نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

التربية النبويّة -18


العلم بما يصلح من طرق التزكية


وهذا أصل عظيم من أصول التزكية عند الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، إذ لا يجوز لأحد أن يتدخّل في هذا الشأن ما دام صاحب الإذن في التزكية موجود، ولقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأمر الجليل في حادث يؤصل لهذه الخاصية الأساسية.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:  (أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- يَطْلُبُ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ قَالَ: أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا وَلا أَجْمَلْتَ. فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ، وَقامُوا إِلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ كُفُّوا، ثُمَّ قَامَ وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَأرْسَلَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَزَادَهُ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَجَزَاكَ اللَّهُ مِنْ أَهْلٍ وَعَشِيرَةٍ خَيْرًا. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكَ قُلْتَ مَا قُلْتَ وَفِي نَفْسِ أَصْحَابِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بَيْنَ يَدَيَّ حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِي صُدُورِهمْ عَلَيْكَ، قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَوِ الْعَشِيُّ جَاءَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ قَالَ مَا قَالَ فَزِدْنَاهُ، فَزَعَمَ أَنَّهُ رَضِيَ أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَجَزَاكَ اللَّهُ مِنْ أَهْلٍ وَعِشِيرَةٍ خَيْرًا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَثَلِي وَمَثَلُ هَذَا، مثل رَجُلٍ لَهُ نَاقَةٌ شَرَدَتْ عَلَيْهِ، فَاتَّبَعَهَا النَّاسُ فَلَمْ يَزِيدُوهَا إِلَّا نُفُورًا، فَنَادَاهُمْ صَاحِبُهَا: خَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ نَاقَتِي، فَإِنِّي أَرْفَقُ بِهَا مِنْكُمْ وَأَعْلَمُ، فَتَوَجَّهَ لَهَا بَيْنَ يَدَيْهَا فَأَخَذَ لَهَا مِنْ قُمَامِ الْأَرْضِ، فَرَدَّهَا حَتَّى جَاءَتْ وَاسْتَنَاخَتْ، وَشَدَّ عَلَيْهَا رَحْلَهَا، وَاسْتَوَى عَلَيْهَا، وَإِنِّي لَوْ تَرَكْتُكُمْ حَيْثُ قَالَ الرَّجُلُ مَا قَالَ، فَقَتَلْتُمُوهُ دَخَلَ النَّارَ).1

إنَّ على موجب هذا النص، تترتب أحكام عدّة في علم التزكية، أولها : أن التدخل في شأن تزكية النفوس والأخد بيد الناس إلى الخير لا يجب أن يكون في حضرة المزكي المأذون، إنه الرسول صلى الله عليه وسلم،لأنه سيؤدي إلى عكس ما يتوخّى من مقاصد دعوته صلى الله عليه وسلم وهي الأخد بنفوس الناس بالرحمة واللين إلى الإيمان، ثانيها : أن الرفق والعلم من خصائص المزكي، ونجاح عملية التزكية، ثالثها : أن المزكي يكون له توجه خاص إلى المزكى بحسب ما يصلح له من الأساليب والطرق التي تنجيه من رعونات نفسه.

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قالَ: فَضَرَبَ بيَدِهِ علَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قالَ: يا أَبَا ذَرٍّ، إنَّكَ ضَعِيفٌ، وإنَّهَا أَمَانَةُ، وإنَّهَا يَومَ القِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إلَّا مَن أَخَذَهَا بحَقِّهَا، وَأَدَّى الذي عليه فِيهَا.2

عَن عُثمانَ بنَ أبي العاصِ، قالَ : يا رَسولَ اللَّهِ اجعَلني إمامَ قَومي ، قالَ : أنتَ إمامُهُم واقتَدِ بأضعفِهِم واتَّخِذ مؤذِّنًا لا يأخُذُ على آذانِهِ أجْرًا.3

فقد منع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر من أن يكون عاملًا، أو يتولى إمارة وذلك لضعفه على تحمل مشاقها ومخاطرها رحمة به، وأجاب عثمان بن أبي العاص إلى طلبه بأن يكون إمام قومه لعلمه صلى الله عليه وسلم بقدرته وكفاءته في ذلك، فهذا السلوك يبين تنوع تصرفه صلى الله عليه وسلم في من طلب أمرًا عظيمًا من أمور الدنيا والدين، كالإمارة والإمامة،، انطلاقًا من علمه بما يصلح للطالب.

وقَبِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مال أبي بكر كله، فلما قال له صلى الله عليه وسلم : "مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ ؟ قَالَ : أَبْقَيْتُ لَهُمْ اللهُ وَرَسُولَهُ".4

ولم يقبل كل مال كعب بن مالك فقد قال كعب بن مالك : يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ مِن تَوْبَتي أنْ أنْخَلِعَ مِن مَالِي صَدَقَةً إلى اللَّهِ وإلَى رَسولِ اللَّهِ، قَالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ؛ فَهو خَيْرٌ لَكَ، قُلتُ: فإنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذي بخَيْبَرَ.5

**  **  **
1 - مجموع الزوائد ومنبع الفوائد للحافز الهيتمي
2 - صحيح مسلم.
3 - سنن أبي داود.
4 -سنن الترمذي.
5 - صحيح البخاري

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق