recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

سعة الدعوة بين جناحي الحياء و الحلم عند الشيخ سيدي حمزة


الحياء عند الشيخ سيدي حمزة: 

فبخصوص الحياء يقول النبي صلى الله عليه و سلم :" فإن الحياء من الإيمان
و إن " لكل دين خلقا و إن خلق الإسلام الحياء"و شيخنا سيدي حمزة قد جمع خلق الحياء من أوجهه و مستوياته بحسب ضروراته في مجال الدعوة و التربية، من مظاهره سكوته عن هفوات مريديه في حضرته طالما أنها لم تتجاوز حدود الشرع المقتضي الوقوف عندها حتى 

لا يختل المجلس و يساء الأدب فيه بواحا، إذ أنه لا يقهر أحدا في حضرته أو على الملأ مهما كبر شأنه أو صغر، لأنه مربي و وارث محمدي، و حتى إذا كان مؤدبا ومنبها أحدا و لا بد فإنه لا يشهر به و لا يسبه أو يوبخه بالإنتهار أو الطرد أو الزجر المنفر، و إنما هو توجيه باللطف أو بالصرف أو بالسكوت و الإشارة... الخ و هذا إن كان في حق ملازميه و مكثري مجالسته، أما بالنسبة إلى زواره من المريدين فقد يجدون حسن استقبال و خفض جناح و هدوء مذاكرة و صدق نصيحة وتوجيه، و ما صمته و قلة كلامه في عدة تجمعات إلا دليل على حيائه وعلو همته، كما يقول ذو النون المصري: " الحب ينطق و الحياء يسكت و الخوف يقلق". 

و شيخنا قد جمع بين مظاهر الحب و الحياء و الخوف، فظهر بمظهر الناطق حيث يقتضي المقام الكلام و بالساكت حيث يلزم الأسلوب الصامت، و مع ذلك فحياؤه لا يمنعه من تنبيه مريديه أو توجيههم و تأديبهم حيث يقتضي المقام التأديب أو التأنيب، و ذلك في أغلب الأحيان بالإشارة والكناية، بل بالسكوت أيضا حيث يفهم المريد أن شيخه إما راضي عن حاله أو غير راضي، حتى إنه في كثير من الأحيان قد يزدحم الزوار عليه في مقر إقامته فيطيلون الجلوس و ربما قد يغفلون عن أدب الزيارة حيث يستأنسون لحديث فيستحيي منهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحيي حتى نزلت الآية الخاصة بذلك في قول الله تعالى:" و لا مستأنسين لحديث، إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم و الله لا يستحيي من الحق ". 

و استحياء الشيخ في أغلب هذه المناسبات قد يكون بالسكوت أو باللجوء الى التسبيح أو تكرار النظر الى ساعة الحائط عسى أن يفهم بعض المريدين أو الحاضرين إشارته و يدركوا انتهاء موعد زيارتهم. و قد يزعم البعض أن الشيخ ربما يتحكم في مريديه على شكل استبداد أو طاعة عمياء أو إلزام إجباري مغلف بتهديد أو وعيد، غير أن الأمر ليس كذلك بالمرة، لأن سلطة الشيخ على مريديه لا إرادة فيها سوى المحبة و التصديق بصدقه وعلو همته في الطريق الى الله تعالى، إذ الذي يستحيي لا يكون مستبدا أبدا و لا يجبر غيره بشيء حيث يمنعه الحياء من نفسه فكيف من غيره. 

و من مظاهر حياء الشيخ و علو همته في هذا المجال هو أن يكون حياؤه من مريديه أو تلميذه، و هذه حالة حدثت لي مع شيخي شخصيا، قد تكررت وتتكرر في حق الكثير من المريدين الذين لهم اتصالات مكثفة بالشيخ إذ ذات مرة حيث كنت ملتزما الاعتكاف بالزاوية في شهر غشت، فأردت أن أنصرف الى بيتي بعد قضاء فترة محدودة، فلما زرت الشيخ استأذنته في الانصراف، فأذن لي دون أي اعتراض، وبعد ذلك بوقت قصير زاره أحد الإخوان من المريدين لي به صلة عائلية، فذكر له الشيخ استئذاني و أبدى رغبته أن لو مكثت في الزاوية معتكفا و مساهما ببعض الدروس وكذا الاتصالات مع الفقراء إفادة و استفادة. 
فلما أخبرني ذلك الأخ بموقف شيخي، راجعته في هذا الإذن فقال لي بالحرف: " إني أستحيي بك (أي منك)، و لهذا لم أرد أن أعترض على استئذانك بالانصراف". مما جعلني أخجل من نفسي و ألومها على بطء فهمي لإشارة شيخي و رغبته بإقامتي في الزاوية حين استأذنت بالانصراف، وذلك لأنني تركت شيخي يستحي مني بينما كان من المفروض أن أستحيي منه ابتداء، إذ لم يكن يريد بإقامتي في الزاوية سوى مصلحتي و ترقيتي روحيا وسلوكيا. 
و هذا نموذج من عدة صور يظهر فيها الشيخ بهمة الحياء حتى قد يظن الغافل منا أنه راض عن تصرفاته بينما يكون الأمر عكسه، و مع ذلك فقد يتجاوز الشيخ عن مريديه حياء و مراعاة لنفوسهم، إذ لكل مقام حال ومقال. 

و تلازما مع الحياء يكون الحلم الذي هو صفة الأنبياء و الأولياء، إذ "كاد الحليم أن يكون نبيا" كما ورد، و الشيخ من أحلم أهل زمانه، و هو يتصف بحلم الدعوة، فقد يسيء بعض الناس الأدب في حضرته و ربما قد يبدون اعتراضاتهم بدون تحفظ على ركن من أركان طريقته، و مع ذلك فلا يصدر منه غضب أو مراء أو حقد أو طرد للمعترض و لو كان وسط المجلس و مظنة التشويش على المريدين، وإنما تكون معالجته للموضوع إما بالصمت أو بالصرف الى موضوع آخر بأسلوب لا يثير الانتباه، أو الانتقال بالمجلس الى نشاط سماعي أو ذكر حتى تمر الجلسة بخير و لا يتأذى الذاكرون و ضعاف المريدين باعتراضات أو مجادلات البعض ممن لا يقدرون للمجلس و الجليس قيمته و همته. 
و مثل هذه المجادلات أو الاعتراضات بحضرة الشيخ ناذرا ما تقع لأن همته و هيبته و وقاره يكون حائلا دون الوقوع في دوامة المهاترات واللجاج أو المراء بحق أو بغير حق، كما أن الملاحظ على تجمعات الطريقة هو الانضباط بغير حراسة أو هيبة سلطة ظاهرة، فقد يتوفر عدد الحاضرين مما يزيد على الآلاف و مع ذلك فلا تسمع صخبا أو اضطرابا و لا فحشا أو جدلا أو فسوقا، بحيث أن الجانب الروحي يكون مغلبا و المراقبة به تكون مضمونة لقيام الطريقة في دعوتها و همة شيخها بالله تعالى.

و قد يظهر حلم الشيخ أيضا فيما يخص مريديه، و فيما يتعلق بمعارضيه أو مباعديه، إذ الحلم مع المريدين يدركه جلهم بدون استثناء، ويعلمون أن شيخهم بمثابة أب رحيم، و خير ناصح لأبنائه و تلامذته من أجل خيري الدنيا و الآخرة، و من هنا فلن يصيبهم من جهته أذى أبدا، لأنهم يعلمون أن عقوبته لم و لن تكون مؤلمة لهم مهما بذر منهم من تقصير أو أخطاء في السلوك، اللهم إلا ما كان من خوف الباطن عند الاصرار على الخطايا، أو التهاون في تكرارها، و هذا أقوى المخاوف عند خلص المريدين و الفقراء، إذ علاقة المريد بشيخه ليست مظاهر ومجاملات، و إنما هي علاقة شرعية مشروطة بالصدق و الإخلاص في سلوك الطريق على وثيرة منتظمة و ثابتة.

و لهذا فالمريد المتقدم في الطريقة ذوقا و ترقيا سلوكيا سرعان ما يشعر بعقوبة خطإه أو غيه على مستوى روحي و ذوقي، يحس بأثره كأنه يهوي به سبعين خريفا إن هو كذب أو ارتكب ما لا يجوز فعله شرعا، و من ثم فقد يتخلى عن الركب و يشعر بالغربة في حاله و نفسه على غرار ما حدث للصحابة الثلاثة: " الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت و ضاقت عليهم أنفسهم و ظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم". 

فالانتماء في الطريقة له مستويات، و تعامل الشيخ مع المريدين بحسبها، فهناك صحبة السلوك و صحبة حب الاستطلاع و الارتفاق المؤقت . . .الخ 
و كل هذه الصور قد يقبل بها الشيخ ظاهريا و معاملة بالحسنى والحلم، إذ في نظره أن كل من لجأ إلينا فهو منا، بل من أدعيته: " اللهم اجعل كل من نظر إلينا يربح". 
و من هنا فقد يوجد تفاوت بين سلوك المريدين ما بين الأعلى والأدنى والصحيح و الضعيف، إلا أن صحبة السلوك تبقى محور الطريقة وغايتها الدعوية، لأنها صحبة تكوينية تربوية تظهر فيها همة الشيخ ومستوى مقامه وكفاءته في التربية و الإصلاح و نقل المريدين من حال الى حال، ومن مقام الى مقام و من غيبة الى حضور، و لهذا فخطابه مع هذا الصنف يكون عميقا جدا، وخاصا و ملحا في تطبيق مقتضيات الشريعة من خلال منهج الطريقة و توظيفاتها لها لتحصيل التزكية بعدما حصل لهم العلم بها. 
و من ثم فقد تكون لهجته متسمة بالحرص و الصرامة في توجيه المريد على هذا المستوى، و حثه على تفادي الأعذار فيما يخص تبريره التقاعس عن القيام بمستلزمات الطريقة العملية لتأهيله للدعوة و تبليغ الإسلام على وجهه الروحي الصحيح، و بالفهم الدقيق و المحقق. 
أما فيما يخص من دون هذا المستوى، فالشيخ قد يكتفي بالتوجيه العام نحو الأذكار و حضور المجالس العامة، و قبول الاعتذار ممن لم يحضرها، أو حتى ممن لم يكثر الزيارة، بل يتعدى الأمر الى توصية خلص المريدين و طالبي صحبة السلوك لأن يتجاوزوا عن هفوات إخوانهم ممن لم تستحكم في نفوسهم معاني الطريقة و لم تحصل لهم القدوة الروحية المباشرة بشيخهم، بحيث قد يضرب أمثلة كثيرة من بينها السعي الى سد الفجوات وترقيع الإنشقاقات بالخيط الأبيض، أو بمثال المستشفى و حال المرضى فيه ما بين المريض المزمن والمريض العارضي، و المتماثل للشفاء و المتشافي . . . و هكذا. 
و قد ينتاب بعضنا في فترات نوع من مظاهر التشدد عند محاولة إصلاح بعض الأخطاء الصادرة من بعض الإخوان الفقراء، فنتكلم بلغة عنيفة في حقهم لغاية أن نطالب الشيخ باتخاذ عقوبات زجرية توقفهم عند حدهم أو تشعرهم بغضبه و عدم رضاه عن تصرفاتهم. 
لكن هذا الانفعال و الاندفاع من أجل التصحيح بالعنف قد لا يجد أذنا صاغية من طرف الشيخ، لأن حلمه قد يغلب غضبه. 
و أذكر ذات مرة أنه قال لي وأنا مستاء من تصرفات بعض الإخوان: أتريد أن يكون الكل على شاكلة واحدة، أو بمعنى آخر: أتريد أن تسقط على الكل ما تتخيله و تتصوره في فكرك و تأمله في نفسك؟ فنحن في زمان لا نسعى إلا الى تحصيل البقية الباقية من بركة الإسلام، أو كما قال، إذ زمننا " القابض فيه على دينه كالقابض على الجمرة" كما ورد في الحديث الصحيح، و من ثم ضرب لي مثالا رائعا و نموذجيا في حلم الدعوة وتحبيب الإسلام الى النفوس قال فيه: كيفما كانت أحوال بعض الإخوان الفقراء تبدو غير لائقة أو مقبولة و جادة فإننا ينبغي أن نلم الجميع بالعناية و الرعاية والحلم، و هل يليق بنا أن نطرد من لجأ إلينا محتميا بنا؟! . و ذلك باستعارة مثال الداخل تحت الجناح ليحتمي به، فهل من دخل تحت جناحك قد تطرده؟ كلا! ثم بين لي رضي الله عنه عملية الدخول تحت الجناح بثوبه و طيه على نفسه ملما و شاملا من اختبأ تحت طياته و ظلاله. 
إنه مثال من أروع ما سمعته في حلم الدعوة كاد يصعقني بوارده لما جال في خاطري معناه و متخيله صورة و ذوقا، و هو اقتداء كلي بسيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم مركز الحلم و مدرسته في خفضه جناحه للمؤمنين و امتثاله لقول الله تعالى: "فاعف عنهم و استغفر لهم و شاورهم في الأمر" و قوله تعالى :"وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ" الآيات.

محمد بنعيش

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016