الجمعة، 13 مارس 2015

الفناء الصوفي

قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: (فاعلم أنَّ الفناء مصدر فني يفنى فناء إذا اضمحل وتلاشى وعدم، وقد يطلق على ما تلاشت قواه وأوصافه مع بقاء عينه، كما قال الفقهاء: لا يقتل في المعركة شيخ فان، وقال تعالى {كلّ مَن عليها فان} [الرحمن/ 26]، أي هالك ذاهب، ولكنَّ القوم اصطلحوا على وضع هذه اللفظة لتجريد شهود الحقيقة الكونية، والغيبة عن شهود الكائنات).
الفناء مِنَ المصطلحات التي تداولها مَنْ يعنون بالتزكية النبوية المباركة وغيرهم في فترة مِنْ الفترات وتعاملوا بها للتعبير عن حالة خاصة مِنَ المحبة، فهو بيان لدرجة مِنْ مراتب المحبة  يغيب فيها المحب عن محبوبه حبا يجعله منساقا لكلّ مراده فلا يملك إلا الطاعة لأوامره وحُبِّ كلّ ما يتعلق به.
فالفناء في الشيخ  يكون إذا حصلت  المحبة له، وهو متّصل بسيّدنا المصطفى صلَّى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه أهل الفضل والوفا بالسند الصحيح، عندها يترك المريد مراده لمراد شيخه، ومراده هو أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم وبالنتيجة فمحبة الشيخ  تُسهِّل على السالك  تطبيق شريعة الله على أكمل الوجوه. وإنَّما يتحقق الفناء به مِنْ خلال اتباعه بحيث يتخلق السالك بأخلاقه، ويتحلَّى بأحواله، ويعمل بتوجيهاته، ويلتزم إرشاداته، على وفق الآداب المقررة ولعل بعضا ممَّا يشير إلى هذا المعنى قول سيّدنا عبد الله بن مسعود رضي الله سبحانه عنه (لقد أحببت عمر حتى لقد خفت الله، ووددت أنَّي كنت خادما لعمر حتى أموت) الإمام الهيثمي رحمه الله تعالى في مجمع الزوائد.
أمَّا الفناء في حضرة خاتم النبيين صلَّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أجمعين فهو أصل مِنْ أصول الدين وهو المقصود بما روى الإمام  البخاري رحمه الله سبحانه (كنَّا مع النبي صلَّى الله عليه وسلّم، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنتَ أحبُّ إليّ مِنْ كلّ شيء إلا مِنْ نفسي، فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم:  لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنّه الآن، واللهِ لأنتَ أحبُّ إليّ مِنْ نفسي، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: الآن يا عمر) وكذلك في قول حضرة النبي المكرَّم صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم (ثلاث مَنْ كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أنْ يكون اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه ممّا سواهما، وأنْ يحبّ المرء لا يحبّه إلا لله، وأنْ يكره أنْ يعودَ في الكفر كما يكرهُ أنْ يُقْذَفَ في النار) الإمام البخاري رحمه الرحمن تبارك اسمه.
والفناء في الله تقدّس وتنزّه هي المرتبة التي أشار إليها الحديث القدسي، فعن سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه أنَّه قال (إنَّ الله قال: مَنْ عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممَّا افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته: كنتُ سمعه الذي يَسمعُ به، وبصرَهُ الذي يُبصرُ به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإنْ سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكرهُ الموتَ وأنا أكرهُ مساءته) الإمام البخاري رحمه ربّنا الباري عزَّ كماله، فاستقامة سمع العبد وبصره وحركاته وسكناته مع مراد القدوس جلَّ ثناؤه في جميع أوقاته ثمرة مِنْ ثمار المحبة ويسمّى فناءً.

قال الشيخ ابن تيمية رحمه ربّ البرية جلّ وعلا  في مجموع الفتاوي (فإنَّ الفناء ثلاثة أنواع (أذكر منها اثنين) نوع للكاملين مِنَ الأنبياء والأولياء ونوع للقاصدين مِنَ الأولياء والصالحين ونوع للمنافقين الملحدين المشبهين فأمَّا الأول فهو الفناء عن إرادة ما سوى الله بحيث لا يحب إلا الله ولا يعبد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يطلب غيره وهو المعنى الذى يجب أنْ يقصد بقول الشيخ أبى يزيد حيث قال أريد أنْ لا أريد إلا ما يريد أي المراد المحبوب المرضى وهو المراد بالإرادة الدينية وكمال العبد أنْ لا يريد ولا يحبّ ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وأحبه وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب ولا يحبّ إلا ما يحبه الله كالملائكة والأنبياء والصالحين وهذا معنى قولهم في قوله تعالى {إلا مَنْ أتى الله بقلب سليم} [ الشعراء/89]، قالوا هو السليم ممَّا سوى الله أو ممّا سوى عبادة الله أو ممّا سوى إرادة الله أو ممَّا سوى محبة الله فالمعنى واحد وهذا المعنى إنْ سُمّى فناء أو لم يسمّ هو أول الإسلام وآخره وباطن الدين وظاهره.
أمَّا النوع الثاني فهو الفناء عن شهود السوى وهذا يحصل لكثير مِنَ السالكين فإنَّهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته وضعف قلوبهم عن أنْ تشهد غير ما تعبد وترى غير ما تقصد لا يخطر بقلوبهم غير الله بل ولا يشعرون كما قيل في قوله سبحانه {وأصبح فؤاد أمِّ موسى فارغا إنْ كادت لتبدى به لولا أنْ ربطنا على قلبها} [القصص/10]، قالوا فارغا من كل شيء إلا من ذكر موسى وهذا كثير يعرض لمن فقمه أمر من الأمور إمَّا حب وإمَّا خوف وإمَّا رجاء يبقى قلبه منصرفا عن كلّ شيء إلا عمَّا قد أحبه أو خافه او طلبه بحيث يكون عند استغراقه في ذلك لا يشعر بغيره فإذا قوى على صاحب الفناء هذا فإنَّه يغيب بموجوده عن وجوده وبمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته حتى يفنى مَنْ لم يكن وهى المخلوقات المعبدة ممَّن سواه ويبقى مَنْ لم يزل وهو الرب تعالى والمراد فناؤها في شهود العبد وذكره وفناؤه عن أنْ يدركها أو يشهدها).

وقال الشيخ ابن القيم رحمه الله سبحانه في المدارج الفناء الذي يشير إليه القوم ويعملون عليه :أن تذهب المحدثات في شهود العبد وتغيب في أفق العدم كما كانت قبل أن توجد ويبقى الحق تعالى كما لم يزل ثمّ تغيب صورة المشاهِد ورسمه أيضا فلا يبقى له صورة ولا رسم ثمّ يغيب شهوده أيضا فلا لا يبقى له شهود ويصير الحق هو الذي يشاهد نفسه بنفسه كما كان الأمر قبل إيجاد المكونات وحقيقته :أنْ يفنى من لم يكن ويبقى مَن لم يزل حتى قال: … وليس مرادهم فناء وجود ما سوى الله في الخارج بل فناؤه عن شهودهم وحسهم).

Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: