الجمعة، 23 سبتمبر 2016

أعلام الصوفية : أبو بكر الشبلي

المجتذب الولهان ، المستلب السكران ، الوارد العطشان ، اجتذب عن الكدور والأغيار ، واستلب إلى الحضور والأنوار ، وسقي بالدنان ، وارتهن ممتلئا ريان ، أبو بكر الشهير بالشبلي . 

هو ابو بكر دلف بن جحدر او جعفر بن يونس ولد في سامراء عام 247 هـ/861م، وهذا يعني انه عاصر شيخ الصوفية الحلاج المصلوب عام 309هـ وشيخ الصوفية ابو الحسين النوري المتوفي عام 295 هـ وصحب الجنيد وطبقته. كان من اتباع مذهب الامام مالك، وكان واليا لإحدى المدن القريبة من سمرقند، ولكنه تنازل عن الولاية ووهب امواله ووزعها على اهل المدينة من الفقراء. 
كان يقول عن الحلاج:" كنت مع الحلاج شيئا واحدا، الا انه أعلن وأنا كتمت".

قال فيه الجنيد البغدادي شيخ المتصوفة: الشبلي السكران، ولو افاق من سكره لجاء منه إمام ينتفع به، ووصفه الاصفهاني في كتابه (حلية الاولياء): الشبلي، المجتذب، الولهان، المستلب، السكران، الوارد العطشان، والسكر هو طريق الى المعرفة بالله.
قيل لَهُ : يَا أَبَا بكر ،الرَّجُلُ يَسْمَعُ قَوْلا وَلا يَفْهَمُهُ ، فَيَتَوَاجَدُ عَلَيْهِ ؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ : رُبَّ وَرْقَاءَ هَتُوفٍ بِالضُّحَى ذَاتِ شَجْوٍ صَدَحْتَ فِي فَنَنِ فَبُكَائِي رُبَّمَا أَرَّقَهَا وَبُكَاهَا رُبَّمَا أَرَّقَنِي وَلَقَدْ تَشْكُو فَمَا أَفْهَمُهَا وَلَقَدْ أَشْكُو فَمَا تَفْهَمُنِي غَيْرَ أَنِّي بِالْجَوَى أَعْرِفُهَا وَهْيَ أَيْضًا بِالْجَوَى تَعْرِفُنِي .

وَقَالَ الشبلي : الوجد : اصطلام ، ثم قَالَ : الوجد عندي جحود ما لم يكن عَن شهود وشاهد الحق عندي يفني شهود الوجود.
قالَ السلمي : سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الدمشقي يقول : حضرت مع الشبلي ليلة فِي مجلس سماع ، وحضره المشايخ ، فغنى قوال شيئا ، فصاح الشبلي والقوم سكوت ، فقال لَهُ بعض المشايخ : يَا أَبَا بكر ، أليس هؤلاء يسمعون معك ؟ ما لك من بين الجماعة ؟ فقام ، وتواجد ، وأنشأ يقول : لو يسمعون كما سمعت كلامها خروا لعزة ركعا وسجودا
وقيل للشبلي : كم تهلك نفسك بهذه الدعاوي ، ولا تدعها ! فقال : إني وإن كنت قد أسأت بي * اليوم لراج للعطف منك غدا أستدفع الوقت بالرجاء وإن * لم أر منكم ما أرتجي أبدا أغر نفسي بكم وأخدعها * نفس ترى الغي فيكم رشدا.

كان الشبلى يغار لله تعالى، فيغضب حين يجد أمامه مخالفة للحق، واتباعًا للهوى. وها هو يقول في هذه المسألة: الغيرة الإلهية على الأنفاس أن تضيع فيما سوى الله تعالى، والواجب أن يقال: إن الغيرة غيرتان، غيرة الحقّ سبحانه على العبد، وهو ألا يجعله للخلق، فيضنّ به عليهم، وغيرة العبد للحقّ، وهو ألا يجعل شيئًا من أحواله وأنفاسه لغير الحقّ تعالى. فلا يقال أنا أغار على الله تعالى، ولكن يقال: أنا أغار لله تعالى، وإذن فالغيرة على الله جهل، وربما تؤدى إلى ترك الدين، والغيرة لله تعالى توجب تعظيم حقوقه، وتصفية الأعمال له.

من أقواله
  • وقد سئل عن حديث خير كسب المرء عمل يمينه فقال: "إذا كان الليل فخذ ماء، وتهيا للصلاة، وصلي ما شئت، ومد يدك، وسل الله، فذلك كسب يمينك".وسئل عن قول القرآن: (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً). سورة الكهف آية 18، فقال: "لو اطلعت على الكل لوليت منهم فراراً ألينا".
  • وسئل في معنى قول القرآن: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ). سورة النور آية 30، فقال: "أبصار الرءوس عن المحارم، وأبصار القلوب عما سوى الله عز وجل".
  • يقول:"ليت شعري ما اسما عندهم يا علام الغيوب. وما أنت صانع في ذنوبي يا غفار الذنوب وبم يختم عملي يا مقلب القلوب".يقول:التصوف ضبط حواسك، ومراعاة أنفاسك.يقول:من عرف الله خضع له كل شيء؛ لأنه عاين أثر ملكه فيه.يقول:الفرح بالله أولى من الحزن بين يدى الله.يقول:من كان بالحق تلفه، كان الحق خلفه.يقول:الشبلي يقول : ليس للمريد فترة ، ولا للعارف معرفة ، ولا للمعرفة علاقة ، ولا للمحب سكون ولا للصادق دعوى ، ولا للخائف قرار ، ولا للخلق من الله فرار.
  • سئل الشبلي عن قول الله : ( ادعوني أستجب لكم ) قال : ادعوني بلا غفلة أستجب لكم بلا مهلة .
  • يقول الشبلي:التصوف لا حال يقل ، ولا سماء يظل . 
  • قول ابو بكر الشبلي رضي الله عنه: ليس من استأنس بالذكر كمن استأنس بالمذكور.
  • يقول ابو بكر الشبلي رضي الله عنه:ليس للأعمى من رؤية الجوهرة إلا مسها وليس للجاهل من الله إلا ذكره باللسان.
  • قال عن التصوف: (هو ترويح القلوب، وتجليل الخواطر بأردية الوفاء، والتخلق بالسخاء والبشر في اللقاء، وهو الجلوس مع الله بلا هم) .
  • كان الشبلي ينوح يوما ويقول: مكر بك في إحسانه فتناسيت وأمهلك في غيك فتماديت وأسقطك من عينه فما دريت ولا باليت .
  • قال :لاتأمن من نفسك وإن مشيت على الماء حتى تخرج من دار الغرة إلى دار الأمل.
  • قال الشبلي: إذا وجدت قلبك مع الله فاحذر من نفسك وإذا وجدت قلبك مع نفسك فاحذر من الله .
  • يقول : ما أحوج الناس إِلَى سكرة ، فقيل : أي سكرة ؟ فقال : سكرة تغنيهم عَن ملاحظات أنفسهم ، وأفعالهم ، وأحوالهم ، والأكوان ، وما فِيهَا ، وأنشد : وتحسبني حيا وإني لميت وبعضي من الهجران يبكي عَلَى بعض وسئل عَن متابعة الإسلام ، فقال : أن تموت عند نفسك.
  • سئل الشبلي : ما الحيلة ؟ قَالَ : ترك الحيلة ؛ لأن الحيلة إما رشوة ، أو قرار ، وهما بعيدان عَن طرق الحقيقة ، فاطلب الدواء من حيث جاء الداء ، فلا يقدر عَلَى شفائك إلا من أعلك ، وأنشد : إن الذين بخير كنت تذكرهم هم أهلكوك وعنهم كنت أنهاكا لا نطلبن دواء عند غيرهم فليس يحييك إلا من توفاكا.
  • يقول ابو بكر الشبلي رضي الله عنه: كن مع مولاك مثل الصبي مع أمه ، تضربه ، ويمسكها ، ويقول : يَا أمي لا أعود.
  • وكان يقول : ليس لعارف علامة ، ولا لمحب شكوى ، ولا لعبد دعوى ، ولا لخائف قرار ، ولا من الله فراريقول الشبلي: ليس من احتجب بالخلق عن الحق كمن احتجب بالحق عن الخلق. وليس من جذبته أنوار قدسه إلى أنسه كمن جذبته أنوار رحمته إلى مغفرته.يقول الشبلي عن التصوف: “هو ترويح القلوب، وتجليل الخواطر بأردية الوفاء، والتخلق بالسخاء والبشر في اللقاء، وهو الجلوس مع الله بلا هم”.
  • وكان الشبلي يقول : العارف صدره مشروح ، وقلبه مجروح ، وجسده مطروح ، والعارف من عرف الله ، وعرف مراد الله ، وعمل بما أمر الله ، وأعرض عما نهى الله ، ودعا عباد الله إلى الله ، والصوفي من صفى قلبه من الكدر فصفا ، وسلك طريق المصطفى ، ورمى الدنيا خلف القفا ، وأذاق الهوى طعم الجفايقول الشبلي:إذا أردت أن تنظر إلى الدنيا بحذافيرها ، فانظر إلى المزبلة ، وإذا أردت أن تنظر إلى نفسك فخذ كفا من تراب ; فإنك منها خلقت ، وفيها تعود ، ومنها تخرج ، وإذا أردت أن تعرف ما أنت ، فانظر إلى ما يخرج منك عند الخلاء ، فلا تتطاول ولا تتكبر على من هو مثلك.
  • وقال أيضا : الصوفي من صفا من الكدر ، وخلص من الغير ، وامتلأ من الفكر ، وتساوى عنده الذهب والمدر.
من اشعاره رحمه الله:

عودوني الوصال والوصل عذب
 ورموني بالصد والصد صعب
زعموا حين عاتبوا أن جرمي
 فرط حبي لهم وما ذاك ذنب
لا وحسن الخضوع عند التلاقي
ما جزى من يحب إلا بحب
وكان كثيرًا ما يتمثل بهذين البيتين:
والهجر لو سكن الجنان تحولت
 نعم الجنان على العبيد جحيما
والوصل لو سكن الجحيم تحولت
 حر السعير على العباد نعيما
وكان يقول أيضًا:
الغيب رطب ينادي
 يا غافلين الصبوح
فقلت أهلًا وسهلًا
 ما دام في الجسم روح
قال له رجل: ادع الله لي، فأنشأ يقول:
مضى زمن والناس يستشفعون بي
 فهل لي إلى ربي الغداة شفيع
وقال له رجل: يا أبا بكر نراك جسيمًا بدينًا والمحبة تضني؟ فأنشأ يقول:
أحب قلبي وما يدري بدني
 ولو درى ما أقام في السمن

يقول جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ نُصِيرٍ بَكْرَانَ الدَّيْنَوْرِيَّ ، وَكَانَ يَخْدِمُ الشِّبْلِيَّ ، مَا الَّذِي رَأَيْتَ مِنْهُ عِنْدَ وَفَاتِهِ ؟ فَقَالَ : قَالَ : " عَلَيَّ دِرْهَمٌ مَظْلَمَةٌ قَدْ تَصَدَّقْتُ عَنْ صَاحِبِهِ بِأُلُوفٍ ، فَمَا عَلَى قَلْبِي شُغْلٌ أَعْظَمُ مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَضِّئْنِي لِلصَّلاةِ فَفَعَلْتُ ، فَنَسِيتُ تَخْلِيلَ لِحْيَتِهِ ، وَقَدْ أَمْسَكَ عَلَى لِسَانِهِ ، فَقَبَضَ عَلَى يَدِي ، وَأَدْخَلَهَا فِي لِحْيَتِهِ ، ثُمَّ مَاتَ فَبَكَى جَعْفَرٌ ، وَقَالَ : مَا تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ لَمْ يَفُتْهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ أَدَبٌ مِنْ آدَابِ الشَّرِيعَةِ " .

قيل : دخل عَلَيْهِ قوم من أصحابه وهو فِي الموت ، فقالوا : قل : لا إله إلا اللَّه ، فأنشأ يقول : إن بيتا أنت ساكنه غير محتاج إِلَى السرج وجهك المأمول حجتنا يوم يأتي الناس بالحجج لا أتاح اللَّه لي فرجا يوم أدعو منك بالفرج قَالَ بكير صاحب الشبلي : وجد الشبلي فِي يوم الجمعة آخر ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة خفة من وجع كَانَ بِهِ ، فقال : تنشط نمشي إِلَى الجامع ؟ قُلْت : نعم ، فاتكأ عَلَى يدي حَتَّى انتهيت إِلَى الوراقين من الجانب الشرقي ، فتلقانا رجل جاء من الرصافة ، فقال : بكير ؟ قُلْت : لبيك ، قَالَ : غدا يكون لي مع هذا الشيخ شأن ، ثم مضينا ، وصلينا ، ثم عدنا ، فتناول شيئا من الغداء ، فلما كَانَ الليل مَاتَ - رحمه اللَّه - ، فقيل : فِي درب السقائين رجل شيخ صالح يغسل الموتى ، قَالَ : فدلوني عَلَيْهِ فِي سحر ذلك اليوم ، فنقرت الباب خفيا ، فقلت : سلام عليكم ، فقال : مَاتَ الشبلي ؟ قُلْت : نعم ، فخرج إلي ، فإذا بِهِ الشيخ ، فقلت : لا إله إلا اللَّه ، فقال : لا إله إلا اللَّه ، تعجبا ، ثم قُلْت : قَالَ لي الشبلي أمس لما التقينا بك فِي الوراقين : غدا يكون لي مع هذا الشيخ شأن ، بحق معبودك من أين لك أن الشبلي قد مَاتَ ؟ قَالَ : يَا أبله ، فمن أين للشبلي أنه يكون لَهُ معي شأن من الشأن اليوم!.

كَانَ موت الشبلي قدس الله سره يوم الجمعة لليلتين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين ، وقيل : سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة ، ودفن فِي الخيزرانية .


Rea es:
شارك هذا

المؤلف: /

0 coment rios: