نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

سلك الدرر في ذكر القضاء والقدر-7

سلك الدرر في ذكر القضاء والقدر-6

الباب الثالث
في بيان الحكمة والقدرة


اعلم فهمك الله سبيل رشده، وجعلك من أهل محبته ووده، أن بحر الحكمة بحر زاخر، وأمر ظاهر، يظهر الأسباب، ويسدل الحجاب، ويصون السر المصون، ويستر الكنز المدفون، يربط الأحكام بالعلل، ويقرر الشرائع والملل، يغطي ما يبرز من عنصر القدرة بردائه، ويستر ما يبدو من أسرار الربوبية، بعز كبريائه، يصون الحقيقة، ويظهر الطريقة، يظهر العبودية، ويبطن أسرار الربوبية، بعز كبريائه، يصون الحقيقة، ويظهر الطريقة، يظهر العبودية، ويبطن أسرار الربوبية، من وقف معه كان محجوبًا، ومن نفذ منه إلى شهود القدرة كان عارفًا محجوبًا، بالعناية مصحوبًا، وبحر القدرة أيضًا بحر زاخر، وأمره قاهر، ليس له أول ولا آخر، يظهر ويبطن، ويتحرك ويسكن، يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، بيده مقادير الأمور، وعلى قطب دائرته أفلاك التصاريف تدور، فإذا أرادت القدرة أن تظهر شيئًا من بحر القدر؛ الذي سبق في الأزل، غطّته الحكمة برداء الأسباب والعلل، ليبقى الكنز مدفونًا، وسر الربوبية مصونًا، وتظهر مزيّة العارف على الجاهل، ويتميّز الباعد من الواصل، والمؤمن من الكافر.

العارف الذي لا يرى إلا تصريف القدرة، ويعرف سر الحكمة، فلا يُحجب بها عن شهود القدرة، والجاهل يقف مع شهود الحكمة، ويحجب بها عن القدرة، العارف نفذ إلى شهود اللب الخالص، والجاهل وقف مع القشر الظاهر اليابس {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}[الزمر:9] العارف نظر إلى مسبب الأسباب، فزال عنه الحجاب، ودخل مع الأحباب، والجاهل وقف مع قشر الأسباب، وقنع بالوقوف من وراء الباب، العارف موصوف بالإقرار فيما يبدو من نوازل الأقدار، والجاهل موسوم بالإنكار لِما يظهر من حضرة القهار، العارف يتلقى ما يبرز من عنصر القدرة، بالفرح والسرور، لشهوده من بيده قدرة تصاريف الأمور، والجاهل من خصام الحق دائما وهو لا يشعر، ولذلك قال بعضهم : (مَن عامل الخلق بالشريعة طال خصامه معهم، ومن عاملهم بالحقيقة عذرهم، فالواجب ان يعاملهم في الظاهر بالشريعة؛ فيذكرهم، وفي الباطن بالحقيقة فيعذرهم). فتحصل من هذا، أن القدرة تبرز وتظهر، والحكمة تغطي وتستر، والحكمة عين القدرة، والقدرة عين الحكمة، إذ الفاعل واحد، فاعل السبب هو فاعل المسبب، لكن لا بد للشمس من سحاب، وللحسناء من نقاب، فما أظهرته القدرة من الأسباب والعلل، سمي حكمة، وما أبطنته من الإيجاد والاختراع، سمي قدرة، والفاعل واحد، فإذا سبق للعبد شيء من مقدورات الحق، جلالية أو جمالية، ووصل وقت نزول ذلك، حركه الله إلى سبب في الغالب، فينفذ ذلك المقدور بتصريف القدرة الأزلية، مستترا برداء الحكمة الإلهية، فالجاهل يقف مع قشر السبب، والعارف ينفذ إلى شهود مسبب ذلك السبب، وكذلك إذا سبق في الأزل، نزول بلاء في بلدة، حركهم إلى سبب ذلك، رغما على أنفهم، حتى يمضي أمر الله فيهم. قال تعالى : {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}[الإسراء:16]. ومن ذلك أمر الوباء إذا سبق قي قدر الله وقضائه، أن ينزل في مدينة أو قرية، في وقت معين ، جعل لذلك الحق بحكمته تعالى سببا وعلّة، فتنزله القدرة الأزلية، في الوقت الذي سبق به العلم القديم، مستورًا برداء الحكمة، وهو ذلك السبب، لتظهر مزية الإيمان بالغيب؛ لأن الدنيا دار التكليف، لا دار التعريف، بخلاف الآخرة. فيقول الجاهل : لولا فلان نقله ما انتقل، ويقول العارف : هذا ما سبق في حكم الأزل، وكذلك إذا نقلته القدرة إلى موضعها ومات. يقول الجاهل : لو لم ينتقل ما مات، وهذا اعتقاد من طبع الله على قلبه من الكفار. وقد نهى الله تعالى المؤمنين عن التشبه بهم، فقال : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}[آل عمران:156]. وقال الله أيضا : {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ}[آل عمران:154]إلخ. وسيأتي الكلام على الوباء في محله إن شاء الله. هذا ما يتعلق بالحكمة والقدرة، لمن فتح الله بصيرته، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق