نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

التوكل على الله



سئل الحارث بن أسد عن قول الله تعالى : ( وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ) ، وعن قوله - صلى الله عليه وسلم - : " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصا وتروح بطانا " ما السبيل أكرم الله وجهك إلى هذا التوكل الذي ندب الله المؤمنين إليه ؟ صف لي كيف هو ؟ وكيف دخول الناس فيه ؟ فقال الحارث رحمه الله : " الناس يتفاوتون في التوكل ، وتوكلهم على قدر إيمانهم وقوة علومهم ، قيل : ما معنى قوة إيمانهم ؟ قال : تصديقهم للعدة ، وثقتهم بالضمان ، قيل : فمن أين فضلت الخاصة منهم على العامة ، والتوكل في اعتقاد الإيمان مع كل من آمن بالله ؟ قال : الذي فضلت به الخاصة على العامة دوام سكون القلب عن الاضطراب ، والهدوء عن الحركة ، فعندها يا فتى استراحوا من عذاب الحرص ، وفلوا من أسر الطمع ، وخرجوا من ضيق طول الأمل ، قيل : فما الذي ولد هذا ؟ قال: حالتان : الأولى منهما دوام لزوم القلب المعرفة ، والاعتماد على الله ، وترك الحيل ، والثانية كثرة الممارسة حتى يألفها إلفا ، ويختارها اختيارا ، قيل : فالتوكل في نفسه ما هو ؟ وما معناه ؟ قال : قد اختلف الناس فيه ، قيل له : اختصر منه جوابا موجزا ، قال : نعم ، التوكل هو الاعتماد على الله بإزالة الطمع من سوى الله ، وترك تدبير النفوس في الأغذية ، والاستغناء بالكفاية ، وموافقة القلب لمراد الرب ، والقعود في طلب العبودية ، واللجأ إلى الله ، قيل : فهل يلحق التوكل الأطماع ؟ قال : يلحقه الأطماع من طريق الطباع خطرات ، ولا يضره ذلك شيئا ، قيل : فما الذي يقويه على إسقاط الطمع ؟ قال : اليأس مما في أيدي الناس حتى يكون بما معه من الثقة بما وعده سيده أغنى ممن يملك الدنيا بحذافيرها ، كما قيل لأبي حازم : ألك مال ؟ قال : أكثر المال ثقتي بربي ، ويأسي مما في أيدي الناس ، وكان أبو حازم يقول : الدنيا شيئان : شيء لي ، وشيء لغيري ، فما كان لي لو طلبته بحيلة من في السماوات والأرض لم يأتني قبل أجله ، وما كان لغيري لم أرجه فيما مضى ولا أرجوه فيما بقي ، يمنع رزقي من غيري كما يمنع رزق غيري مني ، ففي أي هذين أفني عمري ؟ وكان بعضهم يقول : 

اترك الناس فكل مشغله وقد بخل الناس بمثل الخردله 
لا تسل الناس وسل من أنت له 

قيل : فما الذي يقوي المتوكل ؟ قال : ثلاث خصال : الأولى منها حسن الظن بالله ، والثانية نفي التهم عن الله ، والثالثة الرضا عن الله تعالى فيما جرى به التدبير لتأخير الأوقات وتعجيلها ، قيل : بم تلحق هذه المنزلة ؟ قال : بصفاء اليقين وتمامه ، فإن اليقين إذا تم سمي تمامه توكلا ، وهكذا قال ذو النون المصري ، فهم بالحالة العالية والمقام الشريف كما قال أبو سليمان الداراني لأحمد بن أبي الحواري : ما من حالة من حالات المتعبدين إلا وشيخك هذا قد دخل فيها وعرفها ، إلا هذا التوكل المبارك الذي ما أعرفه إلا بمشام الريح.

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق