حقيقة التوحيد


يقول الجنيد: " غاية حقيقة توحيد الموحد: أن يكون العبد كما لم يكن و يبق الله كما لم يزل"، و كلام الجنيد كما اتفق علماء التصوف على تفسيره يشير إلى الميثاق الذي أخذه الله على آدم و ذريته عندما استخرجهم من ظهر آدم عند خلقه كهيئة الذر شاهدين على أنفسهم بالعبودية و لله بالربوبية و ذلك سابق على خلق الشخص و كونه جنينا في بطن أمه، و هذا هو المقصود في الآية القرآنية:"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا" فغاية توحيد الموحِد أن يعود إلى نفس الحالة من العبودية المطلقة ، و الاعتراف للرب بالربوبية الكاملة ، و هو ما أوضحه يوسف بن الحسين فقال: "توحيد الخاصة أن يكون العبد بسره، ووجده، وقلبه، كأنه قائم بين يدي الله، تجري عليه تصاريف تدبيره، و تجري عليه أحكام قدرته، بالفناء عن نفسه،و ذهاب حسه بقيام الحق له في مراده منه، فيكون كما كان قبل أن يكون يعني في جريان أحكام الله عليه، و إنفاذ مشيئته فيه"، و تصاريف تدبير الله وأحكام قدرته بمعنى تصريفه لأمور الكون و الخلق تجري على الموحد و الكافر،ولا راد لها إنما أراد يوسف بن الحسين أن تهيمن هذه الحقيقة على سر، ووجدان العبد، وقلبه، وأن يذهب حسه عن غيرها، فيكون محققا لتمام عبوديته، و مستحضرا بالكلية حقيقة ربوبية الله في فترة حياته الجسدية كما كان كذلك في عالم الذر، فيكون من أثر ذلك أن يجري على أحكام الله (بالمعنى الشرعي) ، و أن ينفذ مشيئة الله فيه، وهي قوله تعالى "و ما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون"، هكذا فإن دائرة التوحيد عند أهل التصوف لا تكتمل إلا بتحقق العبودية الكاملة لله ، و الخضوع المطلق لأوامره و نواهيه، فليس بموحد التوحيد الكامل عندهم من اكتفى بالاعتراف بالتنزيه لله عن الحدث كحقيقة عقائدية فحسب، وليس بموحد تمام التوحيد من تحدث عن المقامات و الأحوال إلا أن يصل إلى مقام العبودية التامة.
و الصوفية يطلقون على مقام العبودية التامة "مقام الحرية"، وقد يبدو ذلك لأول مرة متناقضا، لكن لا تناقض فيه لأن العبودية التامة لله لا تكون إلا بالتحرر التام عن طاعة كل ما سوى الله، فلا يطاع مخلوق إلا من حيث أن طاعته طاعة لله، و لا يطاع الشيطان في وسوسته، ولا النفس في شهوتها بالتلذذ بالمتع، و الابتعاد عن المشاق قال القشيري: "واعلم أن حقيقة الحرية في كمال العبودية، فإذا صدقت لله تعالى عبوديته خلصت عن رق الأغيار حريته"، ثم يحذر القشيري من أن يخدع ظاهر اللفظ أحدا فيتصور أن الحرية تخلص من تكاليف العبادات الشرعية يقول: " فأما من توهم أن العبد يسلم له أن يخلع وقتا عذار العبودية، ويحيد بلحظة عن حد الأمر والنهي و هو مميز في دار التكليف فذلك انسلاخ من الدين، قال الله-سبحانه- لنبيه: "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين"، و من أدق كلامهم في هذا الأمر أن كمال العبودية عندهم هو تحرر الإنسان من العبادة لأجل الرغبة في النعيم الأخروي و الهبة من العذاب الأخروي، و لقد تحدث قوم في هذا المعنى ، و ادعوا أنه مخالف للعقيدة الإسلامية ، و للأمر الإلهي "و ادعوه خوفا و طمعا" و إنما جاء ذلك من عدم فهمهم لدقيق معاني أهل التصوف، فهم ما قصدوا عدم الرغبة في الجنة ، أو الخوف من عذاب النار، و لا ترك الدعاء لله بسؤال الجنة و الاستعاذة من النار، و إنما قصدوا ألا تكون النية من العبادة التوصل للنعيم الأخروي، و الهروب من الشقاء الأخروي ، و إنما القيام بحق الربوبية بحيث لو تصور عدم وجود الجنة والنار لما ترك العبد العبادة، كذلك أن لا يتصور الإنسان أن الجنة تنال بالعبادة وقد أوضح هذا المعنى السراج الطوسي في اللمع فقال: "تكلم قوم من المتقدمين في معنى الحرية و العبودية على معنى أن العبد لا ينبغي له أن يكون في المقامات التي بينه وبين الله تعالى كالأحرار، لأن من عادة الأحرار طلب الأجرة، وانتظار العوض،و ليس عادة العبيد كذلك، لأن العبد لا ينتظر على عمله أجرة ولا عوضا،فمتى طمع في شيء من هذا فقد ترك سمة العبيد، لأن العبيد إن أعطاهم ربهم عطية على ما أمرهم به ، واستعملهم فيه كان ذلك من تفضل مولاهم عليهم لا باستحقاقهم." فكلام السراج واضح هنا أن سؤال الله الجنة، و النجاة من النار يجب ألا يكون بنية طلب العوض على العمل، أو الأجر المستحق ، و إنما طلب للفضل من الله، و هذا كلام متفق مع الذي أجمعت عليه الأمة أهل السنة و الجماعة.
مما سبق جميعا يتضح أن التوحيد عند أهل التصوف باعتقاد التنزيه، ثم إدراك الوجود الإلهي في العالم إما بطريق العلم أو بطريق الذوق و الكشف و الشهود، ليكون محصلة ذلك الوصول لمعام العبودية الكاملة لله، والحرية التامة من من عداه، وما سواه، لحصول الوعي التام أن الله هو الحقيقة السرمدية الوحيدة، وأن ما عداه فناء مثلما قال لبيد وأقر صحة كلامه النبي (صلى الله عليه وسلم) : "ألا كل شيء ما خلا الله باطل"، و إلى هذه المعاني يشير الجنيد بقوله: التوحيد خروج من ضيق رسوم الزمانية إلى سعة فِناء السرمدية" (الفناء في الجملة بكسر الفاء، و هو البراح المتسع، وليس الفناء بفتح الفاء و هو الحال الصوفي الذي أشرنا له سابقا)
و تحقق مقام العبودية التامة والحرية التامة ليس يدعيه كل من أتى بغوامض الكلام، و بليغ الأشعار، وإنما يظهر على الإنسان من خلال الإستقامة مع الله، و حسن المعاملة مع الخلق، و هو ما أكده الغزالي في رسالته (أيها الولد) إذ يقول: "ثم اعلم أن التصوف له خصلتان: الاستقامة، و السكون عن الخلق، فمن استقام و أحسن خلقه بالناس ، وعاملهم بالحلم فهو صوفي".
و هذه الخلاصة هي أهم ما يميز المنهج الصوفي في التوحيد، فبينما يقف أهل الظاهر من المتكلمين و علماء التوحيد عند المناقشة العقلية لقضايا الأسماء و الصفات، و نحوها ، و يختلفون ثم يشتجرون،ثم أنك تقرأ المجلد الضخم من مصنفاتهم، فما تشعر أنك أزددت إيمانا، ولا امتلأت يقينا، فإن الصوفي الحق يبدأ من أرضية الإيمان العقائدي الصحيح (كما يقول الغزالي أن بداية الأمر إيمان صحيح لا بدعة فيه) ، ولكنه لا يظل يدور حول نفسه في محيط الجدليات الكلامية، بل يسلك منهجا من المجاهدات، و الطاعات، يهدف إلى امتلاء سره و وجدانه بالتوحيد بحيث يصبح الحقيقية الوحيدة التي يفهم، ويشعر بها، ثم يرى نفسه ، و البشر و سائر العالم من خلالها، فيصل للعبودية الكاملة التي تنعكس سلوكا شخصيا و اجتماعيا، و هذا يذكرنا بقول عمار بن ياسر الصحابي : ثلاثة أصل الإيمان، بذل السلام للعالم، و الإنصاف من النفس، و الإنفاق من الإقتار،فهذه الثلاثة تجمع بين خصلتي الاستقامة، و الإحسان للخلق اللذين أشار إليهما الغزالي.

شارك هذا

الكاتب:

0 Please Share a Your Opinion.: