recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

تفسير قوله تعالى : كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ.


هذا مثل ضربه الله للإيمان والمعرفة به سبحانه، فشبهه بشجرة طيبة، وأصل تلك الشجرة ثابت في الأرض وفروعها باسقة وثمراتها وافية. تؤتى أكلها كل وقت، وينتفع بها أهلُها كل حين.
وأصل تلك الشجرة المعرفة، والإيمان مُصَحَّحاً بالأدلة والبراهين. وفروعها الأعمال الصالحة التي هي الفرائض ومجانبة المعاصي. 
والواجب صيانة الشجرة مما يَضُرُّ بها مثل كشف القِشْر وقَطْع العِرْق وإملاق الغصن وما جرى مجراه. 
وأوراق تلك الشجرة القيام بآداب العبودية، وأزهارها الأخلاق الجميلة، وثمارها حلاوة الطاعة ولذة الخدمة. 
وكما أن الثمار تختلف في الطّعم والطبع والرائحة والصورة.. كذلك ثمرات الطاعات ومعاني الأشياء التي يجدها العبدُ في قلبه تختلف من حلاوة الطاعة وهي صفة العابدين، والبسط الذي يجده العبدُ في وقته وهو صفة العارفين، وراحةٍ في الضمير وهو صفة المريدين، وأُنْسٍِ يناله في سِرِّه وهو صفة المحبين. وقلقٍ واهتياجٍ يجدهما ولا يعرف سببهما، ولا يجد سبيلاً إلا سكونه وهو صفة المشتاقين... إلى ما لا يفي بشرحه نطقٌ، ولا يستوفيه تكلُّفُ قَوْلٍ. وذكرٍ من لوائح ولوامع، وطوارق وشوارق، كما قيل: 

طوارق أنوار تلوح إذا بدت 
فتُظْهِرُ كتمانا وتُخْبِرُ عن جمع 

ثم إن ثمراتِ الأشجار في السنة مرة، وثمرات هذه الشجرة في كل لحظة كذا كذا مرة. وكما قال الله تعالى في ثواب الجنة: { لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ }[الواقعة: 33] كذا لطائف هذه الشجرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وقلوب أهل الحقائق عنها لا مصروفة، ولا محجوبة، وهي في كل وقت ونَفَسٍ تبدو لهم غيرَ محجوبة. 
وثمرات الشجرة أشرف الثمار، وأنوارها ألطف وأظرف الأنوار، وإشارات أهل هذه القصة وألفاظهم في مراتبهم ومعانيهم كالرياحين والثَّوْر. 
ويقال الكلمة الطيبة هي الشهادة بالإلهية، وللرسول - صلى الله عليه وسلم - بالنبوة، وإنما تكون طيبة إذا صدرت عن سرِّ مخلص. 
والشجرة الطيبة المعرفة، وأصلها ثابت في أرضِ غير سبخةٍ، والأرض السبخة قلب الكافر والمنافق، فالإيمان لا ينبت في قلبيهما كما أن الشجرة في الأرض السبخة لا تنبت. ثم لا بدَّ للشجرة من الماء، وماء هذه الشجرة دوام العناية، وإنما تُورِقُ بالكفاية، وتَتَوَرَّدُ بالهداية. 
ويقال ماءُ هذه الشجرة ماءُ الندمِ والحياءِ والتلهفِ والحسرةِ والأمانة والخشوع وإسبال الدموع. 
ويقال ثمرات هذه الشجرة مختلفة بحسب اختلاف أحوالهم؛ فمنها التوكل والتفويض والتسليم، والمحبة والشوق والرضا، والأحوال الصافية الوافية، والأخلاق العالية الزكية. 

ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هي كلمة الكفر، وخبثُها ما صحبها من نجاسة الشِّرك، فَخُبْث الكلمة لصدورها عن قلبٍ هو مُسْتَقَرُّ الشِّرْكِ ومنبعه. 
والشجرة الخبيثة هي الشِّرْكُ اجتُثَّ من فوق الأرض؛ لأن الكفر متناقض متضاد، ليس له أصل صحيح، ولا برهان موجب، ولا دليل كاشف، ولا علة مقتضية، وإنما شُبَهٌ وأباطيل وضلال، تقتضي وساوسَ وتسويلاتٍ ما لها من قرار، لأنها حاصلة من شُبَهٍ واهية وأصول فاسدة. 

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016