آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

التذكير المفيد بحقائق تنفع المريد: الكلمة الكاملة للشيخ مولاي معاذ البوتشيشي


«الْعَبْدُ الْفَقِيرُ» إِلَى «اللهِ الْغَنِيِّ»، مُعَاذُ بْنُ سِيدِي جَمَالِ الدِّينِ بْنُ سِيدِي حَمْزَةَ.


الاستهلال


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَوْلَانَا رَسُولِ اللهِ الصَّادِقِ الْأَمِينِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

إِخْوَانِي، أَخَوَاتِي الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الطَّرِيقَةِ الْقَادِرِيَّةِ الْبُوتْشِيشِيَّةِ.


قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فِي هَذِهِ الذِّكْرَى الْجَلِيلَةِ لِشَيْخِنَا سِيدِي حَمْزَةَ، قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ، نَسْتَحْضِرُ سِيرَةَ رَجُلٍ وَقَفَ نَفْسَهُ وَحَيَاتَهُ للهِ، فَجَعَلَ مِنْ طَرِيقِ السَّيْرِ وَالسُّلُوكِ إِلَيْهِ مَشْرُوعاً مُتَكَامِلاً، أَسَّسَهُ عَلَى قَوَاعِدَ مَتِينَةٍ وَثَوَابِتَ رَاسِخَةٍ، تَجْمَعُ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالِانْضِبَاطِ، وَالْمُجَاهَدَةِ وَالرَّحْمَةِ. مَشْرُوعٌ لِبِنَاءِ الْإِنْسَانِ، وَتَزْكِيَةِ الْوِجْدَانِ، وَإِيقَاظِ الشَّوْقِ الصَّادِقِ إِلَى الرَّحْمَنِ، حَتَّى صَارَ، قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ، - بِنَصِّ الْبُخَارِيِّ - مِنَ الْأَجَادِبِ الَّتِي أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا.


وَإِنَّ ذِكْرَاهُ الْيَوْمَ لَيْسَتِ اسْتِدْعَاءً لِمَاضٍ مُنْقَطِعٍ، بَلْ تَذْكِيرٌ بِأَمَانَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، وَمَسْؤُولِيَّةٍ قَائِمَةٍ: أَنْ يَبْقَى هَذَا الْإِرْثُ حَيّاً فِي السُّلُوكِ، ثَابِتاً فِي الْمَنْهَجِ، مُصَاناً فِي الْمَقْصِدِ، رَحِيماً فِي الدَّعْوَةِ، صَادِقاً فِي التَّوَجُّهِ؛ وَفَاءً لِمَا أُسِّسَ عَلَيْهِ، وَاسْتِمْرَاراً لَهُ لَا مُجَرَّدَ انْتِسَابٍ إِلَيْهِ.


لِذَلِكَ أَجِدُنِي الْيَوْمَ مُضْطَرّاً بِتَذْكِيرِ نَفْسِي، وَتَذْكِيرِ الْقُدَامَى مِنْكُمْ وَالْجُدُدِ عَلَى السَّوَاءِ، بِحَقَائِقِ الْمِنْهَاجِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ أَمْرُ طَرِيقَتِنَا الْقَادِرِيَّةِ الْبُوتْشِيشِيَّةِ فِي عَهْدِ شَيْخِنَا سِيدِي حَمْزَةَ، قَدَّسَ اللهُ سِرَّهُ، وَسَارَ عَلَى نَهْجِهِ شَيْخِنَا سِيدِي جَمَالٌ رَحِمَهُ اللهُ، وَذَلِكَ لِأُؤَكِّدَ أَنَّ الْأَسَاسَ هُوَ نَفْسُ الْأَسَاسِ، وَأَنَّ الْجَوْهَرَ هُوَ ذَاتُ الْجَوْهَرِ، وَأَنَّ الصُّحْبَةَ فِي طَرِيقِ اللهِ، كَانَتْ وَلَا تَزَالُ، غَايَتُهَا التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ، بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ، وَبِمَا بَلَّغَهُ رَسُولُهُ الْأَمِينُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ.


 المَهَامُّ وَالإِذْنُ بِالمَشْيَخَةِ


فَكَمَا يَعْلَمُ الْجَمِيعُ؛ فَقَدْ أَسْنَدَ إِلَيَّ جَدِّي سِيدِي حَمْزَةُ، رَحِمَهُ اللهُ، خِلَالَ الْعَقْدَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنْ حَيَاتِهِ الْمُبَارَكَةِ، نَفْسَ الْمَهَامِّ الَّتِي كَانَ يَضْطَلِعُ بِهَا، كَمُرِيدٍ، وَالَّتِي كَانَ قَدْ كُلِّفَ بِهَا، قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ، مِنْ شُيُوخِهِ سِيدِي بُومَدْيَنَ وَسِيدِي الْحَاجِّ الْعَبَّاسِ. فَكَلَّفَنِي:


 أَوَّلاً: بِالْإِشْرَافِ عَلَى الْمَدِيحِ وَالسَّمَاعِ، وَتَعَهَّدَنِي بِالتَّوْجِيهِ وَالرِّعَايَةِ.

 ثَانِيًا: أَوْكَلَ إِلَيَّ تَدْبِيرَ شُؤُونِ الزَّاوِيَةِ الْأُمِّ بِمَدَاغَ وَمُقِيمِيهَا.

 ثَالِثًا: كَلَّفَنِي بِرِعَايَةِ شُؤُونِ الْعَائِلَةِ وَمُتَطَلَّبَاتِهَا.

 رَابِعًا: شَرَّفَنِي بِتَفْوِيضِي تَنْسِيقَ شُؤُونِ الطَّرِيقَةِ وَهَيَاكِلِهَا.


وَكَمَا يَعْلَمُ الْجَمِيعُ، فَقَدْ كَانَ سِيدِي حَمْزَةُ -قَدَّسَ اللهُ سِرَّهُ- يُسَمِّيني بـ«رُبَّانِ الطَّرِيقَةِ»؛ وَكَانَ يَقُولُ لِلْفُقَرَاءَ بِالْكَلَامِ الدَّارِجِ: «فِينْ مَا كَانْ مُعَاذْ أَنَا تَمّْ، وَإِلَى تْلَقِيتُوهْ أَنَا هُوَ، وَلِي كَالْهَا لِيكُمْ أَنَا لِي كُلْتْهَا». ثُمَّ قَدَّرَ اللهُ أَنْ يَعْهَدَ إِلَيَّ، بِإِذْنٍ صَرِيحٍ، بِتَحَمُّلِ أَمَانَةِ اسْتِمْرَارِ مَشْيَخَةِ الطَّرِيقِ بَعْدَ وَالِدِي.


وَكَانَ وَالِدِي يَقُولُ، وَهُوَ بِالْمَصَحَّةِ فِي أَيَّامِهِ الْأَخِيرَةِ: «الْمَكَانَة لِي عَطَاكْ الْوَالِدْ مَا كَايْنْشْ لِي يَقْدَرْ إِيكَلْعْهَا لِيكْ إِلَّا الله»، ثُمَّ أَضَافَ: «وَأَنَا نْزِيدَكْ»، «فَنَاوَلَنِي سُبْحَتَهُ»، وَمُنَاوَلَةُ السُّبْحَةِ، عِنْدَ أَهْلِ اللهِ، إِذْنٌ صَرِيحٌ وَمُؤَكَّدٌ.


 أَسَاسِيَّاتُ المِنْهَاجِ: النَّفْسُ وَالتَّوَجُّهُ


قَبْلَ تَفْصِيلِ الْقَوَاعِدِ، أَسْتَحْضِرُ مَعْنَيَيْنِ مُلَازِمَيْنِ لِلطَّرِيقِ:

 1. «النَّفْسُ»: دَوَامُ اتِّقَاءِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَالْحَذَرِ الدَّائِمِ مِنْ غَفْلَتِهَا.

 2. «التَّوَجُّهُ»: حَصْرُ عَلَاقَةِ الصُّحْبَةِ فِي شَخْصِ الشَّيْخِ بِالذَّاتِ، تَجَنُّباً لِتَشَتُّتِ الْهِمَّةِ، وَهُوَ خُشُوعٌ دَائِمٌ يَقِي الْمُرِيدَ مَهَالِكَ الشِّرْكِ وَالدَّعَاوَى.

 

القَوَاعِدُ الخَمْسُ لِلطَّرِيقَةِ


 1. الْقَصْدُ مِنَ الطَّرِيقِ: هُوَ تَسْدِيدُ الْعِبَادَةِ وَتَزْكِيَةُ النَّفْسِ لِتَتَحَرَّرَ مِنْ أَنَانِيَّتِهَا (شُحِّ النَّفْسِ) وَتُخْلِصَ التَّوْحِيدَ للهِ.

 2. الذِّكْرُ (الْوَسِيلَةُ): هُوَ عِمَادُ السُّلُوكِ وَرُوحُهُ. بِالذِّكْرِ يَكُونُ مِنَ الْمُرِيدِ كُلُّ شَيْءٍ. وَمَدَارُ الطَّرِيقِ كُلِّهِ عَلَى الذِّكْرِ وَالصُّحْبَةِ الْمُرْشِدَةِ.

 3. الِالْتِزَامُ بِالشَّرِيعَةِ (الشَّرْطُ): الْحَقِيقَةُ بَيْتٌ، وَالشَّرِيعَةُ بَابُهَا. لَا يُمْكِنُ لِمُنْتَسِبٍ أَنْ يُعْفَى مِنْ أَدَاءِ وَاجِبَاتِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا.

 4.الْحُلَّةُ الرَّبَّانِيَّةُ (الْمَظْهَرُ): التَّحَلِّي بِالْوَرَعِ، التَّوَاضُعِ، حِفْظِ اللِّسَانِ، وَخِدْمَةِ النَّاسِ. الْمُرِيدُ دَاعِيَةٌ إِلَى الْخَيْرِ بِحَالِهِ قَبْلَ مَقَالِهِ.

 5. الْبُرْهَانُ (ثَمَرَةُ السُّلُوكِ): سِمَةُ الْقُرْبِ تُرَى عَلَيْنَا. لَا يُشْتَغَلُ بِالْكَشْفِ أَوِ الْكَرَامَاتِ، بَلْ بِالْخُلُقِ الطَّيِّبِ وَكَفِّ الْأَذَى وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ النَّافِعِ لِلْوَطَنِ وَالْخَلْقِ.


الخاتمة والتوصيات


إِنَّ الطَّرِيقَةَ مِنْهَاجٌ مِنْ دِينِنَا الْحَنِيفِ، وَلَيْسَتْ نَشَاطاً خَاصّاً، بَلْ هِيَ طَاقَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ لِإِصْلَاحِ النَّاسِ جَمِيعاً.


التوصيات الختامية:


 * اجْعَلُوا الدُّعَاءَ لِإِمَامِ الْأُمَّةِ، أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فِي صَدَارَةِ اهْتِمَامِكُمْ.

 * انْشُرُوا الْمَحَبَّةَ بَيْنَكُمْ وَتَجَنَّبُوا الرِّيَاءَ وَحُبَّ الظُّهُورِ.

 * اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، وَصَدِّقُوا الْأَقْوَالَ بِالْأَفْعَالِ.

وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.


حُرِّرَ بِمَدَاغ يَوْمَ الْجُمُعَةِ 10 شَعْبَان 1447هـ، الْمُوَافِقِ لِـ 30 يَنَايِر 2026م.

الْحَاجُّ مَوْلَاي مُعَاذُ بْنُ سِيدِي جَمَالِ الدِّينِ بْنُ سِيدِي حَمْزَةَ الْقَادِرِيُّ بُوتْشِيش.


التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق الصوفية