نفحات الطريق: الذكر المأذون، لماذا ؟

الذكر المأذون، لماذا ؟ - نفحات الطريق

ads code here

الذكر المأذون، لماذا ؟


الذكر الكثير معنى يحصل للقلب، يكون ذكر اللسان أحد أسبابه المعهودة. فالكثرة هنا لدوام حال الذكر أكثر منها لعدد الذكر اللفظي. وبذكر الله الحقيقي يحصل تنوّر القلب الذي هو خلاف ظلمة النفس. لكن المرء قد يحصّل صورة الذكر من دون أن يحصّل النور الذي هو غايته لأسباب منها: 

1ـ لكونه يجهل الفرق بين ذكر الأجور وذكر النور.
2ـ لظنه أن كل من يدعي المشيخة يمكنه أن يدل غيره على الذكر.
3ـ لسوء قصده في الذكر.

وليعلم القارئ أن الذكر نوعان: ذكر عام وذكر خاص. فالعام هو الوارد في السنة من غير مبالغة في العدد من دون شيخ، والخاص هو ما كان لفظه خاصاً أو كان اسماً إلهياً. وكلا النوعين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لكن، الأول يعرف من السنة كما سبق؛ أما الثاني فيؤخذ عن شيوخ السلوك الذين لهم الإذن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك. وقد ينكر هذا النوع الثاني عدد كبير من المسلمين لظنهم أنه ما من أحد يتصل مباشرة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهو تحكم منهم في غير محله؛ لأن العاقل لا يقيس أحوال كل الناس على نفسه، لعلمه بالتفاوت الحاصل بينهم في المراتب. 
أما من لا ينكر الذكر الخاص، فقد يظن أن أياً منه قد يجزئ. وهو خلاف الحق. ذلك أن المشروط في الشيخ أن يكون صاحب سر، وإلا استمد المريد منه الظلمة التي في باطنه، فيزداد ظلمة على ظلمته. وقد رأينا أن نتيجة الذكر نور. كما قد يتناول المرء ذكراً خاصاً من نفسه، فيلحق بأهل الظلمة ويتوغل فيها. بل قد يفقد معها تمييزه وعقله، ويكون من الخاسرين. وقد رأينا من هذا النوع عدداً لا بأس به. 
وقد يتساءل أحدنا: لمَ يحدث ذلك مع أنه ما فعل شيئاً غير الذكر، الذي نعني به هنا ذكر اللسان ؟ 
فاعلم أن الذكر لفظ ومعنى. واللفظ هو كالوعاء للمعنى. فمن أخذ الذكر عن شيخ رباني فإنه يأخذ اللفظ وأصل المعنى، الذي يربطه بالله ورسوله. وأما غيره فيأخذ اللفظ فارغاً مع كونه لا خبرة له بالذكر وفعله. فيلبس عليه الشيطان في ذكره، ويتلاعب بحواسه وعقله حتى يجعله محط سخرية الناس وهو لا يشعر. 
فإن أبيت أن تفهم ما أسلفنا من كلام في نوعي الذكر، فانظر إلى القرآن الذي هو كلام الله الذي ليس فوقه ذكر. وانظر إلى فهم الكافر فيه، وانظر إلى فهم المسلم، ثم انظر إلى فهم مسلم من المرتبة الأولى مع خواص أهل الله مثلاً. فهل اللفظ الذي هو نفسه عند الجميع، يحتوي دائما نفس المعنى، وبنفس القدر؟ كلا، لأنه عند الكافر فارغ، وعند العامي له أصل من نور، وعند الخواص هو بحر لا يتناهى من النور. ولو كانت الألفاظ دائماً محملة بالنور، فهل كان يُمكن للكافر أن يدوس المصحف كما يحدث في عصرنا في أكثر من مكان، دون أن يهلك؟! لا والله، بل سيكون هلاكه لساعته. فإذا كان هذا حال القرآن فما ظنك بغيره، مع العلم أن أغلب الأذكار منه كما هو معلوم عند أهله. 
ثم إن المرء عند أخذه الذكر من عند أهله أو من عند سواهم، قد تدخل عليه الظلمة من قصده في الذكر. كالذي يبغي من وراء الذكر تحقيق دنيا أو نيل آخرة. فإن هذا كله من حظ النفس النجسة. وحتى الآخرة عندنا، إنما يهبها الله لمن عمل له سبحانه، لا لمن عمل لنفسه. وهذا أمر يغيب عن الفقهاء المحجوبين، فيزينونه للناس، فيضلونهم ويحملون أوزارهم على أوزارهم. 
لذلك ننصح كل من يريد القرب من الله، أن يلتمس الذكر عند شيخ رباني ( صاحب سر )، وأن يلتزم ما يشير به عليه حرفياً من غير تأويل لكلامه، وأن يخلص النية والعمل لوجه الله، حتى يكون ذكره نوراً يزداد مع الأيام في قلبه. والله الهادي إلى سواء السبيل. 

إرسال تعليق

0 تعليقات