كَانَ التَّصَوُّفُ، فِي أَصْلِ نَشْأَتِهِ، مِئْذَنَةَ الإِحْسَانِ، وَمِيزَانَ التَّزْكِيَةِ، وَمَسْلَكَ الصَّفْوَةِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ الَّذِينَ شَدُّوا الرِّحَالَ إِلَى اللهِ عَبْرَ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ، وَمُلَازَمَةِ الِاسْتِقَامَةِ، وَحِرَاسَةِ القُلُوبِ مِنَ الأَهْوَاءِ. فَإِذَا بِهِ عِنْدَ بَعْضِ المُنْتَسِبِينَ اليَوْمَ يَنْحَدِرُ مِنْ مَقَامِ "التَّحَقُّقِ" إِلَى مُسْتَنْقَعِ "الِادِّعَاءِ"، وَمِنْ مَشْرُوعِ تَزْكِيَةٍ صَعْبٍ إِلَى طُقُوسٍ فَارِغَةٍ لَا تَتَجَاوَزُ ظَاهِرَ الشَّعَائِرِ.
الفجوة بين جوهر العلم وبريق المظهر
كَانَ التَّصَوُّفُ عِلْمًا يُحْمَلُ، وَسُلُوكًا يُعَاشُ، وَحَالًا لَا يُدَّعَى، فَصَارَ عِنْدَ البَعْضِ مِظَلَّةً لِلتَّكَسُّبِ، وَوَاجِهَةً اجْتِمَاعِيَّةً، وَبَرِيقَ مَظْهَرٍ يُغَطِّي خَوَاءَ البَاطِنِ. كَانَ مَأْوَى أَهْلِ التَّشَوُّفِ وَالصِّدْقِ، فَصَارَ مَرْتَعًا لِأَهْلِ الأَهْوَاءِ، وَمَنَارَةً لِلْعُلَمَاءِ العَامِلِينَ، فَتَحَوَّلَ إِلَى تَقْلِيدٍ جَامِدٍ عِنْدَ مُقَلِّدِينَ لَمْ يَذُوقُوا مِنْ حَقِيقَتِهِ شَيْئًا.
الِادِّعَاءُ بِلَا تَحَقُّقٍ: أَخْطَرُ آفَاتِ التَّصَوُّفِ المُعَاصِرِ
إِنَّ أَخْطَرَ مَا يُهَدِّدُ التَّصَوُّفَ اليَوْمَ هُوَ شُيُوعُ ظَاهِرَةِ "الِادِّعَاءِ بِلَا مُجَاهَدَةٍ"، وَتَتَجَلَّى فِي صُوَرٍ صَارِخَةٍ:
* مُشَاهَدَةٌ بِلَا مُجَاهَدَةٍ: يَدَّعُونَ كَشْفَ الحُجُبِ وَهُمْ لَمْ يَطْوُوا نَهَارَهُمْ صِيَامًا، وَلَا أَحْيَوْا لَيْلَهُمْ قِيَامًا.
* أَحْوَالٌ بِلَا اسْتِقَامَةٍ: يَتَحَدَّثُونَ عَنِ المَقَامَاتِ العُلْيَا وَهُمْ لَمْ يُقِيمُوا حُدُودَ الشَّرِيعَةِ فِي أَنْفُسِهِمْ.
* ثَمَرَةٌ بِلَا غَرْسٍ: يَقْطِفُونَ قَبْلَ النُّضْجِ، وَيَتَزَيَّنُونَ بِزِيِّ القَوْمِ دُونَ أَنْ يَتَحَمَّلُوا أَعْبَاءَ الطَّرِيقِ.
> لَقَدْ أَرَادُوا الوُصُولَ بِلَا سَيْرٍ، وَالسُّكْرَ بِلَا خَمْرٍ؛ فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ: أَحْوَالٌ مَرِيضَةٌ، وَثَمَرَاتٌ مُرَّةٌ، وَنُفُوسٌ لَمْ تُزَكَّ، بَلِ ازْدَادَتْ عُجْبًا وَتَضْلِيلًا.
فِي حَضْرَةِ "العِمَارَةِ".. أَيْنَ القُلُوبُ؟
العِمَارَةُ، فِي حَقِيقَتِهَا، لَيْسَتْ احْتِفَالًا اجْتِمَاعِيًّا وَلَا مَشْهَدًا فُولْكُلُورِيًّا؛ هِيَ حَنِينُ الأَرْوَاحِ إِلَى بَارِئِهَا، وَانْكِسَارُ القُلُوبِ بَيْنَ يَدَيْ خَالِقِهَا، وَهَيْبَةُ المَقَامِ الَّتِي كَانَتْ تُرْعِدُ لَهَا الفَرَائِصُ.
لَكِنَّنَا اليَوْمَ نَشْهَدُ —عِنْدَ بَعْضِ المُنْتَسِبِينَ— مَسْخًا خَطِيرًا لِهَذَا المَقَامِ:
* ضَحِكٌ وَلَهْوٌ فِي مَوَاطِنِ الذِّكْرِ.
* تَصْفِيقٌ طَرَبِيٌّ إِذَا نَطَقَ النَّائِبُ عَنِ الحَضْرَةِ.
وَكَأَنَّنَا فِي نَدْوَةٍ ثَقَافِيَّةٍ أَوْ عَرْضٍ عَابِرٍ، لَا فِي مَقَامِ تَبَتُّلٍ وَخُشُوعٍ! وَهُنَا يَحِقُّ السُّؤَالُ المُؤْلِمُ: أَهَذَا تَصَوُّفٌ، أَمْ تَمَسُّحٌ بِالأَعْتَابِ؟ إِنَّنَا نَخْشَى عَلَى أَنْفُسِنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَنَحْنُ نُشَاهِدُ القُلُوبَ تَغِيبُ، وَالمَظَاهِرَ.
الجِنَايَةُ عَلَى الطَّرِيقَةِ القَادِرِيَّةِ البُودْشِيشِيَّةِ
لَقَدْ تَعَرَّضَ إِرْثُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِتَشْوِيهٍ مُؤْلِمٍ عَلَى يَدِ فِئَتَيْنِ:
* الأَحْدَاثُ وَالغَوْغَاءُ: الَّذِينَ اتَّخَذُوا التَّصَوُّفَ لَهْوًا وَلَعْبًا، وَنَفَّرُوا الخَلْقَ بِسُوءِ أَخْلَاقِهِمْ.
* أَشْبَاهُ المُثَقَّفِينَ: الَّذِينَ فَلْسَفُوا الِانْحِرَافَ، وَجَعَلُوا مِنَ الطَّرِيقَةِ غِطَاءً لِمَآرِبِهِمْ، مُتَنَاسِينَ أَنَّ التَّصَوُّفَ عِلْمٌ يُعْمَلُ بِهِ لَا حِرْفَةٌ يُتَزَيَّنُ بِهَا.
مِنْ سَتْرِ النَّقْصِ إِلَى سُقُوطِ الأَقْنِعَةِ
قَدِيماً، كَانَ المُدَّعِي يَسْتُرُ نَقْصَ بَاطِنِهِ بِظَاهِرٍ مُسْتَقِيمٍ، فَكَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ عَلَى الأَقَلِّ بِعِلْمِهِ الظَّاهِرِ وَسَمْتِهِ. أَمَّا اليَوْمَ، فَقَدْ سَقَطَتِ الأَقْنِعَةُ؛ فَصِرْنَا نَرَى أَدْعِيَاءَ لَا دِينَ لَهُمْ وَلَا اسْتِقَامَةَ، "شَيَاطِينَ فِي جَلَابِيبِ زُهَّادٍ"، يُمَارِسُونَ السِّحْرَ وَالشَّعْوَذَةَ عَلَانِيَةً، وَالمُصِيبَةُ لَيْسَتْ فِي وُجُودِهِمْ، بَلْ فِي تِلْكَ الحُشُودِ الَّتِي تُصَفِّقُ لِلدَّجَّالِ وَتَتْبَعُهُ بِدَعْوَى "البَرَكَةِ".
نَقْدٌ ذَاتِيٌّ وَصَرْخَةُ إِصْلَاحٍ
مَا نَرَاهُ اليَوْمَ لَيْسَ تَصَوُّفًا، بَلْ هُوَ اسْتِلَابٌ رُوحِيٌّ: تَحَوَّلَتْ فِيهِ المَحَارِيبُ إِلَى مَسَارِحَ، وَالذِّكْرُ إِلَى صِيَاحٍ، وَالوِلَايَةُ إِلَى تِجَارَةٍ، وَالتَّزْكِيَةُ إِلَى تَمَلُّقٍ.
إِنَّ التَّصَوُّفَ أَخْلَاقٌ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ أَحْوَالًا، وَاسْتِقَامَةٌ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ أَذْوَاقًا. فَمَنْ زَادَ عَلَيْكَ فِي الخُلُقِ زَادَ عَلَيْكَ فِي التَّصَوُّفِ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ فَادِّعَاءٌ يُبَاعِدُ بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ.
