نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

الإشارة والعبارة

الفرق بين الإشارة والعبارة في أنَّ العبارةَ يُشترط فيها التطابقُ والموافقة، والإشارة لا يشترط فيها ذلك، كما أنَّ الإشارة أرقُّ وأدقّ من العبارة، فالإشارة تلوّح والعبارة توضّح. ويستتبع هذا التفريقَ تفريقٌ آخرُ يقع بين مسار علماء الإشارة، ومسار علماء العبارة في تلقّي آي القرآن الكريم، وفهم ما تنطوي عليه من مراتب دلاليّة ظاهرة ومعانٍ إشاريّة باطنة، ذلك أنَّ علماء العبارة أو علماء الظاهر، يركّزون على المعنى المطابق لظواهر الألفاظ والتراكيب، أو المستخلص منها باعتبار وجوهها الحقيقيّة والمجازيّة، دون عناية بما تتضمّنه من معانٍ عميقة أو باطنيّة أو إشاريّة على نحو تكون فيه موازية نوعًا من الموازاة، ومماثلة نوعًا من المماثلة للمعاني الظاهرة، ولذلك تنصرف عنايتهم إلى التلقّي عن العبارة دون التلقّي عن الإشارة. وأمّا الصوفيّة فجمعوا بين ظاهر العبارة وإشارتها، ولم يكتفوا بالوقوف على الظاهر، بل تغلغلوا في باطن العبارة واستلهموا منها معانيَ إشاريةً عميقة ودقيقة بوساطة الإلهام الإلهيّ والمدد الربّاني، بعد أن جاهدوا نفوسهم واستقاموا على الطريقة المثلى متّبعين صراطَ الحقِّ المستقيم، فصفت قلوبهم، وشفّت أرواحهم، وأصغت إلى إلهامات بارئها المضمرة في كتابه العزيز، وهي تتنزّل في أوعية قلوبهم في أثناء تلاوته وتدبّره والانفعال به، كلٌّ على قدر احتماله وحاله ومقامه وصفاء قلبه، وفي بيان هذا المسار من تلقّي آي القرآن الكريم يقول ابنُ تيميّة: "لا ريب أنّ الله يفتح على قلوب أوليائه المتقينَ وعبادِه الصالحين- بسبب طهارة قلوبهم ممّا يكرهه، واتّباعهم ما يحبّه- ما لا يفتح به على غيرهم، وهذا كما قال عليّ كرّم الله وجهه: "إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه. وفي الأثر: من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم، وقد دلّ القرآن على ذلك في غير موضع".

يحدّد علماء القرآن والتفسير مفهومَ التأويل الإشاري بقولهم: "هو تأويل القرآن بغير ظاهره لإشارة خفيّة تظهر لأرباب السلوك والتصوّف، ويمكن الجمعُ بينهما وبين الظاهر المراد أيضا". وهو أيضًا: "تأويل القرآن على خلاف الظاهر؛ لإشارات خفيّة تظهر لبعض أولي العلم، أو تظهر للعارفين بالله من أرباب السلوك والمجاهدة للنَّفْسِ، ممّن نوّر الله بصائرهم فأدركوا أسرارَ القرآن العظيم، أو انقدحت في أذهانهم بعض المعاني الدقيقة، بوساطة الإلهام الإلهيّ أو الفتح الربّانيّ، مع إمكان الجمع بينهما وبين الظاهر المراد من الآيات الكريمة". ويقول الآلوسي: "وأمّا كلام السادة الصوفيّة في القرآن، فهو من باب الإشارات إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، وذلك من كمال الإيمان ومحض العرفان، لا أنّ الظاهر غير مراد أصلاً وإنّما المراد الباطن فقط؛ إذ ذاك من اعتقاد الباطنيّة الملاحدة، توصّلوا به إلى نفي الشريعة بالكلّيّة، وحاشا سادتنا من ذلك. كيف وقد حضّوا على حفظ التفسير الظاهر وقالوا: لا بدَّ منه أوّلاً؛ إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن من قَبْلِ إحكام الظاهر، ومن ادَّعى فهم أسرار القرآن ظاهرًا وباطنًا قبل إحكام التفسير الظاهر، فهو كمن ادَّعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب".

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق