recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

شرح أنوار السرائر وسرائر الأنوار -12

شرح أنوار السرائر وسرائر الأنوار -10

ثم أشار إلى المقدمة الثالثة وانتقاله منها إلى مقام التَّوبَة فقال رضي الله عنه :

ومــن بــعــده الحــالُ الذي هــو يــقـظـةٌ. ورودٌ يــرد الكــســر فــي غـايـة الجـبـْرِ. 
تـُـشــاهِــدُ أنــحــاءَ النــحـاة فـتـنـتـحـي. عــلى ثــقــةٍ مـا ليـس بـالمـسْـلك الوَعْـرِ. 
 فَــيــبــدُو مــقــامَ التَّــوْب وهــو مَــمَـهَّـدٌ . فــدُونــك فــاقــرع بــابَــه قــرعَ مُــضْـطَـرٍّ

ضمير بعده راجع للانتباه، و"الحال" الذي هو يقظة مبتدأ خبره في المجرور وقبْله، وفي بعض النسخ الحال التي هي يقظة، وكما جرى كان الحال يذكر ويؤنث، و"ورود" أي وارد فصيغة المصدر بمعنى اسم الفاعل، وهو إما بدل من قوله الحال إلى آخره أو عطف بيان له أو خبر بمبتدأ تقديره هو، و"يرد" مضارع ردّ، وفي بعض النسخ "يريك" ولا فرق في غاية الجبر أي غاية الإصلاح، وفي بعض النسخ عارية بدل قوله في غاية، وغاية ما ظهر لنا فيه أن أل في الكسر جنسية وعارية أي مكشوفة بادية، فيكون معناه يرد كسور العبر، عارية الجبر أي ظاهريه، والله سبحانه أعلم.

إن هذا النظم في نسخه اختلاف كثير منها يخل بالمعنى والوزن أو بإحداهما ومنه ما لا يخل، فهما وذلك لكون متعاطيها كما قدمنا أهل مراقبة البواطن غير واقفين مع الرسوم والظواهر، وغالب هذه الطائفة الشريفة عوام فلا تجدهم يضبطون كتبهم بالرواية ونحو ذلك، وهي سيما أهل العرب هذا دأبهم ليس لهم اعتناء بالرواية.

وقوله "تشاهد" هي هنا قلبية وانحناء أي مقاصد، و"النحاة"" بالحاء المهملة أي القاصدين فتنتحى" أي فتقصر، وفي بعض النسخ النجاة بالجيم وفي بعضها فتجتني وتقطف منها ما ليس فيه صعوبة ، ونسخة النجاة بالجيم هي الموافقة والعوارف وعلى ثقة أي على بصيرة والمسلك الطريق باعتبار المرور فيه، و"الوعر"، أي الصّعب وفيه وإفاؤه للنتيجة على مجموع المقدمات الثلاث و"يبدو" أي يظهر و"الممهَّد" الموطّأ المبسوط المسهل،" والواو من قوله وهو ممهَّد وواو الحال والتَّوب" التوبة بمعنى وهي الرجوع إلى الله، و"دونك" تستعمل في الحث والإغراء، وهي اسم فعل ومعناها هنا "خُد"فيفحوا لها مغرور والكاف للخطاب و"القرع" دق الباب وضربه ونحو ذلك والضمير في بابه الظاهر والأولى أنه عائد على التوبة ويحتمل أن يعود على الله سبحانه، وإن لم يتقدّم ذكره قريباً لدلالة المعنى عليه، وذكر الاضطرار يقتضيه كقوله تعالى : {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ}[ص:32] فإن الضمير للشمس في أحد التأويلين وإن لم يتقدّم ذكرها لكونها تفهم من السياق، وذكر العشي يقتضيها والمعنى : المضطر والمحتاج والملجا.

واعلم أن أول بلوغ زائر التوفيق إلى القلب هو الزاجر، فإذا وجده أهلا للنزول واجد، جند نوره في حط رحاله له، وظهرت ثمرات ذلك على قالب ذلك القلب، من التجافي عن دار الغرور والإنابة لدار الخلود، وطلب العفو عما سلمه ونحو ذلك فهو الانتباه، فإذا قام به وبإثمده ودخل إلى سويدائه اكتملت عيناه من إثمده فزاح عنها ما كان بها من غشى ظلمة النفس واتباع الهوى، فصارت تبصر حقائق الأشياء وتدرك تفاوت ما بينهما فهو اليقظة.

فإذا أحطت علما بما ذكرنا، وبان لك مناسبة ترتيب الناظم لما انتحلنا، ورأيت بسبب ذلك حسن موقع قوله "تشاهدأنحاء النحات" البيت ممّا فيه، فيقول والله أعلم : وينزل بالعبد بعد حال الانتباه من رقدة الغفلة حال اليقظة، وهو وارد من الحق يهجم على قلبه فيرد ما كان فيه مكسوراً بصدمة المخالفة في غاية الجبر والتلافي لا مكان ربطه بملزم الانقياد والموافقة، شاهد وترى بسبب هذا الوارد مقاصد القاصدين، أي طره المتوجهين فتصعد منها على بصيرة ومعرفة منك بما قصدته طريقا ومسلكا سهلا للمرور فيه، ليس فيه وعر ولا صعوبة، وليس كل الناس متفقون في هذا فكل أحد وما يليق باستعداده وقابليته وما يلائم غريزته، فينشأ عن الاتصاف بما قدّمنا ذكره من المقدِّمات الثلاث على ما ينبغي به ومقام التوبة حال كونه موطئاً ...ممكنا فروقك، حصنه حصن مقام التوبة، فاقرع بابه وادْفَعِيه قرع مضطرٍّ صادق الرغبة في دخوله، صاحب لجإٍ وافتقار وانكسار كأنك غريق في بحر أو ضال في تيه، ففر كما ترى لعياذك إلى مولاك ولاترجو لنجاتك أحد سواه ، ليس لك حول ولا قوّة ولا شيء من الأسباب تستند إليه وتعتمد عليه. 

قال الشيخ أبو طالب رضي الله عنه : قال بعض العارفين في معنى قوله عز وجل : {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}[النمل:62] "أمَّن يُجيبُ المضطرّ، إذا دعاه المضطرّ الذي يقف بين يدي مولاه فيرفع يديه إليه بالمسألة، فلا يرى بينه وبين الله حسنة يستحق بها شيئا، فيقول : هب لي مولاي بلا شيء، فتكون بضاعته عند مولاه الإفلاس، ويصير حاله مع كل الأعمال الإياس، فهذا هو المضطر". 

وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : (إذا أردت الدعاء فقدِّم إساءتك بين يديك وقل : "يا رب" ولا شيء، تجد الإجابة طوع يدك)، فإذا قرعت بابه على هذا الموقف تتفتح لك الأبواب، ولا يكون بينك وبين الله حجاب، ويقبل معذرتك، ويقيل عثرتك،، ويعجل طلبتك ويصير الرجوع إلى الله، وعدم التعريج على المخالفة وطنك ومستقرك.



عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016