الصِّيَانَةُ الرَّبَّانِيَّةُ: مِن عِصْمَةِ المُصْطَفَى إِلَى حِفظِ الوَارِثِ المُحَمَّدِيِّ
لَطَالَمَا كَانَتْ حَيَاةُ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ البَعْثَةِ هِيَ المَخْتَبَرُ الإِلَهِيُّ الَّذِي صُبِغَتْ فِيهِ النَّفْسُ المُحَمَّدِيَّةُ بِصِبْغَةِ التَّفْرِيدِ؛ فَكَانَ «الاصْطِفَاءُ» يَسْبِقُ «الوَحْيَ»، وَكَانَتِ «العِنَايَةُ» تُحِيطُ بِهِ ﷺ لِئَلَّا يَتَدَنَّسَ بِفُضُولِ العَادَاتِ الجَاهِلِيَّةِ.
وَمِنْ أَعْجَبِ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ، قِصَّةُ نَوْمِهِ ﷺ عَنْ لَهْوِ الجَاهِلِيَّةِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ لَا تَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ التَّارِيخِ، بَلْ تَمْتَدُّ لِتُؤَصِّلَ لِمَفْهُومِ «الحِفْظِ» لِكُلِّ مَنْ وَرِثَ مِنْ أَنْوَارِ النُّبُوَّةِ حَظًّا.
أَوَّلًا: الرِّوَايَةُ.. حِينَ تَنَامُ الحَوَاسُّ لِتَسْتَيْقِظَ الرُّوحُ
أَخْرَجَ الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ فِي «دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ» وَالحَاكِمُ فِي «المُسْتَدْرَكِ» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«مَا هَمَمْتُ بِسُوءٍ مِمَّا كَانَ يَعْمَلُ بِهِ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ، كِلْتَاهُمَا يَحُولُ اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَ ذَلِكَ».
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ هَمَّ لَيْلَةً بِالسَّمَرِ فِي مَكَّةَ كَمَا يَسْمَرُ الشَّبَابُ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ دَارٍ سَمِعَ فِيهَا عَزْفَ الدُّفُوفِ وَالمَزَامِيرِ لِحَفْلِ زِفَافٍ، ضَرَبَ اللهُ عَلَى أُذُنَيْهِ فَنَامَ، وَلَمْ يُوقِظْهُ إِلَّا مَسُّ الشَّمْسِ. لَقَدْ كَانَ هَذَا النَّوْمُ حِجَابًا لَدُنِّيًّا صَانَ اللهُ بِهِ السَّمْعَ وَالبَصَرَ عَنْ فُضُولِ المَبَاحَاتِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِمَقَامِ النُّبُوَّةِ العَظِيمِ.
ثَانِيًا: الوَارِثُ المُحَمَّدِيُّ وَمَقَامُ «الحِفْظِ»
يُؤَصِّلُ العَارِفُونَ لِفِكْرَةِ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ، بَيْنَمَا الأَوْلِيَاءُ وَالوَرَثَةُ «مَحْفُوظُونَ». وَفِي هَذَا يَقُولُ الإِمَامُ القُشَيْرِيُّ فِي «رِسَالَتِهِ»: "مَنْ لَمْ يُؤَدِّبْهُ الظَّاهِرُ بِالحُكْمِ، لَمْ يُؤَدِّبْهُ البَاطِنُ بِالعِلْمِ".
فَالوَارِثُ المُحَمَّدِيُّ هُوَ الَّذِي تَجَلَّتْ فِيهِ «الغَيْرَةُ الإِلَهِيَّةُ»؛ وَهِيَ مَفْهُومٌ سُلُوكِيٌّ يَعْنِي أَنَّ اللهَ "يَغَارُ" عَلَى قَلْبِ مَنْ أَحَبَّهُ أَنْ يَنْشَغِلَ بِسِوَاهُ، فَيَصْرِفُ عَنْهُ الشَّوَاغِلَ قَهْرًا. فِإِذَا هَمَّ الوَارِثُ بِمَجْلِسِ لَهْوٍ، أَوْجَدَ اللهُ مِنَ المَوَانِعِ القَدَرِيَّةِ مَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تِلْكَ الغَفْلَةِ، تَمَامًا كَمَا أَنَامَ نَبِيَّهُ عَنْ زِفَافِ الجَاهِلِيَّةِ.
ثَالِثًا: فِقْهُ الوَقَارِ.. (حُضُورُ المَلَاعِبِ نَمُوذَجًا)
عِنْدَ إِسْقَاطِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى وَاقِعِنَا المُعَاصِرِ، كَحُضُورِ مُبَارَيَاتِ كُرَةِ القَدَمِ أَوْ مَجَالِسِ الضَّجِيجِ، نَجِدُ اسْتِنْكَارَ الصَّالِحِينَ يَنْبَعُ مِنْ مَبَادِئَ شَرْعِيَّةٍ وَذَوْقِيَّةٍ:
* خَوَارِمُ المُرُوءَةِ: يُنْظَرُ لِلْوَارِثِ المُحَمَّدِيِّ كَـ "قِبْلَةٍ" لِلْمُسْتَرْشِدِينَ، وَحُضُورُهُ فِي مَوَاطِنِ الصَّخَبِ وَالتَّعَصُّبِ يَكْسِرُ هَيْبَتَهُ. يَقُولُ الإِمَامُ الغَزَالِيُّ فِي «الإِحْيَاءِ»: "إِنَّ السَّمْتَ الحَسَنَ وَالوَقَارَ هُمَا جُزْءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ".
* صِيَانَةُ الوَقْتِ: العِنَايَةُ الَّتِي حَمَتِ النَّبِيَّ ﷺ كَانَتْ تَسْتَبْقِي طَاقَتَهُ لِشَأْنٍ أَعْظَمَ. وَيُؤَكِّدُ ابْنُ القَيِّمِ فِي «مَدَارِجِ السَّالِكِينَ» أَنَّ العَبْدَ كُلَّمَا تَرَقَّى، اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ أَنْ يَصْرِفَ نَفَسًا مِنْ أَنْفَاسِهِ فِي غَيْرِ مَرْضَاتِهِ.
* التَّأَدُّبُ مَعَ الحَالِ: الوَارِثُ المُحَمَّدِيُّ يَحْذَرُ مِنْ "فُضُولِ النَّظَرِ" وَ"فُضُولِ السَّمْعِ"، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ الَّذِي حُمِيَ مِنْ سَمَاعِ دُفُوفِ الجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ بَعْثَتِهِ.
رَابِعًا: الاسْتِغْنَاءُ بِالجَمَالِ الأَسْمَى
إِنَّ تَنَزُّهَ الوَارِثِ عَنْ مَحَافِلِ اللَّهْوِ لَيْسَ جَفَاءً لِلْحَيَاةِ، بَلْ هُوَ طَلَبٌ لِصَفَاءِ المَشْرَبِ. وَكَمَا قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللهِ السَّكَنْدَرِيُّ: "مَا تَوَقَّفَ مَطْلَبٌ أَنْتَ طَالِبُهُ بِرَبِّكَ". فَمَنْ طَلَبَ الحِفْظَ بِاللهِ، عَصَمَهُ اللهُ مِنَ السُّقُوطِ فِي ضَجِيجِ الغَافِلِينَ.
خَاتِمَةٌ:
إِنَّ مَنْ رُزِقَ بَصِيرَةً مُحَمَّدِيَّةً يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ لَحْظَةٍ تَضِيعُ فِي غَيْرِ بِنَاءٍ لِلرُّوحِ هِيَ خَسَارَةٌ فِي مِيزَانِ الوِرَاثَةِ. فَالوارِثُ لَا يغِيبُ عَنِ النَّاسِ كِبْرًا، بَلْ يَغِيبُ عَنْ لَهْوِهِمْ "صِيَانَةً" لِلأَمَانَةِ الَّتِي فِي صَدْرِهِ، تَمَامًا كَمَا حُمِيَ الجَنَابُ النَّبَوِيُّ قَبْلَ الوَحْيِ، لِيَكُونَ مَحْضَ نُورٍ لَا شَائِبَةَ فِيهِ.
