نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

الحكم العطائية ( 77 ) : ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته .

(مَا الْعَارِفُ مَنْ إِذَا أَشَارَ وَجَدَ الْحَقَّ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ إِشَارَتِهِ ، بِلِ الْعَارِفُ مَنْ لاَ إِشَارَةَ لَهُ لِفَنَائِهِ فِي وُجُودِهِ وَانْطِوَائِهِ فِي شُهُودِهِ).

الإشارة أرق وأدق من العبارة ، والرمز أدق من الأشارة ، فالأمور ثلاثة عبارات وإشارات ورموز ، وكل واحدة أدق مما قبلها ، فالعبارة توضح والإشارة تلوح والرمز يفرح ، أي يفرح القلوب بإقبال المحبوب ، وقالوا :"علمنا كله إشارة فإذا صار عبارة خفي" أي خفي سره ، أي فإذا صار عبارة بإفصاح اللسان لم يظهر سره على الجنان ، فإشارة الصوفية هي تغزلاتهم وتلويحاتهم بالمحبوب ، كذكر سلمي وليلي وذكر الخمرة والكيسان والنديم وغير ذلك مما هو مذكور في أشعارهم وتغزلاتهم ، وغير ذلك مما هو مذكور في اصطلاحاتهم ، وأما الرموز فهي إيماء وأسرار بين المحبوب وحبيبه لا يفهمها غيرهم.

قال الشيخ زروق رضي الله عنه في شرح الحزب الكبير :" وقد حارت العقول في رموز الحكماء فكيف بالعلماء فكيف بالأنبياء فكيف بالمرسلين". وأما الإشارات فيدركها أربابها من أهل الفن ، والناس في إدراكها وعدمه على أقسام :
فمنهم من لا يفهم منها شيئاً ولا يعرف إلا ظاهر العبارة ، وهم الجهال من عموم الناس.
ومنهم من يفهم المقصود ويجد الحق بعد الإشارة أي بعد سماع الإشارة وهم أهل البداية من السائرين.
ومنهم من يفهم الإشارة ويجد المشار إليه وهو الحق أقرب إليه من إشارته وهم أهل الفناء في الذات قبل التمكين ، ولهذا تجدهم يتواجدون عند السماع ويتحركون وتطيب أوقاتهم وتهيم أرواحهم أكثر مما يتواجدون عند الذكر لأن الإشارة تهيج أكثر من العبارة ، بخلاف المتمكنين قد رسخت أقدامهم وأطمأنت قلوبهم وتحقق وصولهم فاستغنوا عن الإشارة والمشير ، ولذلك قيل للجنيد :"مالك كنت تتحرك عند السماع وتتواجد واليوم لا نراك تتحرك بشيء ؟ قال : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ".وهذا هو العارف الذي لا إشارة له لفنائه في وجود الحق وانطوائه في شهوده أو تقول لتحقق وصوله وتمكنه في شهوده فصار المشير عين المشار إليه لفناء وجوده في وجود محبوبه وانطواء ذاته في ذات مشهوده ، أو تقول لزوال وهمه وثبوت علمه فتحققت الوحدة وأمتحت الغيرية.

قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه :"إن لله عباداً محق أفعالهم بأفعاله ، وأوصافهم بأوصافه ، وذاتهم بذاته ، وحملهم من أسراره ما تعجز عنه الأولياء" وقال القطب الشيخ ابن مشيش رضي الله عنه ونفعنا ببركاته: "وشراب المحبة مزج الأوصاف بالأوصاف ، والأخلاق بالأخلاق ، والأنوار بالأنوار ، والأسماء بالأسماء ، والنعوت بالنعوت ، والأفعال بالأفعال" وأطلق المزج على التبديل مناسبة للشراب ، وقال إمام الطريقة أبو القاسم الجنيد رضي الله عنه في وصف العارف :" عبد ذاهب عن نفسه ، متصل بذكر ربه ، قائم بأداء حقه ، ناظر إليه بقلبه ، أحرقت قلبه أنوار هدايته ، وصفا شرابه من كأس وده ، تجلى له الجبار عن أستار غيبه ، فإن تكلم فبالله ، وإن سكت فمن الله ، وإن تحرك فبإذن الله ، وإن سكن فمع الله ، فهو بالله ولله ومع الله ومن الله والي الله" فهذه صفات العارف الحقيقي الراسخ المتمكن ، قد كل لسانه عن التعبير، واستغنى عن الإشارة والمشير، فإذا صدرت منه إشارة أو تعبير، فإنما ذلك لفيضان وجد أو هداية فقير.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق