بين أصالة السلوك وإفلاس الأدعياء: كيف شُوهت صورة التصوف المغربي؟
غير أن المتابع للمشهد اليوم يلاحظ تحولاً خطيراً ينذر بظهور نمط هجين من "التصوف الجديد"، يقوده أدعياء للمشيخة يمارسون الخصومة بأساليب لا تمت لجوهر التصوف وأخلاقه بأي صلة.
أولاً: التاريخ ينسخ الشاذ.. التصوف لم يكن خصماً للدولة
إذا عدنا إلى مدونات التاريخ المغربي، نجد أن الطرق الصوفية لم تُسجل موقفاً نداً أو خصماً للدولة والسلطة المركزية، بل كانت دوماً سنداً جامعاً للأمة. واستثناءً من هذه القاعدة، كانت تجربة "الزاوية الدلائية" التي حاولت في مرحلة معينة منافسة السلطة والاصطدام بها، فكان مصيرها الاندثار والطي النهائي في صفحات التاريخ.
لقد أدرك رجال التصوف الصادقون على مر العصور أن المشيخة مقامٌ لخدمة الخلق والتربية الإيمانية، وليس منبراً لتأسيس "زعامات معنوية" تبتغى بها أهداف دنيوية أو صراعات نفوذ.
ثانياً: من أدبيات النصيحة إلى فجر الخصومة
من المعلوم في أدبيات السلوك الإحساني أن "الشيخ والمريد" أولى الناس بتمثل قيم القبول بالنصيحة والموعظة الشرعية. فإذا ما قدم مسلمٌ نصيحة تدخل في نطاق "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، كان الأصل في المريدين ومشايخهم التواضع والاحتساب.
لكن الواقع المعاصر يكشف عن صورة مغايرة تماماً:
- تجييش الأتباع: تحويل المريدين إلى كتائب إلكترونية تُساق بلا تفكير.
- سوء الأخلاق في الصراع: الذهاب إلى أقصى درجات الفجور في الخصومة ضد كل من يجرؤ على إبداء رأي أو توجيه نصيحة.
- تصفية الحسابات: اللجوء إلى التشويه الشخصي والطعن في الذمم بدلاً من النقاش العلمي والأخلاقي.
ثالثاً: الإعلام والتواصل الاجتماعي.. أدوات الإفلاس الأخلاقي
لقد ألفنا اليوم مشاهدة ظاهرة تسخير الوسائط الرقمية والإعلامية الحديثة من طرف بعض المجموعات الصوفية لتنفيذ حملات "تصفية معنوية" ضد المخالفين.
"إن الاستقواء بالأعوان في الداخل والخارج، واستغلال الشبكات الاجتماعية للطعن في النزهاء والمصلحين، ليس إلا دليلاً قاطعاً على الإفلاس التربوي والأخلاقي."
فالشيخ الذي يحتاج إلى وسائل الإعلام وترهيب مخالفيه لحماية صورته، هو شيخٌ فقدَ سلطته الروحية الحقيقية وسقط في فخ البحث عن السلطة الزمنية والمادية.
ملامح "التصوف الجديد":
- الاستكبار بدلاً من التواضع: تحول الشيخ إلى مركز لا يأتيه الباطل، والمريد إلى أداة هجوم.
- التكالب على النفوذ: السعي الحثيث نحو مشروعية جماهيرية متسترة بعباءة الدين.
- غياب الإحسان: غلبة لغة التهديد والسباب على لغة الرحمة والرفق.
خاتمة: عودة إلى الجوهر
إن حماية التراث الصوفي المغربي وتنقيتها من الدخلاء تتطلب جرأة في كشف أدعياء المشيخة الذين شوهوا مفاهيم التربية الروحية. فالتصوف الحقيقي سيظل مظلة للفضيلة والأخلاق العالية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتعايش مع بذر الأحقاد، وسوء الأخلاق، والتهافت على السلطة.