار هذا الشراب في بلوغه منزلة العشق الإلهي التي جعلته يبلغ مقام الفناء بصورة لم يبلُغها أي صوفي آخر عبر التاريخ وحتى عصرنا هذا، إلى الحد الذي أصبح التصوُّف لا يُعرَف إلا بالحلَّاج والحلَّاج لا يُعرَف إلا بالتصوُّف! 
لقد ذاب الحلَّاج في عشق خالقه، فَهامَ به حُبَّاً، وشدى به فَرِحاً، وتذلَّلَ له قصداً، حتَّى قال قصيدته المشهورة:
والله ما طلُعَت شمسٌ ولا غَرُبت
إلا وحُبُّك مقرون بأنفاسي
ولا خلوتُ إلى قوم أُحدَّثُهُم
إلا وأنت حديثي بين جُلَّاسي
ولا ذكرتُك محزوناً ولا فَرِحَاً
إلا وأنت بقلبي بين وسواسي
ولا هممتُ بشرب الماء من عطشٍ
إلا رأيتُ خيالاً منك في الكأسِ

الرد على ابن تيمية في تكفيره للحلَّاج واستباحة دمه :

يقول ابن تيمية رحمه الله: "من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قُتل الحلاج عليها فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين، فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد، ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد، كقوله: أنا الله. وقوله: إله في السماء واله في الأرض...وبالجملة فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر، واتحاده به، وإن البشر يكون إلهاً، وهذا من الآلهة: فهو كافر مباح الدم (2/480،481).

الرد: لنفترض أن الحلَّاج قد قال بعض هذه الكلمات، هل هذا مُبرِّر لتكفيره واستباحة دمه!؟ ما هو الضرر الذي قد ترتَّب على أقوال الحلَّاج؟ هل قتل أحداً من المسلمين أم من غير المسلمين؟ ولو اتفقنا من الناحية الشرعية الإسلامية بأن الحلَّاج من حيث الرؤية الدينية فإنه يُعد كافراً، فإنه من الناحية الإنسانية يظل إنساناً له حريته والتي منها حرية التعبير عن الرأي، رغم أنه عبَّر عن رأيه عِشقاً بخالقه كما ذاقه وأحبَّه فنطق بأسلوبٍ قد يبدو غريباً بالنسبة للغير لكنه ليس كذلك بالنسبة له وللمُتصوِّفة الحقيقيين الذين يعلمون ويشعرون ويُقدِّرون الحال الذي وصل إليه الحلَّاج.
إن التساهل في التكفير واستباحة الدماء بمجرد الاختلاف في الآراء يُعد منحىً خطير قد أُبتلي به المسلمين في تاريخهم وحاضرهم، وذلك ناتج عن غياب مفهوم الإنسانية أو تغييبه لديهم بشكل مقصود من قِبل بعض العلماء المتطرفين في آراءهم والذين لا يرون للإنسان قدراً أو كرامةً أو حريةً خارج نطاق الدين أو المذهب الذي يطابق ما يرونه هو الحق المطلق! ومن خلال ذلك الاعتقاد(امتلاك الحقيقة المطلقة) تتأسَّس وتقوم الأصوليات المُتطرِّفة. 
لذا أجدني أتفق مع الفيلسوف المصري مراد وهبة في تعريفه للعلمانية بأنها: "التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق"(وهبة، ص58)، فلا يمكن تفكيك تلك الأصوليات المُتطرِّفة والتي هي في مجملها شر مُطلق إلا من خلال العلمانية. وبهذا يمكن الاستنتاج بأن العلمانية هي أفضل النظم السياسية والاجتماعية لتحقيق المساواة بين أفراد المجتمع ومنحهم الحرية لممارسة عقائدهم وأديانهم وحماية مقدساتهم، والتصوُّف هو أفضل الاتجاهات والطرق الدينية التي تجعل من الدين والمذهب مصدر حب لا كراهية حتى وإن احتوى هذا الدين أو المذهب على بعض التعاليم أو النصوص التي تحض على الكراهية والعنف، فإن التصوُّف يقوم بتعطيلها وتحويلها إلى لغة الحب والسلام. 
*ما الذي جعل ابن تيمية رحمه الله وغيره من العلماء يتساهلون في التكفير واستباحة الدماء؟
سببان رئيسيان يقفان خلف ذلك:
1 - اعتقادهم بامتلاك الحقيقة المطلقة. 
2 - اعتقادهم بأن الإنسان لا قيمة له إلا من خلال الدين أو المذهب الذي يرونه الحق المطلق. 
الأول لا دواء له إلا بالعلمانية لكونها تعني التفكير في النسبي بما هو نسبي كما يرى وهبة. 
والثاني لا دواء له إلا بالفلسفة والتصوُّف، بالفلسفة يتم إعمال العقل في النص الديني، وبالتالي كسر جمود التطرف وإعادة النزعة الإنسانية وإدراك قيمة الإنسان. وبالتصوُّف يُزرع الحب في النفس البشرية فيتأثَّر هذا الدين أو المذهب بهذا الحب فيطغى عليه ويقوده حينئذ ويكون شعاراً له ومبدأً يستند عليه.

الحلَّاج بين التصوُّف والابتداع:

سُئِل الشيخ الإمام علي جمعة(وهو أحد علماء الأزهر وأئمة التصوُّف السني المعاصرين) عن الحلَّاج هل هو متصوِّف أم مُبتدع، فقال:"الحلَّاج مُتصوِّف، ولكن كان الجُنيد يقول: (لو أدركته لأنقذته بقشَّة)، وذلك لأن الحلَّاج قد اختلط عليه الأمر، حيث أن الحلَّاج كان يشعر بأنه لا شيء وأن الله هو كل شيء، فكان يُنكر وجوده(وجود الحلَّاج)...مِمَّا يجعل السامع يظن أن الحلَّاج يقول بالاتحاد...فالحلَّاج كان صادقاً ولكنه لم يكن عنده من العلم ومن التعابير فما استطاع أن يُعبِّر عمَّا جال في نفسه...حتَّى قيل أنهم وبعد أن قتلوه رحمه الله تراجعوا عن تكفيره لإدراكهم أنه كان عاجزاً عن التعبير ولم يكن قاصداً للكُفْر"(جمعة، قناة اليوتيوب). 
ويقول الحلَّاج رحمه الله في كتابه نصوص الولاية:"من ظنَّ أن الإلهية تمتزج بالبشرية، أو البشرية تمتزج بالإلهية فقد كفر؛ فإن الله تفرَّد بذاته وصفاته عن ذوات الخلق وصفاتهم، فلا يشبههم بوجه من الوجوه، ولا يشبهونه بشيء من الأشياء، وكيف يُتصوَّر الشبه بين القديم والمُحدَث؟ ومن زعم أن الباري في مكان، أو على مكان، أو متصل بمكان، أو يُتصوَّر على الضمير، أو
يُتخايل في الأوهام، أو يدخل تحت الصفة والنعت فقد أشرك"(الحلَّاج، ص226، 227).

وعلى هذا تبطل جميع الادِّعاءات والمزاعم التي تذهب إلى أن الحلَّاج رحمه الله قد ادَّعى الألوهية أو أنه كان يؤمن بعقيدة الاتحاد، وهو منها براء إنما كان مؤمناً صوفياً على عقيدة أهل السُنَّة والجماعة، ولكن كما يُقال: قد خانه الأسلوب، نتيجة لبلوغه درجات رفيعة وجرعات عالية من التصوُّف دون أن يكون لديه العلم الكافي والذي كان سيحميه من تلك العبارات والأقوال التي تفوَّه بها رحمه الله. ولكن جلَّ من لا يخطئ، وكما يُقال أيضاً: لكل جوادٍ كبوة، وهذهِ هي كبوة الحلَّاج رحمه الله وعفا عنَّا وعنه.
وهناك من يخلط بين الفناء والاتحاد، فالفناء كما يقول الغزالي رحمه الله: "أن لا يرى في الوجود إلا واحداً، وهي مشاهدة الصديقين، وتسميه الصوفية الفناء في التوحيد، لأنه من حيث لا يرى إلا واحداً فلا يرى نفسه أيضاً، وإذا لم يرَ نفسه لكونه مستغرقاً بالتوحيد كان فانياً عن نفسه في توحيد، بمعنى أنه فني عن رؤية نفسه والخلق"(الغزالي، ص2906).

أما (الاتحاد) فيكفي أن نستشهد برأي الشيخ الأكبر وسلطان العارفين محيي الدين بن عربي رحمه الله، حيث يقول:"اعلم أن الله تعالى واحد بإجماع، وقيام الواحد يتعالى أن يحل فيه شيء، أو يحل هو في شيء، أو يتحد بشيء"(البيطار، نقلاً عن ابن عربي). ويقول أيضاً: "ما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد، وما قال بالحلول إلا أهل الجهل والفضول"(نفس المرجع).

هذا هو التصوُّف السني، وهذهِ هي عقيدة آراء كبار المُتصوِّفة من أهل السنة والجماعة.
ومن المعلوم عند الصوفية أن ابن عربي كان ممن تأثَّر بالحلَّاج، فلو كان الحلَّاج على مذهب آخر غير المذهب السني لكان قد برز ذلك في كتابات ونظريات ابن عربي. ورغم أن تهمة التشيُّع قد طالت ابن عربي كذلك، إلا أننا عندما ننظر إلى ما يقوله ابن عربي نفسه فإننا نستبعد تلك التهمة على الفور، بالإضافة إلى أن كبار علماء الشيعة لا يُقِّرون بتشيُّع ابن عربي. ففي أحد أهم البحوث لديهم وهو بعنوان(ابن عربي سُنيٌّ متعصِّب) يُثبت السيد جعفر مرتضى العاملي أن ابن عربي ليس فقط سُنيِّاً وإنما يعتبرونه سُنيِّاً متعصِّباً! فيقول في مقدمة بحثه: "فإن الذي دعانا إلى تأليف هذا الكتاب هو أنه قد وردتنا أسئلة عديدة عن حقيقة ما يقال عن تشيُّع محيي الدين ابن عربي، صاحب كتاب: الفتوحات المكية، وكتاب فصوص الحكم، وكتاب الوصايا» وغير ذلك. وقد أجبنا عن بعض تلك الأسئلة بإيجاز واقتضاب، يُظهِر رغبتنا في تجنب الدخول في التفاصيل، التي قد تكون مملة، أو غير ضرورية. ثم هي تُظهر إيثارنا صرف وقتنا وجهدنا فيما هو أهم، ونفعه أعم. غير أن إحساسنا بأن ثمة من تأثر بشائعة تشيُّع هذا الرجل، وأن ثمة استسلاماً ولو بصورة جزئية ومحدودة أمام بعض أفكاره التي يقرؤونها في كتبه، أو تُلقى إليهم عنه، مع كون تلك الأفكار لا تنسجم مع مذهب أهل البيت بل ومبانيه الحقة، لا من قريب ولا من بعيد"(العاملي، 2011م).
ويواصل العاملي حديثه: "وقد وجد بعض علماء العرفان من الشيعة، بعض اللمحات، التي هي شديدة الندرة في كلامه، دعتهم للاعتقاد بتشيُّع هذا الرجل، رغم أن في مقابلها ما لا يكاد يُحصر من دلائل التزامه بمذهب أهل السنة، بل وتعمقه فيه، وتعصبه له إلى أبعد الحدود...إن هذا الرجل سني متعصب، ومهتم بتشييد مباني مذهبه، وإثارة الشبهات حول صحة التشيُّع، ويسعى جاهدة لزعزعة مبانيه، وتشويه معالمه"(نفس المرجع، ص9، 10).
وعلى هذا نستطيع القول والجزم بسُنيِّة الحلَّاج وابن عربي رحمهما الله وانتفاء تهمة التشيُّع عنهما والتي كانت لأسباب تحيُّزية عاطفية لا موضوعية عقلانية، وللأسف أنها كانت من جملة من علماء أهل السنة لاختلافهم معهم في مسألة التصوُّف، فما كان منهم إلا إلصاق تهمة التشيُّع بهم لإبعاد الناس عنهم حتى لا يتأثَّروا بأفكارهم كما يزعمون. 

المراجع:

1 - الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. إحياء علوم الدين. ج2، ج3، ج4، ط3. دمشق: دار الفكر. 2011م.
2 - مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج2.
3 - وهبة، مراد.(الأصولية والعلمانية). 
4 - صحيفة إيلاف الإلكترونية(مجموعة مقالات للباحث).
5 - قناة الشيخ علي جمعة على اليوتيوب، الرابط
6 - البيطار، بهاء الدين محمد عبدالغني.(الواردات الإلهية في التفسير على طريقة الصوفية).
7 - ابن عربي، محيي الدين محمد بن علي.(الفتوحات المكيِّة). ج6. بيروت: دار الكتب العلمية.
8 - الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد.(كيمياء السعادة).
9 - العاملي،جعفر مرتضى.(ابن عربي سني متعصب). ط٣. بيروت: المركز الإسلامي للدراسات. 2011م.
10 - عباس، قاسم محمد.(الحلاج الأعمال الكاملة). ط١. بيروت.2002م.
11 - حساب الشيخ علي جمعة على الفيس بوك
12 - موقع الدرر السنية

** ** **
خالد تركي آل تركي
كاتب ومؤلف سعودي

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016