نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

حلية الأبدال وما يظهر من المعارف والأحوال/ابن عربي-4

فصل في (العزلة)


العزلة سبب لصمت اللسان، فمَن اعتزل الناس لم يجد من يحادثه فأداه ذلك الى الصمت باللسان. والعزلة على قسمين: عزلة المريدين وهي بالأجسام عن مخالطة الأغيار، وعزلة المحققين وهي بالقلوب عن الأكوان، فليست قلوبهم محلاً لشيء سوى العلم بالله تعالى الذي هو شاهد الحق فيها الحاصل من المشاهدة، وللمعتزلين نيات ثلاثة، نية اتقاء شر الناس، ونية اتقاء شر المتعدي إلى الغير، وهو أرفع من الأول، فإن في الأول سوء الظن بالناس، وفي الثاني سوء الظن بنفسه وسوء الظن بنفسك أولى لأنك بنفسك أعرف، ونية إيثار صحبة المولى من جانب الملأ الأعلى، فأعلى الناس من اعتزل عن نفسه ايثاراً لصحبة ربه، فمن آثر العزلة على المخالطة فقد آثر ربه على غيره، ومن آثر ربه لم يعرف أحد ما يعطيه الله تعالى من المواهب والأسرار، ولا تقع العزلة أبداً في القلب إلا من وحشة تطرأ على القلب من المعتزل عنه وأنس المعتزل إليه، وهو الذي يشوقه إلى العزلة، وكانت العزلة تغني عن شرط الصمت، فإن الصمت لازم لها، فهذا صمت اللسان.
وأما صمت القلب فلا تعطيه العزلة، فقد يتحدث الواحد في نفسه بغير الله تعالى مع غير الله تعالى، فلهذا جعلنا الصمت ركناً من الأركان في الطريق قائما بنفسه، فمن لازم العزلة وقف على سر الوحدانية الإلهية، هذا ينتج له من المعارف والأسرار أسرار الأحدية التي هي الصفة، وحال العزلة التنزيه عن الأوصاف سالكا كان المعتزل أو محققا، وأرفع أحوال العزلة الخلوة، فإن الخلوة عزلة في العزلة، فنتيجتها أقوى من نتيجة العزلة العامة، فينبغي للمعتزل أن يكون صاحب يقين مع الله تعالى حتى لا يكون له خاطرٌ متعلقٌ خارج عن بيت عزلته، فإن حُرِمَ اليقين فليستعد لعزلته قوته زمان عزلته زمان عزلته حتى يتقوى يقينه بما يتجلى له في عزلته لا بد من ذلك، هذا شرط محكم من شروط العزلة، والعزلة تورث معرفة لدنية.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق