-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

القول المبين في إدحاض حجج الوهابيين 7


القول المبين في إدحاض حجج الوهابيين 7
بقي الكلام عن الحديث نقول : إن جعلنا الدعاء في لفظ الحديث هو النداء الذي الكلام فيه، فلا شك أنه فرد من أنواع العبادة الشاملة له ولغيره، لأن العبادة جنس شامل لأنواع، منها : الإنسان والحمار وغيرهما، بيانه أنك تقول : كل إنسان حيوان وليس كل حيوان إنسان، ويقال : كل دعاء عبادة ولا عكس، فإذا أردنا الإخبار عن حقيقة النوع قلنا : الإنسان حيوان والدعاء عبادة، فهذا مُبتدأ وخبر، وإذا فصل بين المبتدأ والخبر بالضمير، فقد ذكروا أن الفصل يكون لفائدتين، أحدهما الدلالة على أن ما بعد خبر لا صفة، وثانيهما حصر الخبر في المبتدأ، فإذا دلّ المقام بالقرائن على أنه ليس المراد الحصر فيكون للتمييز بأفضلية ما، فقوله الدعاء هو العبادة، لا يتصور فيه الحصر كقولنا : الكتاب هو القرآن، في الإخبار عن الأعم بالأخص وفي عكسه، الإنسان هو الحيوان ومثله الدعاء هو العبادة، ليس المراد حصر الحيوانية في الإنسان، ولا حصر العبادة في الدعاء، ومثل هذا قوله تعالى : {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[البقرة:245] وقال الفخر الرازي رحمه الله في مفاتيح الغيب نقلا عن عطاء رحمه الله أنه قال : الحمد لله الذي قال : "وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ" ولم يقل :"والظالمون هم الكافرون"، ثم ذكر التأويل السادس أي أنهم الكاملون في الظلم البالغون المبلغ العظيم فيه، كما يقال : "العلماء هم المتكلمون" أي الكاملون في العلم فكذا ههنا. انتهى.

وقال رحمه الله تعالى في قوله تعالى : {وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ}[آل عمران:90] هذا محمول على أنهم الضالون على سبيل الكمال.انتهى.

ومثل هذا قولنا العلم هو النافع ليس المراد منه حصر العلم في النافع، قال صلى الله عليه وسلم : (أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ) فسماه علماً ، فهذا احتمال يحمل عليه لفظ الحديث، إن جعلنا المراد بالدعاء هو النداء لطلب الحوائج، ويدل لهذا الاحتمال قوله في الرواية الأخرى "مخ العبادة" ففي هذه الرواية ما يرشد إلى أن المراد البالغة لكونه تميز عن سائر أنواعه لتضمنه المعبوديّة والإعلان بذلة البشرية وإظهار الافتقار والتبري من الحول، ويدلِّلُهُ أيضا ما أخرجه البخاري في الأدب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أشرَفُ العِبَادَة الدُّعَاء) والذي يظهر والله أعلم، أن العبادة لمّا كانت على قسمين من حيث تعلقها إمّا بالاعتقاد وإمّا بالجوارح، وكان الدعاء له تعلق بالطرفين بالجوارح إذ هو من أعمال اللسان، وبالاعتقاد إذ هو لرجاء نفع أو دفع ضر، كانت مزيته على غيره من هذه الحيثية. والله أعلم.

احتمال آخر يحمل عليه الحديث، وهو أن يكون المراد به تفسير الآية، فقوله "الدعاء هو العبادة" بمعنى أن المراد بلفظ ادعوني اعبدوني، ويكون الفصل بالضمير هذه الدلالة على أن ما بعده خبر، وهي إحدى الفائدتين التي تقدم ذكرهما فهو تفسير للآية، ويستدل على هذا بقرائته صلى الله عليه وسلم للآية بعد قوله :"الدعاء هو العبادة" وتكون تلاوته للآية قرينة دالة على أن المراد التفسير، ويستشهد على ذلك بما سلف من تفسير الحبر رضي الله عنه للآية، وأما الاستدلال بالحديث على ما نزاعنا فيه، فلا يتم إلا بدعوى حصر جميع أنواع العبادة في الدعاء، وقد ظهر بطلان دعوى الحصر بما سبق بيانه، فلم يبق إلا ما ذكرناه من تمييزه على غيره بشيء مّا، ومثل هذا كثير جدًّا في الكتاب والسنَّة، وفي لغة العرب يأتي للمبالغة والاهتمام بشأن الشيء لطلب فعله والزجر عنه ويكون بأداة الحصر والتوكيد أو النفي، قال تعالى :{نَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}[الأنفال:2] {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ}[الرعد:7] {إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ}[الزخرف:15] {إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}[إبراهيم:34] بالألف واللام الاستغراقيّة والتوكيد بأن واللام والجملة الاسميّة الدّالة على الدوام والاستمرار.

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : " الله اغفر لي ظلمي وكفري" قال قائل : يا أمير المؤمنين هذا الظلم، فما بال الكفر ؟! فقال عمر رضي الله عنه : "إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ"، وهذا باب لا يمكن حصره. 

ومن تأمّل وتفهم وجد الكثير كقوله صلى الله عليه وسلم :(الْوُضُوءُ شَطْرُ الْإِيمَانِ) (المُؤمِنُ مَن أمِنَه الناسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وأَمْوَالِهِم) (مَنْ غَشَّنَا لَيْسَ مِنَّا) (لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهو مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهو مُؤْمِنٌ) (لَيْسَ المؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ) (لَيْسَ منْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْر أبيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إلاَّ كَفَرَ).

قال في النهاية : من لم يعتقد إباحته ففي معنى كفره وجهان، أحدهما أنه أشبه فعله فعل الكفار. الثاني أنه كفر نعمة الله عليه والإسلام. انتهى.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016