نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

شيخ الطريقة البودشيشية والمناعة الروحية المتصلة

قد يكون من الغلط الفظيع أن يوظف الإعلام مرئيه ومسموعه ومكتوبه و مقروءه وبأدواته الماكرة الواهية والبائدة في نفس الوقت لخلخلة حقل عالم الروح وطريقة الأولياء وصمام أمن وصلاح هذه الأمة وللتشكيك في منهجهم وسلوكهم وخاصة الطريقة القادرية البودشيشية والمتمثلة حاليا وبعد عمر طويل في شيخها سيدي حمزة حفظه الله وبارك له في صحته وسره ومدده وذريته ومريديه.

فالطريقة بشيخها الحالي ستبقى مستعصية على الخلخلة أو التشكيك في الكفاءة والقيادة والزعامة ،كما يحلو للبعض إسقاطا وصف أعمالها ومنهجها حيث لا زعامة هناك ولا قيادة ولا تخطيط ولا فبركة ،وإنما لديها شيخ روحي رباني مربي ووارث محمدي بإجازة عرفانية واستحقاق سلوكي مسند متصل و ثابت ،ومأذون بحسب قواعد التصوف السني في التسلسل المدرسي وتربية المريدين الذين لا حظ لهم فيها سوى الامتثال والنهل والتسليم لتحصيل الخلق والمسلك القويم.

ومعلوم أن العمل الروحي قد يسير طردا وعكسا مع العمل الجسمي المادي من حيث النمو مع توالي الزمن وسهر الليالي والأيام،وهو بهذا قد يفارق حال المادة وحال العقل المستمد قواه من البدن،ومن ثم فإن ميزته هي الثبات والاستقرار والسمو كلما تقدم الشيخ الصوفي ومعه مريدوه في مسيرتهم وتربصهم الروحي وتعرضهم لنفحات الطريق وإصرارهم على مطلبهم العالي والأسمى وهو :"يريدون وجهه".

فكيف يختل ويضل الطريق ويشكل عليه المسار من كان هدفه وديدنه هذا المطلب ؟ كما عبر عن حالهم أبو حامد الغزالي في وصف خصوصيتهم ومقاومتهم للزمان والمكان قائلا:"والقدر الذي أذكره لينتفع به أني علمت يقينا أن الصوفية هم السابقون لطريق الله تعالى خاصة ،وأن سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق ،بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلا .فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به ..."الغزالي ،المنقذ من الضلا.

ومن كان استمداده من هذه المشكاة فقد لا يؤثر فيه طول العمر ولا اعتلال الصحة ولا تشويش العصر وأبواق الإعلام كيفما كان زيفها وتلونها،لأنه مستغرق في ذكر الله تعالى متصل بحبه وحب رسوله صلى الله عليه وسلم ،وهو أكثر وعيا وحياة ممن دونه من الأحياء والأصحاء شبابا وكهولا لأن:"مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت"،كما أن حديث الولي قد يعد من أعظم الدلائل على خصوصية الشيخ الصوفي وتميز أحواله عن الأحوال البشرية العادية المتهالكة من حيث الوعي والقدرة والإرادة ،لأن كل هذه القوى والصفات مستمدة لديه من حضرة الله القدسية بالمحبة والوصال والذوق والشوق :"فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه و لئن استعاذني لأعيذنه....الحديث .

فمن كانت طاقته مستمدة من هذا المصدر وبهذه المعية الخاصة فقد لا يحتاج إلى نظارات أو آلات سمع أو كراسي متحركة لكي يقوم بوظيفته وخاصة في توجيه الأرواح وسياسة القلوب،إذ كل هذا قد اختزله في قوته الروحية وخصوصية القرب من الله تعالى على سبيل الولاية والمحبة حيث لا تراجع هناك ":فمن أتاني يمشي أتيته هرولة..."الحديث

وما الجسد وحضوره ظاهريا بجماله أو علله إلا وسيلة مركزية لتسريب هذا الفيض الرباني للعطاشى والمشتاقين وطالبي الوصول والوصال معا ،فالمكنون فيه هو العين والبصر واليد والرجل والمحرك والمتحرك النوراني لا غير ،وشتان الفرق بين هذا المعنى وما يتوهمه الخارجون عن القانون ،أي قانون المعرفة والعرفان والروح والريحان. 

هذا المعنى الذي استخلصناه من حديث الولي ووظفناه في حق شيخنا سيدي حمزة قريب معرفيا مما عبر عنه الغزالي في كتابه :"معارج القدس في مدارج معرفة النفس"قائلا:"اعلم أن النفوس مختلفة ،فنفس مشرق صاف عن الكدورات يتلألأ فيه أنوار العلوم ،مؤيد من عند الله،ثاقب الحدس ،ذكي الذهن ،لا يحتاج إلى الفكر والنظر بل يفيض عليه من أنوار العلوم بواسطة الملأ الأعلى ما شاء من المعقولات يشرق على خياله وحسه ،فهذا النقش من المعقول يأتي المحسوس والمخيل فيحاكيه بما يناسبه من الأمثلة فيخبر عنه ،فهذا في جلابيب البدن وملابسته فإنه يستعمل البدن لا البدن يستعمله وينتفع به البدن لا هو ينتفع بالبدن ويخرج العقول إلى الفعل لا أنه يخرج إلى الفعل فهذا هو العقل القدسي النبوي "معارج القدس في مدارج معرفة النفس.

وإنه لتعبير دقيق هذا طرحه الغزالي حول النفوس المنورة والتي هي إما نفوس أنبياء أو أولياء وارثين لهم وراثة روحية قدسية طاهرة وظاهرة:"يكاد زينتها يضيء ولم لم تمسسه نار"وخاصة حينما قال:"فإنه يستعمل البدن لا البدن يستعمله وينتفع به البدن لا هو ينتفع بالبدن".وهي فكرة يكاد يتفق عليها جل المفكرين الروحانيين المسلمين من فلاسفة وكلاميين وفقهاء وصوفية ،كابن سينا وفخر الدين الرازي وابن حزم وابن تيمية وغيرهم ،خاصة وأن التوجه السائد لديهم في وصف الروح بأنه شيء مجرد وغير قابل للقسمة .

إذن فهو ثابت في إشراقه إن كان مشرقا بأنوار التوحيد أو في إظلامه إن كان ملبدا ومظلما بالضلال العارض والبعيد.
ومعلوم أن كل قابل للقسمة هو معرض للضعف والتلاشي بحسبها ،لكنه إذا كان ملازما للكم المتصل المجرد والكلي كما هو حال الروح المنور بنفحات القدس والقرب الإلهي فإنه سيستمد قوته وقيمته منه ويثبت على حاله بحسب تلك النسبة، كما عبر الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه حينما قال له بعض العرب: صف لنا محمدا .فقال:بإيجاز أو بإطناب ؟قالوا بإيجاز.قال:هو رسول الله ،والرسول على قدر المرسل !!!".
فجسد النبي تابع لروحه، وحرمته من حرمته وبقاؤه من بقائه، لغاية أن التراب لا يأكله ولا يفنيه !!! ، وهو نفس الحال بالتبعية مع الأولياء من الشهداء والصديقين...
فإذا كانت قيمتهم مستمرة ولو بعد مماتهم فما بالك بهم وهم مازالوا على قيد الحياة فرحين ومستبشرين بحضرة الله ورسوله، متربصين ومتصلين،محتفظين بكامل أهليتهم والتي قد لا تسقط عنهم ما دام فيهم عرق ينبض :"ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذي آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم"،"إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا و أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ".

الدكتور محمد بنيعيش

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق