نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

سلك الدرر في ذكر القضاء والقدر-4


وأما الاستدلال بالسنة : فقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه : :« يا ابن عباس أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ : احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعرَّفْ إلَى اللهِ فِي الرَّخاءِ يَعْرِفْك في الشِّدَّةِ ، واعلَمْ أنَّ ما أخطَأَكَ لم يَكُن لِيُصِيبَكَ ، وما أصابَكَ لم يَكُن ، ليُخطِئَكَ» زاد في رواية : "رُفِعَتْ الأَقلامُ وَطُوِيَّت الصُّحُف" أي ما أخطأك في الأزل، بحيث لم يكتب لك، لم يكن ليصيبك أبدا، خيراً كان أو شرًّا، حياة أو موتا. وقال عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة رضي الله عنه : «جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ مُلَاقِي يَا أبَا هُرَيْرَة» الحديث.

وقال صلى الله عليه وسلم : « كُلُّ شَىْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ» رواه مالك في الموطأ، وقال صلى الله عليه وسلم : «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» رواه البخاري وغيره. وقال صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ اللهَ وَكَّلَ بالرَّحِمِ مَلَكًا يَقولُ: يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ، فإذا نَفخَ فيهِ الرُّوح، قالَ: يا رَبِّ مَا الرِّزْق،وَمَا الأجَل ؟، شَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ» .

فيكتب ذلك في بطنِ أمِّه كله. أو كما قال عليه السلام، رواه البخاري ومسلم. وقال صلى الله عليه وسلم في تفسير حقيقة الإيمان : «أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَأَنْ تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». زاد في بعض الروايات : "حلوِّهِ ومُرِّه"، فالخير هو الطاعة والإحسان. والشر هو الكفر والعصيان، والحلو كل ما يلائمُ الإنسان، كالصحة والعافية، وأنواع الجمال. والمُرّ كل ما لا يلائم الإنسان كالمرض والفقر، والذل وسائر أنواع الجلال. فكل هذا سبق به القضاء والقدر، فمن شكّ في هذا فهو كافر إجماعاً، ومن اعتقده علماً، ولم يرض به عند نزوله ذوقاً فهو فاسقٌ إجماعاً. قال مالك رضي الله عنه : "مَنْ تَشَرَّعَ ولَم يَتَصَوَّف فَقَدْ تَفَسَّقَ". وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : "مَنْ لَمْ يَتَغَلغَل في عِلمِنَا هذَا مَاتَ مُصِراًّ علَى الكَبائِر، وهو لا يشعر"، فكل من لم يصحب أهل الصفا، لا يطمع أن يتّصف بالصفا. والصفا هو الرضى والتسليم بكل ما يبرز من عند الحكيم العليم. وقال عليه السلام : «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي ، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ أجلَها ، وتستوعِبَ رزقَها ، فاتَّقوا اللهَ ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ»  وقال عليه السلام : «فُرِغ رَبُّكَ مِن أربَعٍ : مِن خَلْقِ وخُلُقِ ورِّزْقِ وأجَلِ». رواه الطبراني في الأوسط، وفي رواية أحمد : «فرَغ اللهُ عزَّ وجَلَّ إلى كلِّ عبدٍ مِن خَمْسٍ : مِن أجَلِه رِزقِه وأثَرِه ومَضجَعِه، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ»  . والمراد بالأثر : الخطوات التي يمشيها، فإنها مكتوبة كما قدّمنان فقد قُسِّمت الأرزاق في الأزل الحسيّة والمعنويّة، كما قُسمت الآجال والخطوات، وكذلك المراتب والمقامات، كل ذلك جفّ به القلم، قالوا : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فَفيمَا العَمَل ؟ قال صلى الله عليه وسلم : «اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له»  فأما من كان من أهل السعادة فسيُيَسَّرُ لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ عليه الصلاة والسلام :{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}[الليل:10] فإن قلت : إذا كان القدر جرى بما يكون، ولا محيد للعبد عنه، فعلام يحاسب العبد ويُعذَّب ؟ قلت : قد جعل الله بحكمته الباهرة في العبد كسباً فيما يظهر له، يقصد به الخير والشر، وفي االحقيقة : هو مجرور بسلسلة القدر لكن الشريعة تنسب الفعل إليه، بسبب ذلك الكسب، فتقوم الحجة عليه. قال تعالى : {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}[الأنعام:149] فالملك ملكه، والعبد عبده، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}[الأنبياء:23] وكذلك أمر الرزق مُقسّم في الأزل، مضمون بكفالة الله تعالى، لكن اقتضت حكمته، تغطية أسرار الربوبية، فقرنته بوجود السبب عنده لا به. فلأنه منه وجودا، والغيبة عنه شهودا. نعم من تحقق بالتقوى، وانقطع إلى الله رزقه بلا سبب. قال تعالى : {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}[الطلاق:3] وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه : (لِلنَّاسِ أَسبابٌ، وسَببُنا الإيمانُ والتَّقْوَى. ثم قرأ : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}[الأعراف:96]، وسيأتي زيادة بيان في الكلام على الحكمة والقدرة إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق